د. أحمد عمري: من كانساس الامريكية ومقاومة ذبابة هِسّ إلى بناء برنامج وطني للحبوب بالمغرب

د. الحسـن اشباني
مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب، خبير و صحفي مهني
============
في سطور
ترصد هذه الحلقة مرحلة حاسمة من مسار الدكتور أحمد عمري بعد عودته من الولايات المتحدة، حيث واصل أبحاثه حول ذبابة هِسّ وآثارها في مردودية القمح بمنطقتَي الشاوية وعبدة. وتكشف كيف قاده العمل الميداني بمركز أبحاث الزراعة البورية بسطات، ثم نيله الدكتوراه من جامعة ولاية كانساس سنة ١٩٨٩، إلى تولي تنسيق البرنامج الوطني لتحسين الحبوب. كما تبرز مساهمة فرق البحث والتقنيين والشركاء الدوليين في بناء استراتيجية وطنية للحبوب، وفي استنباط أصناف مغربية مقاومة لذبابة هِسّ، من بينها «الرهان» و«أجيلا»، ضمن تجربة علمية جسدت تكامل التحسين الوراثي مع دراسة بيولوجيا الآفة.
من مقاومة ذبابة هِسّ إلى بناء برنامج وطني للحبوب
عودة إلى المغرب: ذبابة هِسّ وتحدي مردودية القمح
بعد أن قضيتُ سنتين وسبعة أشهر في الولايات المتحدة، عدتُ إلى المغرب لأستكمل جانباً أساسياً من عملي البحثي. انصبت دراساتي آنذاك على أثر ذبابة هِسّ في مردودية القمح الصلب والقمح الطري، ولا سيما في منطقتَي الشاوية وعبدة. وقد أظهرت النتائج أن الخسائر في السنوات العادية قد تبلغ نحو 33٪ من المردودية، فيما قد تصل في بعض الحالات إلى فقدان كامل للمحصول، خاصة عندما تتأخر الزراعة إلى ما بعد منتصف دجنبر. وكانت تلك النتائج دليلاً واضحاً على أن حماية الحبوب تتطلب، إلى جانب استنباط الأصناف المقاومة، احترام المواعيد الزراعية الملائمة وفهم شروط انتشار الآفة.
سطات: البحث الميداني في قلب التعاون العلمي
عند عودتي، كان من شروط المدير العام للبحث الزراعي آنذاك، السيد حسين فرج رحمه الله، أن يلتحق الباحثون المغاربة العائدون من الولايات المتحدة بمركز أبحاث الزراعة البورية بسطات. فقد كانت تشتغل هناك فرق وطنية إلى جانب باحثين أمريكيين في إطار مشروع التعاون المغربي الأمريكي. وقد سعيتُ إلى الاستقرار بالرباط، فتمت الاستجابة لطلبي، على أن أظل قريباً من فرق البحث بالمركز. لذلك كنتُ أتوجه أسبوعياً إلى سطات، وأقضي هناك ثلاثة أو أربعة أيام، واستمر هذا التنظيم قرابة ثلاث سنوات.
الدكتوراه ومسؤولية البرنامج الوطني للحبوب
في فبراير 1989، عدتُ إلى جامعة ولاية كانساس وقدمت أطروحتي للدكتوراه، التي نلتها باستحقاق. ثم رجعت إلى الرباط لأبدأ مرحلة جديدة من المسؤولية العلمية، إذ أُسندت إليّ مهمة المنسق الوطني للبرنامج الوطني لتحسين الحبوب. وكان المعهد الوطني للبحث الزراعي قد بدأ، في تلك الفترة، اعتماد رؤية تقوم على برامج وطنية متكاملة تهتم بالسلاسل الإنتاجية الأساسية، من القمح والحبوب الخريفية إلى البقوليات وغيرها من المحاصيل ذات الأهمية الاستراتيجية. لم تكن الفكرة مجرد توزيع للمهام، بل كانت سعياً إلى تنظيم البحث الزراعي حول حاجات البلاد الفعلية.
البحث الزراعي عمل فريق متكامل
ساهمتُ، ضمن هذا الإطار، في تتبع برامج التحسين الوراثي للقمح والشعير والتريتيكال، في مرحلة كان فيها عدد من الباحثين الشباب يتابعون دراساتهم العليا في الولايات المتحدة، من بينهم الدكاترة مرجوم، ونصر الله، وجليبين، ووسو. وقد تطلب استمرار العمل تضافر جهود الباحثين والتقنيين ورؤساء محطات التجارب، لأن نجاح البحث لا يصنعه فرد واحد. إن الباحث يحتاج إلى فريق متكامل، وإلى مساعدين أكفاء يعرفون الحقل، ويتابعون التجارب، ويؤمنون استمراريتها في مختلف الظروف. ومن واجب الإنصاف أن نذكر، في هذا السياق، التقنيين الذين قدموا دعماً ثميناً، ومنهم السيد علي أسطار والسيد محمد الهيلة، إلى جانب عدد كبير من العاملين في محطات المعهد الوطني للبحث الزراعي.
التعاون الدولي ودعم دينامية البحث
كان للتعاون الدولي دور حاسم في تقوية دينامية البحث الزراعي بالمغرب. فقد انتدبت إيكاردا باحثين لمواكبة الفرق الوطنية، من بينهم الدكتور محمد صالح المكني، المختص في الحبوب، الذي اشتغل بالمغرب بين سنتي 1986 و1996. كما ساهم الدكتور محمود الصلح والدكتور بينيوال في مجالات أخرى، خاصة البقوليات. وإلى جانبهم، عمل باحثون أمريكيون بمركز سطات وأسهموا في نقل الخبرة وخلق بيئة علمية نشيطة. كان ذلك التعاون داعماً للباحث المغربي، وشراكة جعلت الفرق الوطنية أكثر قدرة على بناء برامجها الخاصة.
استراتيجية وطنية للنهوض بقطاع الحبوب
ومن أهم ما اشتغلنا عليه إعداد خطة متكاملة واستراتيجية وطنية للبحث في مجال الحبوب، بدعم مؤسساتي وعلمي من إيكاردا وسيميت وعدد من الشركاء. وقد شملت هذه الاستراتيجية مختلف الأنشطة البحثية الضرورية للنهوض بقطاع الحبوب بالمغرب، من التحسين الوراثي إلى مقاومة الآفات، ومن التجارب الحقلية إلى تقييم الجودة والمردودية.
أصناف مغربية تقاوم ذبابة هِسّ
في مجال مقاومة ذبابة هِسّ، اشتغلنا على اختيار سلالات من القمح تتميز بالمقاومة وبمردودية وجودة جيدتين. وقد أفضت هذه الجهود إلى استنباط أصناف مغربية رائدة، من بينها صنفا القمح الطري الرهان وأجيلا، وكلاهما مقاوم للذبابة. وكان اسم «الرهان» يحمل، في نظرنا، دلالة جميلة: لقد راهنّا على البحث العلمي والعمل الجماعي، وربحنا رهان إنتاج صنف قادر على مواجهة آفة شديدة الخطورة.
كما سُجلت خمسة أصناف أخرى للقمح، استنبطها الدكتور نصر الحق، هي: أردن، عمرية، فرج، لويزة، ومروان. وكان معظمها يتميز بدرجات مهمة من المقاومة لذبابة هِسّ. وقد اكتسبت هذه النتائج قيمة خاصة لأن برامج التحسين الوراثي المتخصصة في مقاومة هذه الآفة كانت نادرة عالمياً، وتتركز أساساً في الولايات المتحدة، ولا سيما في ولايتي كانساس وإنديانا.
تكامل التخصصات: تجربة مع الدكتور مصطفى البوحسيني
ولا يمكن الحديث عن هذا المسار من دون الإشارة إلى التعاون المثمر الذي جمعني بالدكتور مصطفى البوحسيني، زميلي في جامعة ولاية كانساس. كان يشتغل في بيولوجيا ذبابة هِسّ وسبل مكافحتها، بينما كنتُ أركز على التحسين الوراثي واستنباط الأصناف المقاومة. وقد جسد هذا التعاون معنى التكامل بين التخصصات: ففهم الآفة من الجانب البيولوجي يوجّه عمل المربي، واستنباط الصنف المقاوم يمنح نتائج البحث أثراً مباشراً في الحقول. وبفضل هذا التراكم، أصبح المغرب من البلدان المعروفة دولياً بإنتاج سلالات وأصناف مقاومة لذبابة هِسّ.
في هذا الفيديو
يروي الدكتور أحمد عمري مرحلة عودته إلى المغرب بعد تكوينه بالولايات المتحدة، وأبحاثه حول ذبابة هِسّ وخسائرها في حقول القمح. كما يتحدث عن عمله بمركز أبحاث الزراعة البورية بسطات، ونيله الدكتوراه من جامعة ولاية كانساس، ثم مساهمته في تنسيق البرنامج الوطني لتحسين الحبوب. وتكشف الحلقة قيمة العمل الجماعي والتعاون العلمي في استنباط أصناف مغربية مقاومة للآفة، وفي مقدمتها «الرهان» و«أجيلا».



