د. أحمد عمري: من دفء الأسرة إلى آفاق البحث… حكاية وفاء وامتنان

د. الحسـن اشباني
مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب، خبير و صحفي مهني
========================
بعد أن رافقنا الدكتور أحمد عمري في محطات مساره العلمي، نقترب في هذه الحلقة من البيت الذي ساند ذلك المسار، ومن الروابط التي منحته الطمأنينة خلال سنوات البحث والتنقّل. يفتح لنا باب ذاكرته العائلية، مستعيدًا البدايات مع زوجته السيدة لطيفة، وتربية ابنيهما، وما حملته سنوات البعد من مسؤوليات وتضحيات مشتركة. وفي حديثه، يحضر الوفاء لمن هيّؤوا له أسباب الاستمرار، ويجد الامتنان مكانه في حكاية الإنجاز. وللأسف، فقدتُ تسجيلات ثلاث حلقات من هذا الحوار، ولم أجد لها أثرًا رغم البحث عنها؛ لذلك قد تكون هذه الحلقة آخر ما أنشره من هذا المسار، ما لم أعثر على التسجيلات المفقودة. ولعلّ ختام ما وصل إلينا بهذه الشهادة العائلية يمنحنا فرصة للاقتراب أكثر من الإنسان في هذا الخبير الدولي، ومن المحبة التي ساندته في رحلته العلمية.

في سطور
في هذه الحلقة من «وجوه لا تغيب»، نقترب من الجانب الإنساني للدكتور أحمد عمري، الخبير الدولي الذي جمع بين شغفه بالبحث وتعلّقه بأسرته؛ فكما يجد في مختبره متعة الاكتشاف، يجد في بيته الدفء والسند. يتحدث بوفاء عن زوجته السيدة لطيفة، رفيقة البدايات وشريكة الصبر وتربية الأبناء، ويستعيد سنواتٍ اقتضى فيها العمل البعد عن العائلة، دون أن تنقطع المودة أو يغيب الدعم. ومن «بيت صغير بقلب كبير» إلى أسرة تتّسع بالمصاهرة وتتقارب بتعلّم الأمازيغية، تكشف شهادته عن رجل يقدّر فضل الآخرين ويحترم التنوع الثقافي. وله أيضًا هواية الغناء بالسوسية، خصوصًا في المناسبات العائلية، حيث يشارك أهله لحظات الفرح والألفة. إنها حكاية عالمٍ أحبّ مختبره وأسرته، وأراد، بعد التقاعد، أن يمنح من ساندوه نصيبًا أوفر من وقته.
بيت صغير بقلب كبير… وعائلة تسند مسار البحث
1. عائلتي… السند الذي أتاح لي التفرّغ للبحث
بعد المحطات التي استعرضناها معًا في مساري، أصل إلى جانب أعدّه من أهم جوانب الحياة: حياتي العائلية. فقد كانت أسرتي سندًا لي، ولولا زوجة صالحة، داعمة ومتميزة، وعائلة تساندني من مختلف الجوانب، لما استطعت أن أتفرّغ للبحث العلمي وأن أتحمّل المسؤوليات المتعددة التي أُسندت إليّ.
حباني الله بزوجة تنتمي إلى عائلة محترمة ومثقفة، تابعت دراستها الجامعية، ثم اختارت أن تبقى في البيت وأن تسهم في بناء جو عائلي ممتاز. وقد كان لهذا الاختيار، ولما بذلته من جهد ورعاية، أثر كبير في حياتنا جميعًا.وأستحضر هنا تعبيرًا بالأمازيغية : «أَحْكِيرَا رَبِّي سُوفْلَا، إِيفَاكْ تَمْغَارْتْ أَعْدْلْنْ دْيَاتْ تَكْمِي دِيدُورَانْ عَدْلْنِينْ». أشرح معناه بالعربية: حين يريد الله بك خيرًا ويرفع شأنك، يرزقك امرأة متميزة وحنونًا، وأبناء حسني التربية، وعائلة داعمة من جهة الأم ومن جهة الأب. والحمد لله، هذا ما وجدته في حياتي، وأحمد الله عليه وأشكره.
2. زواجي من لطيفة سنة 1981… بداية حياة مشتركة
تزوجنا سنة 1981، بعد تخرّجي من معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، وفي بداية التحاقي بالمعهد الوطني للبحث الزراعي. زوجتي هي السيدة لطيفة بنت أحمد وعمو، ابنة عم والدتي؛ أي إن زواجنا كان داخل العائلة. كنت أعرفها قبل ذلك، ثم اتفقنا على الزواج في تلك المرحلة التي بدأت فيها حياتي المهنية. ومنذ ذلك الوقت، أكّدت لي المراحل التي عشناها معًا محبتها وحرصها على أن أنجح وأتميّز في عملي، وعلى أن يكون البيت فضاءً داعمًا لشغلي. والحمد لله، كانت حياتنا، وما زالت، قائمة على الحب والاحترام وتقدير كل واحد منا للآخر.
3. «بيت صغير بقلب كبير»… دفء البدايات وكرم الاستقبال
في أوائل حياتنا، كنا نسكن بيتًا صغيرًا، لكنه كان بقلب كبير. وأحب أن أكرّر هذه العبارة لأنها تعبّر فعلًا عن ذلك البيت: بيت صغير، ولكن بقلب كبير، مفتوح لجميع أفراد العائلة. كانت زوجتي تحرص على أن يكون أفراد عائلتي وأفراد عائلتها، وكذلك أصدقاؤنا، مرحّبًا بهم في بيتنا. لم تكن محدودية المكان تمنعنا من استقبالهم، وكانت تسهر على أن يجد كل من يزورنا جوًا من المودة والألفة. وهذه الروح العائلية كانت من الأشياء الجميلة التي رافقت بداياتنا، وظلّت جزءًا من حياتنا.
4. بين الدراسة وأشغال المنزل… وصبر البدايات
كانت زوجتي، في ذلك الوقت، تدرس في جامعة محمد الخامس، في شعبة الفيزياء والكيمياء، وقد تخرّجت من هذه الجامعة. وكانت تجمع بين دراستها وأشغال المنزل، وهو أمر احتاج منها إلى جهد وتنظيم وصبر. وأقول إنها صبرت كثيرًا؛ فالراتب الشهري في بداية عملي لم يكن يسمح لنا بشراء منزل، أو اقتناء سيارة، أو تحمّل تكاليف تعليم أبنائنا في المدارس التي كنا نرغب فيها بسهولة. كانت الإمكانات محدودة، وكانت أمامنا احتياجات وتطلعات كثيرة. لقد أظهرت صبرًا كبيرًا في تلك المرحلة، وظلّت داعمة لي ولأسرتنا. ولذلك أقول إن لها فضلًا في كل ما وصلنا إليه جميعًا؛ فقد شاركتني أعباء البدايات، وأسهمت في توفير الاستقرار الذي احتجت إليه لمواصلة عملي.
5. تربية أبنائنا وتعليمهم… فضل أحرص على الاعتراف به
أريد أن أخصّ بالذكر دور زوجتي في تربية أبنائنا. لدينا ابنان: الأكبر، إسماعيل مهدي، وُلد في ولاية كانساس سنة 1987، والثاني وُلد في الرباط سنة 1990. حرصت منذ البداية على أن يدرسا في المدرسة الفرنسية، مع علمي بأن راتبي الشهري قد لا يكون كافيًا لتغطية مصاريف الدراسة والمعيشة معًا. كان هذا الاختيار يتطلّب منا جهدًا وتدبيرًا، لكن زوجتي ساندته، ووافقت على أن نمنح تعليم أبنائنا هذه الأولوية. وكان دورها أساسيًا في تربيتهم ومتابعتهم. وأحرص على الاعتراف بهذا الفضل، لأن ما أصبح عليه أبناؤنا اليوم ارتبط بما بذلته من رعاية واهتمام وصبر طوال سنوات نشأتهم.
6. من المغرب إلى حلب… ثم العودة من أجل دراسة الأبناء
في سنة 1999، انتقلت معي زوجتي وأبناؤنا إلى حلب، حيث درس الأبناء وعشنا معًا نحو ثلاث سنوات، إلى سنة 2001. ثم اضطرت أسرتي الصغيرة إلى العودة إلى المغرب من أجل مواصلة دراستهم. كان السبب مرتبطًا بانتقالي إلى الأردن؛ فلم نجد هناك مدرسة فرنسية تتيح لابني الأكبر مواصلة الدراسة في المستوى الإعدادي الذي وصل إليه. ولذلك عادت زوجتي مع الأبناء إلى المغرب، بينما واصلت أنا عملي في المنطقة. كان علينا أن نتكيّف مع هذا الوضع، وأن نحافظ على استقرار دراسة الأبناء، حتى وإن اقتضى ذلك أن نعيش متباعدين خلال جزء من السنة.
7. سنوات العمل بعيدًا… وزوجتي تتولّى تربية الأبناء
على مدى ثماني أو تسع سنوات تقريبًا، كنت أتنقّل بين الأردن وإيران وحلب، بعيدًا عن أسرتي، وكانت زوجتي تتولّى تربية الأبناء ومتابعة شؤونهم في المغرب. لقد قامت بعمل كبير، وساعدتني كثيرًا؛ إذ كنت أواصل مسؤولياتي المهنية وأنا أعلم أنها تسهر على الأسرة وتتابع الأبناء. ومع ذلك، كنا نحرص على اللقاء وقضاء وقت معًا. كانوا يأتون إليّ حيث أوجد في منطقة غرب آسيا، ونلتقي لمدة تصل إلى نحو أربعة أشهر في السنة. وكنت أعود إليهم في العطلة الصيفية لمدة تقارب شهرًا ونصفًا كل سنة. كان هذا الترتيب يساعدنا على استمرار الصلة العائلية رغم المسافات. لكن المسؤولية اليومية لتربية الأبناء كانت تقع أساسًا على عاتق زوجتي، وأقدّر ما بذلته في تلك السنوات وما قدّمته لي من مساندة. ولهذا، فإن الفضل بعد الله، في استقرار حياتي الزوجية وفي ما استطعت إنجازه في حياتي العملية، يعود بدرجة كبيرة إلى زوجتي.
8. زواج أبنائنا… واتّساع دائرة العائلة
الحمد لله، أصبح أبناؤنا اليوم يعملون في ميادين مهمة، وقد تزوجا كلاهما من الرباط؛ أحدهما قبل نحو خمس سنوات، والآخر في شهر سبتمبر من السنة الماضية، بحسب توقيت هذا الحديث. كان زواجهما خارج نطاق العائلة، وخارج مدينتنا ومنطقتنا، من عائلتين محترمتين. وقد أعطى ذلك معنى جميلًا للتنوع وللتلاقي بين الثقافات. فعندما تتقارب عائلات من خلفيات مختلفة، تتاح لها فرصة التعارف، وفهم عادات بعضها، وتوطيد علاقات الاحترام المتبادل. وأريد أن أنوّه بزوجتَي ابنيّ؛ فهما إنسانتان طيبتان وخلوقتان، وقد أضافتا إلى عائلتنا نشاطًا جديدًا وتنوعًا جديدًا. وأنا سعيد بما حملتاه إلى الأسرة من حيوية، وبما نشأ بيننا من مودة وتقدير.
9. دروس الأمازيغية خلال الجائحة… تجربة تقرّب بيننا
خلال جائحة كوفيد 19، أخذت زوجتا ابنيّ على عاتقهما تعلّم اللغة الأمازيغية. وكنا نخصّص كل يوم درسًا، أتولّى فيه تعليمهما هذه اللغة، إلى أن أصبحتا قادرتين على الحديث بالأمازيغية مع العائلة بأريحية أكبر. وأرى أن هذا أمر مهم جدًا؛ فتعلّم لغة العائلة يساعد على التواصل معها والاقتراب من ثقافتها. وقد أسعدني استعدادهما لهذا التعلّم، وما بذلتاه من جهد، وما أتاحته لنا تلك الدروس من لقاءات وتبادل. كما قلت، فإن الاحترام المتبادل ينمو أيضًا من هذا التنوع الثقافي والاجتماعي، حين نُقبل عليه بمحبة واستعداد للتعارف. وأتمنى أن تدوم هذه المحبة، وأن يستمر الوفاق بين الأزواج وبين العائلات.
10. شغفي بالعمل… وتفهّم الأسرة
أحمد الله على كل ساعة، وأحمده على أن منحني عائلة داعمة ومحترمة. وأعترف بأنني كنت أشتغل كثيرًا، حتى خلال العطل وفي نهاية الأسبوع، يومَي السبت والأحد. في البداية، كانت لدى العائلة بعض التحفظات على ذلك، وهو أمر مفهوم، لأنهم كانوا يرغبون أيضًا في أن أقضي معهم وقتًا أكبر. لكنهم، حين أدركوا مقدار محبتي لعملي، وأنني أجد فيه معنى وأعدّه عبادة، أبدوا تفهّمًا وتسامحًا معي. لقد أحببت ما أقوم به، وكان هذا الشغف يدفعني إلى تخصيص وقت طويل له. ومساندة أسرتي وتفهّمها ساعداني على الاستمرار، وهو فضل أظلّ ممتنًا له.
11. بعد التقاعد… وقت أوفر للعائلة
أتمنى، بعد التقاعد، أن أمنح أسرتي قسطًا أوفر من وقتي، وأن أكون عند حسن ظنهم، وأن أقدّم دعمًا أكبر لعائلتي الصغيرة ولعائلتي الكبيرة، إن شاء الله. لقد منحوني الكثير من الدعم والمحبة والتفهّم طوال مساري، وأرجو أن أكون حاضرًا بينهم بصورة أكبر، وأن نواصل معًا هذه الحياة التي قامت على المودة والاحترام. وأسأل الله أن يديم بيننا المحبة والوفاق، وأن يحفظ الروابط التي تجمعنا.
في هذا الفيديو
يفتح الدكتور أحمد عمري نافذة على حياته الأسرية، مستعيدًا زواجه سنة 1981، وبدايات بيتٍ متواضع ظلّ مفتوحًا للأهل والأصدقاء. ويتحدث عن مساندة زوجته لاختياراته المهنية ولتعليم ابنيهما، وعن انتقال الأسرة معه إلى حلب، ثم عودتها إلى المغرب لمواصلة دراسة الأبناء، وما ترتّب على ذلك من سنوات تحمّلت خلالها الزوجة مسؤوليات التربية والمتابعة اليومية، بينما اقتضى عمله التنقّل بين بلدان المنطقة. كما يتوقف عند زواج ابنيه وما أضافته زوجتاهما إلى الأسرة من حيوية وتنوع، ويستعيد دروس الأمازيغية التي قدّمها لهما خلال جائحة كوفيد 19، بوصفها تجربة للتقارب والتواصل. إنها شهادة امتنان لمن شاركوه الطريق، وإقرارٌ بأن التفرّغ للبحث حمل وراءه جهدًا عائليًا يستحق أن يُروى ويُقدَّر.
قصة وفاء ومحبة للعلم، مهداة إلى الدكتور أحمد عمري وزوجته السيدة لطيفة
بيت صغير بقلب كبير… وسنابل تحمل حكاية عمر
بقلم د. الحسن أشباني
وصلتُ معه إلى الحديث عن أسرته، بعدما رافقته في محطات الدراسة والبحث والتنقّل بين البلدان. كنت أنتظر أن أسمع عن البيت الذي احتضن هذا المسار، وعن الحياة التي كانت تجري خلف مواعيد التجارب والاجتماعات والسفر. وحين بدأ يتحدث عن زوجته، أدركت أن هذه الحلقة ستعيدنا إلى معنى ظل حاضرًا في حكايته منذ البداية: الإنسان يحتاج إلى من يسنده حتى يستطيع أن يمنح الآخرين شيئًا من علمه وعمره.
قال إن البيت كان صغيرًا، لكنه كان بقلب كبير.
بقيت هذه العبارة معي. فيها بساطة البدايات، وكرم الاستقبال، وصورة امرأة تحرص على أن يجد الأهل والأصدقاء مكانًا لهم، مهما كانت مساحة البيت محدودة. وفيها أيضًا مفتاح لحكاية رجل اتّسعت أمامه آفاق البحث، وظل يعرف أين بدأت رحلته، ومن شاركه أعباء الطريق.
بدأت الحكاية في تزنيت، حيث وُلد أحمد عمري في العاشر من ديسمبر سنة 1952. نشأ في مدينة تتجاور فيها روافد ثقافية متعددة، وفي أسرة كبيرة تضم ثلاثة عشر ابنًا وبنتًا: سبعة إخوة وست أخوات. كان البيت مدرسة أولى للعيش مع الآخرين، ولتقاسم المسؤوليات، ولإدراك أن لكل فرد مكانًا داخل العائلة. كان والده، الحاج محمد بن العربي الذكري التزنيتي، فقيهًا تلقّى العلم في المدارس العتيقة، واشتغل بالعدالة، وظل شديد الارتباط بالأرض. وكان يقضي جانبًا مهمًا من وقته في مزرعته، يتابع شؤونها ويشرف على أعمالها. أما والدته، كلثوم بنت محمد بن أحمد، فقد نشأت في أسرة معروفة في تزنيت، وكان والدها قاضيًا بالمدينة. حفظت القرآن، وتلقّت العلوم الدينية، وعلّمت النساء مدة من الزمن، قبل أن تتفرغ لتربية أسرتها الكبيرة.
بين هذين الأبوين، عرف أحمد مبكرًا قيمة العلم والعمل. وكانت الزراعة جزءًا من الحياة اليومية؛ فالأسرة تملك قطيعًا كبيرًا من الأغنام والماعز، وتزرع الشعير، وتعتني بحقول مسقية قرب البيت وبمزرعة خارج أسوار المدينة. هناك لمس الأرض قبل أن يدرس علومها. شارك في الحرث بالمحراث الخشبي، وفي الحصاد اليدوي، وجلب الأعلاف، ورعي الماشية خلال العطل. وفي قرية تمغس القريبة من تزنيت، تعلّم أن العمل له موعد، وأن الحيوان يحتاج إلى الرعاية، وأن المحصول لا ينتظر انتهاء راحة صاحبه.
كانت هذه التفاصيل تبني، على مهل، صلته بالزراعة. وحين أصبح لاحقًا باحثًا في التحسين الوراثي، كان يحمل معه معرفة مبكرة بما يعنيه المحصول للأسرة التي تعيش منه. أراد والده لأبنائه أن يتعلموا، بناتٍ وبنين. بدأ أحمد في الكُتّاب، وقضى فيه نحو أربع سنوات، وحفظ ما يقارب خمسة وخمسين حزبًا من القرآن الكريم. ثم سمح له أبوه بالانتقال إلى المدرسة الحديثة، على أن يواصل المساعدة في الأعمال الزراعية.
وهكذا توزّعت أيامه بين الدراسة والمزرعة. كان يعود من عالم الدروس إلى عالم الأعلاف والحرث والحصاد، ويجد في كليهما مسؤولية عليه أن يؤديها. ومع صرامة الأب، بقيت للطفل مساحة يكتشف فيها ميوله. ربّى الكلاب، وأحب الغناء والعزف على الناي. وكان والده ينصحه أحيانًا، لكنه لم يغلق أمامه هذه الأبواب تمامًا. ومن أمه حفظ أغاني أمازيغية قديمة، ظل يستظهرها ويستمتع بأدائها في المناسبات العائلية.
في تلك الأغاني بقي صوت الطفولة قريبًا منه. حملها عبر سنوات الدراسة والعمل والسفر، وصارت سبيلًا يعود به إلى ذاكرة أمه وإلى البيئة التي نشأ فيها. وكان التنوع الذي عرفه في تزنيت يوسّع نظرته إلى الناس. تعلّم أن اختلاف اللغة والعادات جزء من حياة مشتركة، وأن الانتماء إلى ثقافة يزداد غنى حين يقترن بالانفتاح على ثقافات أخرى.
انتقل إلى أكادير لمتابعة دراسته في ثانوية يوسف بن تاشفين. اختير ضمن مجموعة صغيرة لشعبة الرياضيات، ثم اتجه إلى العلوم التجريبية في سنة دراسية شهدت اضطرابات وإضرابات. وكان يفكر، آنذاك، في دراسة الطب. ومن ذكريات تلك المرحلة مشهد يستحق أن يُحفظ: بعد امتحانات البكالوريا، عاد إلى مزرعة والده، وواصل العمل كعادته. وجاءه أبوه يحمل صحيفة باللغة الفرنسية، فيها أسماء الناجحين. لم يكن الأب يعرف الفرنسية، لكنه اشترى الجريدة وطلب من أحد معارفه أن يدله على اسم ابنه. ثم حمل إليه الخبر، إلى المكان الذي جمعهما طويلًا: المزرعة.
أحب هذه اللحظة في مساره. أبٌ يجد طريقه إلى فرحة ابنه بلغة لا يقرأها، ثم يأتيه بها وهو يعمل في الحقل. كانت تلك الصحيفة تحمل نجاحًا دراسيًا، وتحمل معه إيمان الأب بأن التعليم يستحق العناية والانتظار. ذهب أحمد إلى الرباط، ووضع في البداية ملف ترشحه بكلية الطب. لكن لقاءاته بطلبة معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة عرّفته إلى آفاق التكوين الزراعي. وكانت المنحة والإقامة والتغذية عوامل تساعده على متابعة الدراسة وتخفف العبء عن أسرته. اختار الزراعة، وبدأ تكوينًا امتد ست سنوات، جمع بين العلوم النظرية والتطبيقات والتداريب الميدانية. تعرف إلى مناطق المغرب، وإلى نظمها الزراعية، وإلى أوضاع الفلاحين الاقتصادية والاجتماعية. واتّسعت صلته بالأرض من تجربة أسرية في تزنيت إلى معرفة بواقع زراعي متنوع.
وفي المعهد، وجد كذلك فضاءً للتعارف الثقافي. أسهم سنة 1975 في تنظيم أمسيات يقدم فيها الطلبة فنون مناطقهم: أحواش، وأحيدوس، والركادة، وغيرها من ألوان التراث المغربي. كان الطالب الذي يتجه إلى التخصص العلمي يفسح مكانًا للغناء وللفرح المشترك، ويحمل معه شيئًا من سوس إلى هذا البيت الدراسي الكبير.
وفي يونيو سنة 1978، انتقل إلى جامعة مينيسوتا في الولايات المتحدة، حيث تخصص في علم الوراثة والتحسين الوراثي. أمضى هناك عامًا ونصف العام، ثم عاد إلى المغرب لإنجاز بحثه الميداني واستكمال تكوينه. أصبح التحسين الوراثي وجهته العلمية: أن يدرس تنوع النباتات، ويبحث في صفاتها، ويختار منها ما يساعد على بناء أصناف أنسب للزراعة ولحاجات المزارعين. وكان أمامه مجال يحتاج إلى دقة التجربة وصبر المتابعة؛ فالنبات يكشف صفاته عبر النمو والمواسم، والنتائج تحتاج إلى المقارنة قبل أن تتحول إلى اختيار.
بعد تخرجه، التحق بالمعهد الوطني للبحث الزراعي، واشتغل في المحطة الرئيسية لتحسين الحبوب الخريفية تحت إشراف الدكتور عبد الله وأسو. هناك تعلّم معنى الفريق المتكامل. كان التحسين الوراثي يلتقي بالعلوم الزراعية، وبأمراض النباتات، وبالحشرات، وتتكامل الخبرات لفهم المحصول في ظروفه الفعلية. وكان على الباحث أن يسمع زملاءه، وأن يربط تخصصه بما يعرفونه، حتى تتقدم التجربة. تولى برنامج تحسين الشعير، ثم التريتيكال. وبدأ بجمع نتائج الباحثين الذين سبقوه وسلالاتهم، وتحليلها والبناء عليها. وفي هذا الاختيار وفاء من نوع آخر: أن يحفظ الباحث جهد من سبقه، ويمنحه امتدادًا في عمل جديد.
ومع التعاون الوطني والدولي، تطورت برامج تحسين الحبوب، وظهرت أصناف جديدة. وكانت وراء هذه النتائج سنوات من الانتخاب والتجريب، وتقنيون يتابعون الحقول، وعاملون يحفظون انتظام التجارب، وزملاء يراجعون النتائج ويقارنونها. وحين استعاد أحمد هذه المرحلة، ذكر هؤلاء جميعًا. كان حريصًا على أن تبقى صورة الإنجاز واسعة بما يكفي لتضم من أسهموا فيه.
وفي سنة 1981، بدأت شراكة أخرى سترافق هذه الحياة العلمية. تزوج السيدة لطيفة بنت أحمد وعمو، ابنة عم والدته. كانت تتابع دراستها في الفيزياء والكيمياء بجامعة محمد الخامس، وتجمع بين الجامعة وأشغال المنزل حتى تخرجت، ثم اختارت التفرغ للأسرة. وفي بداياتهما، كانت الإمكانات محدودة، والراتب يحتاج إلى تدبير، والطموحات أكبر مما يمكن تحقيقه سريعًا. كان البيت صغيرًا، واستقبال الأهل والأصدقاء حاضرًا. وكانت لطيفة تحرص على دفئه، وعلى أن يجد زوجها فيه الاستقرار الذي يعينه على عمله. بعد عقود، عاد أحمد إلى تلك السنوات بكلمات امتنان. تحدث عن صبرها، وعن حرصها على نجاحه، وعن فضلها في ما وصلت إليه الأسرة. وفي شهادته بدا الحب حياةً تُبنى كل يوم: مسؤوليات تُتقاسم، واختيارات تُناقش، وضيق يُحتمل، ومستقبل يُهيَّأ للأبناء.
تولى رئاسة محطة تحسين الحبوب، ثم عاد سنة 1985 إلى الولايات المتحدة لمتابعة دراسته العليا بجامعة ولاية كانساس. كان في الثالثة والثلاثين تقريبًا، يجلس إلى الامتحانات مع طلبة أصغر منه، ويتعمق في الوراثة وعلم الخلية والإحصاء وتحليل النتائج. أحب في هذه المحطة استعداد الباحث للعودة إلى موقع المتعلم. فقد حمل معه خبرة مهنية، وقَبِل أن يخضع من جديد لصرامة الدراسة والتقويم. اتجه بحثه إلى مقاومة ذبابة هِس في القمح، في وقت كانت فيه أضرار الآفة والجفاف تثقل المحاصيل المغربية. تعاون مع الدكتور مصطفى البوحسيني، الذي اهتم ببيولوجيا الحشرة، بينما ركز أحمد على المصادر الوراثية للمقاومة. وعاد إلى المغرب بسلالات واعدة، وواصل العمل الحقلي، خصوصًا مع فرق البحث في سطات.
وفي فبراير سنة 1989، قدّم أطروحته بجامعة ولاية كانساس ونال الدكتوراه. ثم تولى تنسيق البرنامج الوطني لتحسين الحبوب، واتّسعت مسؤوليته في متابعة البحث وربطه بحاجات البلاد. وخلال هذه السنوات، كانت الأسرة تنمو أيضًا. وُلد إسماعيل مهدي في كانساس سنة 1987، ثم وُلد الابن الثاني في الرباط سنة 1990. وحرص الأبوان على تعليمهما، رغم ما تطلبه ذلك من جهد مالي وتنظيمي. وكانت لطيفة شريكة هذا الاختيار، والحضور اليومي في التربية والمتابعة.
قاد العمل العلمي أحمد إلى سؤال يتجاوز نجاح الصنف في التجربة: هل يلائم حياة الفلاح؟
كانت بعض أصناف الشعير جيدة المردودية، لكنها قصيرة ولا توفر ما يحتاجه المزارع من تبن للماشية. وكان لون الحبوب في صنف آخر يؤثر في قبوله. تعلمت فرق البحث من هذه التجارب أن الإنتاجية ترتبط بالجودة والاستعمال والسوق، وأن خبرة المزارع ينبغي أن تحضر في الاختيار. ومن هنا اكتسب التحسين الوراثي التشاركي مكانه في مساره. دخل الباحثون حقول المزارعين، وأصغوا إلى ملاحظاتهم، واشتغلوا معهم على أصناف محلية من الحبوب والبقوليات والفصة.
واهتم أحمد كذلك بحفظ الموارد الوراثية. شارك في إنشاء نواة لبنك جيني، وفي جمع الأصناف المحلية من مناطق المغرب، وفي دعم جهود حفظها وتثمينها. كانت البذور القديمة تحمل صفات قد يحتاج إليها البحث لاحقًا، وكان حفظها يحمي إمكانات لم تُستكشف كلها بعد. في هذه المرحلة، اجتمعت جوانب عديدة من تكوينه: معرفة الحقل، ودقة الباحث، واحترام التجارب السابقة، والانتباه إلى ما يقوله من يعيشون من الأرض. ثم اتسعت الرحلة إلى إيكاردا. انتقل إلى حلب سنة 1999 مع زوجته وأبنائه، للعمل في مشروع الحفاظ على التنوع الحيوي الزراعي واستخدامه المستدام. بدأ المشروع محدد المدة، ثم امتد، واتّسعت معه مسؤولياته.
وفي سنة 2001، تولى تنسيق مكتب إيكاردا لغرب آسيا في عمّان، واشتغل مع مؤسسات وباحثين ووزارات في بلدان متعددة. ثم تولى، ابتداءً من سنة 2005، تنسيق مكتب إيكاردا في إيران أيضًا. كان يتنقل بين البرامج والبلدان، ويحرص على أن يبقى البحث جوهر نشاطه. وبحسب تقديره، ظل ما لا يقل عن 70% من عمله مرتبطًا بالبحث والتعاون المباشر مع الباحثين. امتد اهتمامه من التجارب إلى المؤسسات والسياسات التي تتيح استمرارها. وفي إيران، شارك في دعم برامج التحسين الوراثي للقمح. ومن خلال المشروع الإقليمي، أسهم في جهود نشر الوعي بقيمة التنوع الزراعي، وفي لقاءات جمعت مسؤولين ومختصين حول حماية الموارد الوراثية واستخدامها المستدام. وكان يحمل من هذه التجارب قناعة ظل يؤكدها: النهوض بالزراعة يحتاج إلى اهتمام حقيقي بالبحث الزراعي، وإلى مؤسسات تمنح الباحثين وسائل العمل.
لهذه الرحلة وجه عائلي ثقيل المسؤولية. فعندما انتقل إلى الأردن، عادت لطيفة والأبناء إلى المغرب من أجل مواصلة الدراسة، بعد تعذر العثور على خيار التعليم الفرنسي المناسب للمستوى الذي بلغه الابن الأكبر. على مدى ثماني أو تسع سنوات تقريبًا، واصل أحمد التنقل بين بلدان عمله، وتولت زوجته التربية والمتابعة اليومية. وكانوا يحافظون على اللقاء بزيارات يقضون خلالها فترات معه، وبعودته إليهم في العطلة الصيفية.
وحين تحدث عن تلك السنوات، منح لطيفة حقها من التقدير. فقد استطاع أن يواصل مهامه لأن شخصًا آخر كان يسهر، يومًا بعد يوم، على استقرار الأبناء والبيت. وفي هذا الاعتراف يظهر عمق الوفاء. أن يعرف الإنسان مقدار ما قدمته رفيقة عمره، وأن يقوله أمام الناس، وأن يجعل جهدها جزءًا من الحكاية التي تُروى عنه.
وأنا أكتب هذه القصة، أستعيد موقفًا جمعني به في سوريا مع زميلي الراحل الدكتور عبد الحميد رمضاني. ذهبنا للمشاركة ببحثين في مؤتمر علمي، وكانت مؤسستنا قد تكفلت بالسفر وإقامة متواضعة وبعض نفقات الطعام، لكننا لم نكن نملك رسوم المشاركة. التقيناه عند باب مقر المؤتمر. رحب بنا، وشرحنا له الأمر، فلم يتردد في إعطاء تعليماته لتسجيلنا تسجيلًا كاملًا. بقيت تلك اللحظة في ذاكرتي، لأن مساعدته كانت مباشرة وفي وقتها. فهم ما يحتاج إليه زميلان جاءا ليشاركا عملهما العلمي، وفتح لهما الباب. ومن حق هذه المواقف أيضًا أن تُحفظ حين نوثق مسار باحث.
في سنة 2008، عاد إلى حلب لتولي مسؤولية وحدة الأصول الوراثية، وأصبح معاونًا لمدير البرنامج المعني بالتحسين الوراثي وحفظ التنوع البيولوجي. اجتمعت في هذه المهمة خبرته في تربية النباتات وتجربته في التعاون الإقليمي وحماية التنوع الزراعي. واصل عمله الرسمي إلى سبتمبر سنة 2019، بعد عشرين سنة في إيكاردا ونحو أربعين سنة في البحث الزراعي، ثم استمر في المساهمة مستشارًا. لقد مضى الطفل الذي عرف الشعير في مزرعة أبيه إلى مسؤوليات تتصل بحفظ الموارد التي يستند إليها تحسين المحاصيل. واتسعت المسافة بين البدايات وهذه المرحلة، لكن الصلة بالأرض بقيت حاضرة في معنى العمل. ومع مرور السنوات، تزوج الابنان، واتسعت الأسرة بعائلتين من الرباط، خارج دائرة القرابة والمنطقة الأصلية. تحدث أحمد عن زوجتي ابنيه بمحبة، وعن أخلاقهما وما أضافتاه من حيوية وتنوع. وخلال جائحة كوفيد 19، رغبتا في تعلّم الأمازيغية، فقدم لهما دروسًا يومية، إلى أن أصبحتا أقدر على الحديث مع العائلة بأريحية.
كانت هذه التجربة امتدادًا جميلًا لما عرفه في تزنيت، ولما أحبّه في أمسيات المعهد: أن يتقارب الناس بتبادل ثقافاتهم. وفي البيت نفسه، كان الغناء بالسوسية يرافق بعض المناسبات العائلية، وتحضر الأغاني التي حفظها عن أمه. هكذا ظل في حياته مكان للعلم، ومكان للأغنية، ومكان للأسرة التي تمنح كليهما دفئًا. وكان يعترف بأن شغفه بالعمل أخذه أحيانًا إلى المختبر والحقل خلال العطل ونهايات الأسبوع. تفهمت أسرته هذا التعلق مع الزمن، وهو، حين تحدث عن التقاعد، عبّر عن رغبته في أن يمنحها وقتًا أوفر، وأن يدعم عائلته الصغيرة والكبيرة.
قد تكون هذه الحلقة آخر ما أنشره من الحوار، ما لم أعثر على تسجيلات الحلقات الثلاث التي فقدت أثرها. ولهذا أردت أن أضع بين يديه هذه الهدية، وأن أجمع فيها ما بقي حاضرًا لدي من مساره.
إلى الدكتور أحمد عمري، وإلى السيدة لطيفة: هذه قصة تقدير لحياة شاركتما في بنائها، ولجهد علمي حمل وراءه جهدًا عائليًا يستحق أن يُذكر.
من تزنيت وحقول الطفولة، إلى الدراسة في المغرب والولايات المتحدة، ثم إلى برامج تحسين الحبوب والتعاون الدولي وحفظ الموارد الوراثية، قطع أحمد طريقًا طويلًا. وفي كل تلك المراحل، كانت هناك روابط تحفظ له اتزانه: أثر أبيه، وأغاني أمه، ورفقة زوجته، ومحبة أبنائه، والعمل مع زملائه.
وحين وصلنا إلى الحديث عن البيت، اختصر كثيرًا من هذه المعاني في عبارة واحدة:
«بيت صغير بقلب كبير».
في ذلك القلب مكان لرفيقة العمر، وللأبناء، وللأهل والأصدقاء، وللعلم الذي أحبّه. وفي هذه القصة مكانٌ لهم جميعًا.
وجوه لا تغيب… لأن الأثر أبقى من الزمن.
د. الحسن أشباني
===========================
شاهد الحلقات السابقة
https://dr-achbani.com/د-احمد-عمري-من-حلب-إلى-عمّان-وطهران-مس/




