لماذا يجذبنا الخبر السيئ أكثر من الخبر السار؟ قراءة في قوة الانحياز إلى السلبية

ذ هدى بركات
مستشارة نفسية وأسرية
الكلمات المفتاحية: الانحياز إلى السلبية، حماية الانتباه، الأخبار السيئة-Negativity bias, attention protection, bad news.
Abstract
Drawing on Roy Baumeister and John Tierney’s The Power of Bad, this article examines why people are more attracted to bad news and more deeply affected by it than by positive information. The brain evolved primarily to protect human beings and ensure survival; consequently, it gives greater priority to threats, losses, criticism, and fear than to gains, praise, safety, and joy. Modern media and digital platforms exploit this natural tendency through breaking news, alarming headlines, and engagement-driven algorithms, potentially exhausting the mind and distorting our perception of reality. Protection does not require ignoring news or denying genuine dangers. It involves regulating media consumption, choosing reliable sources, pausing to verify information before reacting, and distinguishing real threats from temporary emotional responses. Mental resilience also requires noticing positive experiences, turning anxiety into useful action, protecting sleep, taking regular breaks from screens, and nurturing healthy relationships. The article concludes that attention is a vital human resource, and understanding negativity bias helps preserve psychological balance, clear thinking, and freedom of choice.
قراءة في كتاب «قوة الانحياز إلى السلبية» لروي بومايستر وجون تيرني
تقديم
أنتَ يا من تقرأ مقالتي هذه، هل فكّرت يوما في سؤال بسيط: لماذا يجذبنا الخبر السيئ أكثر من الخبر السار؟ لماذا نتعقّب الأخبار السيئة ونجعلها توجّه بوصلة تفكيرنا، بل مشاعرنا، وحتى قيمنا؟ هل لأننا مهيّأون فطريا لهذا، أم أنها مصيدة التكنولوجيا الحديثة والعالم الرقمي الجديد؟ هذا ما ستحاول هذه المقالة التي بين يديك مناقشته، استنادا إلى كتاب «قوة الانحياز إلى السلبية».

يُعدّ كتاب «قوة الانحياز إلى السلبية»، الصادر سنة 2019، من أبرز الكتب التي تناولت ظاهرة «تأثير السلبية» كما تُعرف في الأدبيات النفسية؛ وهي ظاهرة نفسية وسلوكية عميقة في العقل البشري، ألا وهي ميل أدمغتنا إلى التركيز على التجارب والمعلومات السلبية وإعطائها وزنا وأهمية أكبر بكثير من التجارب والمعلومات الإيجابية.
ومن أهم ما يميّز هذا الكتاب أنه يجمع نتائج عشرات الدراسات في علم النفس والاقتصاد السلوكي وعلم الأعصاب وعلم الاجتماع، كما يميّزه أسلوبه الذي يجمع بين الدقة العلمية واللغة البسيطة. أما مؤلفاه فهما روي بومايستر، عالم النفس الأمريكي الذي يُعدّ من أكثر علماء النفس تأثيرا في العقود الأخيرة، حيث ركّزت أبحاثه على الإرادة وضبط النفس والهوية والعلاقات الإنسانية واتخاذ القرار ومعنى الحياة؛ وجون تيرني، الصحفي والكاتب العلمي الأمريكي الذي عمل سنوات طويلة في صحيفة نيويورك تايمز، وساعده أسلوبه وخبرته الطويلة على تفهّم كتابات العالم النفسي وترجمتها بلغة بسيطة إلى جمهور واسع من الناس.
أولا: تجربة صغيرة تكشف حقيقة كبيرة
تخيّل أنك عدتَ إلى منزلك بعد يوم شاق: خلال ذلك اليوم أثنى عليك رئيسك، وابتسم في وجهك زميلك، وشكرك أحد عملائك، لكن في نهاية اليوم انتقدك مديرك بكلمة واحدة. قبل أن تنام، أيّ المواقف ستتذكر؟
وتخيّلي أنك قمتِ بتدبير شؤون المنزل وحرصتِ على نظافته، وأوصلتِ الأبناء إلى مدارسهم، وهيّأتِ غذاءهم، واستقبلتِ الجميع بابتسامة دافئة، فعانقكِ الأبناء امتنانا وقبّلكِ الزوج حبا ومودة، لكن على مائدة العشاء انتقدكِ زوجك بعبارة واحدة. قبل أن تنامي، أيّ المواقف ستتذكرين؟ غالبا ستعود وستعودين إلى تلك الكلمة الجارحة.
هذه ليست علامة على ضعف شخصيتك أو تشاؤمك، بل هي الطريقة التي يعمل بها دماغنا، وهذه هي الفكرة الجوهرية التي يعالجها كتاب «قوة الانحياز إلى السلبية» لعالم النفس روي بومايستر والكاتب جون تيرني. وهكذا أطلق الكاتب مقولة أصبحت من أشهر العبارات في علم النفس: «السيئ أقوى تأثيرا من الجيد.»

لماذا إذن يبقى السيئ في الذاكرة؟ لماذا نتذكر كلمة نقد واحدة بينما ننسى عشرات كلمات الثناء؟ ولماذا يفسد موقف واحد يوما كاملا؟ يؤكد الكاتبان أن العلاقات الاجتماعية والأسرية تُبنى على الثقة ببطء، لكنها تتضرر بموقف واحد قد يتّسم بالإهانة أو عدم الاحترام أو الخيانة؛ فالإنسان يتذكر الإساءة أكثر مما يتذكر الثناء والإحسان. وقد دعمت أبحاث جون جوتمان هذه النتيجة، إذ بيّنت أن العلاقات المستقرة تحتاج إلى كثير من التفاعلات الإيجابية لمعادلة تأثير التفاعلات السلبية. لذلك ينصح الكاتبان، لإنجاح العلاقات الاجتماعية عموما والأسرية خاصة، بتجنّب السلوكيات التي تهدم الثقة، لا الاكتفاء فقط بكثرة الثناء والكلمات الجميلة.
ثانيا: لماذا صُمّم دماغنا بهذه الطريقة؟
الجواب ببساطة: دماغنا لم يُصمَّم للسعادة، بل للبقاء. كان الإنسان القديم بحاجة ماسة إلى اكتشاف الأخطار بسرعة حتى يبقى على قيد الحياة؛ لذلك تعلّم الدماغ عبر التطور أن يسأل دائما: «هل يوجد خطر؟»، لا أن يسأل: «هل يوجد ما يبعث على الفرح والسعادة؟». ومن هنا نشأ ما يسمّيه علماء النفس «الانحياز إلى السلبية»، أي الميل الطبيعي الفطري إلى ملاحظة الأخطار قبل أي شيء آخر.
هذه الآلية التكيفية ساعدت الإنسان على البقاء عبر إعطاء الأولوية لاكتشاف الأخطار؛ فالدماغ يتعامل مع الإشارات السلبية باعتبارها تحذيرات تستحق انتباهه. وهذا ما يؤكده بومايستر: إن ردود أفعالنا الجسدية والعاطفية تجاه المثيرات السلبية — كالانتقاد والخطأ والخسارة والخوف — تكون أسرع وأشد من ردود أفعالنا تجاه المثيرات الإيجابية كالثناء والأمان والمكسب والفرح.لقد تعلّم دماغ الإنسان، عبر آلاف السنين، أن يمنح الخطر الأولوية حفاظًا على البقاء. وما زال يعمل بالآلية نفسها حتى اليوم؛ غير أن مصادر التهديد تغيّرت: فبعد أن كان الإنسان يترقّب أسدًا مفترسًا، أصبح يستنفره خبر عاجل، أو تعليق غاضب، أو إشاعة تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ثالثا: لماذا تؤلمنا الخسارة أكثر مما يفرحنا الربح؟
يرى بومايستر أن الدماغ يبالغ كثيرا في تقدير الخسارة، لكنه لا يبالغ بالقياس نفسه في تقدير الربح. تخيّل مثلا أنك ربحت اليوم ألفي درهم، ستشعر لا محالة بالفرح؛ لكنك إذا فقدت في اليوم الموالي ألفي درهم، فغالبا سيكون ألمك وحزنك أشد من الفرح الذي شعرت به عند الربح. ولهذا يتردد كثير من الناس في بدء مشروع جديد، أو تغيير وظيفة، أو اتخاذ قرار في حياتهم؛ ذلك لأن احتمال الخسارة يشغل حيزا من تفكيرهم أكبر بكثير من احتمال النجاح.
رابعا: لماذا يجذبنا الخبر السيئ أكثر من الخبر الجيد؟
لماذا نتعقّب الخبر السيئ أكثر من الخبر السار؟ تُعدّ هذه الفكرة من الأفكار المحورية في الكتاب. ينطلق الكاتبان من أن الأخبار التي تتحدث عن الكوارث والجرائم والأزمات تستقطب اهتمام الجمهور أكثر من غيرها، وهذا ما تغذّيه وتعمّقه الخوارزميات ووسائل التواصل الاجتماعي، مما يجعلنا كل يوم، وكل ساعة، وكل دقيقة، عرضة لأعاصير من الأخبار التي تصنع تفكيرنا، وتثير انتباهنا، وتغيّر مزاجنا ونظرتنا إلى العالم.
خامسا: كيف نحمي عقولنا؟
إذا كان الدماغ مهيّأً بطبيعته لالتقاط الأخبار السيئة وتضخيم الأخطار، فهل نستطيع مقاومة هذا الميل؟ وهل يمكن أن ندرّب عقولنا على قدر أكبر من المرونة والاتزان؟ الجواب نعم، لكن الأمر لا يتعلق بالهروب من طبيعة الدماغ، بل بفهمها ثم تعلّم كيفية إدارتها. فالدماغ ليس جهازًا جامدًا، وإنما يتغير بالتدريب والتكرار والخبرة. وكلما درّبناه على التوقف والتحقق وإعادة التقييم، أصبح أقل اندفاعًا وراء الخوف وأكثر قدرة على رؤية الصورة كاملة. لا يطلب منا الكتاب أن نتجاهل الأخبار المزعجة، أو أن ننكر الأخطار، أو أن نعيش داخل وهم مريح. فبعض الأخبار السلبية ضروري لتنبيهنا وحمايتنا واتخاذ القرارات المناسبة. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاطلاع إلى استهلاك متواصل، وعندما نسمح لكل إشعار عاجل، أو تعليق غاضب، أو إشاعة مجهولة، بأن يقتحم عقولنا ويستنزف مشاعرنا. وكما نختار ما يدخل إلى أجسادنا، ينبغي أن نختار ما يدخل إلى أذهاننا؛ فالإفراط في الأطعمة الجاهزة يرهق الجسم، والإفراط في الأخبار السيئة يرهق الجهاز العصبي، ويجعل الإنسان في حالة تأهب دائم، حتى عندما لا يكون أمام خطر حقيقي.

ولا تعني حماية العقل الانقطاع عن العالم، بل تنظيم العلاقة معه. يمكن أن نخصص وقتًا محددًا لمتابعة الأخبار مرة أو مرتين في اليوم، بدل تفقد الهاتف كل بضع دقائق. كما ينبغي أن نختار مصادر موثوقة، وأن نقرأ الخبر كاملًا قبل التفاعل معه، وألا نسمح للعناوين المثيرة وحدها بتوجيه مشاعرنا. ومن المفيد أيضًا إيقاف الإشعارات غير الضرورية، وتجنب متابعة الأخبار قبل النوم مباشرة، لأن الدماغ يحتاج إلى الهدوء حتى يستعيد توازنه. وعندما يصلنا خبر مخيف، علينا أن نتوقف لحظة ونسأل: هل يمثّل هذا الأمر خطرًا مباشرًا عليّ؟ هل أملك معلومات كافية عنه؟ هل يمكنني القيام بشيء مفيد، أم أنني أستهلك خوفي فقط؟ هذه الأسئلة البسيطة تنقلنا من الاستجابة التلقائية إلى التفكير الواعي. فالخبر الذي يمكن أن نفعل حياله شيئًا يحتاج إلى خطة، أما الخبر الذي لا نملك التأثير فيه فلا ينبغي أن نمنحه ساعات من القلق والاجترار.
ومن وسائل العلاج أيضًا تدريب العقل على ملاحظة الجيد، لأن الأحداث الإيجابية موجودة، لكنها لا تفرض نفسها على انتباهنا بالقوة نفسها التي تفرض بها الأحداث السلبية حضورها. لذلك ينبغي أن نتوقف عند كلمة الثناء، وأن نستحضر ما أنجزناه خلال اليوم، وأن نمنح لحظات الأمان والفرح وقتًا كافيًا لتترسخ في الذاكرة. ويمكن في نهاية كل يوم تسجيل ثلاثة أمور جيدة حدثت لنا، مهما بدت بسيطة. ليس الهدف تجميل الواقع، بل تصحيح الميزان الذي يميل تلقائيًا نحو الجانب السيئ. وفي العلاقات الإنسانية، من الضروري ألا نترك كلمة جارحة واحدة تمحو تاريخًا كاملًا من المودة. قبل إصدار الحكم، يمكن أن نسأل: هل هذا السلوك متكرر أم حادث عابر؟ هل قصد صاحبه الإساءة، أم خانه التعبير؟ وما الذي تقوله العلاقة في مجموعها؟ وفي الوقت نفسه، لا ينبغي استخدام مفهوم الانحياز إلى السلبية لتبرير الإهانة أو العنف المتكرر؛ فهناك فرق بين تضخيم خطأ عابر وتجاهل أذى حقيقي يحتاج إلى مواجهة وحدود واضحة.
وتزداد مرونة العقل عندما نحول القلق إلى فعل. فبدل متابعة أخبار المرض طوال اليوم، نهتم بصحتنا ونلتزم بالفحوص الضرورية. وبدل الغرق في أخبار الأزمات، نساعد شخصًا أو ندعم مبادرة نافعة. وبدل اجترار الانتقاد، نبحث عن الجزء الصحيح فيه ونحوّله إلى فرصة للتحسن. الفعل يعيد إلينا الشعور بالقدرة، بينما الاستهلاك السلبي المتواصل يضعنا في حالة انتظار وعجز. كما يحتاج الدماغ إلى نوم كافٍ، وحركة بدنية، وعلاقات آمنة، وفترات من الهدوء بعيدًا عن الشاشات. فالعقل المتعب يكون أكثر حساسية للأخبار المزعجة وأقل قدرة على تنظيم انفعالاته. وإذا أصبح الخوف أو الحزن أو متابعة الأخبار يعطل النوم والعمل والعلاقات مدة طويلة، فقد يكون من المفيد طلب مساعدة نفسية متخصصة.
إننا لا نستطيع إلغاء الانحياز إلى السلبية، لأنه جزء من نظام الحماية في دماغنا، لكننا نستطيع منعه من قيادة حياتنا. والهدف ليس أن نرى العالم ورديًا، بل أن نراه بحجمه الحقيقي: نعترف بالخطر حين يكون موجودًا، ونستجيب له بوعي، من دون أن نسمح لكل خبر سيئ بأن يتحول إلى أسد يطاردنا داخل عقولنا. بمعنى آخر: كيف ندرّب عقولنا لتصبح أكثر مرونة وتطورا؟ وكيف نهرب من قدر أدمغتنا؟ لا يطلب منا الكتاب أن نتجاهل الأخبار أو أن نعيش في وهم، بل يدعونا إلى أن نختار وننتقي ما يدخل إلى عقولنا كما نختار ما يدخل إلى أجسادنا. فكما أن الإفراط في الأطعمة الجاهزة يضر بالجسم، فإن الإفراط في الأخبار السيئة يرهق العقل، ويشلّ الحركة، ويجعل الإنسان في وضعية الانتظار والعجز بدل الحركة والفعل والإنجاز.
خاتمة
الانتباه هو أثمن ما يملك الإنسان، وما نسمح له بالدخول إلى عقولنا اليوم سيشارك في تشكيل أفكارنا ومشاعرنا ونظرتنا إلى العالم غدا، فلنحذر من الأمر. ورغم أن الكتاب يستند إلى علم النفس الحديث، فإنه يكرّر فكرة تلتقي مع خلاصات كثيرين سبقوه، وهي أن وعينا بطريقة عمل عقولنا يمنحنا قدرة أكبر على اختيار استجاباتنا، بدل أن ننقاد تلقائيا. فإذا كان القرن العشرون قد علّم الإنسان كيف يحمي جسده، فإن أحد تحديات القرن الحادي والعشرين هو أن يتعلم كيف يحمي انتباهه؛ فالانتباه هو البوابة التي تعبر منها الأفكار إلى العقل، ومنها تتشكّل المشاعر، ثم القرارات، وأخيرا الحياة نفسها. يقول الفيلسوف الرواقي إبيكتيتوس:
«ليس ما يحدث لنا هو ما يزعجنا، بل الطريقة التي نفسّر بها ما يحدث»
وأعتقد أن حماية القلب والعقل من فوضى المعلومات، ومن الأخبار المضللة، ومن الاستهلاك العشوائي للمحتوى، بما يحفظ للإنسان توازنه النفسي وصفاء تفكيره وحريته في الاختيار، هي أولى الأولويات عند الإنسان اليوم. ورأيي أن الانتباه يبقى ثروتنا الأصيلة في عصر وسائل التواصل الحديث، وأن هذا الكتاب يساعدنا على فهم عميق للانحياز إلى السلبية، وعلى حماية اهتمامنا في عالم متغير ومتشابك.




