المنبر الحر

التطبيع منذ 1978 إلى اليوم: مسار في اتجاه واحد – محاضرة الدكتور المقرئ أبي زيد الإدريسي

د. الحسـن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب، خبير و صحفي مهني


❝
تنبيه تحريري موجز: تُنسب الآراء والروايات والأرقام الواردة في هذا العرض إلى المحاضر. وقد جرى الحفاظ على مضمون حديثه واستطراداته كما هي … .

في سطور : حين يصبح الوقت وقفًا على المعرفة

عرفتُ الدكتور أبا زيد المقرئ الإدريسي أول مرة من خلال جريدتَي «الراية» و«العصر». وكانت تربطني بالجريدة الثانية صلة خاصة؛ إذ كنت أكتب فيها كل أسبوع، في صفحة سمّيناها آنذاك «الصفحة العلمية». ثم جمعتني به مناسبة ما زلت أذكر تفاصيلها، على الرغم من أنني نسيت عنوان المحاضرة التي ألقاها يومها في مكناس. كُلّفت بإيصاله إلى الدار البيضاء بعد انتهاء اللقاء. وقبل أن ننطلق، تناولنا العشاء في أحد بيوت مكناس، وهناك لفت انتباهي أمر كنت قد سمعته عنه، لكنني لم أكن قد رأيته بنفسي. كان أحد الإخوة يعمل على تحويل محاضراته المسجلة حول موضوع معين إلى نص مكتوب، فاستغل وجود الدكتور ليعرض عليه بعض العبارات التي احتاجت إلى توضيح أو تصحيح. أخذ يسأله، والدكتور يجيبه ويراجع معه النص وهو يتناول طعامه. وحين انتهى العشاء، كانا قد صححا ما أمكن تصحيحه في تلك المدة القصيرة. قد يبدو هذا تفصيلًا عاديًا، لكنه بقي في ذاكرتي. كنت أمام رجل ألقى محاضرة، وأجاب عن أسئلة، ثم وجد وقتًا على مائدة العشاء ليساعد في إخراج كلامه مكتوبًا على نحو أدق. لم يكن الحديث عن حرصه على الوقت مبالغةً ممن يحبونه؛ فقد رأيت شيئًا منه في تلك الليلة. ركبنا السيارة، أنا وهو وصديق رافقنا. وبعد خروجنا من مكناس بقليل، استأذننا في أن ينام. تركناه يستريح، ولم نوقظه إلا حين دخلنا الدار البيضاء، فدلّنا على الشارع الذي أوقف فيه سيارته قبل أن يستقل القطار إلى مكناس. وقبل أن نصل إليها، ذكر لنا أنها، على الأرجح، لم تسلم من زيارة «أصحاب الحال»، وكان يقصد اللصوص. وللأسف، وجدنا عند وصولنا أن توقعه كان في محله. كلما تذكرت تلك الرحلة، تذكرت معها ما حكاه لي أحد الإخوة عن ملازمته للكتاب: قال إنك قد تطرق باب بيته، فيفتح لك والكتاب الذي يقرأه ما زال في يده. وهذه أرويها كما سمعتها، أما ما جرى على مائدة العشاء وفي الطريق إلى الدار البيضاء فقد شهدته بنفسي. وهي تفاصيل صغيرة قرّبت إليّ شخصيته، وجعلتني أقدّر أكثر ما وراء محاضراته وكتاباته من قراءة واجتهاد وتعب. أحب هذا الرجل، وأقدّر علمه وفكره المستنير وجرأته في طرح قضايا الأمة. لذلك، حين تابعت محاضرته عن بعد وأنا خارج المغرب «التطبيع منذ 1978 إلى اليوم: مسار في اتجاه واحد»، شعرت بأن من المفيد أن تبقى مادتها متاحة بعد انتهاء اللقاء. فقد كانت غنية بالأفكار والإحالات والأسئلة، وفي بعض مواضعها ما يحتاج إلى قراءة متأنية، أو رجوع إلى كتاب، أو مراجعة اسم وتاريخ. ومن هنا جاءت فكرة هذا المقال. أردت أن أضع بين يدي القارئ ما عرضه الدكتور وما أجاب به عن أسئلة المشاركين، في نص يسهل تتبعه والعودة إليه. تبدأ المحاضرة من الكلمات وتأثيرها في وعينا، ثم تميّز بين الأبعاد الحضارية والأخلاقية والسياسية للتطبيع، وتتتبع محطاته، قبل أن تصل إلى سؤال المكاسب والتنازلات: ماذا تحقق، ولمن، وبأي ثمن؟ حرصت على حفظ مضامين اللقاء، وجمع ما تفرق من أفكاره تحت عناوين واضحة، وتصحيح ما أمكن التحقق منه من أسماء وتواريخ ومراجع، مع إبقاء الآراء والروايات منسوبة إلى الدكتور. أما المحاور الثلاثة التي وعد باستكمالها، فقد تركتها للقاء الذي نرجو أن تتاح له فرصة إتمامه. هذا ما أردته من التوثيق: أن يجد من حضر اللقاء فرصة لمراجعته، وأن يتمكن من فاته من الاطلاع عليه. وهو أيضًا تعبير عن وفاء لرجل تعلّمت من صحبته القصيرة شيئًا بقي معي طويلًا: كم يمكن أن يتسع الوقت حين يعرف صاحبه قيمة ما يصنعه فيه.

د. الحسن أشباني

المقدمة: سؤال التطبيع بين تحرير الوعي ومساءلة المآلات

تحت عنوان «التطبيع منذ 78 إلى اليوم: مسار في اتجاه واحد»، استضاف اللقاء الفكري الدكتور المقرئ أبا زيد الإدريسي، المفكر والأكاديمي المغربي، لمناقشة طبيعة المسار الذي سلكته العلاقات العربية الإسرائيلية، ومحطاته، وأبعاده، والنتائج التي أفضى إليها.

وقدّمت مسيرة اللقاء ذ. فاطمة الزهراء سليمان الضيف بوصفه صاحب تجربة علمية وفكرية وسياسية جمعت بين التخصص الأكاديمي في اللغة واللسانيات، والانشغال بالفكر الإسلامي والواقع السياسي، والحضور المتواصل في النقاشات المتعلقة بالقضية الفلسطينية. وأوضح أن الغاية من المحاضرة بناء وعي أعمق يُبقي هذه القضية حية في الوجدان، ويؤكد مسؤولية النخب والجامعات والمجتمعات في البحث عن سبل عملية لنصرتها.

افتتح الدكتور حديثه بالبسملة والحمد والصلاة على الرسول وآله وصحابته، ثم حيّا المشاركين من مدينة مكناس ومحيطها، وكل من يتابع هذا النشاط. ودعا إلى استمرار هذه المبادرة وبركتها، وإلى أن يكون لها أثر فكري وثقافي وعملي. وذكر أنه اتفق على موضوع المحاضرة وعنوانها مع الأستاذ عبد اللطيف كتفي، الذي كان قد استهل اللقاء بتقديم نبذة عن سيرة الضيف ومساره العلمي والفكري، مشيدًا بغزارة علمه وإسهاماته ومكانته على الصعيدين الوطني والدولي. ومنذ البداية، أوضح أن موضوع التطبيع أوسع من أن تستوعبه محاضرة واحدة؛ فهو، بحسب متابعته الممتدة منذ سنة 1993، أي منذ ثلاثة وثلاثين عامًا، يندرج في ثلاثة مستويات أساسية: المستوى الحضاري، والمستوى الأخلاقي، والمستوى السياسي. وأعلن أنه سيقتصر أساسًا على المستوى السياسي، مع إشارات إلى المستويين الآخرين، لأنهما يحتاجان إلى معالجة أوسع وأعمق.

أولًا: المستوى الحضاري… ما يتجاوز الاتفاقيات إلى تشكيل الإنسان

يرى الدكتور أن المستوى الحضاري هو أغنى مستويات الموضوع وأكثرها عمقًا وتشعبًا؛ إذ تتداخل فيه الفلسفة، وعلم السياسة، والتاريخ، والأنثروبولوجيا، ومقارنة الأديان، والاقتصاد، والدبلوماسية، والإعلام. ولذلك يقدّر أن دراسته الجادة تحتاج إلى مقرر يمتد سنة كاملة، بحصة أسبوعية لا تقل عن ست ساعات. ويحيل، لفهم هذا المستوى، إلى كتيّبه عن القضية الفلسطينية: «أفهم القضية الفلسطينية ليكون لي موقف»، وإلى ملحقه المعنون «كتب لا بد أن تُقرأ». ويذكر أنه جمع فيه، بحسب خبرته، أهم الكتب التي تتناول القضية الفلسطينية والمسألة الصهيونية معًا، وأن ثلث العناوين تقريبًا، عند ضم الملحق إلى قائمة المصادر والمراجع، يتناول الأبعاد الحضارية للقضية.

ويستعيد تجربته في جريدة «التجديد»، حيث نشر، في الصفحة الأخيرة أولًا ثم في صفحة داخلية، سلسلة بعنوان «التطبيع إبادة حضارية». وكانت هذه السلسلة جزءًا من زاوية «اخترت لكم»، التي بلغت نحو مائتي حلقة؛ خصص قرابة مائة وثلاثين منها للتعريف بكتب متنوعة ونقل مقتطفات منها، ثم استأثر موضوع التطبيع بنحو سبعين حلقة أو أكثر. ويذكر أن بعض الشباب جمعوا هذه المواد وصوّروها، فصارت في مجلدين، لكن لم تتيسر إمكانات نشرهما. ويقول إنه اتُّهم آنذاك بالمبالغة والتهويل والتضخيم والعاطفية، وإن الجريدة نشرت، من باب الرأي والرأي الآخر، مقالة ناقدة للدكتور محمد براوي، بلغت، بحسب وصفه، حد الشتم واتهامه بعدم استخدام العقل. غير أنه يسترجع تلك المرحلة ليؤكد أن ما حذّر منه لم يكن قد ظهر بعد بالحدة التي كشفت عنها الوقائع اللاحقة في غزة، منذ شارون والحكومات المتعاقبة وصولًا إلى نتنياهو، وفي الضفة الغربية والقدس، فضلًا عما يراه من آثار في دول إسلامية، في مقدمتها مصر والمغرب.

ويشرح أنه كان يركز، في محاضراته ومحاضرات الدكتور مصطفى الحيا وآخرين، على خطرين: خطر الاختراق، وخطر مماطلة الجانب الإسرائيلي في تنفيذ التزاماته، مقابل إلزام الطرف العربي بتنفيذ ما تعهّد به. أما الخطر الثالث، الذي يقول إنه لم يتصوره بهذه الصورة، فهو توظيف التطبيع في تدمير فلسطين، شعبًا وأرضًا وتاريخًا ووجودًا. ومن هنا يوضح أن عبارة «الإبادة الحضارية» كانت تشير إلى مسار أعمق من تبادل المصالح المباشرة، وأن العودة إلى السلسلة والمراجع تساعد على فهم هذا المقصود.

ثانيًا: المستوى الأخلاقي… التضامن حين يتحمل أصحابه الثمن

يصف الدكتور المستوى الأخلاقي بأنه مستوى إنساني رفيع يحتاج بدوره إلى محاضرات مطولة، لكنه يجد تجسيده الحي في مواقف أحرار من غير المسلمين في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا، ولا سيما فرنسا، وفي أمريكا اللاتينية. ويذكر الأحزاب والحكومات اليسارية، والنقابات، واتحادات الطلبة، والأطباء، والصحفيين، مشيرًا إلى أن التضامن في الأرجنتين وتشيلي والبرازيل معروف منذ زمن.

وفي استطراد عن البرازيل، يهنئ بما يصفه بفوز لولا دا سيلفا على بولسونارو، ويراه ضربة لنتنياهو وترامب. ويتحدث عن الأب المسجون والابن المرشح داخل تيار بولسونارو، باعتبارهما ممثلين لاتجاه أمركة أمريكا اللاتينية وتصهينها. ويصف لولا بأنه جدير بالتقدير وبمحاضرات مستقلة، ويذكر أن عمره واحد وثمانون عامًا، وأنه في ولاية رابعة، مع انقطاع بين الولايتين الأولى والثانية والولايتين الثالثة والرابعة، مرّ خلاله بالسجن والتعذيب ظلمًا. ويقارن ذلك بما يذكره عن سجن مادورو. ثم ينتقل إلى التحول في أوساط الفنانين وممثلي هوليوود وكتّاب السيناريو. ويولي كتّاب السيناريو أهمية خاصة، لأن الحوارات التي يكتبونها تسهم، في نظره، في تشكيل العقل البشري. ويذكر قيام ائتلاف داخل هوليوود من أجل فلسطين، وظهور مشروعات أفلام لم تجد بعد طريقها إلى الإنجاز، بسبب التفاوت بين القوة الفكرية للكتّاب وضعف إمكاناتهم المالية.

وفي المقابل، يقول إن أغلب رأس المال في هوليوود مرتبط بصناديق استثمار سعودية وإماراتية وقطرية وبحرينية، وإن ممثلي هذه الصناديق في مجالس الإدارة ينشغلون بالأرباح والأسهم والبورصة أكثر من انشغالهم بمضامين الأفلام. ويستحضر صورًا أخرى للموقف الأخلاقي: شبابًا ومسنين تجاوز بعضهم التسعين تسحلهم الشرطة الألمانية أو الفرنسية، لكنهم يواصلون الوقوف أمام «ماكدونالدز» أو متاجر تدعم الجيش الإسرائيلي؛ وممثلًا يعلن أنه حُرم المشاركة في الأفلام وقطع مورد رزقه وتضرر مستقبله، لكنه يعتز بمساندة فلسطين؛ ومغنيًا يصعد منصة في ملعب أمام آلاف الحاضرين، فيطرح العلم الإسرائيلي ويدوسه، ثم يرفع العلم الفلسطيني ويلوح به. ويرى في هذه الأمثلة تعبيرًا عن تضامن يتجاوز الحساب الشخصي ويتحمل أصحابه كلفته.

ثالثًا: المستوى السياسي… اختبار التطبيع بمنطق المصلحة

يختار الدكتور التركيز على المستوى السياسي، الذي يصفه، مقارنة بالمستويين السابقين، بأنه أفقر وأبسط، على خطورته؛ فهو مستوى مصلحي وماكيافيلي، يمكن الاقتراب منه في محاضرة واحدة. والغاية، وفق شرحه، إقامة الحجة على أنصار التطبيع باللغة التي يحتجون بها: فإذا كانوا لم يحققوا مكسبًا حتى في الحساب السياسي المباشر، وخسروا، في تقديره، بينما ربحت إسرائيل، فكيف يمكن الدفاع عن المسار في المستوى الأخلاقي الرفيع أو المستوى الحضاري العميق؟ ولتقريب الفرق، يقترح تشبيهًا يجعله مفتاحًا لفهم المستويات الثلاثة: استهداف المستوى السياسي يشبه طعن الجسد، واستهداف المستوى الأخلاقي يشبه إصابة القلب، أما استهداف المستوى الحضاري فيشبه إصابة الدماغ والعقل. ومن هذا المدخل ينتقل إلى اللغة، بوصفها مثالًا محدودًا لكنه كاشف للبعد الحضاري.

وعلى هذا الأساس، يبني الدكتور معالجته انطلاقًا من سؤالين مترابطين: بأي لغة قُدِّم التطبيع، وإلى أي نتائج قاد مساره؟ فقبل مساءلة المكاسب والخسائر، يتوقف عند الاسم الذي أُعطي لهذه العلاقة، وما يحمله من افتراضات قد تُوجّه فهمها وتُهيّئ لقبولها. ومن تحرير المصطلح ينتقل إلى تتبّع المحطات التاريخية، ليرصد تغيّر وتيرة الاتفاقيات، واتساع مجالات التعاون، وتحول ردود الفعل على الممارسات الإسرائيلية. وبهذا التدرّج، يصل بين الكلمة التي تؤطّر الوعي والسياسة التي تصنع الوقائع، ممهّدًا للأسئلة التي أعلن تأجيل تفصيلها إلى لقاء لاحق: ماذا ربح المطبّعون، وما الثمن الذي دفعوه، وماذا ربحت إسرائيل؟

المحور الأول: تحرير مصطلح التطبيع وسلطة الكلمات

اللغة إطار نرى من خلاله العالم

يرى المحاضر أن مناقشة مصطلح «التطبيع» وحده قد تستغرق الليل إلى صلاة الفجر، لأن قبول المصطلح قد يكون، في حد ذاته، بداية تفوق الطرف الذي صاغه. ويعد خداع المصطلحات من أخطر ما يُخدع به العقل. ويستعين بالسيميائيات، التي يقدّمها بوصفها فرعًا من اللسانيات، لشرح أن النظر إلى العالم تؤطره اللغة؛ فالمفردات مفاتيح إلى الخارج، وهي كذلك إطارات نوافذ تحدد زاوية النظر ومستواه وأبعاده، وما يظهر للإنسان وما يُحجب عنه. ويشير إلى «نظرية الأطر»، مبينًا أن المفردة قد تؤطر عقل الفرد وموقفه، كما تؤطر شعبًا أو حضارة أو أمة أو ثقافة أو فلسفة أو علمًا.

ومن هذا المدخل، يتساءل عن تركيز القرآن على «كلمات الله»، ويستشهد بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (سورة لقمان، الآية 27)، وبوصف عيسى بأنه كلمة الله، وبتعليم آدم الأسماء كلها. ويشرح أن اللغة تتضمن أسماء وأفعالًا وحروفًا، وأن للأسماء أهمية خاصة لأنها تحيل إلى الذوات، بينما تحيل الأفعال إلى الأحداث، والحروف إلى الروابط. والذوات، في عرضه، تشكل العمود الفقري لمكونات العالم الذي يدركه العقل والوعي بواسطة اللغة.

من يتحكم في المصطلح يتحكم في العلاقة

يحيل الدكتور إلى كتاب ميشيل فوكو «الكلمات والأشياء»، ويصف صاحبه بعبارات الإعجاب بعبقريته وغرابة أطواره، ثم يذكر «حفريات المعرفة»، ويرى أن الكتابين يتساندان في تقديم صورة شبه متكاملة عن فلسفته. ويدعو الحاضرين إلى تدوين العناوين والمطالعة، لأن الوقت لا يسمح بقراءة النصوص أو التعريف التفصيلي بها. ويستخلص من «الكلمات والأشياء» أن من يتحكم في المصطلح يتحكم في العلاقة؛ فالحضارة التي تنتج المصطلحات تملك قدرة على تشكيل عقول الآخرين، ورسم علاقات الهيمنة والتأطير والقولبة والتوجيه. ويربط ذلك بما يسميه عبد الوهاب المسيري «الانحياز الحضاري»، ويرى أن الكلمات تصنع هذا الانحياز وتُديمه. ويقدّم اللغة، في قراءته لفوكو، بوصفها سلطة قد يفوق خطرها سلطة الحاكم والعسكري؛ لأن السياسة والقوة العسكرية قد تحتلان الجسد، بينما تحتل اللغة العقل. ومن هنا يستخدم مقابلة لفظية بين «التطبيع» و«التضبيع»، ليقول إن من صاغ المصطلح وضع إطار اللعبة وخديعتها منذ البداية. ويضعه ضمن سلسلة ألفاظ يرى أنها تؤدي أدوارًا مشابهة، مثل «الإرهاب» و«السلام»، ثم يعود إلى أمثلة تاريخية يشرح بها تغير دلالات الكلمات.

الحروب الصليبية: حين تمنح التسمية تبريرًا للفعل

يقول المحاضر إن عبارة «الحروب الصليبية»، التي أصبحت لاحقًا ذات حمولة سلبية، أدّت زمن هيمنة الكنيسة على الوعي والفكر والسياسة والعمل العسكري والاقتصادي وظيفة تبريرية؛ فقد سُمّي، بحسب عرضه، العدوان على الشرق، وعلى سوريا وفلسطين ومصر، نصرةً للصليب، وأُلبس معنى دينيًا وأخلاقيًا وروحيًا. ويستحضر كثافة حضور الصليب على الملابس من الأمام والخلف، وعلى أغطية الخيل والبهائم، وعلى السيوف والتروس وحتى أواني الطبخ، لتوضيح قوة التأطير الرمزي. ثم يقول إن ما تكشف من دموية تلك الحروب وهمجيتها واستئصالها وإبادتها، وما ظهر من بُعد ممارسات القائمين بها عن أخلاق المسيح والمسيحية، إلى جانب تحولات النهضة والحداثة والعلمانية ومفارقة الكنيسة، غيّر مدلول المصطلح وجعله قدحيًا.

«الكشوفات الجغرافية»: هل تُكتشف أرض يسكنها أهلها؟

يطرح الدكتور السؤال نفسه على تعبير «الكشوفات الجغرافية» في المقررات الدراسية: كيف تُكتشف أرض يسكنها أهلها أصلًا؟ ويرى أن الاسم يوحي بأرض خالية قفراء وصل إليها مكتشفون ثم سكنوها، كما لو كانوا جماعات قديمة تبحث عن غابة أخرى حين يقل الماء والكلأ، أو عربًا يرتحلون في الصحراء بحثًا عن أسباب بقاء الإنسان والماشية. وبذلك، في رأيه، تحجب كلمة «الكشف» واقع الاحتلال ووجود السكان السابقين.

الاستعمار والإمبريالية: كيف تتبدل حمولة المصطلحات؟

يناقش الدكتور «الاستعمار» بوصفه مشتقًا من العمران، ثم «الإمبريالية» المشتقة من الإمبراطورية، و«الكومبرادور» و«الرأسمالية» و«اليمين». ويقول إن بعضها قد يبدو اليوم إدانة، لكنه استُخدم ابتداءً لتأطير الوعي الغربي وتبرير العدوان والاحتلال والإبادة، قبل أن تقلب المقاومة الثقافية الطويلة والتحولات التاريخية دلالاته على أصحابه. غير أن الانكشاف، كما يشدد، يأتي أحيانًا بعد أن يكون المصطلح قد أدّى دوره. ويشيد بدور كارل ماركس والفكر الماركسي في تعرية مصطلحات الرأسمالية والإمبريالية والكومبرادور، ويذكر في هذا السياق كتاب «الإمبريالية أعلى درجات الرأسمالية» لفلاديمير لينين.

الأبارتهايد: الفصل الإداري الذي يخفي نظامًا عنصريًا

يتوقف المحاضر عند «الأبارتهايد»، فيميز بين الأفريكانر ذوي الأصل الهولندي، الذين يقدّر وجودهم في جنوب إفريقيا بنحو أربعمائة سنة، والإنجليز الذين يقدّره بنحو مائتي سنة. ويذكر وجود حزبين قبل انتصار مانديلا، وينسب صياغة المصطلح إلى الأفريكانر تحديدًا، تجنبًا لخلط جميع البيض. ويشرح أن اللفظ قُدّم كما لو كان مجرد فصل إداري أو إجرائي أو وقائي وأمني بين جماعات تقيم كل واحدة منها في جهة. ويشبه ذلك بتسمية «الجدار العازل» الإسرائيلي، الذي يصف وظيفته بأنها سجن. ويرى أن مانديلا، بفكره ونضاله، كشف حقيقة المصطلح وفضح النظام الذي يستره، مثلما كشف النقد الماركسي حقائق مستترة خلف مصطلحات اقتصادية وسياسية.

هرتزل وسيسيل رودس: الإمبريالية بوصفها قيمة في خطاب أصحابها

يستشهد الدكتور برسالة يقول إن تيودور هرتزل بعثها إلى سيسيل رودس سنة 1898، متقربًا منه لاستمالته إلى مشروع إنشاء إسرائيل، ومقدمًا نفسه بصفته إمبرياليًا مثله. ويصف رودس بأنه من كبار الأثرياء المسيحيين الذين بلغ نفوذهم حد إطلاق اسمه على «روديسيا». ويروي عن موقع هذه المنطقة ومآلها وإعادة إدماجها على يد شخص اسمه «بيك بوتا». والمقصود من المثال، وفق المحاضر، أن وصف «الإمبريالي» كان يُستعمل في خطاب أصحابه بوصفه قيمة إيجابية، قبل أن يتحول إلى وصف إدانة.

«الحماية» في المغرب: كشف الاحتلال من وراء الاسم

ينتقل الدكتور إلى مصطلح «الحماية»، ويصفه بأنه تزوير للحقيقة، لأن الأمر، في نظره، احتلال لا حماية. ويعزو فضح التسمية إلى الحركة الوطنية، لا من حيث نضالها فقط، بل من حيث ما امتلكه رجالها من ثقافة وعلم. ويرى أن هذا العمل جعل «الحماية» أشد قبحًا في الوعي من «الاستعمار»، مع أن الأخير استمد صيغته من العمران.ويستشهد بقوله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (سورة هود، الآية 61)، موضحًا أن المعنى القرآني هو طلب عمارة الأرض التي استخلف الله الإنسان فيها؛ فهو معنى إيجابي ورسالة إنسانية، بينما حمّلت الممارسة التاريخية الكلمة معناها الاستعماري المعروف. ويخص بالذكر محمد بن الحسن الوزاني، داعيًا إلى تخصيص محاضرة للتعريف به، يمكن أن يتولاها باحث مثل سلمان بونعمان أو مختص آخر، ولو حضوريًا. ويثني على غزارة كتابته، ويقارنها بإنتاج قادة الحركة الوطنية، بمن فيهم المختار السوسي صاحب «المعسول» في عشرين مجلدًا. ويقول إن سلسلة «جهاد القلم» وحدها تبلغ خمسة وعشرين مجلدًا، وهي، بحسب وصفه، مقالات كان الوزاني ينشرها في الجريدة اليومية لحزب الشورى والاستقلال. ويحيل خصوصًا إلى كتابه «الحماية جناية على الأمة المغربية».

المكي الناصري وشكوى الاستعمار إلى عصبة الأمم

يذكر المحاضر المكي الناصري، قائلًا إنه ألّف في نحو العشرين من عمره، عامي 1922 أو 1923، كتابين أو تقريرين: أحدهما عن تدمير الاستعمار للغة العربية، والآخر عن تدميره للإسلام. ويقول إنه قدمهما إلى عصبة الأمم في جنيف شكوى من الاستعمار، بعد نحو عشر سنوات من بدايته، موضحًا أن المنظمة القائمة بين الحربين العالميتين كانت عصبة الأمم، لا الأمم المتحدة. ويضيف المحاضر أنه لم يعرف هذه التفاصيل من المكي الناصري نفسه، بل وجدها ضمن استطرادات كتاب لمحمد العمراني الحنشي، الذي يصفه بعبقري غريب الأطوار، ويدعو له بالرحمة، مشيرًا إلى أن الحنشي كان قد توفي قبل نحو ثلاث سنوات.

وينقل عنوان الكتاب بصيغة «أين كانت القرويين عندما قرر الآباء البنديكت برنامج إصلاحها؟»، ويصفه بأنه كتاب صادم. وبحسب عرضه، تناول الكتاب اجتماعًا سريًا في دير تومليلين سنة 1956، بعد شهور من الاستقلال، بينما كان المغاربة يحتفلون في الشوارع. ويقدّم الدير بوصفه مؤسسة تنصيرية ما تزال قائمة ومفتوحة، تضم مستشرقين وكهنة ورهبانًا كبارًا في الثقافة. ويقول إن الآباء البنديكت، الذين يربط اهتمامهم بالمجال الثقافي والحضاري والاستعمار الخفي، وضعوا فيه برنامجًا لإصلاح القرويين. وفي سياق كشف هذا البرنامج، استحضر العمراني الحنشي تقريري الناصري، بما تضمناه، وفق المحاضر، من تفاصيل وإحصاءات وأرقام.

السلام والإبراهيمية والعولمة: مساءلة وظيفة الألفاظ

يصل الدكتور من هذه الأمثلة إلى الحاضر، فيضع «السلام» و«الإبراهيمية» و«التطبيع»، إلى جانب شعارات نشر الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمرأة والطفل والأقليات، ضمن ألفاظ يرى أنها قد تُوظف للهيمنة الثقافية والسياسية والتشريعية والأمنية والحضارية والاقتصادية. كما يقرأ «العولمة» بوصفها تعميمًا للنموذج الغربي ييسر فتح الأسواق أمام صناعاته وصادراته، ويرى أن «المثاقفة»، التي يذكر مقابلها الفرنسي، قد تستر غزوًا ثقافيًا. ويعيد تأكيد أن قبول المفردة دون مساءلتها قد يعني قبول الإطار الذي صاغه الطرف الأقوى.

لماذا يعترض على تسمية العلاقة مع إسرائيل «تطبيعًا»؟

يختم المحاضر هذا المحور بأن التطبيع يعني، من حيث الصياغة، عودة الأمور إلى أصلها الطبيعي. ويتساءل: هل إقامة علاقات دبلوماسية وسياسية بين إسرائيل والمغرب أو مصر أو السعودية أو تركيا أو إندونيسيا تعني استعادة وضع طبيعي سابق؟ ويقابل ذلك بأمثلة يراها أقرب إلى المعنى: تصالح المغرب والجزائر، أو فتح الحدود بين الكوريتين، أو عودة العلاقات السلمية بين السودان وجنوب السودان، أو توقف التوتر بين إريتريا وإثيوبيا. فهذه، كما يقول، كيانات قائمة، وراءها شعوب وحضارات ولغات وديانات وتاريخ وجغرافيا وإثنوغرافيا وديموغرافيا، نشبت بينها نزاعات ثم يمكن أن تعود إلى السلم. أما إسرائيل، التي يصفها بأنها كيان مفروض ومزروع يرفض شرعيته، فلا يرى أن علاقتها بالدول المذكورة تدخل في المعنى نفسه. ولذلك يعتبر قبول لفظ «التطبيع» جزءًا من قبول تصور الطرف الآخر لطبيعة العلاقة.

المحور الثاني: كرونولوجيا التطبيع وإيقاع التحول السياسي

ثلاثون عامًا قبل المحطة العربية الأولى في تحقيبه

يقترح الدكتور تتبع كرونولوجيا التطبيع لاستخراج دلالة الإيقاع نفسه. ويستأذن في استعمال اسم «إسرائيل» اختصارًا، بدل تكرار أوصاف مثل «الكيان الغاصب»، مؤكدًا أن ذلك اختيار لغوي لتيسير العرض، لا إقرارًا منه بشرعية الدولة. ويبدأ بسنة 1948، سنة قيام إسرائيل، ثم سنة 1978، ليقول إن ثلاثين عامًا مرّت قبل أن تقدم دولة عربية على التطبيع الرسمي وفق التحقيب الذي يعتمده. ويميز بين هذا المستوى والعلاقات السرية، التي يقول إنها كانت قائمة مع المغرب والأردن، وبمستويات أخرى يُعرف بعضها ولا يُعرف بعضها. ويحيل إلى كتاب «مقاومة التطبيع: ثلاثون عامًا من المواجهة»، الذي ينسبه إلى منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، لاستكمال صورة المستويات الأقل ظهورًا.

وينبّه المحاضر إلى أنه يتحدث عن العالم العربي تحديدًا، لأن دولًا إسلامية سبقته إلى إقامة علاقات مع إسرائيل. فقد اعترفت تركيا بإسرائيل في 28 مارس 1949، في عهد الرئيس عصمت إينونو، الذي تولى الرئاسة بعد وفاة مصطفى كمال أتاتورك سنة 1938، وافتتحت أول ممثلية دبلوماسية تركية لدى إسرائيل في 7 يناير 1950. أما إيران، في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، فقد اعترفت بإسرائيل اعترافًا بحكم الواقع في مارس 1950، ثم تطورت العلاقات بين البلدين لاحقًا. وبذلك، سبق الاعتراف الإيراني مغادرة الشاه البلاد وعودته خلال أزمة إسقاط حكومة محمد مصدق في أغسطس 1953.

كما يروي المحاضر دهشته حين زار السنغال ووجد سفارة إسرائيلية فيها، مستحضرًا العلاقات التي نشأت في عهد الرئيس ليوبولد سيدار سنغور خلال مطلع الستينيات. وقد شهدت هذه العلاقات تعاونًا ثم قطيعة؛ إذ قطعت السنغال علاقاتها الدبلوماسية بإسرائيل سنة 1973، قبل استئنافها سنة 1994. ويحيل، للتوسع في موضوع الحضور الإسرائيلي في القارة الإفريقية، إلى كتاب «الحصار القاسي: مأساتنا في إفريقيا» للدكتور عماد الدين خليل، الذي يتناول الاستعمار والصهيونية والتنصير في إفريقيا.

مصر: الدولة الكبرى و«عمود الخيمة»

يرى المحاضر أن بدء المسار العربي بمصر سنة 1978 لم يكن بدءًا بأي دولة؛ فمصر هي الدولة العربية الكبرى و«الأخت الكبرى»، وعمود الخيمة الذي يهدد سقوطه بسقوطها. ويربط ذلك بقاعدة استراتيجية ينسب أصلها إلى تجربة صلاح الدين، ويقول إن بن غوريون ومؤسسي إسرائيل فهموها بعمق: «لا حرب بدون مصر، ولا سلام بدون سوريا». ويشرح أن خروج مصر من المعادلة يعطل قيام حرب عربية شاملة، بينما بقاء سوريا خارجها يمنع تحقق سلام كامل. ويقول إن سوريا تُجر إلى هذا المسار عبر مؤامرات تحيط بها من الجهات المختلفة، ويصف أطرافها بأنها ممسوكة أمريكيًا وإسرائيليًا، مشيرًا إلى الدروز في الجنوب الشرقي، والأكراد في الشمال الشرقي، والنصيريين والمسيحيين في الغرب، وفق التوزيع والتوصيف الواردين في حديثه. وبحسب تحليله، لم تخض الأنظمة العربية بجيوشها حربًا مشتركة بعد خروج مصر من المعادلة سنة 1978. ويستثني حرب لبنان سنة 1982، حين واجهت القوات السورية الاجتياح الإسرائيلي وخاضت معارك برية وجوية، ولا سيما في سهل البقاع، وتكبدت خسائر كبيرة. وقد جرت هذه المواجهات إلى جانب قتال القوات الفلسطينية واللبنانية، دون تدخل جيوش دول عربية أخرى لمواجهة الاجتياح.

من مصر إلى الفلسطينيين ثم الأردن

بعد ثلاثين عامًا حتى المحطة المصرية، يحسب الدكتور خمسة عشر عامًا إلى محطة سنة 1993. ويشير إلى أن الطرف الثاني لم يكن قويًا من حيث الدولة والإمكانات، لكنه بالغ الأهمية لأنه الطرف الفلسطيني المعني مباشرة بالقضية. ويذكر توقيع ياسر عرفات وإسحاق رابين، بإشراف بيل كلينتون في الولايات المتحدة، يوم 13 سبتمبر 1993، على ما يسميه أثناء الحديث اتفاق «غزة أريحا أولًا». ويدعو لعرفات بالمغفرة في سياق اعتراضه على الاختيار السياسي، مع بقاء تسمية الاتفاق المرتبط بهذا التاريخ من مواضع الضبط اللازمة. ويقارن صورة التوقيع بالصورة السابقة في كامب ديفيد، حيث كان أنور السادات ومناحم بيغن، وبينهما الرئيس الأمريكي جيمي كارتر.

ثم ينتقل إلى اتفاق وادي عربة مع الأردن سنة 1994، بعد سنة واحدة، ليؤكد تغير الإيقاع: ثلاثون عامًا، ثم خمسة عشر عامًا، ثم عام واحد. ويذكر، إلى جانب الاتفاقيات الكبرى، فتح المغرب مكتب اتصال، وفتح قطر مكتبًا تجاريًا، والزيارات المتبادلة مع سلطنة عمان. ويقول إن إسرائيل كانت تستفيد في الأثناء من علاقاتها بمصر وتركيا والفلسطينيين، ويذكر أيضًا علاقات مع إندونيسيا، التي يصفها بدولة عظمى من حيث ثقلها السكاني، ويقدّر سكانها بمائتين وثلاثين مليونًا.

سنة 2020: ثلاث دول في عام واحد

يتوقف الدكتور عند اتفاقيات الإمارات والبحرين والمغرب سنة 2020، ويرى أن دخول ثلاث دول في مسار التطبيع خلال عام واحد يمثل تحولًا في حجم الدفعة، ويشبّه ذلك بمن تأخر إنجابها ثم أنجبت توأمًا. فقد وقّعت الإمارات والبحرين اتفاقيهما مع إسرائيل في واشنطن يوم 15 سبتمبر 2020، ضمن «اتفاقيات أبراهام»، ثم وُقّع الإعلان المشترك بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل في الرباط يوم 22 ديسمبر من السنة نفسها. وجاءت هذه المحطة بعد ست وعشرين سنة من اتفاق وادي عربة الأردني الإسرائيلي سنة 1994.

وينتقل المحاضر من هذه الاتفاقيات السياسية إلى مناقشة البعد الديني الذي يربطه بمشروع «بيت العائلة الإبراهيمية». وهذا المشروع مجمّع ديني وثقافي في أبوظبي، افتُتح رسميًا في 16 فبراير 2023، ويضم مسجدًا وكنيسة وكنيسًا؛ وهو مشروع مستقل عن اتفاقيات أبراهام الموقعة سنة 2020. والنتيجة التي يريد إثباتها أن التطبيع انتقل من تباعد المحطات إلى تقاربها وتعدد الأطراف الداخلة فيه، ثم انتقل، في قراءته، من العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية إلى المجال الديني.

«البيت الإبراهيمي»: التطبيع عندما يمس المرجعية الدينية

يقول المحاضر إن الحديث عن «البيت الإبراهيمي» يعيده اضطرارًا إلى المستوى الحضاري الذي أراد تجنبه لضيق الوقت، لأنه يمس الدين؛ أي ما يشبه، في تشبيهه، النخاع الشوكي والمخ والقلب. ويعترض على الرأي الذي يفترض أن تمييع الأديان الثلاثة سيصيب اليهودية بالمقدار نفسه الذي يصيب به الإسلام والمسيحية. ويرى أن الصورة تُعرض في اتجاهين، بينما يجري التطبيق في اتجاه واحد. ويستحضر الماسونية مثالًا لما يعدّه تسوية شكلية بين الأديان لا تتكافأ فيها التنازلات. ويعرض اختلاف الأقوال في نشأتها، بين من يردها إلى قرون بعيدة، أو إلى القرن الأول الميلادي، أو إلى فرسان الهيكل في القرن الحادي عشر.

ويقول، في إطار تفسيره الخاص، إن اليهود الذين ينسب إليهم قيادة هذا المسار حافظوا على دينهم بعيدًا عن الدمج، بينما انخرط الآخرون فيه. ويقرب فكرته بمثال قوانين الأسرة والأحوال الشخصية والمواريث. فيقول إن الأوروبيين سبقوا إلى إصلاحها منذ نحو قرن، بينما بقي اليهود خارج بعض مقتضياتها. ويشير إلى مشروع سنة 2003 في المغرب، الذي يقول إن عنوانه الأول نص على عدم شمول يهود المغرب واقتصاره على المسلمين. ويعمم المثال على تطوير الخطاب الديني وحوار الأديان ووحدتها؛ فالمبادرة، بحسب رأيه، قد تبدو مشتركة، بينما تستثني النواة الدينية اليهودية نفسها بدعوى عدم خضوعها لسلطة السياسيين أو العلمانيين المشاركين.

يوسي بيلين وقراءة كواليس الاتفاق الفلسطيني

يحيل الدكتور إلى كتاب مصطفى بكري «غزة أريحا: الأوراق السرية»، ويصفه بأنه من أجود ما كتب عن الخفايا التي صاحبت الاتفاق. ويقول إنه صدر سنة 1993، بعد التوقيع بشهر تقريبًا، وتعددت طبعاته خلال شهرين، مع عدم ذكر عدد الطبعات في المحاضرة. ويميز بين تقديره للكتاب وموقفه السلبي من صاحبه في الحاضر، إذ ينتقد ما يصفه بتأييد بكري المفرط للسيسي، لكنه يرى أن الإنصاف يقتضي عدم إهدار قيمة العمل السابق. ويستحضر دور يوسي بيلين في استدراج عرفات، بحسب قراءته، إلى توقيع الاتفاق. ويصفه بأنه ظهر في صورة يساري ماركسي ثوري وتقدمي، متعاطف مع العرب ومعارض لليمين الإسرائيلي، مع كونه في الوقت نفسه مستشارًا لرئيس الوزراء الإسرائيلي. ويستخدم المثال للتحذير من الاطمئنان إلى الخطاب الشخصي المرن دون النظر إلى الوظيفة السياسية التي يؤديها صاحبه.

❝
يوسي بيلين: سياسي وأكاديمي إسرائيلي، وُلد سنة 1948، وارتبط بحزب العمل. شغل منصب نائب وزير الخارجية بين 1992 و1995، في عهد وزير الخارجية شمعون بيريز وحكومة إسحاق رابين. وكان من أبرز المبادرين إلى قناة التفاوض السرية التي أفضت إلى اتفاق أوسلو سنة 1993. تولى لاحقًا وزارة العدل، وشارك مع ياسر عبد ربه في إطلاق «مبادرة جنيف» غير الرسمية سنة 2003، لاقتراح تسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

«الحضارة اليهودية المسيحية»: هل كانت المراجعات متبادلة؟

يعود المحاضر إلى سلطة المصطلح عبر عبارة «الحضارة اليهودية المسيحية»، التي يقول إن بعض كبار مفكري الغرب يعترضون عليها بوصفها تركيبًا يخفي تاريخ الصراع والاضطهاد والاختلاف العقدي بين الديانتين. ويستحضر التباين حول مكانة المسيح، وما ينسبه إلى النظرة اليهودية إليه، في مقابل تأليهه في العقيدة المسيحية، ليسأل عن الأساس المشترك الذي يبرر المصطلح وفق تصوره. ويصل ذلك بكتاب صمويل هنتنغتون «صدام الحضارات»، وبكتاب فرانسيس فوكوياما «نهاية التاريخ والإنسان الأخير»، قائلًا إن أثر هذه الأفكار لم ينته بانتهاء الضجة الإعلامية حولها. وينسب المحاضر الأبوة الفكرية لهذا الاتجاه إلى هنري كيسنجر، الذي يصفه بأنه مفكر وسياسي أمريكي يهودي، ذكي وخطير وعنصري، بحسب تعبيره. ويستحضر في السياق نفسه كتاب «صدام الحضارات» لصمويل هنتنغتون وكتاب «صدام الثقافات» لبرنارد لويس، رابطًا هذه الكتابات بما يراه خلفية فكرية للتصور الغربي للعلاقة مع الحضارات الأخرى.

ويرى أن هذه المرجعية تعبر بعمق عما يعبّر عنه ترامب، في رأيه، بجهل وسطحية. ويستعير وصف روجيه غارودي «مثقفو البنتاغون»، ليتحدث عن مثقفين يقدمون، بحسب نقده، تسويغًا أخلاقيًا وثقافيًا لغزو العراق وأفغانستان. ثم يعود إلى فكرته الأساسية: اعتماد تصور «الحضارة اليهودية المسيحية» لم يؤد، في قراءته، إلى مراجعة دينية متبادلة، بل إلى تنازلات مسيحية لا يقابلها تراجع مماثل في الموقف اليهودي من المسيح والمسيحية.

مارتن لوثر والبروتستانتية في عرض المحاضر

يقدم الدكتور مارتن لوثر بوصفه مصلحًا كبيرًا واجه البابا وكسر احتكار الكنيسة الكاثوليكية. وينسب إليه مائة وثلاثًا وتسعين ملاحظة إصلاحية حولها إلى برنامج. ويذكر كتابًا له بعنوان «المسيح يهوديًا»، ويروي أنه تقرب فيه إلى اليهود، وأن الخطاب البروتستانتي جعلهم شعب الله المختار، وجعل البروتستانت، في الصيغة التي يعرضها، شعبًا مختارًا ثانيًا لخدمة الأول. وينقل عبارات شديدة التذلل في وصف هذه العلاقة، ويعدّها جوهر الخلل الذي ينتقده. ويشير المحاضر إلى تأثير البروتستانتية في تشكيل الفكر والثقافة في عدد من البلدان، منها الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا وهولندا وآيسلندا، إضافة إلى بريطانيا وإيرلندا الشمالية، مع ذكر اسكتلندا تحديدًا ضمن السياق البريطاني. ويعرض من الإصلاحات المنسوبة إليها زواج رجال الدين، وإباحة الطلاق، وترجمة الكتاب المقدس، ومراجعة تفسير الخطيئة وصلب المسيح والتطهير منها، وبعض التصورات المتعلقة بالخبز والخمر والجسد والدم.

ويقول إن لوثر أراد استمالة اليهود إلى المسيحية بالتقرب إليهم، ثم انتهى، بعد تأليف ستة كتب بحسب روايته، إلى كتاب «اليهود وأكاذيبهم»، حين يئس من تحولهم. ويذكر أن عبد الصمد بن الكبير ترجمه ونشره ضمن سلسلة «الملتقى»، ويدعو إلى قراءته. ثم يروي أن البروتستانت اللوثريين والكالفينيين، أي أتباع لوثر وكالفن، اجتمعوا بعد نحو أربعة قرون وقدموا أمام كبار الحاخامات اعتذارًا عن هذا الكتاب. ويصف كالفن بأنه الابن الروحي للوثر، والأشد منه في الاتجاه الذي ينتقده. ويعيد التأكيد على أن دراسة هذه التحولات تستحق مقررًا سنويًا كاملًا.

مشهد من زيارة الحسن الثاني لكندا

يستعيد الدكتور ما يتذكره من نقل تلفزيوني لزيارة الحسن الثاني لكندا سنة 1986، يوم كانت قناة واحدة تعرض الأنشطة الملكية. ويروي أن الملك، أمام جمهور يهودي تأثرت فيه إحدى الحاضرات إلى حد البكاء، بدأ بالبسملة والصلاة على النبي محمد ثم على موسى، وتحدث عن صديقه الحاخام. ثم يصف كلمة ممثل الطائفة اليهودية المغربية الكندية، الذي بالغ، بحسب روايته، في مدح الملك ومجاملته، لكنه صلى على موسى وحده، ولم يذكر محمدًا أو عيسى. ويلاحظ المحاضر أن الملك أشار إلى صداقته بحاخام يهودي، بينما لم يتضمن رد ممثل الطائفة إشارة مماثلة إلى صداقة مع أحد علماء المسلمين؛ وهو ما يقدمه مثالًا على عدم التبادل في إشارات التقارب.

بورجيا والماسونية: استطراد تاريخي يقدمه بوصفه تحقيقًا شخصيًا

يصرح المحاضر بأن تحقيقه الشخصي يرده إلى نشأة الماسونية في محيط الفاتيكان، حين وصل، بحسب قوله، رجل يهودي يدعى بورجيا إلى البابوية سنة 1502، أي قبل خمسمائة وأربعة وعشرين عامًا وفق حسابه في اللقاء. ويروي أن ذلك جرى في زمن عداء الكنيسة لليهود واضطهادهم واتهامهم بقتل المسيح، وأن هذا البابا أحدث، في وصفه، تحولًا استثنائيًا في تاريخ البابوية الممتد ألفي سنة، شمل الدين والسياسة والاقتصاد والعسكر والأمن والفن. وينسب المحاضر إلى هذا البابا استقدام الفنان مايكل أنجلو وتزيين الفاتيكان بالرسوم والتماثيل. ويقول إن الكنيسة كانت قبل ذلك تتأرجح بين السماح بهذه الأعمال الفنية ومنعها، وإن الاتجاه الرافض لها تأثر بالموقف اليهودي، ثم وجد في الموقف الإسلامي ما يعزز رفضه، بحسب رواية المحاضر. كما يروي أنه فرض حضور زوجته أو عشيقته في احتفالات تنصيبه، رغم منع زواج البابا والرهبان، وأنه أورث الكرسي لابنه المولود خارج الزواج، وفق الرواية التي ساقها. ويستخدم الاستطراد لشرح ما يسميه خبرة قديمة في دعوة الآخر إلى خلط ديانته، مع احتفاظ الطرف الداعي بخصوصيته. ثم يعود إلى «البيت الإبراهيمي»، فيربطه بالتدخل في الصلاة والزكاة والحج، وبالتسييس الذي ينتقده، ويقابل بين اتهام بعض الناس بـ«تجارة الدين» وبين مشاريع يرى أنها تعيد تشكيل الدين سياسيًا.

عبد المجيد الصغير وتجربة التعريف بكتابه

يدعو المحاضر إلى قراءة كتاب «الديانة الإبراهيمية» للفيلسوف المغربي الدكتور عبد المجيد الصغير، مشيرًا إلى أن له عنوانًا فرعيًا طويلًا لم يستحضره أثناء اللقاء. ويصفه، في حدود اطلاعه، بأنه الكتاب الوحيد الذي عالج الموضوع بهذا العمق الفلسفي، وناقش رفض المشروع من زوايا سياسية وأخلاقية وفلسفية. وقد استعان بالحاضرين عبر الشاشة لاستحضار اسم المؤلف، قبل أن يستقر عليه ويؤكده. ويروي أنه أراد، خلال إحدى جلسات مشروع «سواعد الإخاء» المخصصة للحديث عن سيدنا إبراهيم، أن يعرض كتاب عبد المجيد الصغير ويعرّف المشاركين بأبرز أفكاره. فطلب موافقة الدكتور محمد السيد، القائم على المشروع، الذي كان يتحفظ على عرض الكتب خلال اللقاءات، حرصًا على ألا تتحول إلى جلسات أكاديمية متخصصة. وبعد أن أوضح له أهمية الكتاب وصلته بموضوع الجلسة، وافق على تقديمه، فتولى المحاضر التعريف به وتلخيص مضمونه.

من تغير إيقاع الاتفاقيات إلى تغير ردود الفعل

يلخص الدكتور قراءته في انتقالين متلازمين: الانتقال من انتظار ثلاثين عامًا قبل محطة عربية أولى إلى دخول دول على فواصل أقصر، أو دخول ثلاث دول في عام واحد؛ والانتقال من العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية إلى مشاريع تمس المجال الديني. لكنه يضيف أن قراءة تواريخ الاتفاقيات لا تكفي؛ لأن وتيرة ردود الفعل على الممارسات الإسرائيلية تكشف تحولًا آخر لا يقل أهمية.

التجربة المصرية: أزمات وسفراء وطابا وتعويضات

يقول المحاضر إن مصر، رغم التطبيع، أبقت في البداية على ردود فعل قوية نسبيًا حين ترى أن إسرائيل لا تلتزم بما اتُّفق عليه. ويشير إلى سنوات السادات بين 1978 و1981، حتى اغتياله، ثم إلى العشرين سنة الأولى من حكم حسني مبارك الذي امتد ثلاثين عامًا. ويذكر أزمات واستدعاء سفراء ووقف تبادل، وفترة متصلة بلغت خمس سنوات بقي فيها السفير المصري في القاهرة ولم يعد إلى تل أبيب. ويستحضر معركتين بعد استرداد سيناء: معركة قانونية لاسترجاع مثلث طابا، الذي يقدّر مساحته بكيلومتر مربع واحد ويصفه بالحساس استراتيجيًا، ويقول إن مصر استردته عبر القضاء الدولي؛ ومعركة تتعلق بمطالبة إسرائيل بتعويضات عن منشآت وبنايات وطرقات تركتها في سيناء. وينتقد احتجاج الجانب الإسرائيلي بنصوص من المواثيق الدولية والعهد الدولي واتفاقيات جنيف، قائلًا إن اتجاه التعويض ينبغي أن يكون من المستعمِر إلى المستعمَر، لا العكس. ويضيف أن التوتر بلغ أحيانًا حد الامتناع سنوات عن استقبال مسؤولين إسرائيليين. ويتساءل من الذاكرة إن كان مبارك قد زار إسرائيل، ثم يذكر أن المسؤولين الإسرائيليين هم الذين كانوا يأتون إليه؛ فتُحفظ صيغة تردده بدل تحويلها إلى نفي تاريخي قاطع.

من رد الفعل الضعيف إلى التجاهل ثم الحماس

يرى الدكتور أن المسار انتقل من اعتراض ضعيف لكنه قائم، إلى التجاهل حين تُنقض الاتفاقات ويُعتدى على الفلسطينيين، ثم إلى الحماس وتسريع العلاقات في توقيت الجرائم نفسها. ويستعين بالتعبير المصري «أُذن من طين وأُذن من عجين»، للدلالة على تجاهل الاعتراضات على التطبيع والتصرف كأنها لم تُسمع. ويضرب أمثلة على ما يعتبره انقلابًا في منطق الأشياء: إزالة أسماء عربية لشوارع القدس بالتزامن مع إعادة أسماء يهودية إلى شوارع في مراكش؛ ونسف أنفاق في فلسطين بالتزامن مع إنشاء أنفاق في المغرب واستضافة إسرائيليين في مناورات عسكرية؛ وارتكاب أفعال شنيعة يقابلها، بحسب قوله، دعم إماراتي بالأموال والسلاح والغذاء. ويعرض هذه الأمثلة بوصفها قراءته للتزامن السياسي والرمزي.

تركيا: تشابك الاقتصاد والسياسة

يتوقف المحاضر عند تركيا، حيث يقول إن إدانة أردوغان للممارسات الإسرائيلية ترافقت مع زيادة الصادرات التركية إلى إسرائيل «بسبعة»، ويؤكد أنه لا يدافع عن أردوغان، بل يشرح تعقيد بنية الدولة وتشابك المصالح وعدم قدرته على التدخل في كل شيء. ويذكر وجود تجمعين كبيرين لرجال الأعمال والصناعيين في تركيا: «موصياد» (MÜSİAD)، الذي يربطه باتجاه إسلامي ذي صلة بإرث أربكان، وتجمع آخر يصفه بالعلماني، «توسياد» (TÜSİAD)، أي جمعية الصناعيين ورجال الأعمال الأتراك ويقول إن التيارات العلمانية بنت قاعدة اقتصادية منذ عهد أتاتورك، وإن أربكان، عندما كان على رأس اتحاد المنظمات الزراعية والتجارية والصناعية، أسهم بدوره في بناء قاعدة اقتصادية موازية. وبحسب عرضه، يقاطع رجال أعمال إسلاميون إسرائيل ويتحملون خسائر، بينما تستمر شركات أخرى صار ارتباطها بالاقتصاد الإسرائيلي عضويًا، كما يرى أنه وقع لبعض الفاعلين في المغرب.

ويذكر أن إسرائيل تستورد من تركيا أربعين في المائة من الألمنيوم، وأن جزءًا مهمًا منه يدخل في الصناعات العسكرية، إلى جانب مواد زراعية وغذائية ومنتجات صناعية دقيقة. ويستنتج أن توقف هذا الإمداد يضغط على إسرائيل بقوة. كما يقدّر أن نحو خمسين في المائة من النشاط الاقتصادي التركي المتجه إلى إسرائيل يتعطل عند الاعتداءات الكبرى، مثل الاعتداء على أسطول الحرية أو غزة أو القدس أو المسجد الأقصى، بينما يستمر القسم الآخر بفعل العمالة والتجارة والتصدير والاستيراد وأزمة العملة. ويكرر أنه يشرح التداخل ولا يسوقه تبريرًا، ليعود إلى فكرته عن الانتقال من ضعف الموقف إلى التجاهل ثم الحماس.

غرناطة: صورة تاريخية للانكشاف الداخلي

يشبه الدكتور حال العقل المسلم والموقف العربي في هذا المسار بالأيام الأخيرة لغرناطة. ويروي أن المدينة كانت محاصرة ومقطوعة عن الماء والغذاء والسلاح، وأن الملكة إيزابيلا أقامت بمحاذاتها مدينة سماها التفريغ «مدينة الأمان المقدس»، وظلت فيها لمتابعة الحصار. ويقول إن اتساع غرناطة في الحاضر جعل هذه المنطقة حيًا منها، وإن بعض الفقهاء والعلماء والوزراء كانوا يتسللون إليها لكشف عورات المدينة والمساعدة على التعجيل بسقوطها. ويقدم هذه الصورة التاريخية مثالًا على خطر تلاقي الحصار الخارجي مع الانكشاف الداخلي.

المحاور الثلاثة المؤجلة إلى اللقاء المقبل

عندما ضاق الوقت، طلب الدكتور أن يقرأ عناوين ما بقي من محاضرته، وأبدى استعداده لاستكمال الموضوع في محاضرة أخرى. وأكد لاحقًا أنه تناول عنوانين، وبقيت له ثلاثة عناوين مهمة وأساسية، وأنه حريص على العودة إليها بعد شهر أو شهرين، بحسب ما يتاح من ترتيب:

  1. ماذا ربحوا؟
  2. الثمن الباهظ.
  3. ماذا ربحت إسرائيل؟

وقد وردت في المناقشة اللاحقة أمثلة تتصل بهذه الأسئلة، لكن ذلك لا يجعلها بديلًا عن المعالجة المستقلة التي وعد بها. ويضيف أن الحديث عن كيفية مواجهة التطبيع ليس ضمن خطة هذه المحاضرة أصلًا، بل هو موضوع مستقل. ويقترح استضافة مصطفى الحيا أو عزيز هناوي أو أحمد ويحمان لمعالجته، ثم يضيف اقتراح استضافة جاكوب كوهين، ابن مكناس، الذي يتحدث الفرنسية بطلاقة. ويثني على كوهين، موضحًا أنه يهودي لكنه رجل فاضل يراه أفضل من كثيرين ممن يسمون أنفسهم مسلمين. ويذكر أنه تجاوز الثمانين من عمره (82 سنة لانه من مواليد 1944 )، وأن له عشرات المؤلفات في نقد النفوذ الإسرائيلي والصهيوني والاختراق في المغرب والعالمين العربي والإسلامي. ويذكر من مؤلفاته «قبضة الموساد على تنغير» (Mainmise du Mossad sur Tinghir) و«ربيع السايانيم» (Le Printemps des Sayanim)، وهما مكتوبان بالفرنسية، وقد أُورد عنواناهما هنا بترجمة عربية. ويقول، في تعبير عن تفاوت هامش الكلام، إن بعض ما يصرح به كوهين قد يعرّضه هو للسجن لو قاله.

المناقشة : أسئلة الحاضرين وأجوبة الدكتور

شكرت مسيرة اللقاء ذ. فاطمة الزهراء سليمان الدكتور على المحاضرة وما تضمنته من مراجع وكتب وأفكار، ورأت فيها دليلًا على سعة اطلاعه وغزارة معرفته، ودعت له بالزيادة في العلم ونفع الأمة. ولخصت أبرز ما استوقفها: البدء بتحرير المصطلحات بوصفه مدخلًا لفهم القضايا، والتمييز بين المستويات الحضارية والأخلاقية والسياسية، والتشبيه الذي يقابل الجسد والقلب والعقل، ثم تتبع كرونولوجيا التطبيع بين 1948 و2020. وطلبت تحديد لقاء آخر لاستكمال الموضوع، فوافق الدكتور بسرور، وأكد أهمية العناوين الثلاثة المتبقية. ثم فُتح باب المداخلات، واحتفظ بسؤالين نظوا لضيق الوقت :سؤال الاخ سعيد و الاخت شريفة.

المناقشة الأولى: «ضرورات الأنظمة وخيارات الأمة» وحجة الكركرات

سؤال الأخ سعيد : شكر المتدخل حركة التوحيد والإصلاح بمكناس، وشكر الدكتور على المحاضرة، ثم طلب رأيه في أطروحة محمد مهدي شمس الدين حول «التطبيع بين ضرورات الأنظمة وخيارات الأمة». وتساءل عما إذا كانت بعض الأنظمة تلجأ إلى التطبيع تحت ضرورات قد لا تقدرها الشعوب أو ترى حساباتها كاملة، رغم رفض الشعوب له من حيث المبدأ واعتباره خيانة. وأشار إلى تبنّي أحد قادة الحركة الإسلامية بالمغرب هذه القراءة، دون ذكر اسمه. وضرب مثالًا بما رُوّج عن إغلاق معبر الكركرات، منفذ المغرب نحو دول جنوب الصحراء، بوصفه وسيلة ضغط وابتزاز لليّ ذراع المغرب ودفعه إلى التطبيع.

جواب الدكتور: تقدير صاحب الأطروحة قبل مناقشتها : شكر الدكتور سعيدًا على طريقة طرح السؤال، التي وصفها بالذكاء والأدب والتركيز والحذر. وقدّم محمد مهدي شمس الدين بوصفه عالمًا مجتهدًا ومفكرًا كبيرًا، شيعيًا لبنانيًا منفتحًا، لا يجوز أن يحول اختلاف المذهب دون تقدير علمه. وذكر أنه خلّف في قانون الأسرة وحده ثمانية مجلدات، وأنه رأس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وكان ينتقد حتى حزب الله. ويروي أن الحزب رفع عنه الحماية في مرحلة من المراحل، بما فهمه المحاضر تهديدًا غير مباشر: لن نقتلك، لكن قد تقتلك إسرائيل. ويورد ذلك لتأكيد استقلاليته في النقد. ثم يشجع على قراءة كتابه الصغير، الذي يقدّر حجمه بنحو مائة وعشرين صفحة، ويقارنه بكتاب عرضه أمام المشاركين بعنوان «اليهود والخليج العربي: رؤية تاريخية نقدية»، للدكتور محمد بن سراي من جامعة الإمارات، وهو مرجع كان يريد الإحالة إليه فوجد في السؤال فرصة لذكره.

الفكرة العامة: تجنب الصدام بين الأنظمة والشعوب : يلخص الدكتور الأطروحة بأن للأنظمة ضرورات، وللأمة خيارات، وكأن المطلوب أن تعذر الأمة الأنظمة فيما وقعت فيه من تطبيع قهري، وأن تعذر الأنظمة الأمة فيما ينبغي أن تنهض به من احتجاج ومظاهرات وحصار للتطبيع ومقاومة له. ويرى فيها شبهًا بحكمة حسن البنا: «نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه»، لكنه يوضح أنه لا يجزم بأن شمس الدين قصد الإحالة إليه أو عرف العبارة، ولا يجعله مرجعية مذهبية له. ويشبه هذا الترتيب باليابان بعد هزيمة 1945 وضربها بقنبلتين نوويتين، وخضوعها للولايات المتحدة في الجوانب الاستراتيجية والأمنية والعسكرية؛ فالدولة تبقى مقيدة، بينما يُترك للشعب والتيارات السياسية والنقابية والجمعوية هامش الاحتجاج. ويذكر جمعيات في المدن اليابانية تُبقي ذكرى قصف هيروشيما وناغازاكي حاضرة يوميًا، كما لو أن المأساة وقعت بالأمس، رغم مرور نحو ثمانين عامًا عليها. ويشير إلى احتجاجات تُنظَّم في ذكراهما السنوية، يومَي 6 و9 أغسطس، الموافقَين لتاريخَي قصف المدينتين سنة 1945، على التوالي. ويصف المحتجين وهم يرفعون قبضاتهم ويحاصرون المواقع العسكرية الأمريكية مدنيًا، قائلًا إنه لم يسمع عن شرطي ياباني ضرب مواطنًا لاحتجاجه على الجرائم الأمريكية بحق شعبه في الحرب العالمية الثانية، بينما لا يستطيع رئيس الوزراء الخروج عن القيود الاستراتيجية. ويستطرد برواية عن رئيس وزراء ياباني أسلم سرًا وأخفى إسلامه حتى تقاعد من السياسة، ثم أعلنه وصار مديرًا لمركز إسلامي.

القيد المعلن: الحكم على الفعل دون تخوين الأشخاص : يرى الدكتور أن في كتاب شمس الدين ثلاثة قيود، أحدها معلن واثنان ضمنيان. أما القيد المعلن فهو حرص المؤلف على ألا يلقى الله بتخوين أحد. ويفسر ذلك بأنه أراد تجنب الصدام الذي تتهم فيه الأنظمة معارضيها بالتطرف والتنطع وعدم الوطنية، ويتهمها المعارضون بالخيانة والعمالة، فينتهي الأمر باقتتال داخلي تستفيد منه إسرائيل. ويقول إن السياسي المغربي الذي أشار إليه السائل ربما استند إلى هذه الفكرة، ويشكره على عدم ذكر اسمه، مؤكدًا أن المقصود مناقشة المنطق، لا النيل من الأشخاص. ثم يميز بين قول «التطبيع خيانة» وقول «المطبّعون خونة»؛ فالأول حكم على موقف، والثاني حكم على أشخاص لا يريد الانجرار إليه. ويضرب مثالًا بداعية حكيم يرى رجلًا عند ضريح يقبل عتبته ويدعو صاحبه أن يرزقه مالًا أو ولدًا أو عملًا؛ فيقول له: «هذا شرك»، بدل أن يحكم عليه شخصيًا بأنه مشرك. ويكرر المعنى في التفريق بين وصف قول بأنه كفر وتكفير قائله. ويشير إلى الفايد، منتقدًا أقوالًا له خلال الأشهر الستة الأخيرة ويصفها بالكفريات، لكنه يرفض أن يتحول ذلك إلى حكم شخصي مباشر بتكفيره، ويربط الاحتراز بأخلاق المسلمين وخطورة الحكم على الأعيان.

رواية الملك خالد والخشية من أثر الدومينو : يحكي الدكتور، لتقريب معنى الضرورات التي قد يتصورها شمس الدين، رواية ينسبها إلى تصريح للملك خالد. يحكي الدكتور، لتقريب معنى الضرورات التي قد يتصورها شمس الدين، رواية ينسبها إلى تصريح للملك خالد. ويذكر أنه حكم السعودية نحو سبع سنوات (من 25 مارس 1975 إلى 13 يونيو 1982)، بين اغتيال الملك فيصل (25 مارس 1975) وتولي الملك فهد الحكم (13 يونيو 1982)، وأنه كان، في تقديره، قليل الأذى، هادئًا ومنصرفًا عن الصخب، دون أن يعدّ ذلك دفاعًا عامًا عن النظام السعودي.. وبحسب الرواية، صادف انطلاق طائرة السادات إلى إسرائيل أول ذي الحجة، اليوم الذي كان ينتقل فيه الملك خالد من الرياض إلى مكة، وتُفتح فيه الكعبة بعد إغلاقها المعتاد، ويُوضع سلم يبلغ نحو مترين ليصعد ويدخل، ومعه بعض الأمراء ومن يُسمح لهم. وكان يرش داخلها بالعطور والبخور وماء الزهر، ويصلي ركعتين، ثم يدعو دعاء طويلًا بالخير دون أن يدعو على أحد. ويستطرد المحاضر إلى نقاش فقهي بشأن الصلاة في جوف الكعبة وشرط استقبال القبلة، ثم يعود إلى أصل الرواية: يقول الملك خالد، بحسب النقل، إنه سمع من الإذاعة الإسرائيلية، لا من الإعلام المصري، أن طائرة السادات أقلعت نحو إسرائيل، فوجد نفسه يدعو أن تسقط الطائرة ويموت السادات شهيدًا قبل أن يصل، حتى لا يلحق بهم جميعًا ما وصفه بالذل. ويقرأ الدكتور هذه الرواية بمنطق «أثر الدومينو»: سقوط القطعة الأولى يجر ما بعدها، وإقدام مصر يخلق واقعًا تضغط به واشنطن وإسرائيل على بقية الحكام. لكنه يفصل بين شرح المنظور وتبنيه، مؤكدًا أنه لا يؤمن به ولا يقبله أو يصدقه بوصفه مسوغًا للتطبيع؛ إنما يقدمه لتقريب ما قد يراه أصحاب أطروحة الضرورات.

الحسن الثاني وبيريز: الإعلان الذي يسبق وصول الطائرة : يروي المحاضر مثالًا آخر على سياسة الإحراج وفرض الأمر الواقع، يتعلق بلقاء الحسن الثاني وشمعون بيريز. ويقول إن ضغوطًا مورست لترتيب اللقاء، لأن بيريز أراد مكسبًا انتخابيًا، وإن الحسن الثاني اشترط أن يبقى سريًا وأن يعقد في إفران، مع هبوط الطائرة في فاس ثم الانتقال إلى إفران ليلًا، بعيدًا عن الأنظار. ويذكر أن الوسيط كان رئيس الطائفة اليهودية «سير بردي»، وأن الملك غضب عليه وهمّشه بعد مكانة سابقة. ويضيف المحاضر أن هذا الوسيط تولّى منصب وزير السياحة في إسرائيل مدة قصيرة، بحسب روايته. وبحسب الرواية، أعلنت الإذاعة الإسرائيلية، فور إقلاع طائرة بيريز، أنها متجهة إلى المغرب للقاء الملك، فلم يعد التراجع عن الاستقبال سهلًا بعد أن أصبحت الطائرة في الجو. ويقول إن الحسن الثاني احتج على نقض شرط السرية، واضطر لاحقًا إلى عقد ندوة صحفية مع صحفيين عرب ومغاربة تناول فيها اللقاء والتطبيع. ويقارن ذلك بإعلان الإذاعة الإسرائيلية رحلة السادات وهي في الجو، ليشرح ما يراه نمطًا في توريط الطرف الآخر وإحراجه قبل اكتمال الخطوة.

القيد الضمني الأول: ألا يصبح التطبيع غطاء للقتل والاستيطان والتهجير : يستنبط الدكتور من كتاب شمس الدين أن تفهّم تطبيع محدود بين الأنظمة وإسرائيل لا يشمل تطبيعًا تركب عليه إسرائيل لتصعيد التدمير والقتل والاستيطان والتهجير. ويستحضر ما يقول إنه يجري في الخليل، من تهجير جماعي وهدم بيوت في قلب المدينة التاريخي، لا في أطرافها، قرب المسجد الإبراهيمي، في منطقة يعيد تاريخ عمرانها إلى ما قبل الإسلام وزمن إبراهيم الخليل. ويذكر أن إسرائيل أقرت بتهجير ألفين، بينما قالت جهات فلسطينية إن العدد بلغ 3334، وإنه قد يصل إلى ستة آلاف خلال أيام قليلة. ويستخدم هذه الأرقام، كما وردت في حديثه، ليقول إن أطروحة التفهّم لا يمكن أن تعني استمرار التطبيع وتوسعه وترسخه كلما اشتد التنكيل بالفلسطينيين. وهذا، في رأيه، سقف ضمني لا يصح إسقاطه عند الاستشهاد بالكتاب.

القيد الضمني الثاني: ألا تُقمع القوى الشعبية المقاومة للتطبيع : يرى الدكتور القيد الثاني ميثاقًا متبادلًا: إن طالبت الأنظمة الشعوب بتفهّم ضروراتها، فعليها أن تترك لها حرية مقاومة التطبيع. ويستشهد بمصر والأردن، حيث طبعت الدولة، بينما بقيت، بحسب عرضه، النقابات والاتحادات العمالية وهيئات المحامين والأطباء على المقاطعة، حتى إن من يذهب إلى إسرائيل قد يتعرض للطرد من هيئته المهنية. ويقول إن هذا المستوى من الصرامة لا يتوافر في المغرب كما ينبغي. ويعود إلى تركيا، قائلًا إن التجمعات الاقتصادية الإسلامية لا تقبل ذهاب أعضائها إلى إسرائيل أو استقبال إسرائيليين أو بناء علاقات معهم. ويستحضر كثافة السياحة العلاجية الإسرائيلية إلى تركيا، خصوصًا لزراعة الشعر وتركيب الأسنان والتجميل، بسبب الإتقان ورخص التكلفة مقارنة بإسرائيل، لكنه يقول إن عيادات الاتجاه الإسلامي لا تقبل استقبالهم رغم الإغراء المالي. ويخلص إلى أن مقصد تجنب الصدام بين الحكام والشعوب لا يستقيم، في قراءته للكتاب، إلا مع قيدين: ألا تبلغ الممارسات الإسرائيلية هذا المستوى من الطغيان، وألا تُقمع القوى الشعبية الرافضة للتطبيع.

الكركرات: رفض تحويل الأزمة إلى مبرر للتطبيع : ينتقل الدكتور إلى المثال المغربي فيرفض تفسير التطبيع بأنه نتيجة اضطرار فرضه إغلاق معبر الكركرات. ويرى أن الأزمة، مهما اشتدت، لم يكن ممكنًا أن تستمر أكثر من ثلاثة أسابيع تقريبًا، لأن المعبر ممر حيوي لإمدادات دول إفريقية بالماء والخضر والأسمدة والفوسفات والسلع القادمة من المغرب وأوروبا، ولأن مصالح اقتصادية متعددة كانت ستدفع إلى فتحه. ويستحضر زيارة له إلى موريتانيا قبل نحو عامين، تزامنت مع غلاء كبير في الخضر بالمغرب، وضغط برلماني وشعبي على حكومة أخنوش، ثم إعلان وقف تصدير الخضر. ويقول إن القرار استُقبل مغربيًا باعتباره إجراء يخفض أسعار الطماطم وغيرها، لكنه رأى وجهه الآخر في موريتانيا، حيث شكا علماء ودعاة يحبون المغرب من اشتعال أسعار البطاطس والجزر وصعوبة شرائهما، وتساؤلهم عن مراعاة آثار القرار عليهم والتدرج والتشاور بشأنه. ويوسع المثال إلى السنغال ومالي والنيجر وبوركينا فاسو والغابون وساحل العاج وإفريقيا الوسطى، قائلًا إن جانبًا كبيرًا من هذه الإمدادات يمر من المغرب. ويتساءل، على سبيل الاستنكار، من يستطيع إغلاق المعبر طويلًا، ولو كان ترامب، أمام حاجة هذه الدول، وأمام لوبيات المنتجين والصناعيين الأوروبيين والمغاربة وشاحناتهم المتوقفة. ويعزو حل الأزمة إلى الضغط المتلاقي من طرفي المعبر، لا إلى التطبيع. ثم يطرح اعتراضًا آخر: فالقول إن المغرب بدأ علاقاته تحت ضغط أزمة سنة 2020 يتجاهل، في رأيه، أن علاقات واسعة ومتعددة الأوجه كانت قائمة سرًا منذ فجر الاستقلال. ولذلك يرى أن الاستناد إلى هذه الأزمة لتبرير التطبيع محاولة للدفاع عن موقف لا يجد له مسوغًا مقنعًا، ويشبّه من يسوق هذه التبريرات بـ«محامي الشيطان»، أي بمن يبحث عن حجج للدفاع عن موقف يعدّه المحاضر خاطئًا. ويختم بتوضيح أن نقده موجه إلى المنطق التبريري، لا إلى السائل الذي أحسن عرض الإشكال.

المناقشة الثانية: الحلول العملية والقوة الاقتصادية وحدود مكاسب التطبيع

سؤال الأخت شريفة :شكرت المتدخلة الدكتور، ووصفت القضية بأنها موضوع الساعة. ثم سألت: أليس الوقت قد حان، بعد عرض هذا المسار التاريخي، للتفكير في حلول عملية للقضية الفلسطينية، انطلاقًا من قوة الخصم الاقتصادية والمالية وتأثيره في الكونغرس والعالم؟ وأشارت في صياغة سؤالها إلى الأموال المودعة في بنوك سويسرية والسيطرة على شركات عالمية، ثم طلبت توجيهات بشأن كيفية إضعاف هذه القوة اقتصاديًا، ومقاطعة البضائع والشركات، وخلق مواطن ضعف لدى الطرف الذي تراه متين النفوذ. وقد تحدثت المتدخلة عن النفوذ المالي والاقتصادي بصيغة شملت اليهود عمومًا. وننقل هذا التصور باعتباره جزءًا من سؤالها، مع التمييز بين اليهود بوصفهم جماعة دينية متنوعة المواقف، وبين الدولة الإسرائيلية والشركات والجهات التي تدعم سياساتها؛ فلا يُنسب إلى جميع اليهود موقف سياسي واحد أو سيطرة جماعية على البنوك والشركات.

العودة إلى معيار المكسب السياسي : وصف الدكتور السؤال بأنه جدير بالإنصات والإنصاف والاحترام، وكرر أن تفاعله النقدي ينصب على الفكرة لا على صاحبتها. وقال إن استكمال المحاور الثلاثة المؤجلة – «ماذا ربحوا؟»، و«الثمن الباهظ»، و«ماذا ربحت إسرائيل؟»- سيقدم جانبًا من الجواب العملي عن الإشكال. ويعود إلى وصف السياسة بالمستوى الفقير والمصلحي والماكيافيلي، موضحًا أنه أراد اختبار التطبيع حتى عند أدنى سقف من الحسابات. فالمستوى الأخلاقي يقتضي التضامن مع المظلوم وعدم خذلانه والتضحية بالمصلحة الذاتية من أجله، لكنه يفترض، جدلًا، استبعاد هذا الالتزام ويسأل: هل ربح المطبّعون مصالحهم الخاصة أصلًا؟ ويذكر المثل المغربي «رضيت بالهم والهم ما رضى بيا»، ليقرب حال من يقبل تنازلًا مؤلمًا طلبًا لمكسب ثم لا يناله. ويؤكد أن اعتراضه لا يقوم فقط على ثمن التخلي عن فلسطين، بل أيضًا على عدم تحقق المقابل الذي يسوقه المدافعون عن التطبيع.

من طلب الاعتراف إلى الامتناع عن تقديم المقاب : يستعيد الدكتور ندوات كان يشاهدها في التلفزيون الفرنسي قبل التطبيع العربي، ظهر فيها متحدثون إسرائيليون يقولون إنهم لا يريدون سوى الاعتراف بحقهم في الوجود، وإنهم يعانون الرفض والإقصاء والصدمة، ومستعدون لتقديم كل شيء مقابل قبولهم. ويصل ذلك بشعار «الأرض مقابل السلام» المتداول بعد سنة 1967، ثم يقول إن التجربة أظهرت، في رأيه، غياب المقابل الموعود. ويضرب تشبيهًا بمن يبيع أسرار وطنه لعدو لقاء مال، ثم لا يحصل حتى على الثمن. ويستدعي معنى الحديث «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه»، ثم يبالغ في الفرض الجدلي: حتى لو تركنا جانبًا خذلان الفلسطينيين، فليبين أنصار التطبيع ما الذي حصلوا عليه لأنفسهم. وهذا افتراض احتجاجي في كلامه، لا دعوة منه إلى التخلي عن فلسطين.

السياحة الإماراتية: روايات عن سلوك بعض الوافدين :يروي المحاضر أن بدء الرحلات السياحية الإسرائيلية إلى الإمارات، وما رافقها من دعاية احتفالية بالتقارب، تزامن، بحسب روايته، مع حوادث داخل فنادق في دبي وأبوظبي (التي تضم لوحدها ألفًا وخمسمائة فندق من فئة تتجاوز خمس نجوم)، يقول إن بعضها وقع منذ اليوم الأول لاستقبال السياح الإسرائيليين في إطار التطبيع. ويذكر من هذه الحوادث إهانة العاملين والاعتداء عليهم من بعض السكارى، وتلويث الفراش بالتبول والتغوط، وتكسير تجهيزات وسرقة مناشف وأردية حمام وأدوات وورق صحي وغيرها من المستلزمات.

ويتساءل، مستنكرًا هذه التصرفات، لماذا لم يحرص أصحابها على تقديم سلوك حسن يشجع مضيفيهم على مزيد من التقارب. ثم يفسرها بمشاعر الحقد والرغبة في الانتقام، ويستخدم تشبيهًا بشخص يأكل حصته من الطعام ثم يفسد حصة شريكه.

مقاتلات «إف-35»: خدمات واسعة مع احتفاظ الطرف الآخر بالتفوق : يرى الدكتور أن المثال الأوضح يتجاوز سلوك السياح إلى القرار السياسي. فيقول إن نتنياهو أعلن، يوم التطبيع الإماراتي نفسه، أن الخطوة لا تعني رفع الاعتراض على حصول الإمارات على مقاتلات «إف-35»، وإنه استمر في الضغط على ترامب لمنع بيعها، ضمانًا لانفراد إسرائيل بهذا التفوق في الشرق الأوسط. ويقابل ذلك بما يقول إن الإمارات قدمته منذ السابع من أكتوبر: فتح خط إمداد بري متصل ينطلق من ميناء جبل علي، الذي يستقبل، بحسب وصفه، مئات السفن يوميًا، ويمر عبر الإمارات ثم السعودية فالأردن إلى إسرائيل. ويشرح أن البضائع تأتي من الهند، لا من إنتاجها وحده، بل مما تجمعه من الصين وسنغافورة وأستراليا ونيوزيلندا، وتشمل الغذاء والأسلحة والذخائر والمواد الكيميائية والملابس والأفرشة والتجهيزات وقطع الغيار وغيرها، ثم تنقلها سفن كبيرة إلى جبل علي، ومنه عبر البلدان المذكورة. ويسوق ذلك ليقول إن الإمداد الواسع لا يقابله، بحسب طرحه، قبول إسرائيلي بمنح الإمارات التفوق التسليحي الذي تطلبه. ويضيف مثال تركيا، فيذكر مشاركتها في مشروع تصنيع «إف-35» وإنتاجها بعض قطع الغيار بجودة مرتفعة وثمن مناسب، ثم رفض بيع الطائرة لها، الذي يعزوه إلى إسرائيل، رغم صلاتها بالولايات المتحدة ومديح ترامب لأردوغان. ويستخدم المثالين لتصوير طرف يطلب من الآخر الاقتراب وتقديم التنازلات، ثم يبتعد كلما اقترب الآخر، مطالبًا إياه بمزيد من السير نحوه.

حادثة مطعم وصورة من شمال غزة: مثال على أثر المقاطعة : في استطراد عن العلاقة الهندية الإسرائيلية، التي يصفها بشدة التعلق، يذكر صاحب مطعم هندي في دولة أوروبية نشر صورة لمنطقة بيت لاهيا في شمال قطاع غزة، بدت مدمرة ولم يبق فيها، بحسب الوصف، إلا منزل قائم. وينسب إلى صاحب المطعم دعوة إسرائيل إلى هدم المنزل المتبقي أيضًا. ويضيف أن بعض البيوت التي تبقى قائمة وسط الدمار تعود إلى أشخاص من محيط محمود عباس جرى تحديد مواقعها مسبقًا لحمايتها. ثم يروي أن الجمهور قاطع المطعم، فتضرر نشاطه وخرج صاحبه يعتذر ويتوسل الصفح، دون جدوى بحسب روايته. ويقدم الواقعة مثالًا على قدرة المقاطعة الشعبية على إحداث أثر اقتصادي ملموس، وردًا على تصور قوة الخصم بوصفها مطلقة.

المغرب والصحراء: مساءلة المقابل السياسي : ينتقل الدكتور إلى المغرب، فيقول إنه طبع في أربعين قطاعًا، وإن البرلمان صادق سنة 2022 على أكثر من عشرين اتفاقية تشمل المجالات العسكرية والاستخباراتية والأمنية والاقتصادية والزراعية والصناعية. ويذكر تجارب ومناورات عسكرية واستقبال سفن أمريكية تنقل سلاحًا إلى إسرائيل، بحسب ما يورده، ثم يسأل عن المقابل المتعلق بالصحراء. ويرفض اختزال القضية في انتظار اعتراف إسرائيلي، قائلًا إن المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها، وإن الصحراء ليست في جيب أحد ليمنحها للمغاربة. بل يقول إن الاعتراف اللفظي الذي انتظره المطبّعون لم يتحقق بالصورة المتخيلة، وإن نتنياهو تعمد الظهور ثلاث مرات أمام خريطة تفصل الصحراء عن المغرب بخط متقطع. ويعرض ذلك بوصفه دليلًا على الفجوة بين التوقعات المغربية والنتائج التي يراها.

المقارنة بإسبانيا وملف سبتة ومليلية : يقارن الدكتور الموقف المغربي بمواقف بيدرو سانشيز في إسبانيا: استدعاء السفير، ووقف التعاون الاقتصادي، وإدانة المذبحة، وتأييد المحكمة الجنائية الدولية، ورفض عبور الطائرات الأمريكية المجال الجوي الإسباني أو استعمال القواعد لضرب إيران، رغم عضوية إسبانيا في حلف شمال الأطلسي. ويرى أن سانشيز يدافع عن فلسطين ويعارض إسرائيل بأكثر مما يفعل المغاربة في المستوى الرسمي الذي ينتقده. ثم يقول إن المقابل كان إعلان السفيرة الإسرائيلية في مدريد تأييد إسبانية سبتة ومليلية، في حين لم يحصل المغرب المطبّع على المعاملة التي ينتظرها. ويستخدم المقارنة لتأكيد فكرته: أن المواقف الأكثر تشددًا تجاه إسرائيل قد تلقى، في بعض الوقائع التي يستحضرها، مراعاة أكبر من التنازلات الواسعة.

إهانات وخطاب عنصري وأمثلة على الإحراج : يذكر الدكتور نائبة إسرائيلية ينسب إليها وصف المغاربة بأنهم لا يصلحون حتى عبيدًا، والإساءة إلى الأذان بعبارة تجمع «النباح» و«كلاب محمد»، ثم يقول إنها تُستقبل في المغرب استقبالًا حافلًا لكونها من أصل مغربي. ويذكر كذلك أن منافسًا لنتنياهو من أصل مغربي يتعرض في الحملة الانتخابية لوصف «القرد المغربي»، ويسوق ذلك مثالًا على خطاب عنصري يراه مناقضًا لوعود التقارب. ويروي المحاضر عن الكاتبة والإعلامية المغربية شامة درشول، المستشارة الإعلامية السابقة لدافيد غوفرين، رئيس مكتب الاتصال الإسرائيلي بالرباط، أنها نبهته إلى أن تصريحاته تُحرج الملك، فأجاب، بحسب الرواية التي ينقلها المحاضر، بأنه يتعمد ذلك.

الاختراق ومشروعات التقسيم والتخريب في المراجع التي أحال إليها : يحيل الدكتور مجددًا إلى كتابَي جاكوب كوهين «قبضة الموساد على تنغير» و«ربيع السايانيم». ويستحضر، في حديثه عنهما، رواية عن اختراق الموساد لتنغير ومناطق من شرق المغرب، وعن مشروع لفصل منطقة وإقامة كيان يسميه «دولة الشمس». وتبقى هذه التسمية منقولة عن المحاضرة، إذ لم يتيسر توثيقها من نص الكتاب. كما يحيل إلى كتاب «بيبيو!! الخراب على الباب» لأحمد ويحمان، ويذكر في هذا السياق مشروعًا ينسبه إلى إسرائيل لتقسيم المغرب إلى ست دول. ويشير إلى «حصاد الهشيم»، الملحق الثاني في كتابه «أفهم القضية الفلسطينية ليكون لي موقف»، الذي لخّص فيه تقريرًا عن أعمال تخريب منسوبة إلى إسرائيل في مصر. ويصفه خلال المحاضرة بأنه تقرير للشرطة المصرية، ويذكر ضمن محتوياته المخدرات، والدولارات المزيفة، والإضرار بالزراعة، وقتل النحل، وتلويث مزارع إنتاج البيض. ويضيف إلى ذلك رواية عن تخريب الشعاب المرجانية في البحر الأحمر باستخدام سفن ومعدات، وعن إطلاق نفط خام ملوث، بهدف الإضرار بسياحة الغوص في الغردقة ومناطق من سيناء وتحويل السياح إلى إيلات. ثم يستحضر جاكي كادوش، رئيس الطائفة اليهودية بجهة مراكش آسفي، وما نُقل عنه بشأن معرفته بفاطمة الزهراء المنصوري (رئيسة الحكومة المغربية منذ اكتوبر 2026) وعائلتها. ويرى المحاضر في إبراز هذه العلاقة محاولة لإحراجها وتوظيف ذلك سياسيًا. ويشير أخيرًا إلى تصريحات ينسبها إلى بعض الأفراد من اليهود المغاربة، تتضمن القول إن المغرب لهم وإن على غيرهم مغادرته، وإلى سباب وسخرية خلال وقفات احتجاجية. كما يذكر واقعة أداء مجموعة صلاة يهودية قرب سور باب دكالة بمراكش. وهذه واقعة منفصلة عن التصريحات السابقة؛ وقد فسّرها كادوش، في تصريح منشور، بأنها صلاة أداها زوار من الولايات المتحدة بسبب تعذر وصولهم إلى المعبد في وقتها. ويجمع هذه الأمثلة تحت سؤال واحد: هل أدت التنازلات إلى الاحترام المتبادل، أم صاحبها مزيد من الإهانة كما يراها؟

السابع من أكتوبر وتراجع الهيبة وحدود النفوذ : يقر الدكتور بقوة إسرائيل ونفوذ الجهات الداعمة لها اقتصاديًا وسياسيًا، لكنه يعترض على تصور أن هذه القوة بقيت على حالها بعد السابع من أكتوبر. ويرى أن كلفة الأحداث كانت باهظة، لكنها ارتبطت، في قراءته، ببداية تراجع الهيبة الإسرائيلية وانكشاف ممارسات إسرائيل أمام العالم. وينقل عن ترامب إشارته إلى ضرورة تعديل موقفه خشية تأثيره في نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية المقررة في نوفمبر 2026. كما يستحضر «إيباك» (لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، وهي منظمة ضغط أمريكية تعمل على تعزيز الدعم السياسي لإسرائيل، وتدعم عبر ذراعها الانتخابية مرشحين مؤيدين لها من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، خصوصًا في انتخابات الكونغرس). ويصف المحاضر نفوذها السابق بأنه شبه أسطوري، ويرى أن التمويل المرتبط بها، بعدما كان يُعدّ عامل قوة انتخابية، أصبح قد يثير اعتراض بعض الناخبين، حتى بات بعض المرشحين يعلنون أنهم لا يتلقون دعمًا منها. ويقدّم ذلك علامة على تحول لم يكن يتخيله من قبل. ثم يقول، بمعنى كلامه: لنفترض أن هذا التحول في المواقف الدولية لن يستمر، وأن التعاطف مع الفلسطينيين سيخفت بمرور الوقت، رغم حجم القتل والدمار والتجويع الذي تعرضوا له، وثمانين ألف شهيد ومائة وخمسين ألف جريح،. فهو لا يجزم بأن التعاطف مؤقت، وإنما يفترض ذلك ليختبر حجته حتى مع استبعاد أثره. ثم يعود إلى سؤاله الأساسي: حتى لو وضعت دولةٌ التضامن مع فلسطين جانبًا، وحصرت حساباتها في مصالحها الخاصة، فما المكاسب الفعلية التي حققتها من التطبيع، مقارنة بما قدمته من تنازلات؟

السادات: لماذا لم يؤد الانفراد بالسلام إلى احتضان صاحبه؟ : يختم الدكتور جوابه بالعودة إلى السادات، واصفًا سفره وخطابه التاريخي بمجموعة أوصاف تجمع الجرأة والشجاعة والتهور والطابع الانتحاري. ويذكر أنه شاهده في البث التلفزيوني المباشر، كما شاهده من هم في سنه. ثم يسأل: ألم يكن من مصلحة إسرائيل أن تحتفي بالسادات، وتدعمه اقتصاديًا، وتعيد إليه سيناء بسهولة، وتنجح تجربته، ولو لإغراء بقية العرب باتباعه أو لإغاظة معارضيه؟ ويقابل هذا الافتراض بما يرويه عن مؤتمر بغداد الذي دعا إليه صدام حسين عقب الزيارة أو الاتفاقية، إذ اجتمعت الدول العربية وجرى تخوين السادات. ويقول إن صدام أخرج مسدسًا وهدد بقتل من يطبع مع إسرائيل. ويذكر أن صحافة سوريا والعراق والجزائر هاجمت السادات واتهمته بالخيانة وحرضت عليه، فيما رد الإعلام المصري، بتلفزيونه وإذاعته وصحفه القوية، ومنها «الأهرام» و«المصور»، بهجوم على الدول العربية، فتعمقت القطيعة المتبادلة. وبحسب تحليل المحاضر، جعل ذلك السادات معزولًا، وأضعف قدرته على العودة عن خطوته؛ فأخذ يبرر اختياره، وأخذته العزة بالإثم، بينما استثمر الجانب الإسرائيلي انغلاق طريق الرجوع أمامه، فاشتد في الشروط والابتزاز بدل التخفيف عنه. ويقول إن مناحم بيغن لوح في مرحلة بعدم الرغبة في السلام مع السادات، لزيادة الضغط عليه وجعله أكثر اندفاعًا نحو توقيع الاتفاق. ويحيل إلى مذكرات هنري كيسنجر، التي يقدرها بألفي صفحة، قائلًا إنها، رغم دفاعها عن إسرائيل، تكشف الصعوبات التي أحدثها تشدد بيغن. ويورد في الموضع نفسه نسبة حوار بين بيغن وكيسنجر عن التفاوض مع السادات، وهي نسبة زمنية تحتاج إلى مراجعة مستقلة. ويستعيد، في المقابل، خطابًا إسرائيليًا سابقًا امتد، بحسب عرضه، من 1948 إلى 1978، يقوم على مد اليد واستجداء الاعتراف وقبول الاندماج في جغرافيا الشرق الأوسط، ثم يتساءل عن التحول إلى إذلال أول من استجاب. ويستنتج أن عزلة الطرف العربي وتورطه في القطيعة مع محيطه تمنح الجانب الآخر قدرة متزايدة على فرض الشروط.وينتقد كذلك ردود فعل الحكام العرب، فلا يقدمها نموذجًا للحكمة؛ بل يصفها بالرعونة والحسابات الضيقة. ويرى أن صدام وجد فرصة لانتزاع الزعامة من مصر ونقلها إلى العراق. ويذكر ليبيا والقذافي، مستحضرًا المواجهة مع الولايات المتحدة والغارات الأمريكية على ليبيا سنة 1986، التي استهدفت مواقع في طرابلس وبنغازي، ويصفها في حديثه بـ«حرب العار». كما يروي أن ياسر عرفات خرج في بيروت عند اغتيال السادات فرحًا، مطلقًا الرصاص في الهواء. ويعود في ختام الحجاج إلى أن من يترك القضية ويذهب إلى الطرف الآخر طلبًا لمصلحة قد يظن أنه سيُحتضن، لكن انعدام طريق الرجوع قد يجعله عرضة لمزيد من الضغط. ثم يكرر مقارنته بين مراعاة إسبانيا التي اتخذت مواقف معارضة، وبين ما يصفه بالتشدد تجاه المغرب رغم اتساع تقاربه، قبل أن ينهي حديثه بالسلام.

الخاتمة: الوعي بداية المسؤولية

تضع هذه المحاضرة القارئ أمام سؤال يتجاوز توقيع الاتفاقيات: كيف تتكون القناعة السياسية، وبأي لغة تُعرض، وما الذي يبقى منها حين تُقارن الوعود بنتائجها؟. لقد بدأ الدكتور المقرئ أبو زيد الإدريسي من المصطلح، لأنه يرى أن المعركة قد تبدأ داخل اللغة قبل أن تنتقل إلى المؤسسات والحدود والأسواق. ثم انتقل إلى التاريخ، مستخرجًا من تتابع المحطات تحولًا في الإيقاع والمجال وردود الفعل، قبل أن تدفعه أسئلة الحاضرين إلى مناقشة ضرورات الأنظمة، وحقوق الشعوب، وحدود الحجة المصلحية التي يُسوَّغ بها التطبيع. ولعل القيمة التي يتيحها تحويل هذا الحديث إلى نص مكتوب هي إمكان قراءته على مهل: تمييز الفكرة من المثال، والموقف من الرواية، والحجة من الواقعة التي تحتاج إلى توثيق. فالوفاء للكلمة المسموعة يقتضي حفظها ونسبتها إلى صاحبها، كما يقتضي إتاحة فحصها ومناقشتها. أما الأسئلة الثلاثة التي تركها المحاضر مفتوحة – ماذا ربحوا؟ وما الثمن الباهظ؟ وماذا ربحت إسرائيل؟ – فتبقى موعدًا مع تتمة لم يقدمها هذا اللقاء. وهي، في الوقت نفسه، تدعو إلى ألا يُقاس أي مسار سياسي ببريق الإعلان عنه وحده، بل بما يصنعه في ميزان الحقوق والكرامة والمصلحة والمسؤولية.

================

ملخص المقال

تتناول محاضرة الدكتور المقرئ أبي زيد الإدريسي، المعنونة «التطبيع منذ 1978 إلى اليوم: مسار في اتجاه واحد»، التطبيع من خلال ثلاثة مستويات: حضاري وأخلاقي وسياسي، مع تركيز العرض على المستوى السياسي وإشارات موسعة إلى المستويين الآخرين. يبدأ المحاضر بتحرير المصطلح، مستعينًا بأمثلة من تاريخ الاستعمار والحماية والأبارتهايد، وبإحالات إلى ميشيل فوكو وعبد الوهاب المسيري، ليبين أثر اللغة في تشكيل الوعي وتحديد العلاقة بين الأطراف. ثم يتتبع محطات التطبيع، من مصر إلى الفلسطينيين والأردن، وصولًا إلى اتفاقيات المغرب والإمارات والبحرين، ويحلل انتقال العلاقات، في قراءته، من المجال الدبلوماسي والاقتصادي إلى المجال الديني، وتغير ردود الفعل من الاعتراض إلى التجاهل ثم الحماس. وتناقش الأسئلة اللاحقة أطروحة محمد مهدي شمس الدين حول ضرورات الأنظمة وخيارات الأمة، وحجة الكركرات، والقوة الاقتصادية، والمقاطعة، وحدود المكاسب السياسية للتطبيع. وقد أعلن الدكتور تأجيل ثلاثة محاور إلى لقاء آخر: «ماذا ربحوا؟»، و«الثمن الباهظ»، و«ماذا ربحت إسرائيل؟».

الكلمات المفتاحية: التطبيع، القضية الفلسطينية، تحرير المصطلحات، اللغة والسلطة، الانحياز الحضاري، البعد الحضاري، البعد الأخلاقي، البعد السياسي، كامب ديفيد، الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي.

English Summary

In his lecture, “Normalization from 1978 to the Present: A One-Way Process,” Moroccan thinker Al-Moqri Abou Zaid Al-Idrissi examines normalization through three interconnected dimensions: civilizational, ethical, and political. While concentrating on the political dimension, he explores the broader implications of language, cultural frameworks, religious discourse, and solidarity with Palestine. The lecturer begins by questioning the term “normalization,” arguing that terminology shapes perceptions and power relations. Drawing on philosophical references and historical examples—including colonialism, the protectorate system, and apartheid—he examines how seemingly neutral expressions may conceal unequal relationships. He then traces major milestones in Arab–Israeli relations, highlighting what he sees as changes in their pace, scope, and accompanying official responses. The discussion addresses Mohammad Mahdi Shamseddine’s thesis on the constraints facing governments and the choices available to society, the argument linking Morocco’s normalization to the Guerguerat crossing crisis, economic influence, boycott initiatives, and the political benefits promised by normalization. Three topics were explicitly postponed to a future lecture: “What Did They Gain?”, “The Heavy Price,” and “What Did Israel Gain?”

Keywords: Normalization, , Palestine, language and power, civilizational dimension, ethics, Arab–Israeli relations.
المؤلفات والإحالات الواردة في المحاضرة والمناقشة

أولًا: مؤلفات الدكتور ابوزيد وسلاسله

  1. «أفهم القضية الفلسطينية ليكون لي موقف» — أبو زيد المقرئ الإدريسي. darelfiker.com
  2. «كتب لا بد أن تُقرأ». الملحق الثالث في الكتاب السابق، ويضم إحالات للتوسع في القضية الفلسطينية والمسألة الصهيونية وأبعادهما التاريخية والحضارية والاستراتيجية.
  3. «التطبيع إبادة حضارية». سلسلة نشرها المحاضر في جريدة «التجديد»، وذكر أنها امتدت إلى نحو سبعين حلقة أو أكثر.
  4. «اخترت لكم». زاويته الصحفية التي ضمّت تعريفات بالكتب ومقتطفات منها، وذكر أن مجموع حلقاتها بلغ نحو مائتي حلقة.
  5. «حصاد الهشيم». الملحق الثاني في كتاب «أفهم القضية الفلسطينية ليكون لي موقف»، ويتضمن تلخيصًا لتقرير عن أعمال تخريب منسوبة إلى إسرائيل في مصر بعد أربعة عشر عامًا من التطبيع. ma3lama.com

ثانيًا: اللغة والفلسفة والمصطلح

  1. «الكلمات والأشياء» — ميشيل فوكو.
  2. «حفريات المعرفة» — ميشيل فوكو. ويُعرف عنوانه أيضًا بصيغة «أركيولوجيا المعرفة»، بحسب الترجمة.
  3. أعمال عبد الوهاب المسيري ومفهوم «الانحياز الحضاري». إحالة فكرية عامة، دون تحديد كتاب بعينه في هذا الموضع.
  4. «الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية» — فلاديمير إيليتش لينين. ويُتداول عنوانه أيضًا بصيغة «الإمبريالية أعلى درجات الرأسمالية»؛ ومؤلفه لينين.
  5. «صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي» — صمويل هنتنغتون. أشار إليه المحاضر اختصارًا بعنوان «صدام الحضارات». www.simonandschuster.com
  6. «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» — فرانسيس فوكوياما.
  7. «صدام الثقافات: المسيحيون والمسلمون واليهود في عصر الاكتشافات» — برنارد لويس. العنوان العربي هنا ترجمة للعنوان الأصلي Cultures in Conflict: Christians, Muslims and Jews in the Age of Discovery. academic.oup.com
  8. تعبير «مثقفو البنتاغون» — منسوب إلى روجيه غارودي في حديث المحاضر. استحضره وصفًا لدور بعض المثقفين في تسويغ الحروب، دون تعيين مؤلَّف محدد.

ثالثًا: التاريخ المغربي ومقاومة الاستعمار

  1. «الحماية جناية على الأمة: المغرب نموذجًا» — محمد حسن الوزاني. مؤسسة محمد حسن الوزاني، 1994. وهذه الصيغة أدق من «الحماية جناية على الأمة المغربية». abs.biblio.ma
  2. «حرب القلم» — محمد حسن الوزاني. وهي الصيغة المثبتة في فهرس مؤسسة الوزاني، بدل «جهاد القلم». ولا يُثبت لها عدد خمسة وعشرين مجلدًا، لعدم توثيق هذا العدد بوصفه خاصًا بهذه السلسلة. mohamedhassanouazzani.org
  3. «المعسول» — محمد المختار السوسي. موسوعة في عشرين جزءًا.
  4. مؤلَّف لمحمد العمراني الحنشي عن القرويين والتدخل الاستعماري في تعليمها، بحسب إحالة المحاضر.
  5. عملان لمحمد المكي الناصري عن السياسة الاستعمارية تجاه العربية والإسلام، بحسب رواية المحاضر. لم تُذكر لهما عناوين كاملة يمكن اعتمادها في القائمة.

رابعًا: التطبيع والقضية الفلسطينية

  1. «مقاومة التطبيع: ثلاثون عامًا من المواجهة» — محسن عوض. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 2007. Centre for Arab Unity Studies
  2. «غزة ـ أريحا: الأوراق السرية» — مصطفى بكري. وهو عنوان مثبت في الفهارس المكتبية. اريحا : الاوراق السرية
  3. «التطبيع بين ضرورات الأنظمة وخيارات الأمة» — محمد مهدي شمس الدين. ومن طبعاته طبعة المؤسسة الدولية للدراسات والنشر سنة 1998. Google Books
  4. «اليهود والخليج العربي: رؤية تاريخية نقدية» — حمد محمد بن صراي. جامعة الكويت، مجلس النشر العلمي، حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية، الحولية 21، الرسالة 164، 2001. search.mandumah.com
  5. «القيم الإبراهيمية ونهاية التاريخ: الأبعاد الفلسفية والأخلاقية لإشكالية الاعتراف بالآخر، مقاربات دينية ومقاربات سياسية» — عبد المجيد الصغير. دار الأمان، الرباط، 2022. التحرير
  6. «قبضة الموساد على تنغير» — جاكوب كوهين. ترجمة عربية للعنوان الفرنسي Mainmise du Mossad sur Tinghir: roman، الصادر عن المرصد المغربي لمناهضة التطبيع سنة 2021. books.google.com
  7. «ربيع السايانيم» — جاكوب كوهين. ترجمة عنوان Le Printemps des Sayanim، دار لارماتان، باريس، 2010. www.editions-harmattan.fr
  8. «بيبيو!! الخراب على الباب» — أحمد ويحمان. أُعلن عن إتاحة نسخته الإلكترونية، وذُكر صدور نسخته الثانية في يوليوز 2020.». alislah.ma
  9. «الحصار القاسي: مأساتنا في إفريقية — وثائق من تاريخنا المعاصر» — عماد الدين خليل. دار ابن كثير. وهو الكتاب المقصود، وليس مؤلَّفًا لنجيب الكيلاني. neelwafurat.com
  10. مذكرات هنري كيسنجر. إحالة عامة؛ لم يحدد المحاضر عنوان المجلد أو الجزء أو الطبعة، ولذلك لا يُعتمد تقديره لعدد الصفحات بوصفه بيانًا ببليوغرافيًا.

خامسًا: التاريخ الديني والوثائق المستحضرة

  1. «أن يسوع المسيح وُلد يهوديًا» — مارتن لوثر، 1523. ويُشار إليه عربيًا أيضًا بصيغة «المسيح وُلد يهوديًا»، بدل العنوان المختصر «المسيح يهوديًا». qspace.qu.edu.qa
  2. «عن اليهود وأكاذيبهم» — مارتن لوثر. أشار المحاضر إليه بعنوان «اليهود وأكاذيبهم»، وذكر ترجمة مرتبطة بعبد الصمد بن الكبير وسلسلة «الملتقى»؛ وتبقى بيانات هذه النسخة العربية منقولة عن إحالته، دون توثيق مستقل للطبعة ودور المذكور فيها.
  3. مذكرة تيودور هرتزل الموجّهة إلى سيسيل رودس، والمدوّنة في يومياته بتاريخ 11 يناير 1902.، والأدق وصف الوثيقة بأنها مذكرة أو مسودة رسالة مثبتة في اليوميات، دون الجزم بتسلّم رودس لها. Herzl-Online
  4. اتفاقيات جنيف والعهد الدولي ومواثيق دولية أخرى. إحالات عامة استحضرها المحاضر في حديثه عن سيناء والتعويضات، دون تحديد الاتفاقية أو العهد أو المواد القانونية المقصودة.
  5. تقرير عن أعمال تخريب منسوبة إلى إسرائيل في مصر. ذكر المحاضر أنه صادر عن الشرطة المصرية، وأحال إلى تلخيصه في ملحق «حصاد الهشيم». ولم تُحدَّد بيانات التقرير الأصلي أو تاريخه أو الجهة الدقيقة التي أصدرته.
مقالات ذات الصلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى