المنبر الحر

حين ينبعث الشغف من جديد: رحلة التعافي والنمو بعد الصدمة

ذ هدى بركات

مستشارة نفسية وأسرية


✦ في سطور

هناك مقالات نقرؤها بالعقل، وأخرى لا نفهم معناها الحقيقي إلا حين نقرأها بذاكرة جرحٍ مررنا به ذات يوم. وهذا المقال الجميل للكاتبة المتألقة ذ. هدى بركات ينتمي، في تقديري، إلى هذا الصنف الأخير؛ فقد لا يستوعب أعماقه تماماً إلا من ذاق مرارة جرح، وعرف قسوته وبشاعته، واختبر تلك اللحظة التي ينطفئ فيها شيء ما في الداخل، فيفقد الإنسان شغفه بما كان يحب.

لكن هل يكون الانطفاء نهاية الحكاية؟

تأخذنا الكاتبة في رحلة عميقة من الصدمة وانطفاء الشغف إلى إمكانية التعافي والنمو من جديد، فتشرح كيف يدخل الجهاز العصبي في حالة «التجميد» لحماية الإنسان، وكيف قد يفقد المرء مؤقتاً قدرته على الشعور بالمتعة والدافعية، قبل أن يبدأ طريق العودة عبر تقبل الألم والخطوات الصغيرة التي تعيد للحياة معناها وللروح قدرتها على النهوض.

ويمضي المقال أبعد من مجرد التعافي، ليقودنا إلى مفهوم بالغ الأهمية هو «النمو بعد الصدمة»؛ حيث لا يعود الإنسان بالضرورة الشخص نفسه الذي كان قبل الجرح، بل قد يخرج منه أكثر وعياً ونضجاً وأصالة وعمقاً. ومن خلال نماذج واقعية، أبرزها قصة جي. ك. رولينغ، نكتشف أن الألم لا يصنع النمو تلقائياً، لكنه قد يصبح، حين يجد الوعي والدعم والمرونة، بدايةً لإعادة بناء الذات من جديد.

مقال عن الجرح… لكنه في جوهره مقال عن الإنسان حين يرفض أن تكون ندوبه نهاية قصته؛ وعن شغف نظنه مات، بينما هو في أعماقنا ينتظر اللحظة المناسبة كي ينبعث من جديد.
د. الحسن اشباني

الكلمات المفتاحية: الصدمة النفسية — استعادة الشغف — النمو بعد الصدمة— Psychological Trauma — Renewed Passion — Post-Traumatic Growth

Summary

This article explores the human journey from losing passion after psychological trauma to the possibility of recovery and renewed growth. It explains the nervous system’s “freeze response” as a protective mechanism that redirects the brain’s energy toward survival, often resulting in reduced pleasure and motivation. The article also examines recovery strategies based on accepting pain and taking small, manageable steps, leading to the concept of Post-Traumatic Growth. Through real-life examples, particularly J. K. Rowling’s experience, it shows that trauma does not inevitably produce growth, but with conscious reflection, social support, and psychological resilience, it can become a turning point toward a more mature, authentic, and meaningful identity.


ولعلّ أجمل ما نبدأ به مقالنا قصةٌ ملهمة حقاً؛ قصة جي. ك. رولينغ (J. K. Rowling)، كاتبة سلسلة روايات هاري بوتر، التي تحوّلت رحلتها من الألم والانكسار إلى واحدة من أشهر قصص الإبداع والنجاح في العالم.

✦ قصة ملهمة: جي. ك. رولينغ

جي. ك. رولينغ (J. K. Rowling)، كاتبة سلسلة روايات هاري بوتر، تقدم واحدة من أكثر قصص النهوض بعد الألم إلهاماً.

عاشت رولينغ الفقد والفقر وفشل الزواج والوحدة، وواجهت مرحلة قاسية من الاكتئاب، لكن صدمتها لم تُطفئ شغفها، بل تحولت تدريجياً إلى مادة إبداعية صنعت منها عالماً أدبياً فريداً.

لقد جسدت رولينغ تجربتها مع الاكتئاب في صورة «الديمينتورز»، تلك الكائنات التي تمتص الأمل والسعادة وتعيد إلى الإنسان أسوأ ذكرياته.

هكذا تحوّل الألم إلى إبداع، والجرح إلى قصة ألهمت الملايين. وتبقى تجربتها مثالاً على أن الشغف قد يخبو، لكنه يستطيع أن يولد من جديد، وأن رحلة العودة تبدأ غالباً بخطوات صغيرة وثابتة.

جي. ك. رولينغ

مقدمة

الندوب التي تحملها على جسدك أو في أعماق روحك ليست دليلاً على انكسارك أو فشلك، بل هي الأمل المتبقي من معركة خضتها ونجوت منها. أنت لست ضحية لتلك المعارك، الصاخب منها والصامت. أنت الناجي الوحيد الذي يردد ترانيم الولادة باستماتة ويقين. نعم، قد تسبب بعض تلك الندوب الغائرة أزمات، أو ما يعرف في علم النفس بالزلزال المعرفي، حيث يتداعى نظام القيم والمعاني التي كنت تستند إليه يوماً ما، ويتبع ذلك حالة انطفاء تام. في كتابه «الإنسان يبحث عن المعنى»، يضع الطبيب والفيلسوف فيكتور فرانكل يده على جوهر مواجهة هذا الانطفاء فيقول: «إن المعاناة تتوقف عن كونها معاناة بشكل ما في اللحظة التي نجد لها معنى.» لكن المعضلة النفسية الكبرى التي تلي الصدمات مباشرة هي عجز الوعي عن إيجاد هذا المعنى. فالصدمة تخلق ما يسميه الباحثون «الفجوة الهرمنيوطيقية»، حيث يصبح العالم غير قابل للقراءة، والذات غير قادرة على فهم ما جرى.

هذه المرحلة ليست قراراً إرادياً مفاجئاً، بل هي حصيلة مسار معقد يتطلب فهم الآليات البيولوجية والنفسية الكامنة وراء هذا الانطفاء. وفي هذا السياق، يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه: «من لديه لماذا يعيش من أجله، يمكنه تحمل أيَّ كيف تقريباً .» الصدمة تفقدنا هذه «اللماذا»، والبحث المتأني في ذواتنا وأعماقنا يلهمنا طرق النجاة واستعادة الشغف من جديد.

أولاً: محاولة للتفسير السلوكي والعصبي لحالة الانطفاء

تقنية التجميد : في علم النفس الحديث، لا يُنظر إلى فقدان الشغف بعد الصدمة على أنه استسلام، بل هو آلية دفاعية بيولوجية ونفسية معقدة لحماية الإنسان. فالجهاز العصبي يدخل في حالة التجمد (Freeze Response) — تلك الاستجابة الثالثة إلى جانب الهروب والقتال — حيث يفقد الدماغ الاهتمام بالأنشطة الثانوية مثل الهوايات والشغف، ويركز كل طاقته على شيء واحد: البقاء على قيد الحياة، وإصلاح الأضرار الداخلية.

في هذه الحالة، يتوقف الدماغ عن إفراز الموصلات العصبية المرتبطة بالمكافأة والمبادرة، مثل الدوبامين. فيدخل الفرد في حالة «فقدان المتعة» (Anhedonia)؛ ينعدم فيها الإحساس باللذة من ذات الأنشطة التي كانت تشكل شغفاً في السابق. ومن منظور علم الأعصاب المعاصر، يُفسر الانطفاء بأنه «إعادة توجيه عصبي» (Neural Reallocation): فعند ارتفاع هرمون التوتر (الكورتيزول) بشكل مزمن، يتقلص الحصين (Hippocampus) المسؤول عن الذاكرة والتعلم، وتتثبط نوايا الدماغ المتوسطة المسؤولة عن إفراز الدوبامين. هنا، لا يكون الفرد «كسولاً» أو «مستسلماً»، بل دماغه يُعيد برمجة أولوياته بيولوجياً نحو البقاء لا الإبداع.

ومن منظور التحليل النفسي، يفسّر سيغموند فرويد هذه الحالة عبر مفهوم «الليبيدو» طاقة الحياة. فعند حدوث الصدمة، تمتص هذه الطاقة من العالم الخارجي نحو الذات المجروحة في محاولة لتضميدها. وهذا يمنع الفرد مؤقتاً من توجيه أي شغف نحو الكتابة أو الفن أو العمل.

ثانياً: استراتيجيات التعافي — تقبل الألم وقاعدة الخطوات الصغيرة

من أكبر المصائد التي نقع فيها بعد الصدمة، هي محاولة التظاهر بالقوة أو القفز مباشرة إلى إيجابية مزيفة. إن أولى خطوات التعافي بعد الصدمة هو التقبل. وهنا نستحضر مقولة جلال الدين الرومي النفيسة، إذ يقول: «الجرح هو المكان الذي يدخل منه النور إلى أعماقك.» التقبل هنا ليس استسلاماً فلسفياً، بل هو المدخل الأول لعلاج القبول والالتزام (ACT Therapy). فبدلاً من محاربة الأفكار المؤلمة، نتعلم مراقبتها كسحب تمر في سماء العقل، دون أن ننجرف معها.

بعد تقبل الجرح أو الصدمة، اخفض سقف توقعاتك من نفسك. فطاقتك النفسية في أدنى مستوياتها، لذلك تخلَّ عن أهدافك الكبرى واستبدلها بأهداف صغيرة. تشير الباحثة أنجيلا داكوورث في أبحاثها حول «الشغف» (Grit) — ذلك المزيج بين الاهتمام المستدام والمثابرة — إلى أن «المرونة النفسية تبدأ من الالتزام اليومي البسيط». فالنجاحات الصغيرة تعيد بناء الدوبامين تدريجياً في الدماغ، وتمنحك شعوراً بالسيطرة على حياتك مجدداً.

وما هي هذه الخطوات الصغيرة؟ هي ليست مجرد نصيحة حياتية، بل هي «تعرض تدريجي» للدماغ على المتعة: الكتابة لعشر دقائق فقط، المشي في الحي لربع ساعة، الاتصال بصديق دون الحديث عن المشكلة، تحضير وجبة بسيطة. فعندما تفعل ذلك، لا تفعل شيئاً «بسيطاً» فحسب، بل تُعيد تدريب دماغك على إفراز الدوبامين تدريجياً.

ثالثاً: إمكانية النمو بعد الصدمة

في عام 1995، طور العالم ريتشارد تيديشي ولوريغان كالهون نظرية جديدة تسمى «النمو بعد الصدمة» (Post-Traumatic Growth)، والتي ترى أن الأزمات الوجودية الحادة لا تنتهي بالضرورة بالاعتلال النفسي، بل قد تحمل في طياتها إمكانيات ارتقائية. الصدمة تحطم القالب السابق، وتحطم كل الافتراضات البديهية الساذجة التي بناها الإنسان حول أمان العالم وتوقع القادم. هذا التحطم المعرفي ليس نهاية المطاف، بل هو مخاض إجباري لإعادة تشكّل جديدة. التعافي الحقيقي لا يعني العودة إلى نسختك القديمة التي تهدمت بنيوياً، وإنما ذات جديدة وهوية جديدة أكثر مرونة ونضجاً. لكن لنُصحح مفهوماً هاماً: النمو بعد الصدمة ليس قدراً، بل هو إمكانية تتطلب شروطاً. فقد حدد تيديشي وكالهون خمسة مجالات للنمو:

1. تقدير أعمق للحياة: تصبح اللحظات البسيطة — كشمس الصباح أو ضحكة طفل — أكثر ثراءً.
2. علاقات أكثر وثاقة: يتبدد السطحي، وتبقى العلاقات الأصيلة.
3. اكتشاف قوة شخصية جديدة: تجد في نفسك صلابة لم تكن تدركها.
4. إدراك إمكانيات جديدة: تكتشف مواهب أو مسارات لم تخطر على بالك.
5. تحول روحي أو وجودي: تتسامى الأولويات وتصبح عندك التفاصيل الصغيرة أكثر قيمة.

إذاً هويتك الجديدة بعد الصدمة هي هوية أكثر أصالة ومرونة وعمقاً، تتسم بإعادة ترطيب المنظومة القيمية الإنسانية. تصبح الحياة أكثر عمقاً وثراءً ووفرة، بل وتكتشف مكامن قوة داخلية صهرتها المعاناة لم تكن لتدركها. أنت في ظروف سخاء، هذا أنت بعد الصدمة: إنسان جديد.

رابعاً: مسار النمو بعد الصدمة

لكن هل كل صدمة يعقبها نمو؟ بالطبع لا. فالصدمة في ذاتها مدمرة، والنمو ليس حتمياً لكل البشر، بل هو مكافأة معرفية ونفسية شرسة يقودها الإنسان لإعادة ترتيب شظايا روحه. وهناك عوامل كثيرة تلعب دور المعجّل أو المانع لهذا النمو، أهمها:

• الاشتغال الفكري المعرفي: فإذا كان الشخص يجتر الأفكار بشكل سلبي تدميري، من مثل «لماذا حدث لي هذا؟» و«حياتي انتهت…»، فلن يحدث له نمو، بل انطفاء دائم ومميت. أما إذا تحول الاجترار إلى «تفكير معرفي موجه» (Deliberate Rumination) — أي التأمل العميق في المعنى والدروس — فتفتح الأبواب.

• شبكة دعم اجتماعي ووجود بيئة آمنة ومتفهمة: لا يكفي وجود الناس حولك، بل يجب أن يكون هناك من يستمع دون إصدار أحكام، ومن لا يقلل من ألمك بعبارات مثل «انظر للجانب المشرق».

• مستوى متقدم من المرونة الشخصية المسبقة: أي توفر الشخص على آليات صحية للتعامل مع الضغوط والفقد والتعلق. وقد صاغ العالم ريتشارد تيديشي مجازاً رائعاً يوضح ما قلناه، يقول: «إن الصدمة لا تصنع النمو، بل الزلزال المعرفي الذي تحدثه الصدمة هو الذي يجبرنا على إعادة بناء بيتنا النفسي بأسلوب أقوى.» إذاً تنقسم الاستجابة البشرية عند التعرض للصدمات إلى ثلاثة مسارات :

  1. المسار الأول: مسار الاضطراب والاعتلال، حيث تعجز دفاعات النفس عن استيعاب حجم الصدمة في علاقة الشخص بالماضي. ويتوقف النمو، وتتحول الندوب إلى جراح غائرة نازفة ومستمرة.
  2. المسار الثاني: مسار المرونة والعودة للسابق، يعود الفرد إلى نفس مستواه النفسي والإنتاجي قبل حدوث الصدمة. وهنا ينجح الشخص في حماية ذاته والعودة إلى ما كان عليه.
  3. المسار الثالث: مسار النمو بعد الصدمة، حيث يصبح الشخص إنساناً جديداً، يمتلك مستوى أعلى من النضج والحكمة.

لنضرب مثالاً توضيحياً: شخص فقد عمله بعد سنوات من الولاء. في المسار الأول، قد ينسحب إلى الاكتئاب المزمن واليأس. في المسار الثاني، يجد عملاً مماثلاً ويعود لنفس روتينه السابق. أما في المسار الثالث، فيكتشف أن فقدان الوظيفة كان «فرصة إجبارية» ليتعلم مهارة جديدة، أو يؤسس مشروعه الخاص، أو يُعيد تعريف نجاحه بمعايير أصيلة.

خاتمة

إن الندوب التي نخرج بها من الصدمات ليست عيوباً يجب دفنها، بل هي مفاصل بنائية تشكل قصتنا الإنسانية الفريدة. واستعادة الشغف بعد الانطفاء لا تعني محو أثر الصدمة، بل يعني أن علينا أن ننظر إلى تلك الآفات والندوب باعتبارها أوسمة مرونة نضجت بها أرواحنا.

«في وسط الشتاء وجدت في داخلي أخيراً صيفاً لا يُقهر.»

— ألبير كامو

إن هذه الفلسفة الإنسانية العميقة تجسدها الثقافة اليابانية أجمل تجسيد في فلسفة وفن الكينتسوغي (Kintsugi)، حيث يرمم الفخار المكسور بالذهب السائل. هذا الفن الأصيل لا يسعى لإخفاء الشروخ، بل يبرزها كمواطن جمال وقوة، مما يجعل القطعة المرممة أكثر أصالة وتفرداً. وهكذا، فإن رحلة التعافي ليست رحلة «عودة»، بل رحلة «ولادة». فالشخص الذي ينهض من الانطفاء ليس هو نفسه الذي سقط؛ بل هو إنسان أصيل أكثر، مرن أكثر، وعميق أكثر. وكما قالت رولينغ ذاتها: «الصخور في قاع البئر هي التي تُبنى منها السلالم.»

✦ وقفة تأمل ✦

انظر إلى ندبةٍ واحدة في حياتك — ليست بالضرورة جسدية — واسأل نفسك:

«ما الذهب الذي يمكن أن يملأ هذا الشق؟»

ففي وسط الشتاء، قد تجد في داخلك أخيراً

صيفاً لا يُقهر.

مراجع مختارة للتعمق

• Frankl, V. E. (1946). Man’s Search for Meaning.

• Tedeschi, R. G., & Calhoun, L. G. (1995). Trauma and Transformation: Growing in the Aftermath of Suffering.

• Duckworth, A. (2016). Grit: The Power of Passion and Perseverance.

• Hayes, S. C. (2005). Get Out of Your Mind and Into Your Life (علاج القبول والالتزام).


مقالات الكاتبة ذات الصلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى