الاقتصاد المغربي بين سقف النمو الزجاجي ووعود الدولة الاجتماعية

د. الحسـن اشباني
مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب، خبير و صحفي مهني

كثرة التقارير لا تصنع نموذجًا تنمويًا
يرى الدكتور نجيب أقصبي أن المغرب لم يعرف، خلال العقدين الأخيرين، نموذجًا اقتصاديًا واحدًا مطبقًا بانتظام، بل عرف تقارير واستراتيجيات عديدة. فمن تقرير الخمسينية الذي أُنجز خلال سنتي 2005 و2006، إلى دراسة «المغرب 2030» التي أعدتها المندوبية السامية للتخطيط، ثم تقرير النموذج التنموي الجديد، تراكمت تشخيصات واسعة شارك فيها جامعيون وخبراء ومؤسسات مختلفة.

غير أن المشكلة، بحسبه، ليست في نقص الدراسات، بل في تحولها إلى غاية في ذاتها. فالتقرير يُنجز وينشر ثم يُركن، بدل أن يتحول إلى خيارات تنفيذية قابلة للقياس والتقييم. وتعود بعض هذه الوثائق إلى الخطاب الرسمي عند الحاجة، لكن حضورها في السياسات الملموسة يظل ضعيفًا. ويعتبر أن النموذج التنموي الجديد مثال واضح على ذلك. فقد وُضع بأفق يمتد من 2021 إلى 2035، وكان ينبغي أن تنعكس توجهاته بوضوح في البرامج الحكومية اللاحقة. لكن، وفق قراءته، لم يتحول إلى مرجع فعلي للتنفيذ، وهو ما يستدعي اليوم تقييمًا موضوعيًا لما تحقق وما لم يتحقق، وإعادة فتح نقاش عمومي جدي حول الاختيارات التي تحتاج إلى تعديل.
تقييم المسار لا يقتصر على تجربة حكومة واحدة
يشدد الدكتور أقصبي على ضرورة التمييز بين تقييم الأداء الحكومي الظرفي وبين تقييم المسار الاقتصادي العام. فالحكومات تتغير، لكن الاختيارات الاستراتيجية الكبرى للدولة تستمر عبر الولايات التشريعية. ومن هنا، لا يكفي أن يتركز النقاش، خصوصًا في السياقات الانتخابية، على حصيلة حكومة واحدة. الأهم هو مساءلة التوجهات التي تحدد طبيعة الاستثمار، وأولويات التنمية، ودور القطاع الخاص، وموقع البحث العلمي، ومدى قدرة الاقتصاد على خلق الثروة وفرص العمل بصورة عادلة ومستدامة.
النمو الاقتصادي: أرقام سنوية لا تكشف الحقيقة كلها
قد تسجل البلاد في سنة ما نموًا يقارب 5 في المائة، وقد يُقدَّم ذلك بوصفه إنجازًا. لكن الدكتور أقصبي يدعو إلى الحذر من اختزال تقييم الاقتصاد في سنة أو سنتين؛ لأن التقلبات الظرفية لا تكشف الاتجاه الحقيقي. فوفق الأرقام التي استحضرها في الحوار، بلغ متوسط النمو خلال الفترة 2016-2025 نحو 2.8 في المائة، فيما انخفض المتوسط إلى قرابة 2.6 في المائة عند احتساب الفترة 2010-2025. وهي نسب يراها بعيدة عن المستوى المطلوب لتحقيق تحول اقتصادي حقيقي.

ويربط جانبًا من التحسن المرتقب في السنوات المقبلة بحجم الاستثمارات الموجهة لاستعدادات كأس العالم 2030. لكنه يطرح سؤالًا أساسيًا: هل هذه الاستثمارات تستجيب فعلًا لحاجات المواطنين؟ وهل ستخلق قدرة إنتاجية وشغلًا دائمًا، أم ستبقى آثارها مرتبطة بورشات مؤقتة وبنيات لا تكفي وحدها لتغيير بنية الاقتصاد؟

اقتصاد تحركه الفلاحة والظرفية الخارجية
بحسب الدكتور أقصبي، ما يزال للاقتصاد المغربي محركان رئيسيان: السماء والخارج. فالزراعة تبقى مرتبطة بدرجة كبيرة بالتساقطات المطرية؛ فتتراجع وتيرة النمو في سنوات الجفاف، ويتحسن الناتج الزراعي والنمو العام حين يكون الموسم الفلاحي جيدًا. أما المحرك الثاني فهو الظرف الخارجي: الصادرات والواردات والتحويلات وحركة الاقتصاد العالمي. وهذه التبعية تجعل النمو هشًا، لأنها تعني أن الاقتصاد لا يستند بما يكفي إلى محركات داخلية قوية، قوامها الصناعة الوطنية والابتكار والطلب الداخلي المنتج.

طموح البلدان الصاعدة يقتضي نموًا بين 7 و8 في المائة
يرى الدكتور أقصبي أن نسبة النمو لا تُقاس في ذاتها، بل تُقاس بالهدف الذي تريد البلاد بلوغه. فإذا كان طموح المغرب هو الاقتراب، خلال 15 سنة، من مستويات بلدان مثل تركيا أو الشيلي أو ماليزيا، وتقليص البطالة وخلق فرص شغل كافية للشباب، فإن نموًا في حدود 3 أو 4 في المائة لا يكفي. وفق ما عرضه، تحتاج البلاد إلى متوسط نمو مستدام يتراوح بين 7 و8 في المائة، وليس إلى سنة استثنائية تعقبها سنوات ضعيفة. ولهذا يخلص إلى أن الأداء الحالي، حتى حين يتحسن، لا يزال بعيدًا عن الحد الأدنى الذي يسمح بتحقيق الإقلاع.
المقارنة لا تتعلق بسنة استثنائية، بل بمتوسطات نمو طويلة المدى تكشف قوة المسار الاقتصادي.
الاستثمار لا يتحول تلقائيًا إلى تنمية أو شغل دائم
لا ينكر الدكتور أقصبي أهمية الاستثمارات الكبرى، لكنه يميز بين نوعين منها. هناك مشاريع للبنيات والتجهيزات تخلق فرص عمل خلال مدة البناء، ثم يتراجع أثرها التشغيلي بعد نهاية الورش. وهناك استثمارات صناعية وإنتاجية تستمر في خلق الوظائف، وتُنشئ سلاسل توريد وخدمات ومعرفة متراكمة. ومن وجهة نظره، فإن جزءًا مهمًا من الاستثمار في المغرب لا يكفي لمعالجة البطالة لأنه يرتبط بمشاريع ذات تشغيل مؤقت، بينما تظل القاعدة الصناعية المنتجة محدودة. لذلك لا يكفي أن يرتفع حجم الاستثمار؛ بل ينبغي أن يتجه إلى قطاعات تخلق قيمة مضافة وشغلًا مستقرًا.

التصنيع: تقدم قائم وحدود لا ينبغي إخفاؤها
يعترف الدكتور أقصبي بتطور المغرب في صناعات السيارات والطيران وبعض الأنشطة الإلكترونية. لكنه يتحفظ على وصف ذلك بطفرة صناعية مكتملة أو باعتبار المغرب بلدًا صناعيًا بالمعنى الشامل. ويستحضر في هذا الإطار أهداف مخطط التسريع الصناعي منذ 2014، والذي كان يرمي إلى رفع مساهمة الصناعة في الناتج الداخلي الخام من نحو 14 في المائة إلى 23 في المائة. ووفق عرضه للأرقام المتداولة، بقيت النسبة لاحقًا في حدود 15 إلى 17 في المائة، وهو ما يعني أن الهدف المعلن لم يتحقق.
أُطلق المخطط سنة 2014 بهدف رفع وزن الصناعة في الناتج الداخلي الخام خلال نحو عشر سنوات.
السؤال الأهم، في نظره، ليس عدد السيارات المصدرة أو حجم الاستثمارات المعلنة، بل مقدار القيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد الوطني. فإذا كانت الصناعة تعتمد على استيراد نسبة كبيرة من المكونات والتكنولوجيا، فإن الأثر الداخلي يظل محدودًا مقارنة بحجم الصادرات الظاهر.
الاستثمار الأجنبي يحتاج إلى نقل التكنولوجيا وبناء قدرات وطنية
لا يرفض الدكتور أقصبي الاستثمار الأجنبي؛ بل يرى أنه مفيد عندما يخلق شغلًا ويوسع النشاط الصناعي. غير أن استقباله وحده لا يصنع صناعة وطنية مستقلة. ويستحضر التجربة الصينية بوصفها مثالًا على ربط الاستثمار الخارجي بالشراكة، وإدماج الباحثين والمهندسين المحليين، وبناء المختبرات، واكتساب التكنولوجيا تدريجيًا. فالمطلوب، حسب تحليله، أن يترافق حضور الشركات متعددة الجنسيات مع سياسة واضحة لنقل المعرفة، وتقوية البحث العلمي، وخلق شبكة من الموردين والمقاولات الوطنية. أما إذا بقي الاستثمار مرتبطًا فقط بحسابات الشركات الخارجية، مثل كلفة اليد العاملة أو القرب من الأسواق، فإنه يظل هشًا وقابلًا للرحيل إذا تغيرت شروط الربح. والقوة الحقيقية للاقتصاد لا تتشكل إلا حين تستقر المعرفة والقيمة المضافة داخل البلد.

البحث العلمي والابتكار: الشرط المؤجل للإقلاع
يضع الدكتور أقصبي البحث العلمي في قلب أي مشروع صناعي جدي. فالابتكار، في رأيه، لا ينزل فجأة ولا ينتج عن خطاب سياسي؛ إنه ثمرة تمويل مستمر وتكوين علمي ومجهود تراكمي يمتد لعقود. ويرى أن ضعف الإنفاق والاهتمام بالبحث والتطوير في المغرب يفسر جانبًا من محدودية القدرة على التصنيع المتقدم. فلا يمكن الانتقال من الاستيراد والتجميع إلى الإبداع وإنتاج التكنولوجيا من دون جامعات ومختبرات ومقاولات وطنية تشتغل في منظومة واحدة.
البرجوازية الوطنية واقتصاد الريع
يناقش الدكتور أقصبي فكرة «البرجوازية الوطنية» باعتبارها فئة اقتصادية لا تراكم الثروة فقط، بل تحمل مشروعًا إنتاجيًا وطنيًا، وتخاطر في الصناعة، وتربط مصالحها بتقدم البلد. وفي الحالة المغربية، يرى أن جزءًا من الثروات تكوَّن تاريخيًا عبر الوساطة بين الخارج والسوق الداخلية، ثم عبر أنشطة الاستيراد والتوزيع التي اتسعت مع التحرير التجاري واتفاقيات التبادل الحر. وهو يميز بين المقاول الذي يخاطر في مشروع قد ينجح أو يفشل، وبين وسيط يحقق الربح من فرق الأسعار والعمولات والامتيازات.
ويضيف أن جانبًا من الثروات الجديدة يرتبط بقرب من الدولة والحصول على رخص أو امتيازات استثنائية، بدل المنافسة المفتوحة. وهنا يستعمل مفهوم «اقتصاد الريع»: أي اقتصاد تتولد فيه الأرباح أساسًا من امتياز سياسي أو إداري، لا من الإنتاج والابتكار.
«السقف الزجاجي»: لماذا لا يستثمر القطاع الخاص بما يكفي؟
في كتابه «الاقتصاد المغربي تحت سقف من زجاج»، يقدم الدكتور أقصبي صورة لحاجز غير مرئي يمنع الاقتصاد من تجاوز مستوى معين. فهناك نمو واستثمارات وصادرات، لكن الاقتصاد يعود في كل مرة إلى سقف محدود. ويربط ذلك، ضمن عوامل أخرى، بضعف الاستثمار الخاص. فالمفارقة التي يشير إليها هي أن الاستثمار الإجمالي قد يكون مهمًا، لكن الدولة تتحمل القسم الأكبر منه، بينما يبقى القطاع الخاص أقل إقبالًا على الاستثمار الإنتاجي طويل الأجل. وقد وضع النموذج التنموي الجديد هدفًا يتمثل في رفع حصة القطاع الخاص من الاستثمار الإجمالي من نحو الثلث إلى الثلثين في أفق 2035. لكن الدكتور أقصبي يرى أن هذا لن يتحقق من دون تغيير المناخ الذي يحكم علاقة النخبة الاقتصادية بالدولة وبالمستقبل.
فالاستثمار، في جوهره، ثقة في المستقبل: أن تؤجل استهلاك دخلك اليوم لتنشئ قيمة وعائدًا غدًا. وعندما تصبح الأرباح السريعة والمحمية أكثر جاذبية من المخاطرة الصناعية، يتراجع الاستثمار المنتج ويتغذى الاحتكار والجشع.

تداخل المال والسياسة وأثره في المنافسة
يربط الدكتور أقصبي ضعف الاستقلال الاقتصادي بتداخل المال والسياسة. فحين تصبح المناصب الانتخابية أو الحكومية جزءًا من حسابات الربح والنفوذ، قد تتحول السياسة من تنافس بين برامج إلى استثمار ينتظر أصحابه مردودية لاحقة. وفي هذا التحليل، لا يتعلق الأمر بحادثة معزولة، بل ببنية أوسع: امتيازات اقتصادية، ودعم سياسي، ونفوذ متبادل. وهو ما يجعل المنافسة غير متكافئة، ويضعف الفصل بين من يدير الشأن العام ومن يسعى إلى تحقيق مصالح خاصة. ويؤكد أن تشخيص «الفراقشية» أو الجشع في ملفات معينة لا ينبغي أن يتوقف عند مظاهرها الآنية، بل يجب أن يصل إلى جذورها: كيف تتكون الثروات؟ كيف تُمنح الامتيازات؟ وكيف يمكن أن يصبح المنصب العام وسيلة للنفوذ الاقتصادي؟
الحماية الاجتماعية: بين التعهدات والواقع
ينتقل الدكتور أقصبي إلى ورش الحماية الاجتماعية، معتبرًا أن تقييمه يجب أن ينطلق من التزامات محددة أُعلن عنها بين 2021 و2025. وقد بُني الورش على أربع ركائز: تعميم التغطية الصحية، والتعويضات العائلية أو الدعم الاجتماعي المباشر، والتعويض عن فقدان الشغل، وتعميم التقاعد. وبحسب تقييمه في الحوار، فإن ركيزتي التعويض عن فقدان الشغل وتعميم التقاعد لم تدخلا حيز التطبيق الفعلي. ويصف ملف التقاعد بأنه خطر اجتماعي مؤجل، لأن ملايين العاملين خارج الأنظمة القائمة لا يتوفرون على معاش يضمن لهم الحد الأدنى من الأمان عند التقدم في السن.

التغطية الصحية: التسجيل ليس استفادة فعلية
يتساءل الدكتور أقصبي عن الفرق بين عدد المسجلين في نظام التغطية الصحية وعدد المستفيدين فعليًا من العلاج. فالتغطية لا تصبح حقيقية لمجرد وجود الاسم في قاعدة بيانات، بل حين يستطيع المريض الذهاب إلى الطبيب وشراء الدواء وإجراء الفحوص من دون أن يكون العجز المالي حاجزًا أمامه. ويلفت إلى وضع الأجراء غير المصرح بهم أو الذين لا يملكون عقود عمل، وإلى هشاشة دخل الحرفيين والتجار الصغار والعاملين لحسابهم الخاص. فهؤلاء قد ينقطعون عن أداء الاشتراك خلال الأشهر الصعبة، فيفقدون حقوقهم في العلاج رغم كونهم مسجلين في النظام. ثم تأتي مشكلة الأداء المسبق: يدفع المريض أتعاب الطبيب وثمن الدواء والتحاليل والأشعة أولًا، ثم ينتظر استرجاع جزء من المصاريف. وقد يكون التعويض محسوبًا على تعريفة مرجعية أقل من الثمن الفعلي الذي أداه المواطن. وهكذا تصبح التغطية، لدى الفئات الأشد هشاشة، حقًا اسميًا أو متقطعًا بدل أن تكون حماية عملية.
================================




