الصحة

الأمل… بوصلة النفس وقوتها في رحلة النمو الإنساني

ذ هدى بركات

مستشارة نفسية وأسرية


ملخص

لم يعد الأمل في عصرنا مجرد قيمة فلسفية أو دينية، بل أصبح مفهوماً علمياً قابلاً للقياس والدراسة، تؤكده أبحاث علم النفس الإيجابي وعلوم الأعصاب. يستعرض هذا المقال تطور مفهوم الأمل من تأملات أرسطو، والرازي، وابن سينا، والفارابي، والغزالي، إلى النظريات الحديثة لإيريك إريكسون، وفيكتور فرانكل، وتشارلز سنايدر، ومارتن سيليجمان، مبيناً أن الأمل ليس شعوراً عابراً، بل مهارة يمكن تعلمها وتنميتها. كما يعرض أبرز المقاييس العلمية المعتمدة لقياس الأمل، ويستند إلى أحدث الدراسات الدولية التي تكشف أن الأمل لا يرتبط بالثراء بقدر ارتباطه بالمعنى، والتدين، والأسرة، وجودة العلاقات الاجتماعية. ويخلص المقال إلى أن الأمل يمثل قوة نفسية وروحية تدفع الإنسان إلى الصمود والإبداع ومواجهة الأزمات، وأن بناءه يبدأ من صحة الجسد والعقل، ووضوح الأهداف، والعمل بالأسباب، والإيمان، والانتماء، ليصبح الأمل أسلوب حياة يصنع الإنسان والمجتمع معاً.

Abstract

Hope is no longer viewed solely as a philosophical or religious ideal; it has become a scientifically measurable construct supported by positive psychology and neuroscience. This article traces the evolution of hope from the reflections of Aristotle, Al-Razi, Avicenna, Al-Farabi, and Al-Ghazali to the modern theories of Erik Erikson, Viktor Frankl, Charles Snyder, and Martin Seligman. It demonstrates that hope is not a fleeting emotion but a learnable psychological skill that can be developed throughout life. The article also reviews the major scientific instruments used to assess hope and discusses recent international findings showing that hope is shaped less by economic prosperity than by meaning, spirituality, family stability, and strong social relationships. Ultimately, the article argues that hope is a psychological and spiritual force that strengthens resilience, creativity, and perseverance. By integrating health, purposeful goals, meaningful action, faith, and social belonging, hope becomes not merely an emotion but a practical way of living that promotes both personal growth and human flourishing.

الكلمات المفتاحية : الأمل – علم النفس الإيجابي – الازدهار الإنساني | Hope – Positive Psychology – Human Flourishing


 قراءة نفسية في نظريات الأمل ومقاييسه، ومؤشراته العالمية.

مقدمة

كان الأمل، ولا يزال، موضوعاً فلسفياً ودينياً بامتياز. لكنه في القرن العشرين، أصبح ظاهرة قابلة للقياس العملي، ولديه أسس علمية ينضبط لها، ومقاييس ومؤشرات ودراسات. في هذا المقال، سنتناول الأمل من زوايا مختلفة ونتعرف على مدارسه القديمة والحديثة وكذا مقاييسه العلمية وأحدث الدراسات العالمية عنه.

أولاً: الأمل في مدارس علم النفس

1. المدرسة النفسية الاجتماعية (إيريك إريكسون 1950)

إيريك إريكسون، العالم النفسي الألماني الأمريكي، من أوائل من درس الأمل، وجعله في قلب النظرية النفسية. ففي نظريته الشهيرة عن مراحل النمو النفسي الاجتماعي النمائي، اعتبر إريكسون أن الأمل (Hope) هو أول فضيلة إنسانية يكتسبها الإنسان في حياته، من الميلاد إلى 18 شهراً.

حيث يتشكل الأمل عندما يوازن الرضيع بين الثقة في بيئته وعدم الثقة، مما يمنحه شعوراً داخلياً بأن المستقبل يحمل الخير رغم التحديات. عندما يشعر الرضيع بأن حاجاته تلبى بشكل موثوق، تتشكل في داخله بذرة الأمل الأولى التي ستصاحبه طوال حياته.

الأمل عند إريكسون ليس شعوراً طارئاً، بل هو حجر الأساس النفسي. فإذا كانت الرعاية مستجيبة لحاجيات الطفل باستمرار، يتعلم أن العالم آمن وموثوق به. ومن هنا تتحقق معادلة تطور الأنا، والقدرة على مواجهة مختلف المراحل العمرية بأمان ونجاح.

2. المدرسة الوجودية الإنسانية (فيكتور فرانكل 1959)

يرى الطبيب النفسي فيكتور فرانكل أن الأمل والمعنى هما ما يفرقان بين من ينجو وبين من يهلك. عاش فرانكل تجربة الاعتقال النازي في معسكرات الموت، وعايش عن قرب السجناء الذين فقدوا الأمل؛ فكانوا يموتون بسرعة. بينما من احتفظوا بالأمل وإرادة المعنى استطاعوا الصمود. وهكذا يرى مؤسس مدرسة العلاج بالمعنى أن الأمل ليس تفاؤلاً ساذجاً سطحياً، بل هو موقف روحي شجاع أمام المعاناة، ينبع من أن يجد الإنسان معنى لحياته، حتى في أحلك الظروف.

3. المدرسة المعرفية السلوكية

ينظر فيها إلى الأمل باعتباره آلية معرفية، ومهارة عقلية يمكن تدريب الدماغ عليها. فالأمل من منظور هذه المدرسة يتشكل عبر تفاعل بين القدرة على تحديد الأهداف، ووضع مسارات واضحة للوصول إليها، وامتلاك الدافعية للمضي قدماً. وذلك عبر خطوات عملية:

  • أولاً: تحدي الأفكار السلبية بتحويل التفكير التشاؤمي، مثل “لا أستطيع” أو “لا فائدة من المحاولة”، إلى أفكار واقعية ومرنة مثل “يمكنني المحاولة” أو “سأجد حلاً ما إذا ما حاولت”.
  • ثانياً: تجزئة الأهداف إلى أهداف صغيرة قابلة للقياس، مما يمنح شعوراً بالإنجاز ويغذي الدافعية.
  • ثالثاً: إعادة الهيكلة المعرفية بتدريب العقل على التركيز على نقاط القوة، وتوقع النتائج الإيجابية بدل اجترار الفشل.

4. مدرسة علم النفس الإيجابي الحديث (مع سنايدر وسيليجمان)

نظرية الأمل عند سنايدر (1991): عالم النفس الأمريكي سنايدر، الذي يعد الأب الحقيقي للدراسة العلمية للأمل، قدم في عام 1991 نظرية الأمل (Hope Theory)، التي تعرف بحالة تحفيزية إيجابية تقوم على تفاعل مكونين: الإرادة والفاعلية، والمسارات لتحقيق الأهداف. فالشخص المفعم بالأمل عند سنايدر هو ذلك الشخص الذي يمتلك إرادة قوية، ولديه قدرة على إيجاد مسارات متعددة (Pathways)، مؤمناً بأن هناك أكثر من طريق للوصول.

التفاؤل المكتسب عند مارتن سيليجمان: عالم نفس ومؤلف أمريكي، مؤسس علم النفس الإيجابي. طور مفهوماً جديداً سماه “التفاؤل المكتسب”، وأثبت أن الأمل والتفاؤل مهارتان يمكن تعلمهما وتدريب النفس عليهما، وليستا صفتين وراثيتين ثابتتين. يشرح سيليجمان في كتابه كيف انتقل ببحثه من دراسة العجز المكتسب إلى دراسة الأمل بوصفه دائرة عصبية في الدماغ يمكن تنشيطها.

فالعجز المكتسب عند سيليجمان هو حالة نفسية يعتقد فيها الفرد أن جهوده غير مجدية ولا تأثير لها على النتائج. وقد طور سيليجمان لاحقاً أبحاثه وأكد على التفاؤل المكتسب، حيث يمكن تدريب العقل على إعادة صياغة الأفكار وتغيير أسلوبنا التفسيري للمواقف من سلبي إلى إيجابي، لاستعادة الشعور بالتحكم في حياتنا.

ثانياً: الأمل عند الأقدمين

إن الأمل ليس تفاؤلاً ساذجاً، بل مهارة معرفية قابلة للقياس والتدرب والنمو. لكن هل ظهر مفهوم الأمل مع القرن العشرين؟ أم أن تأملات الأقدمين العميقة لم تخلُ من بذور نظرية سنايدر ومثيلاتها؟

1. أرسطو: الأمل أداة للشجاعة، وليس فضيلة بذاته

لم يرَ أرسطو أن يَدَّعِي الأمل ضمن خانة الفضائل الكبرى كالشجاعة والعدالة. لكن الأمل عنده هو “توقع الخير”، ذلك أن الأمل هو حالة نفسية تساعد الفضيلة على الظهور، وهو وقود العمل والفعل، لكن الفضيلة هي الحكمة العملية التي تضبطه. باختصار؛ سنايدر يقول: الأمل = خطة + إرادة. بينما أرسطو يقول: الأمل = توقع الخير الذي يجعلك تتحرك، لكن الحكمة هي التي تقرر متى وكيف تتحرك.

2. أبو بكر الرازي: الأمل كطب نفسي وجسدي

كان أبو بكر الرازي من أوائل من كتبوا عن المرض النفسي والعلاج النفسي في العالم، وكان مدير أحد أول أجنحة الطب النفسي في مستشفى بغداد. كانت رؤية الرازي مختلفة تماماً عن اليونان حيث قسم النفس إلى عقلية وحيوانية ونباتية، وهذا الإطار الكلي يجمع البعد العقلي والجسدي والروحي للحياة الإنسانية. شجع أبو بكر الرازي أيضاً على الأمل في الممارسة الطبية، ونصح في كتاباته الأطباء بأن يتحلوا بالصبر والفهم للمصابين النفسيين، ووصف علاجات معرفية، وأوصى ببيئات مهدئة وتعديلات في نمط الحياة لمساعدة المريض. كما شجع المرضى النفسيين على ممارسة أنشطة تطرد الكآبة. وكان تحذيره الأساسي أن إهمال الجانب الأخلاقي والروحي والجسدي يقتل الأمل.

3. ابن سينا

الأمل عند ابن سينا هو قوة نفسية مؤثرة فيزيولوجياً مرتبطة بالتخيل والعواطف، وهو جسر بين النفس والبدن قد يؤدي إلى الشفاء أو إلى المرض. ننبهه بالموسيقى والكلام الحسن، وتقويه النفس العاقلة وضبط الأوهام. يقول ابن سينا: “الوهم نصف الداء، والاطمئنان نصف الدواء”، وكان رحمه الله يحذر من الأوهام السلبية التي تضعف البدن، كما تقويه الإيجابية.

5. الفارابي

الأمل عند الفارابي قوة تدفع النفس نحو السعادة القصوى والمدينة الفاضلة، لكنه لا يزدهر في بيئة فاسدة، ويتقوى بالتعليم وتهذيب الأخلاق. يقول: “السعادة لا تنال إلا بالعلم، والإرادة، والأمل طريق الإرادة”.

ثالثاً: كيف نطبق هذه المفاهيم اليوم؟

بعد هذه الجولة في آراء القدامى والمدارس الحديثة التي تناولت الأمل، يقفز إلى ذهن القارئ: كيف نطبق هذه المفاهيم اليوم، لنستفيد من حكمة الأولين، ونسترشد بعلم ونظرية المعاصرين؟

  • نأخذ من أرسطو: اسأل نفسك: هل هدفي فاضل ويستحق السعي؟ فالحياة الطيبة تبدأ بهدف نبيل.
  • نأخذ من الرازي: هل صحتي، ونومي، وغذائي، وعلاقاتي تساعد عقلي على أن يأمل؟ فلا أمل في جسد منهك ونفس مرهقة.
  • نأخذ من الغزالي: اعمل بالأسباب ثم سلّم النتائج إلى الله. فالتوكل لا يلغي العمل، بل يكمله.
  • نأخذ من الفارابي: هل البيئة التي أعيش فيها تشجع الفضيلة أم تزرع اليأس؟ فالإنسان ابن مجتمعه كما هو ابن إرادته.
  • نأخذ من سنايدر (Charles Snyder): ما هي خطتي؟ وما الطرق البديلة إذا أُغلق أحد الأبواب؟ فالأمل ليس أمنية، بل مسارات متعددة نحو الهدف.

الأمل ليس شعوراً عابراً، بل بناء متكامل: هدفٌ عند أرسطو، وصحةٌ عند الرازي، وعملٌ وتوكلٌ عند الغزالي، وبيئةٌ صالحة عند الفارابي، وخطةٌ عند سنايدر… فإذا اجتمعت هذه اللبنات، أصبح الأمل أسلوب حياة لا مجرد أمنية.

رابعاً: المقاييس العلمية للأمل

اليوم، الأمل لم يعد عاطفة دافعة وملهمة فحسب، بل أصبح بناءً نفسياً قابلاً للقياس الكمي عبر عدة مقاييس معتمدة عالمياً، وأهمها:

يرى سنايدر أن الشخص المفعم بالأمل هو من يستطيع أن يجيب عن سؤالين: “هل أملك الإرادة لمواصلة الطريق؟” و”إذا أُغلق هذا الطريق، هل أستطيع أن أجد طريقًا آخر؟” فإذا اجتمع الدافع مع تعدد السبل، ازداد مستوى الأمل.

1. مقياس سنايدر للأمل عند البالغين (Adult Hope Scale)

يعتمد هذا المقياس على فكرتين بسيطتين تشكلان جوهر الأمل: الإرادة (أو الطاقة والدافعية للاستمرار نحو الهدف)، والسبل (القدرة على إيجاد طريق أو أكثر للوصول إليه، حتى عند مواجهة العقبات). ويتكون من 12 بندًا: أربعة تقيس الإرادة، وأربعة تقيس القدرة على إيجاد السبل، وأربعة بنود أخرى تُستخدم للتشتيت ولا تدخل في حساب الدرجة النهائية. وقد تُرجم هذا المقياس وعُرّب وقُنّن في عدد من الدراسات العربية، من أبرزها أعمال الدكتور أحمد محمد عبد الخالق، وأثبت صدقه وثباته في العديد من الأبحاث العالمية، خاصة في مجالات الصحة النفسية، والإنجاز الأكاديمي، والقدرة على مواجهة الضغوط.

2. مؤشر هيرث للأمل (HHI)

هو أداة تقييم نفسية لقياس مستوى الأمل عند الفرد، غالباً ما يستخدم في المجال الطبي والسريري لتقييم الحالات التي تعاني من أمراض مزمنة وحادة كأمراض السرطان. ويغطي هذا المقياس 3 أبعاد: – البعد الزمني المستقبلي: قياس التفاؤل على تحقيق الأهداف والتطلع للمستقبل. – الاستعداد الإيجابي والتموقع: القدرة على رؤية إمكانات وسط الصعوبات. – الترابط والتواصل: الشعور بالقوة الداخلية والارتباط بالآخرين، أو الارتباط بالمعتقدات الروحية.

خامساً: ما هي الشعوب الأكثر أملاً؟

ما هي الشعوب الأكثر أملاً؟

قد يتوقع كثيرون أن تكون الشعوب الأكثر ثراءً هي الأكثر أملاً، لكن الدراسات الدولية الحديثة ترسم صورة مختلفة تماماً. فالأمل لا يُقاس بحجم الناتج الداخلي الخام، ولا بعدد ناطحات السحاب، بل بما يشعر به الإنسان من معنى في حياته، وثقة في غده، وسند من أسرته ومجتمعه.

وتكشف مجموعة من أكبر الدراسات العالمية، من بينها الدراسة العالمية للازدهار الإنساني التي شملت أكثر من 200 ألف مشارك في 22 دولة، إلى جانب استطلاعات غالوب الدولية وإبسوس، أن العديد من دول الجنوب العالمي تسجل مستويات مرتفعة من الأمل والتفاؤل، رغم ما تواجهه من تحديات اقتصادية ومعيشية.

ففي مؤشرات الازدهار الإنساني، برزت إندونيسيا في الصدارة، كما حققت دول مثل المكسيك والفلبين نتائج متقدمة، في رسالة واضحة مفادها أن جودة الحياة لا تُقاس بالمال وحده، بل كذلك بقوة العلاقات الإنسانية، والإحساس بالغاية، والتماسك الاجتماعي.

أما استطلاعات التفاؤل بالمستقبل، فتشير إلى أن نحو 71% من سكان العالم ينظرون إلى عام 2026 بتفاؤل، مع تصدر عدد من الدول الآسيوية، مثل إندونيسيا والهند وتايلاند وماليزيا، بينما تبدو بعض الدول الغربية أكثر حذراً وقلقاً تجاه المستقبل. ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الدراسات أنها تكاد تتفق على مجموعة من العوامل التي تغذي الأمل لدى الإنسان. فالتدين، حين يمنح الحياة معنى ويبعث الطمأنينة، يعد من أقوى مصادر الأمل. كما أن الأسرة المستقرة والعلاقات الدافئة تمنح الإنسان شعوراً بالأمان يجعله أكثر قدرة على مواجهة الشدائد. ويظهر أيضاً أن العمل والتعليم يعززان الإحساس بالقدرة على صناعة المستقبل، بينما تساعد الخبرة التي يكتسبها الإنسان مع تقدمه في العمر على النظر إلى الحياة بقدر أكبر من الهدوء والثقة.

وتقودنا هذه النتائج إلى ملاحظة تستحق التأمل: ففي المجتمعات العربية والآسيوية والأفريقية واللاتينية، كثيراً ما يستمد الإنسان الأمل من خارج ذاته؛ من إيمانه، وأسرته، وجيرانه، وشعوره بالانتماء إلى جماعة تحتضنه. وربما لهذا السبب تستطيع هذه المجتمعات أن تحتفظ بقدر كبير من الأمل حتى في أصعب الظروف، في حين قد تعاني مجتمعات أكثر ثراءً من مستويات أعلى من القلق والوحدة وفقدان المعنى. وهكذا، يبدو أن الأمل ليس امتيازاً تمنحه الثروة، بل ثمرةٌ تنبت حيث يجد الإنسان معنى لحياته، ومن يحبهم، وغاية تستحق أن يواصل السير من أجلها.

سادساً: ما جدوى الأمل في حياتنا اليوم؟

سابعا : توصيات و خاتمة


مقالات الكاتب ذات الصلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى