المنبر الحر

فن العيش: كيف ننجو من فخ «الحياة المؤجلة» والعيش بالوكالة؟

ذ. هدى بركات

مستشارة نفسية وأسرية


في سطور

يتناول مقال الأستاذة هدى بركات «فن العيش: كيف ننجو من فخ الحياة المؤجلة والعيش بالوكالة؟» ذلك الاستنزاف الهادئ الذي يصيب الإنسان حين يؤجل حياته الحقيقية إلى موعد غامض في المستقبل. فوسط ضغوط تأمين الكفاف، وثقافة الاستهلاك والمقارنة، يغدو النجاح نموذجًا جاهزًا يُقاس بما نملك وننجز ونُظهر، لا بما نعيشه فعلًا وما يمنحنا المعنى والطمأنينة. وتكشف الكاتبة كيف يمكن للطموح المشروع أن ينقلب إلى فخ حين نصبح عاجزين عن تذوق الحاضر: نؤجل الراحة حتى ينتهي العمل، والفرح حتى يتحسن الدخل، واللقاء حتى تتسع الظروف. كما نتعلم، من دون أن نشعر، أن نعيش بالوكالة؛ نوثق الرحلة بدل أن نعيشها، ونطلب من نظرات الآخرين أن تمنح إنجازاتنا قيمتها، ونظل حاضرين بأجسادنا وغائبين بقلوبنا. ولا يدعو المقال إلى اعتزال العالم أو التخلي عن الطموح، بل إلى استعادة ملكية «الآن» عبر حضور واعٍ يعيد الاعتبار إلى التفاصيل الصغيرة: فطور هادئ بلا تنبيهات، وحوار دافئ بلا هاتف، ومشي لالتقاط الهواء، وقراءة تُمارس حبًا في القراءة. فالمستقبل يستحق أن نبنيه، لكن لا ينبغي أن نسمح له بأن يسرق منا الحياة التي تجري الآن.

د. الحسن أشباني

=================================

المقدمة

تُروى حكاية رمزية عن رجل ثري، يرتدي بذلة أنيقة، وقف على شاطئ البحر في قرية صغيرة يراقب الصيادين البسطاء. وعلى مقربة منه، جلس صياد شاب على الرمل يمازح أطفاله، وبجانبه صيده الثمين: بضع سمكات قد يبيع بعضها ليشتري احتياجات البيت، ويجعل الباقي وجبة هنيئة للغداء. اقترب منه الرجل وقال له، في نبرة ناصح: «لماذا لا تبحر من جديد وتصطاد المزيد؟» سأله الصياد، وقد بدا عليه شيء من الدهشة: «ولماذا أفعل؟» أجابه الرجل: «لتشتري قاربًا أكبر، وتتوسع أعمالك، وتزيد مداخيلك.» سأله الصياد، بعد أن فهم مغزى كلامه: «وماذا بعد ذلك؟» قال الرجل: «بعد ذلك تستريح، وتجلس تحت الشمس، وتستمتع بحياتك.» ابتسم الصياد بثقة وقال: «ولكنني أفعل ذلك الآن!»

قد تبدو الحكاية بسيطة، لكنها تختصر مأزقًا إنسانيًا بالغ التعقيد. فقد أصبح لدينا، في زمننا المعاصر، نموذج شبه موحد للنجاح، وصورة تكاد تكون جاهزة لما ينبغي أن تكون عليه الحياة الجيدة. فما نصنعه ليس دائمًا ما يستهوينا أو يتناغم مع ذواتنا، بل ما تمليه علينا توقعات الآخرين، وما ترسمه الثقافة السائدة ونموذج العولمة الاستهلاكية.

نأكل، ونلبس، ونؤثث بيوتنا، ونفكر، ونخطط، ونطمح… كل شيء على المقاس، لكنه ليس بالضرورة مقاسنا. إنه مقياس جاهز ومُعدّ سلفًا، ونحن، في كثير من الأحيان، لا نفعل أكثر من أن نُساق إليه ونحن نعتقد أننا نختار بكامل حريتنا. وهكذا نجد أنفسنا بين فكّي كماشة: واقع يطالبنا بسعي محموم لتأمين الكفاف، وثقافة معولمة تهمس لنا، بل تصرخ أحيانًا، بأن قيمتنا الذاتية تقترن بالاستثنائية والتميز والإنجاز والمظاهر البراقة. وهنا تحديدًا يحدث الانفصال الصامت. نتوقف تدريجيًا عن عيش حياتنا بملء حواسنا، ونبدأ في محاكمتها استنادًا إلى معايير ليست لنا، بل صيغت بعيدًا عنا. فننتقل، بهدوء، من أحياء يعيشون الحياة إلى جمهور يكتفي بالتفرج على أحداثها الحلوة والمرة بمنطق التقييم والمقارنة.

المحور الأول: فخ النموذج الموحد وغياب الأرضية الصلبة
أولًا: النموذج الجاهز وضياع الأرضية القيمية

لا يقع هذا الانفصال الصامت بين عشية وضحاها؛ بل يتسلل بهدوء إلى الشقوق المتصدعة في ذواتنا. فحين يفقد الإنسان أرضيته القيمية الصلبة، تلك المعاني التي تنبع من بيئته وتجربته وتمنحه طمأنينة غير مشروطة، يتحول بحثه الفطري عن المعنى إلى أرض سهلة الاستدراج. عندئذ تتلقفه ثقافة السوق والاستهلاك، وتقدم له تعريفًا جاهزًا للنجاح، وآخر للسعادة، وثالثًا للقيمة الذاتية. ومع الوقت، قد يجد نفسه يقيس قيمته بما يملك، وما ينجز، وما يعرضه، وكيف يبدو في أعين الآخرين، بدل أن يقيسها بما يمثله فعلًا وما يمنحه لحياته من معنى. ويتقاطع هذا المعنى، في روحه، مع النقد الأخلاقي الذي يوجهه المفكر المغربي طه عبد الرحمن لبعض مظاهر الحداثة الاستهلاكية؛ حيث تصبح الذات مهددة بفقدان بعدها الأخلاقي والروحي، وبالتحول من غاية لها قيمة في ذاتها إلى شيء يُقاس بما يحققه ويستهلكه ويظهره.

ثانيًا: المقارنة وسلب حق الاستراحة

لا يكتفي هذا التحول بإجهاد أجسادنا في الركض لتأمين اللقمة والدواء، بل يسلبنا، في كثير من الأحيان، حتى حقنا في الرضا والراحة. لقد أضحت الاستراحة عندنا، ويا للغرابة، لا وقتًا لتجدد الطاقة واستئناف الحياة بهمة، بل مساحة للوم الذات وتقريعها وعقد المقارنات. فما إن نجلس حتى يأتينا السؤال الخفي: هل كان ينبغي أن نكون أكثر إنتاجية؟ هل الآخرون يتقدمون ونحن نتراجع؟ هل نضيع وقتنا بينما الجميع يركض؟ وهكذا يتحول اليوم العادي في أعيننا إلى هزيمة، ويصبح الرضا بالبساطة شعورًا بالتقصير، ونستمر في السعي المجهد، لا رغبة في الاكتشاف، بل هربًا من ذنب لا يد لنا فيه.

ثالثًا: الحياة المؤجلة وسرقة الحاضر

المشكلة، إذن، ليست في الطموح ذاته، ولا في الرغبة في تحسين شروط الحياة، ولا في التخطيط للمستقبل؛ وإنما تبدأ حين يتحول المستقبل من مساحة نخطط لها إلى مكان نؤجل إليه حياتنا. فنحن لا نعمل فقط من أجل أن نعيش، بل قد نجد أنفسنا نؤجل العيش من أجل العمل. نقول: سأرتاح حين أنتهي من هذا المشروع، وسأستمتع حين يتحسن دخلي، وسأعيش حين أصل إلى المكان الذي أريده. وهكذا يصبح «الآن» مجرد ممر طويل نعبره للوصول إلى حياة أخرى نتخيل أنها ستبدأ ذات يوم.

المحور الثاني: الحياة بالوكالة والانسحاب من الحاضر
أولًا: مفهوم العيش بالوكالة

من هذا المنزلق يتولد اغتراب أشد وطأة. فنحن لا نكتفي بالبحث عن القيمة خارج ذواتنا، بل ننسحب تدريجيًا من لحظتنا الراهنة لنعيش الحياة بالوكالة. ومعناها البسيط أن نتحول، من دون أن ندري، من أبطال ينسجون حكاياتهم الفريدة بأنفسهم إلى جمهور يكتفي بمراقبة الحياة من الهامش. إنها حالة نؤجر فيها حواسنا لغيرنا، ونقبل فيها بدور المتفرج على شريط عمرنا.

ثانيًا: أعراض العيش بالوكالة

قد نسافر، لكننا لا نعيش الرحلة بقدر ما ننشغل بتوثيقها. وقد نجلس مع من نحب، لكن حضورنا يظل موزعًا بين وجه من أمامنا وشاشة في أيدينا. وقد نحقق إنجازًا حقيقيًا، لكننا لا نتذوقه إلا من خلال نظرات الآخرين وتعليقاتهم. حتى التفاصيل الصغيرة التي كان يمكن أن تكون مساحات للحياة تتحول إلى مشاهد معروضة للتقييم. وهكذا، وفي غفلة منا، تصبح يومياتنا سجنًا تفصلنا جدرانه الشائكة عن التجربة الحية، فنقع في شرك «الحياة المؤجلة».

ثالثًا: سجن «لاحقًا»

نؤجل الراحة، ونؤجل الفرح، ونؤجل اللقاء، وأحيانًا نؤجل أنفسنا. نقول: ليس الآن… لاحقًا. لكن «لاحقًا» هذا قد يصبح المكان الذي نقضي فيه أعمارنا، من دون أن نصل إليه يومًا.

المحور الثالث: الحضور الواعي كفعل مقاومة وصمود
أولًا: المقاومة الهادئة واستعادة ملكية الذات

أمام هذا الانسحاق الصامت ونزيف العمر في انتظار الآتي، لم يعد الحضور الواعي مجرد رفاهية ذهنية أو دعوة ناعمة إلى الاسترخاء؛ بل أصبح موقفًا شجاعًا وفعل مقاومة هادئًا يرفض تسليع الذات وانكسارها أمام طاحونة المعايير الجاهزة. المقاومة هنا ليست رفضًا للطموح، ولا دعوة إلى الانسحاب من العالم، وإنما هي استعادة للحق في أن نكون نحن من يحدد معنى الحياة التي نريدها. فأن نخطط للمستقبل لا يعني أن نهجر الحاضر، وأن نطمح إلى الأفضل لا يعني أن نحتقر ما نملكه الآن. ويتقاطع هذا العصيان الهادئ، من زاوية فلسفية مختلفة، مع روح التمرد لدى ألبير كامو: رفض اختزال الإنسان في معنى جاهز أو شرط مفروض عليه، واستعادة حقه في أن يمنح لحياته معناها الخاص.

ثانيًا: استعادة اليومي من الهدر

تبدأ استعادة ملكية «الآن» من ردم الهوة الشعورية بين أجسادنا وأرواحنا، عبر طقوس بسيطة نرد بها الاعتبار إلى حواسنا المعطلة. أن نجلس في صبيحة يومنا لتناول فطورنا ببطء، رافضين التلصص على التنبيهات أو الغرق في نشرات الأخبار الضاغطة. أن نمنح أنفسنا، ولو دقائق، وقتًا سياديًا نقرر فيه بكامل إرادتنا: «أنا غير متاح الآن لضجيج العالم.»

ثالثًا: ممارسة التواصل كخبرة إنسانية لا كأداة

أن نخوض حوارًا مع من نحب بملء حواسنا؛ نصغي باهتمام، ونتأمل الوجوه، ونترك الهاتف جانبًا، ونكون شركاء حقيقيين في لحظة وصال إنساني دافئة. فالحضور مع الآخر ليس مجرد وجود جسدي في المكان نفسه، وإنما هو أن يشعر من أمامنا بأنه مرئي ومسموع ومُحتفى بوجوده.

رابعًا: تذوق الفعل في ذاته لا في نتائجه

أن نحضر بعمق في تفاصيل يومنا البسيطة: أن نمشي لاستنشاق الهواء، وأن نراقب غروب الشمس، وأن نلاعب الصغار، وأن نقرأ لأننا نحب القراءة، لا لأننا نريد أن نضيف كتابًا جديدًا إلى قائمة إنجازاتنا. أن نتعلم، ولو للحظات، أن نعيش الفعل قبل أن نسأل عن مردوده.

أن نتعلم، ولو للحظات، أن نعيش الفعل قبل أن نسأل عن مردوده.
خامسًا: العزلة الداخلية واستعادة النبض الإنساني

وهنا نستحضر الفكرة الرواقية التي عبّر عنها ماركوس أوريليوس في التأملات: أن يجد الإنسان في عقله وقلبه موضعًا يعود إليه وسط الضجيج، من غير حاجة إلى صعود جبل أو عبور صحراء. إنها القدرة على أن نعود إلى أنفسنا، حتى ونحن في قلب العالم. وهذا، في حد ذاته، ليس أمرًا صغيرًا. فالحفاظ على النبض الإنساني في قلب اليوم العادي قد يكون إنجازًا حضاريًا وشخصيًا لا يقل أهمية عن المنجزات المادية. فالحضور الواعي ليس هروبًا من الواقع، ولا نكوصًا عن الطموح، بل هو استعادة للميزان الذي يجعلنا نعمل من أجل الحياة، بدل أن نضحي بالحياة من أجل العمل. إنه انتصار صريح على «العيش بالوكالة»، واستعادة لبصمتنا الفريدة التي ننحت بها تفاصيلنا الخاصة. فليس المطلوب أن نتوقف عن بناء المستقبل، وإنما ألا نسمح للمستقبل بأن يسرق منا الحاضر.

فليس المطلوب أن نتوقف عن بناء المستقبل، وإنما ألا نسمح للمستقبل بأن يسرق منا الحاضر
الخاتمة

ومن هذا المنطلق، يأتي نقدنا لا من باب التحامل على العولمة بذاتها، بوصفها منجزًا تاريخيًا عرفته الإنسانية في مسار تطورها، وإنما من باب تعرية بعض أوجهها المتوحشة، والكشف عن آثارها المحتملة على بنية الإنسان النفسية والروحية حين يتحول الاستهلاك والمقارنة والإنجاز إلى معايير وحيدة للقيمة.
فمعضلة الإنسان اليوم أنه بات يعيش — بوعي أو بغير وعي — في المستقبل، هروبًا من حاضر مجهد.
غير أن هذا الهروب، وإن بدا عزاءً مؤقتًا، ليس في حقيقته سوى استنزاف بطيء لأغلى ما يملك: عمره الحاضر.
إن «فن العيش» في جوهره ليس فلسفة معقدة، ولا دعوة إلى التخلي عن الطموح، بل هو تحرر داخلي يسترد به الفرد ملكية أوقاته البسيطة، ويستعيد حقه في أن يعيش حياته لا أن يؤدي الصورة التي رسمها الآخرون لها.
إنه اعتراف نبيل بأن القيمة الحقيقية لحياتنا لا تُقاس فقط بما نملكه أو ننجزه أو نعرضه أمام الآخرين، بل بمدى صدق التجربة وعمقها التي نعيشها.
فربما لا تكون المشكلة أننا لا نملك وقتًا كافيًا لنعيش، وإنما أننا ظللنا طويلًا نعتقد أن الحياة ستبدأ بعد أن ننتهي من كل شيء.
وربما يكون السؤال الأصدق الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس: متى سأصل إلى الحياة التي أريدها؟ بل: كم من حياتي أعيش الآن، وأنا أنتظر أن تبدأ؟

سؤال أخير
ليس السؤال: متى ستأتي الحياة التي أريدها؟
بل: هل أعيش اليوم ما أستطيع من حياتي، أم أؤجلها إلى يوم قد لا يأتي؟
ملخص المقال
يناقش هذا المقال فخ «الحياة المؤجلة» الذي يجعل الإنسان يربط حقه في الراحة والفرح والعيش الحقيقي بموعد مستقبلي غامض: بعد إنجاز المشروع، أو تحسن الدخل، أو بلوغ المكانة المنشودة. وفي ظل ثقافة الاستهلاك والمقارنة، قد تتحول القيمة الذاتية إلى ما نملكه أو ننجزه أو نعرضه أمام الآخرين، فنغيب عن تفاصيل حياتنا اليومية ونعيشها بالوكالة عبر الشاشات والتقييم الخارجي. وتدعو الأستاذة هدى بركات إلى حضور واعٍ لا يعادي الطموح، بل يعيد التوازن بين العمل والحياة؛ عبر تذوق التفاصيل البسيطة، والإنصات الحقيقي للآخر، ووضع الهاتف جانبًا، واستعادة لحظات هادئة نعود فيها إلى أنفسنا. فالمستقبل يستحق أن نبنيه، لكن لا ينبغي أن نسمح له بسرقة الحاضر.
English Summary
This article explores the trap of the “deferred life”: the habit of postponing rest, joy, and genuine living until an uncertain future moment—after a project is completed, income improves, or a desired status is achieved. In a culture shaped by consumerism and comparison, self-worth can become tied to what we own, achieve, or display to others. As a result, we may withdraw from the present and live by proxy through screens, external approval, and constant evaluation. Huda Barakat calls for mindful presence, not as a rejection of ambition, but as a way to restore balance between work and life. Through attentive relationships, simple daily rituals, and a conscious return to the present moment, we can reclaim our time. The future deserves to be built, but it should never be allowed to steal the life we are living now.

الكلمات المفتاحية: الحياة المؤجلة — الحضور الواعي — العيش بالوكالة- Deferred Life — Mindful Presence — Living by Proxy

==================

مقالات الكاتبة ذات الصلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى