وجوه لا تغيب : د. احمد عمري الحلقة 2 – من الكُتّاب القرآني إلى ثانوية يوسف بن تاشفين

د. الحسـن اشباني
مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب، خبير و صحفي مهني
من الكُتّاب القرآني إلى ثانوية يوسف بن تاشفين
بين التعليم العتيق والمدرسة الحديثة
كان والدي حريصًا أشد الحرص على تعليم أبنائه جميعًا، بناتٍ وبنين. ولذلك ألحقنا، في البداية، بالكتاتيب القرآنية والمدارس العتيقة، إيمانًا منه بأن حفظ القرآن الكريم وتعلّم مبادئ الدين هما الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه تربية الأبناء.
قضيت في الكُتّاب نحو أربع سنوات، وتمكنت خلالها من حفظ ما يقارب خمسة وخمسين حزبًا من القرآن الكريم، غير أنني لم أستطع إتمام الحفظ كاملًا. وبعد هذه التجربة، أدرك والدي أن مساري قد لا يستمر في اتجاه التعليم العتيق والمعاهد الإسلامية، فسمح لي بالالتحاق بالمدرسة الحديثة، لكنه وضع لذلك شرطًا واضحًا: أن أواصل مساعدته في الأعمال الزراعية، وأن أتولى، بصفة يومية، جلب الأعلاف للأبقار.
وهكذا بدأت مرحلة جديدة جمعت فيها بين الدراسة والعمل في الحقول، فلم يكن الذهاب إلى المدرسة يعني إعفائي من المسؤوليات العائلية، بل كان عليّ أن أوفّق بين واجباتي الدراسية والمهام التي تنتظرني في البيت والمزرعة.
طفولة في قلب العمل الزراعي
بحكم اهتمام والدي بالزراعة، ارتبطت طفولتي ارتباطًا وثيقًا بالأرض. فمنذ سنواتي الأولى إلى نهاية المرحلة الإعدادية، شاركت في مختلف الأعمال الزراعية بالتوازي مع دراستي. حرثت الأرض بالمحراث الخشبي، وحصدت المحاصيل يدويًا، وقمت بأعمال عديدة كانت جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية للأسرة.
وخلال العطل الصيفية، كنا ننتقل إلى مكان ريفي يُعرف باسم «العزي»، في قرية صغيرة تُدعى تمغس، تبعد عن مدينة تزنيت بنحو أربعة كيلومترات. هناك، كنا نعتني بالأغنام والماعز ونتولى رعيها، ولا سيما في أيام الأعياد أو عندما يتعذر حضور الراعي المعتاد.
كانت تلك التجارب مدرسة عملية مبكرة، تعلمت فيها معنى المسؤولية والصبر والارتباط بالأرض. كما أتاحت لي الاحتكاك المباشر بالزراعة وتربية الماشية في سن صغيرة، وهو ما ترك أثرًا عميقًا في شخصيتي، وأسهم، فيما بعد، في توجيه اختياراتي الدراسية والمهنية.
صرامة الأب ومساحة الحرية
على الرغم من صرامة والدي في التربية، فإنه منحني مساحة من الحرية لأعيش بعض مظاهر الطفولة والصبا. فقد سمح لي، على سبيل المثال، بتربية عدد كبير من الكلاب، وكانت تجربة غير مألوفة لم تكن متاحة لكثير من الأطفال في ذلك الوقت.
كما كان يتسامح مع ميلي إلى الغناء والعزف على الناي. وبحكم تكوينه الديني، كان ينصحني أحيانًا بترك هذه الممارسات، لكنه لم يمنعني منها منعًا قاطعًا، بل أتاح لي هامشًا من الحرية مكّنني من اكتشاف ميولي والتعبير عن نفسي.
أما والدتي، رحمها الله، فقد كان لها فضل كبير في تعريفي بجانب مهم من التراث الأمازيغي. فقد حفظت عنها عددًا من الأغاني القديمة التي ما زلت أستظهرها وأستمتع بأدائها في بعض المناسبات العائلية. وأعتز كثيرًا بهذا الموروث، لأنه يصلني بذاكرة الأسرة وبالبيئة الثقافية التي نشأت فيها.
تزنيت والتشبّع بقيم التنوع
كانت تزنيت، بما تتميز به من تعدد ثقافي ولغوي، فضاءً غنيًا أسهم في تشكيل شخصيتي. فمنذ الصغر، تعلّمت أن أجمع بين اهتمامات مختلفة: الزراعة والدراسة، والعمل واللعب، والأغنية الأمازيغية والموروث الشعبي المحلي.
ومن المظاهر التراثية التي ارتبطت بها أيضًا احتفالية «إمعشار»، وهي تظاهرة شعبية عريقة لا تزال تُقام في مدينة تزنيت. وقد كنت من بين الذين حفظوا بعض عناصر هذا التراث وطقوسه، وما زلت أتمنى أن تتاح لي فرصة الإسهام بصورة أكبر في صونه والتعريف به ونقله إلى الأجيال القادمة.
لقد جعلني هذا التنوع الذي عشته في طفولتي أكثر انفتاحًا على الاختلاف، ورسّخ لدي الميل إلى التنوع في الاهتمامات والتجارب. ولم تكن الزراعة أو الدراسة أو الفنون الشعبية مجالات منفصلة في حياتي، بل كانت جميعها أجزاء متكاملة من تكويني الإنساني.
بداية الدراسة النظامية
التحقت بالتعليم الابتدائي في نحو الثامنة من عمري، بعد السنوات التي قضيتها في الكُتّاب القرآني. درست في المؤسسة التعليمية الوحيدة الموجودة آنذاك بمدينة تزنيت، وكانت تضم مراحل تعليمية مختلفة، من الابتدائي إلى الإعدادي والثانوي. بل كانت المؤسسة الثانوية الوحيدة التي تستقبل التلاميذ القادمين من مجال جغرافي واسع يمتد من إقليم تزنيت إلى أقاليم الصحراء.
واصلت داخل هذه المؤسسة دراستي الابتدائية والإعدادية، مع الاستمرار في ممارسة الأعمال الزراعية. وكنت من التلاميذ الجادين، ولا يزال بعض أساتذتي يتذكرون تفوقي، ولا سيما في المواد العلمية. وقد بدأت ميولي العلمية تتضح تدريجيًا خلال هذه المرحلة، على الرغم من أن حياتي اليومية ظلت موزعة بين مقاعد الدراسة والعمل في الحقول.
الرحلة الأولى خارج تزنيت
ظلت تزنيت تمثل حدود عالمي في سنوات الطفولة؛ فلم أكن قد غادرتها أو سافرت خارجها حتى سن الثانية عشرة تقريبًا. وكانت أول رحلة لي إلى مدينة أكادير مرتبطة بحادث عارض، بعدما عضّني كلب، فكان من الضروري أن أتلقى العلاج والحقن اللازمة في مستشفى متخصص هناك. اصطحبني والدي إلى أكادير، ثم عدنا إلى تزنيت في اليوم نفسه.
كانت تلك الزيارة القصيرة أول احتكاك لي بمدينة خارج مسقط رأسي، لكنها لم تكن مغادرة فعلية أو إقامة طويلة. أما الانتقال الحقيقي الأول خارج تزنيت، فقد حدث سنة 1970، عندما غادرتها لمتابعة دراستي في ثانوية يوسف بن تاشفين بمدينة أكادير. بذلك الانتقال، بدأت مرحلة جديدة من حياتي؛ مرحلة الخروج من البيئة العائلية المألوفة والانفتاح على عالم أوسع، ستتضح ملامحه في المحطات اللاحقة من المسار.
في هذا الفيديو
يستعيد الدكتور أحمد عمري في هذه الحلقة جانبًا من طفولته بمدينة تزنيت، منذ سنوات الكُتّاب القرآني والالتحاق بالتعليم النظامي، وصولًا إلى انتقاله سنة 1970 لمتابعة دراسته بثانوية يوسف بن تاشفين في أكادير. ويتوقف عند تجربته المبكرة في الجمع بين الدراسة والعمل الزراعي، وأثر صرامة الأب وحنان الأم في تكوينه، فضلًا عن علاقته بالأغنية الأمازيغية وموروث «إمعشار» الشعبي، وهي عناصر أسهمت مجتمعة في بناء شخصيته وترسيخ ارتباطه بالأرض والعلم والتنوع الثقافي.



