القراءة في زمن الشاشات: لماذا نحتاج إلى حضن الكتاب أكثر من أي وقت مضى؟

ذ هدى بركات
مستشلرة نفسية وأسرية
الملخص
في زمن تتسارع فيه الإشعارات وتتنافس الشاشات على انتباهنا، يدافع هذا المقال عن القراءة بوصفها حاجة إنسانية قبل أن تكون نشاطًا ثقافيًا. فالقراءة العميقة لا توسع المعرفة فحسب، بل تسهم في تنشيط الدماغ، وتخفيف التوتر، وتعزيز التركيز والتوازن النفسي، حتى أصبحت جزءًا من بعض الأساليب العلاجية الحديثة مثل العلاج بالقراءة والعلاج السردي. كما يؤكد المقال أن غرس حب الكتب في الأطفال منذ سنواتهم الأولى ينعكس إيجابًا على نموهم اللغوي والعاطفي والمعرفي، ويقوي الروابط الأسرية. أما الكبار، فهم في أمسّ الحاجة إلى العودة إلى القراءة لمواجهة ضغوط الحياة وتسارعها والحفاظ على حيوية عقولهم مع التقدم في العمر. وفي مواجهة الهيمنة الرقمية، تصبح القراءة المتأنية شكلاً من أشكال مقاومة السطحية واستعادة القدرة على التأمل والتفكير النقدي. فالكتاب ليس مجرد صفحات، بل مساحة هادئة يلتقي فيها الإنسان بذاته، ويعيد اكتشاف المعنى في عالم يزداد ضجيجًا كل يوم.
Abstract
In an age dominated by screens and constant digital distractions, this article argues that reading is far more than a cultural habit. It is a meaningful practice that strengthens the mind, reduces stress, and nurtures emotional balance. Research suggests that sustained reading supports brain health, stimulates cognitive functions, and has inspired therapeutic approaches such as bibliotherapy and narrative therapy. The article also highlights the importance of introducing children to books early in life, as regular reading enriches language development, emotional intelligence, and family bonding. Adults, too, benefit from returning to books as a way to cope with daily pressures and preserve mental sharpness as they age. Against the fast pace of the digital world, slow and reflective reading becomes an act of resistance that restores attention, critical thinking, and self-awareness. Ultimately, books offer more than information; they provide a quiet space where people can reconnect with themselves and rediscover meaning.
الكلمات المفتاحية : القراءة العميقة، العلاج بالقراءة، الصحة النفسية، Deep Reading, Bibliotherapy, Mental Health
في زمن الشاشات الصاخبة، هل ما زال للأدب صوت؟ نبدأ يومنا بأمنية صغيرة: أن نأخذ كتابًا من زمن الأدب الجميل، ونرتشف مشروبًا نختاره بعناية للمناسبات الراقية. ذلكم أن القراءة، كما الكتابة، لها طقوس مقدسة، يجب أن تدخل عالمها بطريقة معينة لتنال بركاتها: فهم، وعلم، وسكينة روح، وهدوء فؤاد.
فجأة تتوالى الرنات، وتتقاذفنا أمواج الإشعارات الهادرة، لتبدد ما استجمعنا من شجاعة لنخلو بأنفسنا. نعم، الخلوة بالنفس اليوم شجاعة، ربما لم يمتلكها أعتى فرسان روما. هل كان الفارس في ذاك الزمن الغابر سيملك زمام نفسه أمام منصات التواصل الاجتماعي وسيلها الجارف من أخبار، وفيديوهات، وتريندات لا تكاد تتوقف؟ هل كان المغوار سيصمد أمام آلة الدمار الناعم التي تختزل أقوى الأفكار وأعمقها في ثوانٍ معدودات؟ هذا ما يجعل السؤال ملحًا أكثر من أي وقت مضى: هل علينا أن نقرأ الأدب؟ أم أن الأدب أصبح ترفًا فكريًا في زمن السرعة والذكاء الاصطناعي؟
أولًا: الأدب يعيد تشكيل الدماغ
تؤكد الدراسات العصبية الحديثة أن القراءة ليست مجرد نشاط فكري، بل هي عملية تمرين معقدة تعيد تشكيل الدماغ فعليًا، وتقوي مساراته العصبية عبر ظاهرة المرونة العصبية.

لأننا عندما ننغمس في قراءة كتاب ندخل حالة من النشوة، وهي تشبه حالة التأمل، وهذه الحالة تمنحنا شعورًا عميقًا بالأمان (الدكتورة زوي شو عالمة نفسية و رئيسة فريق علمي أمريكي).
ثانيا: الأدب ترياق لمرض العصر: التوتر

لماذا نقرأ؟ أو ما هي فوائد القراءة العقلية والنفسية؟
ربما علينا أن نقرأ اليوم لنخفف مستويات التوتر التي أصبحت مرتفعة عند جيل الشباب والشيوخ، وأيضا الأطفال. كشفت دراسة أمريكية حديثة بأن القراءة قادرة على تخفيض مستويات التوتر بنسبة 68 في المائة، كما أن القراءة تستطيع أن تعزز مقاومة التدهور المعرفي، حيث تنشط العقل، وتحفز الإبداع، وتخفف مشاعر القلق، بل حتى الشعور بالألم، وهذا ما جعلها إحدى العلاجات الناجعة اليوم في العلاج النفسي.
ثالثا: العلاج بالقراءة (Bibliotherapy): وسائل وفنيات
العلاج بالقراءة هو أسلوب علمي قائم على العلاج بالكتب، بحيث يستخدم الأدب والمواد المقروءة لتعزيز الصحة النفسية وحل المشكلات الشخصية والسلوكية، ويطبق هذا الأسلوب العلاجي في العيادات أو المدارس، وكانت ساد بديلاني أولى الأمريكيات الممارسات لهذا النوع من العلاج. ويظهر مفهوم العلاج بالقراءة في عدة مدارس، أهمها:


• مدرسة “مدرسة الحياة” (The School of Life): مقرها لندن، وتشتهر بتنظيم خدمات استثنائية وتقديم دورات تعتمد على العلاج لتعزيز الوعي الذاتي، وتوظف الرواية والكتب الأدبية والفلسفية، كما تعتمد على الكتابة، وخاصة اليوميات والتدوين الذاتي التفاعلي، وهي أساليب علاجية ناجعة لتفجير الأفكار المبدعة أو لرصد المخاوف والأفكار المعيقة للنمو الذاتي.
• المدرسة الإدراكية السلوكية (Cognitive Bibliotherapy): وتقوم على قراءة كتب مرشدة تساعد على فهم وتعديل الأفكار والمعتقدات الخاطئة، كما تعتمد على فنيات كثيرة قادرة على تفكيك الأفكار المسببة للقلق وإعادة صياغتها، وتعتبر الأقوى أثرا من الناحية الطبية (التفاصيل في الصورة التالية)..

ومن أشهر الكتب المرشدة في هذا المجال: كتاب دع القلق وابدإ الحياة للدكتور ديل كارنيجي، وكتاب علاج قلب الصحة ترجمة الدكتور أمارة يحيى، وكذلك كتاب العقل فوق العاطفة، وهو تأليف مشترك للدكتور دينيس غرينبرغ وكريستين باديسكي.


• المدرسة السردية (Narrative Therapy): وتعتمد على العلاج بالسرد والرواية، ولا يتوقف أسلوب هذه المدرسة عند قراءة الكتب، بل يتعداه إلى استكشاف كيف يروي الفرد أو الكاتب قصته الشخصية وحياته. ويساعد هذا النوع من القراءة على إدخال العقل في حالة من التدفق الذهني (Flow). ومن أبرز الأمثلة في هذا السياق الروايات الهادئة والبطيئة التي تركز على الطبيعة والعلاقات الإنسانية الدافئة وتفاصيل الحياة البسيطة، كما تعتمد هذه المدرسة أيضا روايات التماهي النفسي (المحاكاة)، مثل قراءة السير الذاتية أو قصص لأشخاص واجهوا مخاوف وجودية وانتصروا عليها (التفاصيل في الصورة التالية).

رابعا: لماذا يوصي التربويون بالقراءة المبكرة؟
هذا السؤال بات يؤرق علماء التربية وعلم النفس في كل أنحاء العالم، ذلك أن السنوات الأولى من عمر الطفل هي سنوات ذهبية لبناء البنية العصبية، أي تشكيل وتحفيز الوصلات العصبية المرتبطة باللغة والإدراك، كما أن القراءة منذ نعومة الأظافر تعزز حصيلة الطفل من المفردات اللغوية وترفع ذكاءه اللغوي بشكل ملحوظ. فالطفل الذي اكتسب عادة القراءة منذ الصغر يكتسب مفردات لغوية تفوق أقرانه بآلاف الكلمات سنويا، وهذا ينعكس على تحصيله الدراسي إيجابا لاحقا.
ولا يقتصر أثر القراءة الكبير على الذكاء اللغوي والإدراك، بل يمتد ليشمل مجالات كثيرة كالذكاء العاطفي، الذي يجعل طفل اليوم ورجل الغد إنسانا متفاعلا ومبادرا ومنفتحا على المغامرة والتجدد وتفهم مشاعر الآخرين وتقبلها. كما أن غرس هذه العادة الصغيرة في الأطفال منذ الأشهر الأولى من خروجهم إلى الحياة يعزز الرابطة الأسرية مبكرا، ويؤسس ذاكرة عاطفية عميقة بين الأب وولده أو بين الأم ووليدها، وهذا ما يعمق الأمان منذ نعومة الأظافر.
خامسا: القراءة ليست للصغار وحدهم
للكبار أيضا حاجاتهم النفسية التي لا يستطيعون التملص منها بدعوى عدم وجود وقت للقراءة، ذلك أن القراءة اليوم علاج يومي للقلق والفوضى الداخلية والجري دون هدف. يقول كافكا: “الكتاب يجب أن يكون فأسا للبحر المتجمد فينا”.

يكشف هذا الرسم البياني اسفله، ببساطة شديدة، حقيقة يعرفها كثير من محبي القراءة، وهي أن الكتاب لا يملأ الوقت فحسب، بل يحافظ على حيوية العقل مع مرور السنين. فالمنحنى الخاص بالقارئ يبدو شبه مستقر منذ مرحلة الشباب وحتى الشيخوخة، وكأن الدماغ الذي يتغذى باستمرار على المعرفة والخيال يشيخ ببطء أكبر. أما لدى غير القارئ، فيظهر التراجع المعرفي بصورة أسرع، خاصة ابتداء من منتصف العمر، ثم يزداد وضوحًا مع التقدم في السن. ولا يعني ذلك أن القراءة تمنح الإنسان مناعة مطلقة ضد الشيخوخة أو الأمراض العصبية، لكنها تمثل أحد أهم الأنشطة الذهنية التي تساعد على إبقاء الدماغ في حالة يقظة وتدريب مستمر. فالقراءة تحفز الذاكرة، وتنشط الانتباه، وتدفع القارئ إلى التحليل والتخيل وربط الأفكار، وهي عمليات تسهم في بناء ما يسميه علماء الأعصاب «الاحتياطي المعرفي»، أي القدرة على مقاومة آثار التقدم في العمر لفترة أطول.

ويشير الرسم أيضًا إلى فارق يقارب سنتين إضافيتين في الحفاظ على الكفاءة المعرفية لصالح الأشخاص الذين يداومون على القراءة. ورغم أن هذا الرقم يبقى تقديرًا تقريبيًا يختلف باختلاف الدراسات وأنماط الحياة، فإن الرسالة الأساسية تظل واضحة: كل كتاب نقرؤه اليوم قد يكون استثمارًا صغيرًا في صحة عقولنا غدًا. فالقراءة ليست ترفًا ثقافيًا ولا مجرد وسيلة للتسلية، بل عادة يومية قد تمنح الإنسان ذهنًا أكثر نشاطًا، وذاكرة أكثر صلابة، وحياة أكثر ثراءً حتى في سنواته المتقدمة.
سادسا: القراءة حصننا الأمين ضد تغول الوحش الرقمي
ربما أصبحت قراءة الكتب في هذا العصر الرقمي، ولا سيما القراءة المتأنية والعميقة، فعلًا ثوريًا. ويحذر نيكولاس كار في كتابه السطحية: ماذا يفعل الإنترنت بأدمغتنا؟ (Nicholas Carr, The Shallows: What the Internet Is Doing to Our Brains) من أن الإنترنت يشجع على القراءة السطحية والتفكير المتعجل، ويضعف القدرة على التأمل والتفكير العميق. ومن هذا المنطلق، تصبح القراءة فعلًا من أفعال البناء والترميم الذهني، وتجديدًا مستمرًا لقدرة الإنسان على الفهم والتحليل والنقد.

في النهاية، قراءة الأدب ليست هروبا من الآن، بل أعمق مواجهة مع الذات. إنها استعادة لذلك الجزء الإنساني فينا الذي تحاول الخوارزميات اختزاله في بيانات، إنها محاولة شجاعة لاسترجاع القدرة على الدهشة والسؤال والتأمل فينا. حين تفتح رواية لكافكا أو دوستويفسكي أو ديوانا لمحمود درويش أو للمتنبي، فإننا لا نستهلك محتوى، بل نمارس فعلا مقاوما للتسطيح، وحاجة نفسية ووجودية تتجاوز المنفعة الآنية. وحين نأخذ بيد صغيرنا كل مساء لنقرأ له قصة قبل النوم، فإننا لا نعلمه كلمات فحسب، بل نزرع في عقله وقلبه بذورا ثمينة: بذرة الفضول، وبذرة التعاطف، وبذرة المعنى.
مقالات الباحثة ذات الصلة
–


