Uncategorized

د. احمد عمري : من حلب إلى عمّان وطهران… مسؤوليات إقليمية في خدمة البحث الزراعي

د. الحسـن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب، خبير و صحفي مهني


========================

بعد نحو عشرين سنة من العمل في المعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب، انتقل الدكتور أحمد عمري إلى مرحلة جديدة من مساره المهني داخل المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة – إيكاردا بسوريا. ولم تكن تلك المرحلة مجرد انتقال جغرافي من المغرب إلى سوريا، بل كانت انفتاحًا على فضاء علمي وإقليمي أوسع، جمع بين البحث الميداني، وتنسيق المشروعات، وإدارة المكاتب الإقليمية، والتعاون مع المؤسسات الوطنية في عدد من بلدان غرب آسيا. ومن حلب إلى عمّان، ثم إلى إيران، تعددت مسؤولياته، لكن البحث العلمي ظل الخيط الناظم لمساره، وظل الحفاظ على التنوع الحيوي الزراعي وتوظيفه في برامج التحسين الوراثي في صميم اهتمامه.

خمس محطات في مسار د. احمد عمري : حلب، عمّان، إيران، وحدة الأصول الوراثية، ثم حصيلة عشرين سنة في إيكاردا وأربعين سنة في البحث الزراعي.

في سطور

تستعرض الحلقة التاسعة مرحلة محورية من مسار الدكتور أحمد عمري داخل إيكاردا، بدأت بمشروع إقليمي للحفاظ على التنوع الحيوي الزراعي واستخدامه المستدام، ثم اتسعت لتشمل تنسيق مكتب إيكاردا لغرب آسيا في عمّان، والتعاون مع المؤسسات البحثية ووزارات الزراعة في عدد من دول المنطقة. وفي سنة 2005، أضيفت إليه مهمة تنسيق مكتب إيكاردا في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلى جانب مسؤولياته البحثية والإقليمية. وفي سنة 2008 عاد إلى المقر الرئيس للمركز في سوريا لتولي مسؤولية وحدة الأصول الوراثية، إلى جانب مهمة قيادية في برنامج التحسين الوراثي وحفظ التنوع البيولوجي. واستمر ارتباطه بإيكاردا إلى سبتمبر 2019، مختتمًا أربعين سنة من العمل في البحث الزراعي، من بينها عشرون سنة داخل المركز الدولي.

الحلقة التاسعة من مسار د. أحمد عمري

من حلب إلى عمّان وطهران… مسؤوليات إقليمية في خدمة البحث الزراعي

من مشروع محدد إلى مسؤولية إقليمية

كان المشروع الذي التحقت من أجله بإيكاردا مبرمجًا، في البداية، لمدة خمس سنوات، ثم مُدّد سنة إضافية. وبعد نحو سنتين من العمل في حلب، طلب مني المدير العام للمركز، سنة 2001، أن أتولى مهمة المنسق الإقليمي لمكتب إيكاردا لغرب آسيا، ومقره عمّان، وهي المهمة التي واصلت القيام بها إلى سنة 2008. لم يكن هذا التكليف منفصلًا عن عملي في مشروع الحفاظ على التنوع الحيوي الزراعي واستخدامه المستدام، بل كان امتدادًا له وتوسيعًا لدائرة مسؤولياتي. فقد أصبحت أتعامل بصورة مباشرة مع المؤسسات البحثية الوطنية ووزارات الزراعة في لبنان والأردن وسوريا وفلسطين والعراق وقبرص، وشاركنا في إعداد وتنفيذ عدد من المشروعات المشتركة التي استجابت لأولويات المنطقة الزراعية والبيئية. ولا أريد أن أطيل في الحديث عن تفاصيل تلك المشروعات، غير أنني أعتقد أننا ساهمنا في خلق دينامية جديدة للتعاون بين بلدان المنطقة، وفي بناء علاقات مهنية بين الباحثين والمؤسسات والوزارات المعنية. ولم تكن أهمية هذه التجربة مرتبطة بعدد المشروعات المنجزة فقط، بل بقدرتها على جمع أطراف متعددة حول أهداف مشتركة تتعلق بحماية الموارد الزراعية وتثمينها واستخدامها بصورة مستدامة.

شبكة من المكاتب والخبرات المتكاملة

أتاحت لي طبيعة عملي الإقليمي التعاون مع عدد من مكاتب إيكاردا الأخرى، ولا سيما مكتب شمال إفريقيا، الذي كان ينسقه الدكتور محمد المريد، ومكتب حوض النيل واليمن، الذي كان ينسقه الدكتور حبيب حليلة. وقد ساعدنا هذا التواصل بين المكاتب الإقليمية على تبادل الخبرات وربط المشروعات الوطنية برؤية أوسع، تستفيد فيها بلدان المنطقة من التجارب المتراكمة داخل إيكاردا ومن شبكة الباحثين والخبراء العاملين معها. ولا بد أن أذكر، في هذا السياق، الدعم الكبير الذي قدمه لنا الدكتور محمود الصلح. فقد كان في البداية مسؤولًا عن العلاقات الدولية، قبل أن يصبح مديرًا عامًا لإيكاردا. وكان لدعمه أثر واضح في تسهيل مهمتنا، وتقوية التعاون مع المؤسسات والجهات الرسمية في البلدان المعنية.

البحث أساس عملي وليس مهمة جانبية

على الرغم من تعدد المهام الإدارية والتنسيقية التي توليتها، فإنني لم أكن في أي مرحلة من مساري إداريًا بصورة كاملة. كنت أحرص دائمًا على أن يظل البحث العلمي هو الجزء الأكبر من عملي، وأستطيع القول إن ما لا يقل عن 70% من نشاطي ظل مرتبطًا بالبحث والتعاون المباشر مع الباحثين الوطنيين وبرامج التحسين الوراثي. وقد مكنني هذا التوازن بين الإدارة والبحث من التعرف إلى باحثين متميزين، والانفتاح على ثقافات وتجارب مختلفة، واكتشاف مجالات بحثية متعددة. كما أتاح لي أن أشارك بصورة مباشرة في إعداد البرامج البحثية وتنفيذها ومتابعتها، بدل الاكتفاء بالإشراف الإداري عليها. لذلك لم أنظر إلى التنسيق والإدارة بوصفهما مهمتين منفصلتين عن البحث، بل اعتبرتهما وسيلتين لتسهيل عمل الباحثين، وتقوية التعاون بين المؤسسات، وتحويل الأفكار العلمية إلى مشروعات قابلة للتنفيذ.

ثلاث مسؤوليات في وقت واحد

ابتداءً من سنة 2005، أُسندت إليّ مهمة ثالثة، هي تنسيق مكتب إيكاردا في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، واستمررت في أداء هذه المهمة إلى سنة 2009. وخلال تلك الفترة، كنت أجمع بين ثلاث مسؤوليات متوازية: تنسيق مشروع التنوع الحيوي الزراعي، وتنسيق مكتب إيكاردا لغرب آسيا في عمّان، وتنسيق مكتب إيكاردا في إيران. وقد تطلب ذلك قدرًا كبيرًا من التنظيم والتنقل والعمل المتواصل، وربط البرامج الإقليمية بالأولويات الوطنية لكل بلد. لكن هذه المسؤوليات المتعددة أتاحت لي، في المقابل، فرصة ثمينة للعمل مع أعداد كبيرة من الباحثين الوطنيين، والتعرف إلى ثقافات ومدارس علمية ومؤسساتية متنوعة، والمساهمة في تطوير مشروعات بحثية تجاوزت الحدود الجغرافية للدول.

إيران والدرس المستفاد من دعم البحث الزراعي

كانت إيران من البلدان التي ألهمتني خلال هذه التجربة، ولا سيما بسبب ما لمسته من اهتمام بالبحث الزراعي ودعم للبرامج العلمية. وقد ساهمت هناك في دعم برامج التحسين الوراثي، كما أنشأنا، بالتعاون بين المؤسسات الإيرانية وإيكاردا والمركز الدولي لتحسين الذرة والقمح CIMMYT، برنامجًا خاصًا باستنباط أصناف من القمح ملائمة للمناطق المروية. ولفت انتباهي ما كان يحظى به البحث الزراعي من دعم مؤسساتي، وما وفره ذلك من إمكانات للباحثين وللبرامج الوطنية. وأعتقد أن ما حققته إيران من اكتفاء ذاتي في عدد من المجالات الزراعية لم يكن منفصلًا عن الاهتمام المتواصل بالبحث العلمي وبرامج التحسين الوراثي. وقد رسخت هذه التجربة لدي قناعة واضحة، وهي أنه لا يمكن تحقيق نهوض حقيقي بالزراعة من دون دعم البحث الزراعي، وتقوية مؤسساته، وتوفير الإمكانات للباحثين، ثم تحويل نتائج المختبرات ومحطات التجارب إلى أصناف وتقنيات تصل إلى الحقول والمزارعين.

من التنوع الزراعي إلى السياسات العمومية

مكنني العمل في مشروع التنوع الحيوي الزراعي من التعامل مع مؤسسات ووزارات متعددة، فلم يقتصر تعاوننا على وزارات الزراعة والمؤسسات البحثية، بل امتد إلى قطاعات أخرى، من بينها وزارات التربية والتعليم، نظرًا إلى أهمية نشر الوعي بقيمة الموارد الوراثية والتنوع الزراعي داخل المجتمع. وأذكر، على وجه الخصوص، الدعم الذي قدمه لنا وزير الزراعة الأردني آنذاك، الدكتور محمود الدويري. فعندما انتقلت إلى الأردن سنة 2001، كان لدعمه أثر كبير في تسهيل مهمتنا، ومن خلاله تمكنا من التواصل مع عدد من وزراء الزراعة في المنطقة. كما نظمنا ورشة إقليمية حول السياسات الزراعية الداعمة للحفاظ على التنوع الحيوي الزراعي، احتضنها مقر جامعة الدول العربية في القاهرة، وحضرها عدد كبير من المختصين والمسؤولين. وقد ساهمت هذه الورشة في تعزيز وعي الدول المشاركة بأهمية المعاهدة الدولية بشأن الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة، وشجعتها على دعمها والانخراط فيها والتوقيع عليها. وبذلك انتقل عمل المشروع من تنفيذ الأنشطة العلمية والميدانية إلى الإسهام في توجيه السياسات العامة الداعمة لحماية الموارد الوراثية النباتية.

العودة إلى حلب وتولي مسؤولية الأصول الوراثية

في سنة 2008، استدعاني المدير العام لإيكاردا آنذاك، الدكتور محمود الصلح، وطلب مني العودة إلى المقر الرئيس للمركز في حلب بسوريا، لتولي مسؤولية وحدة الأصول الوراثية. كما أُسندت إليّ مهمة معاون مدير برنامج البحوث الخاص بالتحسين الوراثي وحفظ التنوع البيولوجي. وقد مثّلت هذه العودة انتقالًا جديدًا في مساري، من تنسيق المشروعات والمكاتب الإقليمية إلى تحمل مسؤولية مباشرة عن واحدة من أهم مجموعات الموارد الوراثية النباتية في العالم. وجمعت هذه المرحلة بين خبرتي في تربية النباتات، ومعرفتي بأصناف القمح والشعير وأقاربها البرية، وتجربتي الإقليمية في الحفاظ على التنوع الحيوي الزراعي. ولذلك كان عملي في وحدة الأصول الوراثية امتدادًا طبيعيًا لمسار بدأ من الحقول المغربية، ومر ببرامج البحث والتحسين الوراثي، ووصل إلى حماية الأصول النباتية التي تقوم عليها زراعة المستقبل.

عشرون سنة في إيكاردا وأربعون سنة في البحث الزراعي

واصلت أداء هذه المسؤوليات إلى شهر سبتمبر 2019، حين أنهيت عملي الرسمي داخل إيكاردا، بعد عشرين سنة من العمل في المركز وأربعين سنة من البحث في المجال الزراعي. وكان استمراري إلى سن السابعة والستين أمرًا استثنائيًا، لأن العمل في المنظمات الدولية ينتهي عادة في سن الثانية والستين، وكان من الممكن أن ينتهي عملي في سن الخامسة والستين، غير أن فترة خدمتي مُدّدت سنتين إضافيتين إلى سنة 2019. وحتى بعد انتهاء عملي الرسمي، ظللت مرتبطًا بإيكاردا بصفتي مستشارًا، أساهم بما راكمته من خبرة في المجالات التي كرست لها جزءًا كبيرًا من حياتي العلمية. لقد مكنتني هذه المرحلة من العمل في بلدان متعددة، والتعاون مع باحثين ومؤسسات وثقافات مختلفة، والجمع بين البحث والتنسيق والإدارة. ومع ذلك، ظل البحث العلمي دائمًا هو جوهر عملي، لأنني كنت مقتنعًا، وما زلت، بأن الإدارة الحقيقية للبحث ينبغي أن تظل قريبة من الباحثين ومن الحقول والمختبرات، ومن حاجات الزراعة والمزارعين.

بصمة المسار
«لن يكون هناك نهوض بالميدان الزراعي ككل من دون اهتمام حقيقي بالبحث الزراعي.»
— الدكتور أحمد عمري

في هذا الفيديو

يروي الدكتور أحمد عمري مرحلة مهمة من مساره داخل المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة «إيكاردا»، منذ انتقاله إلى تنسيق المكتب الإقليمي لغرب آسيا في عمّان، وعمله في مشروع الحفاظ على التنوع الحيوي الزراعي، وصولًا إلى توليه مسؤوليات متزامنة في الأردن وإيران وسوريا. ويتحدث عن تعاونه مع المؤسسات البحثية ووزارات الزراعة في عدد من بلدان المنطقة، ودوره في دعم برامج التحسين الوراثي وصون الموارد النباتية، مؤكدًا أن مسؤولياته الإدارية لم تُبعده عن البحث العلمي. كما يستعرض عودته إلى المقر الرئيس لإيكاردا في حلب سنة 2008 لتولي مسؤولية وحدة الأصول الوراثية، قبل أن يختتم عمله الرسمي في سبتمبر 2019، بعد عشرين سنة في إيكاردا وأربعين سنة من البحث الزراعي.

موقف لا يغيب من الذاكرة

وراء هذه الحلقة حكاية إنسانية ما تزال راسخة في ذاكرتي…

سافرتُ يومًا إلى سوريا رفقة زميلي وصديقي الراحل الدكتور عبد الحميد رمضاني، رحمه الله، للمشاركة في مؤتمر علمي، يحمل كل واحد منا بحثًا أعدّه ليعرضه أمام الباحثين والمتخصصين. تكفلت مؤسستنا، في حدودها الدنيا، بتذكرة الطائرة، والإقامة في فندق متواضع، ومبلغ محدود للتغذية؛ لكننا لم نتمكن من أداء رسوم المشاركة في المؤتمر، لأنها كانت تتجاوز قدرتنا المالية. كان الباحث المغربي الراغب في المشاركة في مؤتمر خارج البلاد يصطدم، في كثير من الأحيان، بقيود مالية وإدارية شديدة، وكأن حضور المؤتمرات العلمية ترف لا ضرورة علمية ومؤسساتية. وكم كان هذا الواقع يضع الباحثين والباحثات في مواقف محرجة، بدل أن يجدوا التشجيع الذي يستحقه العلم وأهله! وعندما وصلنا إلى باب مقر المؤتمر في سوريا، التقينا بالدكتور أحمد عمري. استقبلنا بحفاوة، وحين شرحنا له وضعنا وعدم قدرتنا على أداء رسوم التسجيل، لم يتردد لحظة واحدة، ولم يُشعرنا بأي حرج؛ بل أعطى توجيهاته على الفور لتسجيلنا تسجيلًا كاملًا، حتى نتمكن من حضور مختلف الجلسات وتقديم بحثينا مثل بقية المشاركين. قد يبدو هذا الموقف بسيطًا في نظر البعض، لكنه بالنسبة إلينا كان تعبيرًا صادقًا عن أخلاق الباحث الذي يعرف قيمة العلم، ويحترم زملاءه، ويفتح أمامهم الأبواب حين توصدها القيود المادية والإدارية. ولم أنسَ، منذ ذلك اليوم، ترحيبه وكرم تعامله؛ كما لم أنسَ رفيق تلك الرحلة، الدكتور عبد الحميد رمضاني، رحمه الله رحمة واسعة. واليوم، وأنا أقدم الحلقة التاسعة من مسار الدكتور أحمد عمري، تعود إليّ تلك الذكرى بكل تفاصيلها، فأكتشف أن ما فعله معنا لم يكن موقفًا عابرًا، بل كان جزءًا من شخصيته ومن مسار مهني كامل قام على التعاون وتقريب الباحثين وبناء الجسور بين المؤسسات والبلدان.

صورة نادرة | 1984

من ألبوم الذاكرة… د. أحمد عمري شابًّا في كانساس

صورة نادرة من سنة 1984، يظهر فيها أحمد عمري خلال مرحلة إعداد الدكتوراه بجامعة ولاية كانساس في الولايات المتحدة الأمريكية؛ سنواتٌ من الشباب والطموح، كانت تتشكل فيها ملامح مسار علمي طويل امتد من حقول المغرب إلى مراكز البحث الدولية. ألا ليت الشباب يعود يومًا!

“Ahmed as a PhD student at Kansas State University in America in the year 1984—if only youth would return one day.”
أحمد كطالب دكتوراه في جامعة ولاية كانساس بامريكا سنة 1984… ألا ليت الشباب يعود يومًا

===========================

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى