حدود القوة الأمريكية: قراءة الدكتور عبد الله النفيسي في تآكل الهيمنة وفشل الحسم

د. الحسـن اشباني
مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب، خبير و صحفي مهني
==============================
حدود القوة الأمريكية: قراءة الدكتور عبد الله النفيسي في تآكل الهيمنة وفشل الحسم
في هذا المقال، أضع بين أيدي القراء قراءة تحليلية لحوار غني ومثير مع الدكتور عبد الله النفيسي، تناول فيه سؤالاً استراتيجياً بالغ الأهمية: هل ما تزال القوة الأمريكية بلا حدود، أم أن الحروب والأزمات المتلاحقة بدأت تكشف تآكل قدرتها على الهيمنة والحسم؟ لا أنقل الحوار في صورته التقليدية القائمة على الأسئلة والأجوبة، بل أعمل على جمع أفكاره المتفرقة وتوزيعها على محاور مترابطة، تحافظ على مضمون حديث الدكتور النفيسي وحججه وأمثلته وشهاداته الشخصية. وتنطلق القراءة من تفكيك الاعتقاد الشائع في منطقتنا بأن الولايات المتحدة وإسرائيل قوتان لا تُقهران، قبل الانتقال إلى ما تقوله النخب الاستراتيجية الأمريكية نفسها عن حدود القوة ونهاية الاستثنائية الأمريكية. يتوقف المقال عند كتابات المفكر والمؤرخ العسكري أندرو باسيفيتش، ثم يختبر أفكار الحوار على أرض الواقع من خلال الحرب على إيران: اغتيال القيادات، واستمرار مؤسسات الدولة، وتعذر الحسم، ورفض الانخراط البري، واهتزاز ثقة الحلفاء، وتحول القواعد الأمريكية في الخليج من مظلة للحماية إلى أهداف محتملة. كما يمتد النقاش إلى البحر الأحمر وميناء إيلات ومضيق هرمز، وإلى قدرة الحوثيين على إرباك الملاحة الدولية، ثم يطرح السؤال الذي يترقب الجميع إجابته: إذا انحسرت الهيمنة الأمريكية، فمن يملأ الفراغ؛ الصين أم روسيا، أم أننا ندخل عالماً متعدد القوى لا يستطيع فيه طرف واحد التحكم في جميع الخيوط؟ لا يهدف هذا المقال إلى إنكار قوة الولايات المتحدة أو التقليل منها، بل إلى التمييز بين القدرة على الضرب والتدمير والقدرة على تحقيق نصر سياسي دائم. وبينهما تكمن حدود القوة التي يحاول الدكتور عبد الله النفيسي كشفها وقراءتها.
د. الحسن أشباني

المحور 1: وهم القوة التي لا تُقهر في الوعي العربي
يبدأ الدكتور عبد الله النفيسي تحليله لحدود القوة الأمريكية بتفكيك انطباع راسخ في جانب من الوعي العربي، يقوم على الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تستطيع تحقيق كل ما تريده، وأن إسرائيل قادرة بدورها على فرض إرادتها في كل مواجهة؛ فإذا أرادت واشنطن شيئاً تحقق، وإذا قررت تل أبيب أمراً نُفذ. ولا يرى النفيسي في هذا التصور مجرد خطأ عابر في قراءة موازين القوى، بل يعتبره انطباعاً نفسياً بالغ الخطورة؛ لأنه يضرب المعنويات العربية ويزرع الشعور بالهزيمة قبل أن تبدأ المواجهة. فمجرد ظهور العلم الأمريكي أو الإسرائيلي في معركة ما يدفع بعض الناس إلى اعتبار نتيجتها محسومة سلفاً، وكأن المطلوب هو الانحناء أمام قوة لا يمكن مقاومتها أو تعطيل مشاريعها. ويؤكد النفيسي أن هذه النظرة ليست صحيحة موضوعياً ولا رقمياً، كما أنها لا تتوافق حتى مع تقييمات عدد من كبار المفكرين الاستراتيجيين داخل الولايات المتحدة وإسرائيل؛ ولذلك يطرح مفارقة لافتة: لماذا نبالغ نحن في تقدير قوة الولايات المتحدة وإسرائيل أكثر مما يفعل الأمريكيون والإسرائيليون أنفسهم؟ ولماذا يصبح بعضنا، في تقديره لقدراتهما، «أمريكياً أكثر من الأمريكيين، وإسرائيلياً أكثر من الإسرائيليين»؟
ولا ينكر الدكتور النفيسي ما تمتلكه الولايات المتحدة من تفوق عسكري واقتصادي وتقني واستخباراتي، كما لا يقلل من قدرة إسرائيل على تنفيذ عمليات دقيقة وتوجيه ضربات مؤلمة إلى خصومها، لكنه يرفض الانتقال من الاعتراف بهذه القوة إلى اعتبارها قدرة مطلقة لا تخضع للفشل والاستنزاف وردود الفعل المضادة. فالدولة الأقوى تستطيع أن تقصف وتدمر وتغتال قيادات، لكنها قد تعجز عن إخضاع مجتمع، أو بناء نظام بديل، أو المحافظة على احتلال طويل، أو تحويل انتصارها العسكري الأولي إلى نتيجة سياسية مستقرة. ومن هنا يميز النفيسي بين امتلاك أدوات القوة والقدرة على تحقيق جميع الأهداف؛ فقد تنجح الدولة في إسقاط نظام أو احتلال أرض، ثم تفشل في إدارة ما بعد الحرب، كما قد تمتلك تفوقاً نارياً هائلاً من دون أن تستطيع إنهاء مقاومة خصمها أو فرض تسوية دائمة عليه. ولذلك فإن تحرير الوعي العربي يبدأ، في رأيه، بالتخلص من وهمين متقابلين: وهم إنكار قوة الخصم والاستخفاف بها، ووهم اعتبارها قوة لا تُقهر. والمطلوب بينهما قراءة واقعية ورقمية تعرف قدرات الطرف الآخر، لكنها تبحث أيضاً عن نقاط ضعفه وحدود احتماله وكلفة حروبه.
المحور 2: النخبة الأمريكية تعترف بحدود القوة
يميز الدكتور النفيسي بين الرأي المتداول في المجالس والدواوين، الذي يتأثر بالمشاهد اليومية والخطابات الإعلامية، وبين تفكير النخبة الاستراتيجية المتخصصة في دراسة موازين القوى واتجاهات السياسة الدولية. ويستند في ذلك إلى تجربته الأكاديمية ولقاءاته بعدد من المفكرين والباحثين خلال دراسته وإعداده لأطروحته في أوروبا، ثم أثناء عمله أستاذاً زائراً في جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا. فقد التقى مفكرين أمريكيين، وقرأ أعمالهم، واستمع إلى محاضراتهم، لكنه لم يجد بينهم من يتحدث عن الولايات المتحدة باعتبارها قوة قادرة على تحقيق كل ما تريده بلا عوائق. بل إن الذين يدافعون عن المشروع الأمريكي ودوره العالمي يعترفون بأن بلادهم تحتاج إلى الأصدقاء والحلفاء، وإلى تطوير قوتها العسكرية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، وإلى المحافظة على ثقة شركائها. وهذا الاعتراف يعني أن الولايات المتحدة، على الرغم من ضخامة مواردها، لا تستطيع إدارة العالم منفردة أو تحمل تكاليف جميع الصراعات من دون دعم خارجي.
ويتناول هؤلاء المفكرون القوة، وفق النفيسي، باعتبارها منظومة متعددة الأذرع، لا مجرد جيش متفوق أو ترسانة متطورة. فللقوة ذراع عسكرية، وأخرى اقتصادية وسياسية ودبلوماسية ونفسية وتاريخية وثقافية؛ ولا يمكن لأي ذراع منها أن تعوض بقية الأذرع تعويضاً كاملاً. فقد تنتصر القوة العسكرية في الميدان، لكن الاقتصاد يعجز عن تحمل حرب طويلة، أو تفشل الدبلوماسية في بناء تحالف واسع، أو تخسر الدولة معركة الرأي العام، أو تتراجع ثقة الحلفاء في قيادتها. ومن ثم فإن امتلاك السلاح لا يضمن وحده تحقيق الهدف السياسي، وحاجة الولايات المتحدة المستمرة إلى التحالفات والعقوبات الاقتصادية والمؤسسات الدولية والعمل الدبلوماسي دليل على أن قوتها ليست مطلقة ولا مكتفية بذاتها.
وفي هذا السياق يفرق النفيسي أيضاً بين عمل الصحفي وعمل المفكر الاستراتيجي. فالصحفي يتابع الحدث اليومي وتقلباته وتصريحات المسؤولين، أما المفكر الاستراتيجي فيدرس الظاهرة من مختلف أبعادها، ويربطها بماضيها، ويبحث عن اتجاهاتها العميقة ليستشرف مستقبلها. فهو لا ينتظر إعلان تراجع القوة رسمياً، بل يلتقط علاماته المبكرة في ارتفاع تكلفة الانتشار العسكري، وتراجع ثقة الحلفاء، وتنامي المنافسين، وتردد المجتمع في تحمل الحروب، وفقدان القدرة على تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية دائمة. ويستحضر النفيسي في هذا الإطار كتابات هنري كيسنجر، الذي اهتم بالمنحى الاستراتيجي للسياسة الخارجية الأمريكية أكثر من اهتمامه بالتقلبات اليومية؛ فالقضية بالنسبة إليه لم تكن حل جميع أزمات العالم أو الدخول المباشر فيها، بل الإمساك بخيوطها وإدارتها بما يخدم المصلحة القومية الأمريكية.
ومن خلال هذه القراءة، يخلص الدكتور النفيسي إلى أن الحديث عن حدود القوة الأمريكية ليس خطاباً عربياً عاطفياً أو تعبيراً عن رغبة في رؤية الولايات المتحدة ضعيفة، بل نقاش قائم داخل مراكز التفكير والجامعات والمؤسسات الاستراتيجية الأمريكية منذ حرب فيتنام وما تلاها. وتدرك قطاعات من النخبة الأمريكية أن الإفراط في استخدام القوة العسكرية قد يتحول من وسيلة لتعزيز الهيمنة إلى سبب لاستنزافها، وأن الدولة التي تدخل حروباً متلاحقة من دون أهداف قابلة للتحقيق قد تبدد تفوقها بدلاً من أن تحافظ عليه. لذلك يدعو النفيسي القارئ العربي إلى الاستماع إلى ما تقوله هذه النخب عن نفسها، وعدم الاستسلام لصورة قوة مطلقة لا يؤمن بها حتى أبرز دارسي الاستراتيجية داخل الولايات المتحدة.

المحور 3: أندرو باسيفيتش ونقد القوة الأمريكية من الداخل
يستشهد الدكتور عبد الله النفيسي بالمؤرخ والمفكر الاستراتيجي الأمريكي أندرو ج. باسيفيتش – Andrew J. Bacevich، باعتباره واحداً من أبرز الأصوات التي درست حدود القوة الأمريكية من داخل التجربة العسكرية والأكاديمية نفسها. فقد تخرج باسيفيتش في الأكاديمية العسكرية الأمريكية في وست بوينت، وخدم سنوات طويلة في الجيش الأمريكي حتى رتبة عقيد، ثم حصل على الدكتوراه في التاريخ الدبلوماسي الأمريكي من جامعة برينستون، قبل أن يعمل أستاذاً للتاريخ والعلاقات الدولية في جامعة بوسطن. كما شارك في تأسيس معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول – Quincy Institute for Responsible Statecraft، الذي يدعو إلى الحد من الإفراط في التدخل العسكري، واعتماد الدبلوماسية وضبط استخدام القوة في السياسة الخارجية الأمريكية. وتكمن أهمية شهادته، وفق النفيسي، في أنه لا ينتقد الولايات المتحدة من موقع الخصومة الخارجية، بل يتحدث من داخل المؤسسة العسكرية ومن خبرة مباشرة بالحروب وطريقة صنع القرار، ثم من موقع أكاديمي متخصص في تاريخ السياسة الخارجية والأمن القومي.

ويتوقف النفيسي بصورة خاصة عند كتاب باسيفيتش «حدود القوة: نهاية الاستثنائية الأمريكية» – The Limits of Power: The End of American Exceptionalism، الذي يناقش الاعتقاد بأن الولايات المتحدة حالة فريدة لا تنطبق عليها القواعد التي حكمت صعود القوى والإمبراطوريات وسقوطها. ويرى باسيفيتش أن هذه الفكرة لم تعد قابلة للاستمرار؛ لأن الولايات المتحدة، مهما بلغت قوتها، تخضع بدورها لحدود الموارد والكلفة والقدرة على تحمل الحروب. فالتفوق العسكري لا يمنحها حصانة من الاستنزاف، ولا يضمن لها تحقيق أهدافها السياسية. وقد تستطيع هزيمة جيش نظامي أو إسقاط حكومة خلال مدة قصيرة، لكنها قد تجد نفسها عاجزة عن بناء نظام مستقر أو إنهاء المقاومة أو الخروج من الحرب بانتصار سياسي واضح. ومن هنا يصبح عنوان «حدود القوة» دعوة إلى التمييز بين كون الولايات المتحدة الدولة الأقوى في العالم وبين الاعتقاد بأنها قادرة على فعل كل شيء.
ويستحضر النفيسي أيضاً كتاب «عصر الأوهام: كيف بددت أمريكا انتصارها في الحرب الباردة» – The Age of Illusions: How America Squandered Its Cold War Victory. فقد خرجت الولايات المتحدة من الحرب الباردة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي باعتبارها القوة الدولية الأبرز، ووجدت أمامها فرصة لبناء نظام عالمي أكثر توازناً واستقراراً، لكنها بددت جانباً مهماً من ذلك الانتصار بانخراطها في حروب وتدخلات عسكرية متلاحقة. وبدلاً من استثمار تفوقها في تعزيز الدبلوماسية وبناء شراكات مستدامة، توسعت في استخدام القوة، فارتفعت الكلفة المالية والبشرية، وتراجعت الثقة في قدرتها على إنتاج نتائج سياسية دائمة. ويرى النفيسي أن باسيفيتش كتب هذه الأفكار قبل الحرب الحالية، لكنها تبدو وكأنها تستشرفها؛ لأنها لم تنطلق من حدث منفرد، بل من رصد نمط متكرر في السياسة الأمريكية: الثقة المفرطة بالسلاح، والتقليل من قدرة الخصم على الصمود، ثم الدخول في حرب تصبح نهايتها أكثر تعقيداً من بدايتها.

وفي كتابه «خيانة الثقة: كيف خذل الأمريكيون جنودهم وبلادهم» – Breach of Trust: How Americans Failed Their Soldiers and Their Country، ينتقد باسيفيتش زج الجنود الأمريكيين في مغامرات لم تكن أهدافها ولا نتائجها محسوبة بدقة. وتمثل «خيانة الثقة»، وفق هذا الطرح، دفع الجنود إلى حروب طويلة تخوضها أقلية عسكرية محترفة، بينما يبقى معظم المجتمع بعيداً عن أعبائها ومسؤولياتها. فإرسال الجنود إلى الخارج ليس دليلاً على قوة الدولة إذا كانت القيادة لا تملك تصوراً واضحاً لما تريد تحقيقه، ولا تعرف متى تنهي الحرب وكيف تعيد جنودها. وقد يتحول الانتشار العسكري الواسع عندئذ من أداة للردع إلى التزام دائم يستنزف المال والعتاد والبشر.


أما في كتاب «حرب أمريكا من أجل الشرق الأوسط الكبير: تاريخ عسكري» – America’s War for the Greater Middle East: A Military History، فيحلل باسيفيتش التدخلات الأمريكية المتعاقبة في المنطقة وحصيلتها السياسية. ويقرأ النفيسي هذا العمل باعتباره دليلاً على تحول الشرق الأوسط إلى أحد أهم ميادين اختبار حدود القوة الأمريكية؛ فعلى الرغم من التفوق العسكري والإنفاق الضخم وشبكة القواعد الواسعة، لم تنجح الولايات المتحدة دائماً في تحويل انتصاراتها الميدانية إلى استقرار سياسي أو نتائج استراتيجية قابلة للاستمرار. وبذلك تقدم أعمال باسيفيتش مجتمعة شهادة أمريكية من الداخل على أن الأزمة لا تكمن في نقص السلاح، بل في سوء تقدير ما يستطيع السلاح تحقيقه.
المحور 4: من الاستثنائية الأمريكية إلى انحسار الهيمنة
يقوم مفهوم الاستثنائية الأمريكية – American Exceptionalism على الاعتقاد بأن الولايات المتحدة ليست دولة كبرى كسائر الدول، بل تجربة تاريخية فريدة تحمل رسالة عالمية، وأنها قادرة على تجنب المصير الذي عرفته الإمبراطوريات السابقة. وقد عزز انتصارها في الحرب العالمية الثانية، ثم خروجها منتصرة من الحرب الباردة، هذا الشعور بالتفوق. فبعد سنة 1945 أصبحت واشنطن المركز الأساسي للتمويل والتكنولوجيا والأمن الدولي، وكانت كثير من الدول التي تريد بناء اقتصادها أو إنجاز مشروعاتها التنموية تتجه إليها طلباً للعون. وخلال خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ترسخت صورة الولايات المتحدة باعتبارها صاحبة القرار وقائدة النظام العالمي، ولم يكن أمام الدول النامية عدد كبير من البدائل القادرة على منافستها.
لكن الدكتور النفيسي يرى أن هذا الوضع بدأ يتغير؛ فالولايات المتحدة ما تزال قوة عظمى، غير أنها لم تعد الطرف الوحيد الذي تتجه إليه الدول الباحثة عن التمويل أو السلاح أو التكنولوجيا أو الشراكات التنموية. فقد صعدت الصين بقوة داخل إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، ووسعت روسيا حضورها العسكري والسياسي، كما دخلت الهند وقوى إقليمية أخرى مجالات كانت واشنطن تحتكر جانباً كبيراً منها. وأصبحت الدول النامية قادرة على المفاضلة بين شركاء متعددين، والتفاوض معهم وفق مصالحها، بدلاً من انتظار القرار الأمريكي وحده. وهذا التحول لا يعني اختفاء الهيمنة الأمريكية دفعة واحدة، بل يعني تراجع قدرتها على احتكار الخيارات وإملاء الشروط كما كانت تفعل في مراحل سابقة.
ويمتد تراجع الشعور بالاستثنائية، وفق النفيسي، إلى الداخل الأمريكي نفسه. ويستشهد في هذا السياق بتحليل نسبه إلى صحيفة وول ستريت جورنال، تناول تفكير بعض الأمريكيين في الانتقال للعيش خارج الولايات المتحدة، واختيار دول أقل تكلفة في جنوب شرقي آسيا وغيرها. ويربط هذا التوجه بارتفاع الأسعار والضرائب، والبحث عن الأمن والاستقرار الاجتماعي، والشعور بأن الولايات المتحدة أصبحت تواجه المشكلات التي تعانيها بقية الدول ولم تعد بمنأى عن الأزمات. ولا تعني هجرة فئة من الأمريكيين أن المجتمع كله فقد الثقة في بلاده، لكنها تمثل، في قراءة النفيسي، مؤشراً نفسياً على تراجع الاعتقاد بأن الحياة داخل الولايات المتحدة تمنح صاحبها بالضرورة امتيازاً لا يوجد في مكان آخر. وتجدر الإشارة إلى أن المقال المحدد في وول ستريت جورنال لم يتسنَّ تحديده بصورة قاطعة من المعطيات الواردة في الحوار؛ ولذلك يُقدم مضمونه هنا باعتباره منقولاً على لسان الدكتور النفيسي، لا اقتباساً حرفياً موثقاً من الصحيفة.
كما يظهر انحسار الهيمنة في اتساع الأعباء الخارجية للولايات المتحدة. فشبكة القواعد والانتشار العسكري في مناطق متعددة تحتاج إلى موارد مالية وبشرية ولوجستية مستمرة، في وقت تواجه فيه البلاد حاجات داخلية متزايدة. ويشير النفيسي إلى أن المؤسسة العسكرية والحرس الوطني كانا يؤديان دوراً مهماً في مواجهة الأعاصير والفيضانات والزلازل والكوارث، بينما يفرض الانشغال بالعمليات الخارجية ضغطاً متزايداً على الجاهزية والموارد. والأدق هنا أن الحرس الوطني الأمريكي ما يزال يؤدي مهمته المزدوجة في الاستجابة للطوارئ داخل الولايات المتحدة ودعم العمليات العسكرية خارجها، لكن تعدد المهام يظل قادراً على خلق ضغوط حقيقية في التمويل والقوى البشرية والاستعداد.
ولا يعني هذا كله أن الولايات المتحدة أصبحت دولة عادية بلا تأثير، أو أن الصين وروسيا حلتا محلها بصورة كاملة. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك اقتصاداً ضخماً، وقوة عسكرية وتكنولوجية متقدمة، ونفوذاً مالياً وثقافياً وعلمياً واسعاً، وشبكة تحالفات لا تمتلكها أي دولة منافسة بالحجم نفسه. لكن الفارق أن هذه العناصر لم تعد تضمن لها احتكار القرار الدولي، ولم تعد كافية لفرض نتائجها في كل حرب أو أزمة. ومن هنا يميز النفيسي بين تراجع الهيمنة وانهيار القوة: فالهيمنة تنحسر حين تفقد الدولة قدرتها على توجيه الآخرين بمفردها، حتى لو ظلت أقوى منهم عسكرياً واقتصادياً. وهذا هو التحول الذي يراه في المشهد الدولي الحالي؛ انتقال تدريجي من عالم كانت واشنطن تتصدره شبه منفردة إلى عالم تتعدد فيه مراكز القوة والبدائل والشراكات.

المحور 5: إفريقيا والتعليم وبناء النفوذ الجديد
يقدم الدكتور عبد الله النفيسي القارة الإفريقية نموذجاً واضحاً لانحسار الاحتكار الأمريكي وصعود قوى دولية جديدة. فبعد الحرب العالمية الثانية، كانت الدول الإفريقية الراغبة في تنفيذ مشروعات التنمية أو الحصول على التمويل والخبرة الفنية تنظر أساساً إلى الولايات المتحدة والدول الغربية، باعتبارها الجهات القادرة على توفير المال والتكنولوجيا والدعم السياسي. أما اليوم، فقد تغيرت خريطة الشركاء؛ إذ أصبحت الصين حاضرة بقوة في البنية التحتية والطاقة والموانئ والاتصالات والتعدين والتجارة، ولم تعد كثير من الدول الإفريقية تنتظر المبادرة الأمريكية أو تعتبر واشنطن بوابتها الوحيدة إلى التنمية. ويرى النفيسي أن كل تراجع أمريكي في القارة أتاح للصين فرصة إضافية لتوسيع حضورها، إلى درجة أن إفريقيا أصبحت إحدى أهم ساحات المنافسة الصينية الأمريكية.
ولا يقتصر النفوذ الصيني على القروض والمشروعات الاقتصادية، بل يمتد إلى التعليم وتكوين الأجيال الجديدة. فقد أصبحت الجامعات الصينية تستقبل أعداداً متزايدة من الطلبة الأفارقة، وهو ما يمنح بكين نفوذاً طويل المدى يتجاوز مدة الدراسة. فالطالب الذي يتلقى تعليمه في دولة ما لا يعود إلى وطنه بشهادة أكاديمية فقط، بل يحمل معرفة بلغتها ومؤسساتها وثقافتها وطريقة عملها، ويبني داخلها شبكة من العلاقات المهنية والشخصية. وقد يصبح لاحقاً مسؤولاً حكومياً أو خبيراً أو رجل أعمال يحتفظ بعلاقات مباشرة مع البلد الذي كوّنه. ولهذا ينظر الدكتور النفيسي إلى البعثات الدراسية باعتبارها جزءاً من أدوات القوة الناعمة وصناعة النفوذ، لا نشاطاً أكاديمياً منفصلاً عن التنافس الدولي.
ويستشهد في المقابل بتوجه عشرات الآلاف من طلبة دول مجلس التعاون الخليجي إلى الجامعات الأمريكية. ولا ينكر النفيسي المستوى المتقدم لعدد كبير من هذه الجامعات، لكنه يرى أن اختيار الولايات المتحدة يرتبط أيضاً بصورة ذهنية ترسخت طويلاً، تقدمها باعتبارها «عاصمة العلم والتخصص». ويتساءل عن سبب عدم توسيع الابتعاث نحو مراكز علمية أخرى في اليابان والصين وكوريا الجنوبية والهند وروسيا، ولا سيما في العلوم التطبيقية والتخصصات الدقيقة. ويقدم تجربة أحد أبنائه الذي تابع دراسته للدكتوراه في روسيا مثالاً على وجود مستويات علمية دولية متقدمة خارج المنظومة الأمريكية والغربية. ولا يقصد بهذا المثال استبدال وجهة جامعية واحدة بأخرى، بل الدعوة إلى التحرر من فكرة احتكار المعرفة، وإلى اختيار الجامعات والتخصصات وفق جودتها الفعلية وحاجة البلدان العربية إليها.
ويضع الدكتور النفيسي السودان في قلب التنافس الدولي على إفريقيا، بالنظر إلى موقعه الجغرافي، وثرواته، وإطلالته على البحر الأحمر، وصلاته بالعالمين العربي والإفريقي. ويرى أن واشنطن تحاول استعادة حضورها في القارة، أحياناً من خلال دول عربية حليفة تستطيع أن تكون بوابة للعودة إلى إفريقيا ومواجهة التمدد الصيني. ومن هذه الزاوية، لا يقرأ الصراع في السودان باعتباره أزمة داخلية منفصلة، بل يضعه أيضاً ضمن التنافس على الموارد والممرات البحرية والأسواق ومواقع النفوذ. غير أن النفيسي يرى أن المحاولات الأمريكية لم تستطع حتى الآن استعادة المبادرة بالقدر المطلوب، بينما واصلت الصين توسيع علاقاتها الاقتصادية والتعليمية بالقارة.
فقد كان السودان أكبر بلد إفريقي مساحة قبل انفصال جنوب السودان سنة 2011، أما اليوم فهو ثالث أكبر بلد في القارة بعد الجزائر وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ويتشارك حدوده البرية مع سبع دول. فموقعه واتصاله بالبحر الأحمر وامتداده بين شمال إفريقيا ووسطها وشرقها يمنحانه ثقلاً يتجاوز ترتيبه الجغرافي. وتكشف المنافسة عليه وعلى بقية القارة أن النفوذ العالمي لم يعد يصنع بالقواعد العسكرية فقط، بل بالجامعة والطريق والميناء والتمويل والتكنولوجيا. فالدولة التي تكوّن الأجيال وتبني البنية التحتية قد تكتسب نفوذاً أكثر استدامة من الدولة التي تكتفي بإرسال القوات.

المحور 6: الحرب على إيران: النجاح التكتيكي وفشل الحسم الاستراتيجي
ينتقل الدكتور النفيسي من المؤشرات العامة لانحسار الهيمنة إلى اختبارها في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. ويرى أن الحرب كشفت بوضوح الفارق بين القدرة على تنفيذ عمليات عسكرية دقيقة وبين القدرة على حسم مواجهة شاملة وفرض نتيجة سياسية مستقرة. فقد دخل الرئيس دونالد ترامب الحرب بخطاب يوحي بأن النظام الإيراني سينهار خلال أيام، وأن الضربات الأولى ستقضي على قيادته وتعطل قدرته على الرد. لكن استمرار القتال بعد التقديرات الأولية، وبقاء مؤسسات الدولة واستمرار إطلاق الصواريخ والمسيّرات، كشف أن الوصول إلى الأهداف وتدميرها لا يعني بالضرورة إنهاء الحرب أو تحقيق الغاية السياسية منها.
ويستحضر النفيسي إعلان ترامب عدم إرسال قوات برية إلى إيران، أو ما يعبر عنه أمريكياً بعبارة No boots on the ground، ويقرأه بوصفه اعترافاً بصعوبة خوض حرب برية داخل بلد واسع ومعقد جغرافياً وديموغرافياً مثل إيران. فالتدخل البري يحتاج إلى أعداد كبيرة من الجنود، وخطوط إمداد محمية، واستعداد لتحمل الخسائر البشرية، وخطة لإدارة الأرض والمؤسسات بعد انتهاء العمليات. كما أن المجتمع الأمريكي، بعد تجارب فيتنام والعراق وأفغانستان، لم يعد مستعداً بسهولة لقبول حرب مفتوحة وطويلة. ولا يعني الامتناع عن التدخل البري أن الولايات المتحدة عاجزة عسكرياً عن إرسال قوات، فقد يكون قراراً سياسياً لتجنب الخسائر، لكنه يكشف في الحالتين أن استخدام القوة تحكمه حدود الكلفة واحتمال ردود الفعل الداخلية والخارجية.
ويضيف النفيسي أن استعانة واشنطن بالدول الأوروبية والصين للمشاركة في تأمين مضيق هرمز تكشف حاجتها إلى الشركاء وعدم رغبتها أو قدرتها على تحمل الأعباء منفردة. كما يرى في حديث ترامب عن إعادة تقييم تمركز القوات الأمريكية في الشرق الأوسط وإمكان تقليصها دليلاً على ارتفاع كلفة الانتشار العسكري. ومع ذلك، ينبغي ألا يُقرأ الانسحاب أو إعادة التموضع باعتباره انهياراً تلقائياً؛ فقد يكون انتقالاً إلى أدوات أقل كلفة، مثل الصواريخ بعيدة المدى، والطائرات المسيّرة، والقوة البحرية، والاعتماد على الحلفاء المحليين. لكن الحاجة إلى هذا التحول تظل دليلاً على أن شبكة القواعد والجنود ليست قابلة للتوسع إلى ما لا نهاية.
ويطرح الحوار اعتراضاً جوهرياً: كيف نتحدث عن انحسار القوة الأمريكية بينما استطاعت واشنطن استهداف قيادات إيرانية رفيعة، ونفذت داخل فنزويلا عملية عسكرية انتهت باعتقال نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الولايات المتحدة؟ يجيب الدكتور النفيسي بأن مثل هذه العمليات تثبت امتلاك الولايات المتحدة قدرات استخباراتية وعسكرية متقدمة، لكنها لا تثبت قدرتها على بناء نظام سياسي مستقر أو إخضاع مجتمع كامل. فالاغتيال أو الاعتقال أو تنفيذ عملية خاطفة يمثل نجاحاً تكتيكياً، أما النجاح الاستراتيجي فيتطلب تحقيق الهدف السياسي والمحافظة عليه. ويذهب النفيسي في نقده إلى أن الخطف والاغتيال تستطيع القيام بهما جماعات مسلحة ومنظمات إجرامية أيضاً، ولذلك لا يجوز اتخاذهما وحدهما مقياساً لقوة الدول. فالمعيار الحقيقي هو ما يحدث في اليوم التالي للعملية: هل استقرت الدولة؟ وهل قبل المجتمع بالنظام الجديد؟ وهل انتهى التهديد أم أعاد تشكيل نفسه؟
ويستحضر كوبا مثالاً تاريخياً على الفرق بين التهديد والقدرة على تغيير الأنظمة. فقد انتصرت الثورة الكوبية سنة 1959، وبقي نظامها قائماً على مقربة مباشرة من الولايات المتحدة رغم عقود من العقوبات والضغوط والمحاولات الرامية إلى إسقاطه. ويرى النفيسي أن كثرة تصريحات ترامب عن كوبا وكندا وغرينلاند وحلف شمال الأطلسي لا ينبغي أن تُعامل كما لو كانت نتائج واقعة لا محالة. فالخطاب السياسي يستطيع رفع سقف المطالب، لكن القدرة على التنفيذ تظل مرتبطة بالشرعية والكلفة وردود الحلفاء والخصوم. كما أن الخلاف مع بريطانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى حول الانخراط في الحرب يبين أن الرئيس الأمريكي لا يستطيع دائماً دفع حلفائه إلى تبني خياراته.
ويمد النفيسي المقارنة إلى الحرب الإسرائيلية على غزة. فقد أعلنت إسرائيل أن أهدافها تتمثل في القضاء على حركة حماس، وإبعادها عن الحكم، وتجريدها من قدراتها العسكرية، لكن حجم القتل والدمار لا يثبت وحده تحقق هذه الأهداف ما دامت الحركة لا تزال موجودة ولم يستقر بديل سياسي قادر على حكم القطاع. ومن هنا يرفض النفيسي مساواة القدرة على التدمير بالانتصار؛ فقد تقتل الدولة أعداداً كبيرة من المدنيين، وتهدم المدن والمنشآت، لكنها تظل عاجزة عن إنتاج النظام السياسي الذي أعلنت أن الحرب جاءت من أجله. فالمقياس الاستراتيجي ليس عدد الأهداف التي قُصفت، وإنما مدى تحقق الأهداف السياسية المعلنة.
وعليه، لا ينفي الدكتور النفيسي تفوق الولايات المتحدة وإسرائيل في السلاح والاستخبارات، لكنه يضع هذا التفوق أمام أسئلة أكثر دقة: هل أُجبر الخصم على الاستسلام؟ هل توقفت قدرته على الرد؟ هل تحقق الاستقرار بعد الضربة؟ هل استطاعت القوة المهاجمة تحمل حرب طويلة؟ وهل بقي الحلفاء ملتفين حولها؟ فإذا لم تتحقق هذه الشروط، فقد تكون العملية ناجحة عسكرياً في لحظتها، لكنها تتحول لاحقاً إلى مصدر للاستنزاف والفوضى وتراجع النفوذ. وهنا تتضح خلاصة هذا المحور: النجاح التكتيكي هو القدرة على إصابة الهدف، أما الانتصار الاستراتيجي فهو القدرة على فرض النتيجة السياسية المطلوبة والمحافظة عليها؛ وليس كل نجاح تكتيكي انتصاراً استراتيجياً.
المحور 7: اغتيال خامنئي وتماسك مؤسسات الدولة الإيرانية
قامت الضربات الأمريكية الإسرائيلية الأولى على افتراض أن استهداف رأس النظام الإيراني سيقود إلى انهيار القيادة وشل قدرة الدولة على اتخاذ القرار والرد العسكري. وقد كان المرشد علي خامنئي الهدف الأبرز؛ إذ اعتُبر الشخصية التي تمسك بخيوط النظام ومؤسساته العسكرية والأمنية والسياسية. ولذلك راهنت واشنطن وتل أبيب على أن اغتياله، إلى جانب عدد من كبار القادة، سيحدث فراغاً يصعب تعويضه، ويدفع مؤسسات الدولة إلى التفكك أو يفتح الباب أمام انهيار داخلي وانشقاقات واسعة. لكن الدكتور عبد الله النفيسي يرى أن مرور الأيام أظهر اختلاف الواقع عن هذه التوقعات؛ فقد فقد النظام رأس قيادته، لكنه لم يفقد آلياته المؤسسية، واستمرت الدولة في إدارة الحرب وإطلاق الصواريخ والمسيّرات، ولم يتحقق الانهيار السريع الذي بُني عليه خطاب الأيام الأولى.
وبعد مقتل خامنئي، انتقلت إيران إلى الآلية الدستورية المؤقتة الخاصة بحالة شغور منصب المرشد، فتشكل مجلس قيادي ضم الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي، وعضو مجلس صيانة الدستور آية الله علي رضا أعرافي، بينما شرع مجلس خبراء القيادة في إجراءات اختيار مرشد جديد. وتكشف سرعة تفعيل هذه الآلية، وفق قراءة النفيسي، أن النظام الإيراني لم يكن قائماً على شخص واحد وحده، بل امتلك مستويات متعددة من القيادة ومؤسسات قادرة على توزيع الاختصاصات وضمان قدر من الاستمرارية في ظروف استثنائية.
ولا يعني ذلك أن اغتيال خامنئي لم يكن ضربة كبيرة؛ فقد فقد النظام قائداً حكم البلاد عقوداً وامتلك سلطة واسعة على المؤسستين العسكرية والدينية. لكن الضربة الكبرى لا تصبح نصراً استراتيجياً إلا إذا أدت إلى النتيجة التي استهدفتها. وهنا يطرح النفيسي السؤال المباشر: إذا كانت القيادة الإيرانية قد دُمرت تماماً، فمن واصل إدارة مؤسسات الدولة؟ ومن أصدر أوامر الرد وأشرف على إطلاق الصواريخ والمسيّرات؟ إن استمرار العمليات الإيرانية بعد مقتل رأس النظام وعدد من كبار القادة يعني أن بنية القرار لم تختفِ، وأن القدرة على التنظيم والتنسيق بقيت قائمة، ولو تعرضت لضغط وخسائر جسيمة.
ويرى الدكتور النفيسي أن التركيز الإعلامي المبكر على انهيار القيادة كان جزءاً من الحرب النفسية الهادفة إلى رفع معنويات المعارضين داخل إيران، وإضعاف ثقة المجتمع بمؤسسات دولته، وتشجيع المسؤولين على الانشقاق، وإقناع الرأي العام الدولي بأن الحرب حُسمت منذ بدايتها. وربما دفعت هذه الصورة بعض القوى الأوروبية إلى انتظار ما ستؤول إليه الضربة الأولى قبل تحديد مواقفها. غير أن استمرار مؤسسات الدولة والرد العسكري جعل رواية «قطع الرأس» أقل قدرة على الإقناع، وكشف أن اغتيال القيادة العليا لا يؤدي آلياً إلى سقوط النظام، ولا سيما حين تكون له أجهزة سياسية وعسكرية وأمنية وعقائدية متداخلة.
ويتوقف النفيسي أيضاً عند غياب انشقاقات بارزة ومعلنة داخل القيادة الإيرانية. ففي ظل الحرب واغتيال عدد من المسؤولين، كان من الممكن أن يغادر قائد عسكري أو مسؤول سياسي كبير البلاد، ثم يعلن انشقاقه من دولة مجاورة ويحصل على حماية أمريكية وإسناد إعلامي. ويعرض الحوار تفسيرين لهذا الغياب: أولهما أن القبضة الأمنية للحرس الثوري حالت دون خروج المسؤولين، وثانيهما أن مؤسسات النظام احتفظت بدرجة حقيقية من التماسك. ويميل النفيسي إلى التفسير الثاني، معتبراً أن المسؤول الكبير الذي يتخذ قرار الانشقاق قد يجد طريقاً إلى الخارج ويحظى بالرعاية. ومع ذلك، يصعب الفصل بصورة قاطعة بين التماسك الطوعي والخوف من الأجهزة الأمنية من دون معلومات مستقلة من داخل النظام؛ ولذلك يظل غياب الانشقاقات مؤشراً مهماً، لكنه ليس دليلاً نهائياً على وحدة جميع مكوناته.
ويظهر التناقض أيضاً في الخطاب الأمريكي بشأن التفاوض؛ فمن جهة قيل إن القيادات الإيرانية قُضي عليها ولم يعد هناك طرف يمكن التحدث إليه، ومن جهة أخرى استمرت تصريحات مسؤولين إيرانيين يرفضون التفاوض في ظل الحرب ولا يثقون في التزامات ترامب. ويستشهد النفيسي بموقف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي أكد أن بلاده ليست مستعدة للعودة إلى المفاوضات بالشروط المطروحة. وهذا يعني أن المشكلة لم تكن غياب القيادة الإيرانية بالكامل، بل وجود قيادة لا ترغب واشنطن في التفاوض معها أو ترفض هي التفاوض تحت القصف. ومن ثم، لم تفتح الاغتيالات طريقاً سريعاً إلى التسوية، بل ربما جعلت الوصول إليها أكثر تعقيداً بسبب تراجع الثقة وفقدان شخصيات كانت قادرة على إدارة قنوات الاتصال.
وتقود هذه الوقائع إلى إعادة تقييم الهدف الاستراتيجي للحرب: فإذا كان المطلوب إسقاط الدولة أو شلها أو دفعها إلى الاستسلام، فإن اغتيال رأس النظام لم يحقق ذلك خلال المرحلة التي يتناولها الحوار. لقد نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل في الوصول إلى أهداف عالية القيمة وإلحاق أضرار كبيرة ببنية النظام، لكنهما لم تمنعا إيران من مواصلة القتال ولم تنتزعا منها قبولاً بالشروط السياسية المطلوبة. وهنا تتأكد الفكرة المركزية في تحليل النفيسي: قتل رأس النظام لا يساوي إسقاط الدولة، وتدمير جزء من القيادة لا يعني انهيار مؤسساتها أو توقف قدرتها على الرد.
المحور 8: العدوان الخارجي وتوحيد المجتمعات: من الكويت إلى إيران
يفسر الدكتور عبد الله النفيسي تماسك الداخل الإيراني بقاعدة اجتماعية وسياسية تتكرر في الحروب: عندما يتعرض المجتمع لعدوان خارجي، تميل فئاته إلى تأجيل خلافاتها الداخلية والالتفاف حول الدولة دفاعاً عن الوطن، حتى عندما تكون بينها وبين النظام خلافات حادة. فالمعارض الذي ينتقد حكومته ويطالب بتغييرها قد يرفض في الوقت نفسه أن تُفرض عليه حكومة بديلة بالقصف والاغتيال والتدخل الأجنبي. وفي مثل هذه الظروف ينتقل مركز الصراع من مواجهة بين المواطن وسلطته إلى مواجهة بين المجتمع كله وقوة خارجية، فتضعف قدرة المعارضة على التحرك، وقد تُتهم بالتعاون مع العدو إذا تقاطعت مواقفها مع أهدافه.
ولا يعني هذا أن جميع الإيرانيين تحولوا إلى مؤيدين للنظام، أو أن الخلافات السياسية والاجتماعية اختفت، بل يعني أن الحرب أعادت ترتيب الأولويات. فاستهداف المدنيين والمناطق السكنية والمنشآت العامة لا يؤدي بالضرورة إلى دفع المجتمع نحو الثورة على حكومته، كما يتوقع مخططو بعض الحروب؛ بل قد ينتج أثراً عكسياً، ويقوي الشعور الوطني ويمنح السلطة مبرراً لتعبئة المجتمع. ولذلك يرى النفيسي أن الرهان على إسقاط النظام من الداخل بواسطة القصف الخارجي تجاهل طبيعة المجتمعات حين تشعر بأن وجود الدولة والوطن أصبح مهدداً.
ولتوضيح هذه الفكرة، يستحضر النفيسي تجربة الكويت خلال الغزو العراقي سنة 1990. فقد سبقت الغزو خلافات سياسية داخلية كبيرة حول الحياة الديمقراطية وعودة مجلس الأمة والعلاقة بين الحكومة والمعارضة، لكن دخول الجيش العراقي أدى إلى تراجع هذه الخلافات أمام أولوية تحرير البلاد. وتوحد الكويتيون في رفض الاحتلال؛ لأن معارضة الحكومة لم تكن تعني التخلي عن الكويت أو قبول سلطة يفرضها صدام حسين. وقد كشف التهديد الخارجي أن الخلاف السياسي، مهما اشتد، يظل خلافاً داخل البيت الوطني ويمكن حله بين أبنائه، أما الاحتلال فيهدد البيت نفسه.
وفي هذا السياق يروي الدكتور النفيسي أن سبعاوي إبراهيم الحسن، الأخ غير الشقيق لصدام حسين، دخل الكويت حاملاً قائمة تضم 14 اسماً كان الاحتلال يريد الاستعانة بهم لتشكيل حكومة موالية له. ووفق روايته، التقى سبعاوي المعارض الكويتي فيصل الصانع، معتقداً أن معارضته للحكومة قد تجعله مستعداً للتعاون مع السلطة العراقية. لكن الصانع أوضح له أن الكويتيين قد يعارضون حكومتهم ويختلفون معها، إلا أنهم لا يعارضون الكويت ولا يقبلون أن يحكمها المحتل؛ فخلافاتهم الداخلية لهم وسائلهم الخاصة لتسويتها. ويذكر النفيسي أن هذا الموقف أدى إلى اعتقاله ونقله إلى بغداد وقتله، ويقدمه نموذجاً للرجل الوطني الذي ميز بين معارضة السلطة والولاء للوطن.
ويقارن النفيسي بين ما حدث للكويتيين سنة 1990 وما يراه داخل إيران اليوم. فكما لم تجعل معارضة بعض الكويتيين لحكومتهم منهم أنصاراً للاحتلال العراقي، لا تعني معارضة الإيرانيين لنظامهم أنهم سيقبلون حرباً أمريكية إسرائيلية على بلدهم. وقد يعيش الإيراني خارج وطنه ويعارض النظام بشدة، لكنه يحتفظ بانتمائه إلى إيران ورفضه لتدميرها أو تفكيك مؤسساتها. ومن هنا يمكن أن يؤدي استهداف الدولة والمجتمع إلى وحدة مؤقتة «لا تنفصم»، بحسب تعبير النفيسي، لأن الخطر لم يعد داخلياً فقط، بل أصبح تهديداً خارجياً يمس الوطن كله.
ويفسر هذا الأثر العكسي لماذا لم تظهر الانتفاضة الداخلية التي ربما راهنت عليها الأطراف المهاجمة، ولم تقع انشقاقات كبرى تؤدي إلى انهيار الدولة. فكلما اتسع القصف وارتفع عدد الضحايا المدنيين، أصبح من الأسهل على النظام تقديم الحرب باعتبارها معركة للدفاع عن إيران، لا معركة للدفاع عن السلطة وحدها. وبذلك قد تكون الحرب قد منحت النظام، رغم الخسائر التي لحقت به، فرصة لإعادة إنتاج التضامن الوطني وتقليص المسافة بينه وبين فئات كانت تعارضه قبلها.
إن الدرس الذي يستخلصه الدكتور النفيسي من التجربتين الكويتية والإيرانية هو أن القوى الخارجية كثيراً ما تخطئ حين تفترض أن الخلاف الداخلي سيقود تلقائياً إلى الترحيب بتدخلها. فالمعارضة الوطنية قد تواجه حكومتها بقوة، لكنها تقف معها أو إلى جانب الدولة حين يتعرض الوطن لخطر خارجي. ولذلك فإن محاولات إسقاط الأنظمة بالقصف قد تحقق نتيجة معاكسة: بدلاً من تفكيك المجتمع، تعيد توحيده؛ وبدلاً من عزل النظام، تمنحه فرصة الظهور في موقع المدافع عن الوطن.
المحور 9: القيود الدستورية واللوجستية على القوة الأمريكية
ينتقل الدكتور عبد الله النفيسي إلى مستوى آخر من حدود القوة الأمريكية لا يتعلق بقدرات الخصم وحدها، بل ببنية النظام السياسي الأمريكي نفسه. فرئيس الولايات المتحدة، بصرف النظر عن شخصه أو حزبه، لا يملك من الناحية الدستورية حرية مطلقة في شن الحروب ومواصلتها إلى أجل غير محدد؛ إذ يمنح الدستور الكونغرس صلاحية إعلان الحرب واعتماد التمويل، بينما يتولى الرئيس قيادة القوات المسلحة بصفته القائد الأعلى. وقد أدى توزيع الصلاحيات هذا إلى توتر متكرر بين البيت الأبيض والكونغرس حول المدة التي يستطيع الرئيس خلالها استخدام القوات من دون تفويض تشريعي واضح. وحتى إذا كان حزب الرئيس يملك الأغلبية، كما هو الحال بالنسبة إلى ترامب، فإن الانتماء الحزبي لا يلغي القيود القانونية، ولا يضمن للرئيس دعماً غير مشروط إذا ارتفعت الخسائر وتراجعت شعبية الحرب وأصبحت كلفتها الانتخابية والاقتصادية ثقيلة

ويشير النفيسي إلى السقف الزمني البالغ 60 يوماً، والمقصود به قرار صلاحيات الحرب لسنة 1973 – War Powers Resolution. وبموجب هذا القرار، يتعين على الرئيس التشاور مع الكونغرس قدر الإمكان قبل إدخال القوات في أعمال قتالية، وإخطاره خلال 48 ساعة من بدء العمليات أو من وضع القوات في ظروف تنذر بدخولها القتال. وإذا لم يعلن الكونغرس الحرب أو يمنح تفويضاً باستمرارها، يتعين إنهاء استخدام القوات بعد 60 يوماً، مع إمكان إضافة مهلة لا تتجاوز 30 يوماً إذا كانت ضرورية لضمان انسحاب آمن ومنظم. ولذلك فليس دقيقاً القول إن الحرب تتوقف آلياً ونهائياً عند حلول اليوم الستين؛ فهناك مهلة محتملة للانسحاب، كما أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة اختلفت مع الكونغرس بشأن تفسير القرار ومدى انطباقه على بعض العمليات. لكنه يظل أداة قانونية وسياسية مهمة تمنع الرئيس، نظرياً على الأقل، من خوض حرب طويلة منفرداً ومن دون غطاء تشريعي.
وإلى جانب الدستور، يقف الرأي العام قيداً آخر أمام استمرار الحرب. فالمجتمع الأمريكي يتفاعل بقوة مع سقوط الجنود والمدنيين، ويمكن لحادث واحد أن يتحول إلى قضية عامة تثير الاحتجاجات والتحقيقات والمساءلة السياسية. ويشيد النفيسي بوجود حساسية اجتماعية تجاه الخطأ والتجاوز، وبقدرة الإعلام والمحاكم والمؤسسات المنتخبة على نقل حادثة فردية إلى صلب النقاش الوطني. ويقارن ذلك بما أصاب المجتمعات العربية من اعتياد مؤلم على الظلم والعنف، مستخدماً تعبيراً شديداً حين يقول إن جلودنا أصبحت «كجلود التماسيح»؛ فلا تعود أخبار الضحايا والانتهاكات تثير رد الفعل الذي تستحقه. ولا يعني هذا أن المجتمع الأمريكي خالٍ من الظلم أو العنف، بل إن آليات الاعتراض والمحاسبة تجعل كلفة الحرب الداخلية حاضرة في حسابات السلطة، وتمنعها من التعامل مع أرواح الجنود والمواطنين كأنها مورد بلا حدود.
أما القيد الرابع الذي يحدده النفيسي فهو القيد الاستراتيجي واللوجستي. فالولايات المتحدة تمتلك شبكة هائلة من القواعد والأساطيل ومراكز القيادة المنتشرة في العالم، لكن اتساع هذه الشبكة لا يعني قدرتها على اكتشاف كل قدرات الخصم وتدميرها، بل يفرض عليها التزامات مالية وبشرية ولوجستية ضخمة. وتحتاج القواعد إلى الحماية والإمداد والصيانة، كما تتحول عند اندلاع الحرب إلى أهداف ثابتة يمكن للصواريخ والمسيّرات مهاجمتها. ويشير النفيسي أيضاً إلى أن الانشغال بالمهام الخارجية قد يضغط على جاهزية القوات المخصصة للطوارئ الداخلية. والأدق هنا التمييز بين الجيش النظامي والحرس الوطني الذي ما يزال يؤدي مهمة مزدوجة، تشمل مواجهة الكوارث والاضطرابات داخل الولايات المتحدة ودعم العمليات العسكرية خارجها؛ لكن تعدد المهمات يمكن أن يخلق ضغطاً حقيقياً على الموارد والجاهزية.
وتقدم الحرب على إيران، في رأيه، مثالاً مباشراً على هذه الحدود. فعلى الرغم من القصف الأمريكي الإسرائيلي الواسع، استمرت إيران في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وبقيت منصات متحركة ومخازن موزعة وقدرات يصعب تحديدها وتدميرها بالكامل. ويتوقف النفيسي عند استعمال ترامب كلمة Obliterated، أي «مُحيت من الوجود»، لوصف المواقع النووية أو القدرات العسكرية الإيرانية. ويسأل: إذا كانت هذه القدرات قد دُمرت تماماً، فما الذي تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل قصفه؟ وكيف بقيت الصواريخ تصل إلى أهدافها؟ ولا ينفي السؤال وقوع أضرار كبيرة، لكنه يكشف المبالغة في إعلان الإزالة الكاملة؛ ولا سيما أن تعذر الوصول إلى بعض المواقع النووية المقصوفة حال دون تقديم تقييم نهائي مستقل لحجم الضرر، كما بقي احتمال استئناف بعض الأنشطة قائماً.
ومن هنا يتحدث عدد من المراقبين عن احتمال تحول المواجهة إلى «حرب بلا انتصار»؛ يستطيع فيها كل طرف إلحاق الضرر بالآخر، من دون أن يتمكن أي منهما من فرض نهاية سياسية حاسمة. فإعلان ترامب النصر بعد اغتيال شخصية كبيرة أو تدمير منشأة لا يكفي إذا استمر الخصم في القتال ولم يقبل الشروط الأمريكية. ويحتاج الانتصار الاستراتيجي إلى تعطيل قدرة الخصم، وإجباره على تسوية سياسية، وإدارة مرحلة ما بعد الحرب، والحفاظ على تماسك الحلفاء والجبهة الداخلية. وإذا غابت هذه النتائج، فإن القوة العسكرية تحقق إنجازات ميدانية، لكنها لا تنتج النصر الذي وعدت به القيادة السياسية.
ويضع النفيسي الانتخابات النصفية للكونغرس ضمن القيود المؤثرة في قرار الحرب؛ إذ يتابع الناخب الأمريكي أثرها في أسعار الطاقة والإنفاق العام والتضخم وأمن الجنود ومكانة بلاده الدولية. وقد يؤدي استمرار الفجوة بين وعود الحسم السريع وواقع الحرب الطويلة إلى الإضرار بالحزب الجمهوري، وإن ظلت النتيجة الانتخابية خاضعة لعوامل أخرى مثل الاقتصاد والهجرة والمرشحين وتركيبة الدوائر. إن الموعد الرسمي للانتخابات النصفية هو 3 نوفمبر 2026، ، والتصويت المبكر أو البريدي يبدأ خلال أكتوبر في عدد من الولايات.
المحور 10: اهتزاز ثقة أوروبا والخليج في القيادة الأمريكية
يرى الدكتور النفيسي أن قوة الدولة لا تُقاس بعدد حاملات الطائرات والقواعد والصواريخ وحدها، بل تقاس أيضاً بثقة الحلفاء في قيادتها واستعدادهم للوقوف معها عند وقوع الأزمات. والدولة المهيمنة تحتاج إلى شبكة من الشركاء المقتنعين بأن قراراتها مدروسة، وأن تحالفهم معها يوفر لهم الحماية ولا يحولهم إلى ضحايا لسياسات لم يشاركوا في صياغتها. ومن هذه الزاوية، يعتبر النفيسي أن الحرب على إيران ألحقت ضرراً بصورة الولايات المتحدة، لأنها كشفت خلافاً متزايداً بينها وبين عدد من حلفائها، وأثارت تساؤلات حول استقرار القرار الأمريكي وقدرته على توقع نتائج الحرب.
وقد ظهر هذا القلق داخل الإعلام الأمريكي نفسه. فمتابعة مؤسسات مثل CNN وMSNBC، وصحف مثل نيويورك تايمز ووول ستريت جورنال، تكشف وجود انتقادات واسعة لطريقة إدارة ترامب للحرب. ويطرح الحوار احتمال أن يكون ذلك ناتجاً عن خصومة سياسية، لأن جزءاً من الإعلام الأمريكي يقف في المعسكر المعارض للرئيس وقد تكون له مصلحة في إبراز خسائره. لكن النفيسي يرفض إسقاط النقد كله بهذه الحجة، ويسأل: لماذا اتخذت هذه المؤسسات موقفاً معارضاً؟ ولماذا تطالب أطراف أمريكية وأوروبية بوقف الحرب؟ ويرى أن الاعتراض لا يعود فقط إلى الانحياز الحزبي، بل إلى الاعتقاد بأن قرار الحرب لم يكن مدروساً بما يكفي، وأن نتائجه لم تتوافق مع وعود الحسم السريع. والأدق، بطبيعة الحال، هو التمييز بين التوجه السياسي للمؤسسة الإعلامية وبين دقة المعلومات التي تنشرها؛ فالانحياز لا يبطل الوقائع تلقائياً، كما أن معارضة ترامب لا تجعل كل تحليل صحيحاً بالضرورة.
ويعد تعدد الروايات داخل الإعلام الأمريكي، في نظر النفيسي، من مظاهر قوة المجتمع والمؤسسات؛ فلا يحتكر البيت الأبيض تفسير ما يحدث، بل تظهر تقارير وتحقيقات عن الكلفة والخسائر والخلافات الداخلية والنتائج التي تناقض الخطاب الرسمي. وهذا لا يعني استقلال الإعلام استقلالاً كاملاً عن المصالح السياسية والاقتصادية، لكنه يمنع الإدارة من فرض رواية واحدة بسهولة. وحين تعلن القيادة أن الحرب حُسمت، بينما تُظهر التقارير استمرار الرد الإيراني واتساع الضرر، تتعمق الفجوة بين الإعلان والواقع، وتتراجع الثقة في صدقية الخطاب الرئاسي.
ويربط النفيسي هذه الأزمة بتقلب مواقف ترامب؛ فهو يقدم نفسه في خطاب باعتباره رئيساً يريد إنهاء الحروب، ثم يعلن حرباً جديدة؛ ويتحدث مرة عن استعمال القوة القصوى، ثم يعود إلى طرح السلام والتفاوض؛ ويلوح بإرسال القوات إلى الأرض، ثم ينفي وجود خطة لنشرها. وتؤدي هذه التحولات إلى عجز الحلفاء عن توقع الخطوة التالية. فالاستراتيجية ليست مجرد امتلاك القوة، بل تحديد الهدف السياسي، واختيار الأداة المناسبة، وتقدير رد الخصم، وضبط الكلفة والمدة، وإعداد خطة لإنهاء الحرب. أما الانتقال المستمر بين التهديد والتراجع، وبين إعلان النصر والبحث عن مخرج، فيحول القوة الأمريكية نفسها إلى مصدر لعدم اليقين.
وقد انعكست هذه التقلبات على العلاقة مع أوروبا. فقد رفضت دول أوروبية الانخراط في الحرب بالطريقة التي أرادتها واشنطن، وأثار ذلك غضب ترامب ودفعه إلى توجيه اتهامات قاسية إلى بعض القادة الأوروبيين. كما تراكمت خلافات أخرى تتعلق بحلف شمال الأطلسي، وكندا، وغرينلاند، والعلاقة مع الدنمارك. ولا تعني هذه الخلافات انهيار التحالف الأطلسي، لكنها تكشف أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة دائماً على تحويل قرارها الوطني إلى قرار جماعي تلتزم به بقية الدول. فالحلفاء يستطيعون حساب مصالحهم بصورة مستقلة، ورفض حرب يرون أنها تعرض أمنهم واقتصاداتهم للخطر.
أما في الخليج، فيرى النفيسي أن التحول أشد حساسية؛ لأن دول المنطقة اعتمدت طويلاً على الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأمني الأساسي. غير أن الحرب دفعتها إلى التساؤل عن معنى هذه الحماية حين تصبح أراضيها وقواعدها ومنشآتها الحيوية أهدافاً للرد الإيراني. فالدولة الخليجية لم تشارك بالضرورة في قرار بدء الحرب، لكنها قد تتحمل نتائجها من خلال الصواريخ والمسيّرات، وتعطيل الملاحة، وارتفاع أسعار التأمين، والضغط على الاقتصاد والبنية التحتية. وهكذا انتقل القلق من الخطر الإيراني وحده إلى القلق من أن تقود القرارات الأمريكية نفسها إلى توسيع الخطر على الخليج.
ويعتبر النفيسي أن أخطر ما كشفته الحرب هو أن القواعد الأمريكية في المنطقة لم تعد مواقع محصنة بعيدة عن متناول الخصوم. فالتطور في الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة الدقيقة جعل المنشآت العسكرية الكبيرة أهدافاً قابلة للرصد والهجوم، كما أن أنظمة الدفاع الجوي تستطيع اعتراض عدد كبير من المقذوفات من دون أن تضمن منعها جميعاً. وبذلك تواجه هذه القواعد معضلتين في الوقت نفسه: حماية نفسها، وتوفير الحماية للدول التي تستضيفها. وقد امتدت آثار الهجمات إلى قطاعات مدنية واقتصادية ورقمية داخل المنطقة، ما دفع إلى إعادة التفكير في قدرة البنية التحتية على الصمود وفي جدوى تركيز المنشآت الحيوية في مواقع محدودة.
وهنا يتحول الوجود العسكري الأمريكي من ضمانة أحادية المعنى إلى معادلة أكثر تعقيداً؛ فالقاعدة التي أُنشئت للردع قد تصبح عند اندلاع الحرب هدفاً يجلب الخطر إلى الدولة المضيفة. ولا يعني ذلك أن دول الخليج ستستغني فوراً عن الشراكة الأمريكية، فهذه الشراكة عميقة ومتشعبة، لكنه يدفعها إلى تنويع علاقاتها والبحث عن قنوات إضافية مع الصين وروسيا وقوى أخرى. إن مجرد انتقال السؤال من «كيف تحمينا الولايات المتحدة؟» إلى «هل تستطيع الولايات المتحدة حمايتنا، أم أن وجودها يعرضنا أيضاً للخطر؟» يمثل، في قراءة النفيسي، علامة واضحة على تراجع الهيمنة واهتزاز الثقة في المظلة الأمريكية.

المحور 11: روسيا والصين وسؤال البديل
يفرض الحديث عن انحسار الهيمنة الأمريكية سؤالاً استراتيجياً مباشراً: إذا تراجعت قدرة الولايات المتحدة على حماية حلفائها وفرض إرادتها في المنطقة، فمن يستطيع ملء الفراغ؟ يرى الدكتور عبد الله النفيسي أن مجرد بدء هذا السؤال داخل المجتمعات الخليجية يمثل تحولاً مهماً؛ فالولايات المتحدة ظلت لعقود تُعامل باعتبارها الضامن الأمني الذي لا يتوافر له بديل، بينما أصبح النقاش اليوم يدور حول إمكان تنويع الشراكات والبحث عن قوى إضافية تستطيع المساهمة في الأمن والتنمية. وتراقب الصين وروسيا هذا التحول بعناية، لأن تراجع الثقة في واشنطن يفتح أمامهما مساحات جديدة للحضور. ولا يعني ذلك أن دول الخليج ستقطع علاقاتها بالولايات المتحدة أو تستبدلها فوراً بقوة أخرى، فالعلاقات العسكرية والاقتصادية والأمنية معها متشعبة وعميقة، لكن التحول الحقيقي يكمن في الانتقال من الاعتماد شبه الكامل على طرف واحد إلى توزيع المصالح بين شركاء متعددين.
ويضع النفيسي الصين وروسيا في مقدمة القوى المرشحة للاستفادة من هذا التحول، مع اختلاف أدوات كل منهما. فالصين تتقدم عبر التجارة والاستثمار والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والوساطة الدبلوماسية، بينما تعتمد روسيا بدرجة أكبر على التعاون العسكري والسلاح والخبرة الأمنية والعلاقات مع القوى المناهضة للنفوذ الأمريكي. ولذلك لا يقدم الدكتور الدولتين بوصفهما بديلاً واحداً متجانساً، بل قوتين تؤديان أدواراً متكاملة أو متنافسة: الصين شريك اقتصادي وتنموي ضخم، وروسيا شريك عسكري وأمني يمتلك خبرة في إدارة الصراعات ومواجهة النفوذ الغربي.
ويعتبر النفيسي نجاح الصين في رعاية اتفاق استئناف العلاقات بين السعودية وإيران في مارس 2023 خطوة دبلوماسية بالغة الدلالة. فقد استطاعت بكين المحافظة على شراكتها مع طهران، وفي الوقت نفسه تطوير علاقاتها بالمملكة العربية السعودية، ثم استثمرت هذا التوازن في جمع الخصمين الإقليميين والتوصل إلى اتفاق يقوم على استئناف العلاقات واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. ويصف النفيسي هذه الوساطة بأنها «ضربة معلم»؛ لأنها قربت الصين من السعودية، وثبتت حضورها داخل إيران، وأثبتت قدرتها على أداء دور سياسي في منطقة ظلت زمناً طويلاً مرتبطة بالنفوذ الأمريكي. كما يدعو دول الخليج، من الكويت إلى سلطنة عُمان، إلى توسيع التعاون التنموي مع الصين، والاستفادة من خبرتها في البنية التحتية والطاقة والصناعة والموانئ والسكك الحديدية والتكنولوجيا، من دون أن يعني ذلك القطيعة مع الولايات المتحدة.
أما روسيا، فيربط النفيسي اهتمامها بإيران بالجغرافيا والتاريخ والأمن. فإيران تمثل لموسكو ممراً نحو الخليج والمحيط الهندي، وشريكاً في مواجهة العقوبات الغربية، ودولة مهمة في توازنات القوقاز وآسيا الوسطى والشرق الأوسط. ويشير إلى أهمية بحر قزوين في التواصل بين البلدين وإمكان استخدامه ممراً لنقل السلع والمعدات والدعم. فالدولتان تطلان معاً على بحر قزوين، وتفصل بينهما على اليابسة أذربيجان من الغرب، وكازاخستان وتركمانستان في الجهة الشرقية من المجال القزويني. ومع ذلك، يظل البحر طريقاً استراتيجياً مهماً يمنح موسكو قدرة على التواصل مع إيران بعيداً عن المسارات البحرية الواقعة تحت رقابة غربية مكثفة.
ويستعيد الدكتور النفيسي مرحلة حكم الشاه، حين سمحت العلاقة الوثيقة بين واشنطن وطهران باستخدام الأراضي الإيرانية لمراقبة الاتحاد السوفييتي. ويذكر أنه قرأ في مجلة فورين أفيرز عن وجود 13 محطة تنصت تابعة للاستخبارات الأمريكية قرب الحدود السوفييتية الإيرانية، وعن استعانة السوفييت بأفراد من حزب توده الشيوعي الإيراني للتعرف على المنطقة وسكانها وطرقها. وتؤكد المصادر التاريخية وجود تعاون استخباراتي أمريكي إيراني واسع ووجود مواقع إلكترونية لمراقبة التجارب الصاروخية والأنشطة العسكرية السوفييتية، لكن المصادر المتاحة تشير بصورة أوضح إلى محطتين رئيسيتين للتنصت الإلكتروني في شمال شرقي إيران، وليس إلى 13 محطة مؤكدة من النوع نفسه. وقد يكون الرقم الذي أورده النفيسي متعلقاً بشبكة أوسع من مواقع الرصد والمنشآت الاستخباراتية، ولذلك يحتاج إلى الرجوع إلى المقال الأصلي قبل اعتماده نهائياً.
ويفسر هذا التاريخ، في رأيه، خشية روسيا من حدوث اضطراب واسع داخل إيران يعقبه انقلاب عسكري أو صعود قيادة موالية للولايات المتحدة. فوجود نظام قريب من واشنطن قد يعيد النشاط الاستخباراتي الأمريكي إلى المجال القزويني، ويهدد طرق التجارة والطاقة الروسية، ويفقد موسكو شريكاً مهماً في مواجهة الضغط الغربي. ولهذا يتوقع النفيسي ألا تقف روسيا موقف المتفرج إذا شعرت بأن انهيار الدولة الإيرانية سيقود إلى تحول استراتيجي كامل لمصلحة واشنطن. غير أن أي تدخل روسي مباشر سيظل مرتبطاً بحجم الاضطراب وقدرة موسكو على تحمل كلفته ورد فعل المجتمع الإيراني؛ فمقاومة النفوذ الأمريكي لا تعني أن الإيرانيين مستعدون لقبول هيمنة روسية بديلة.
ويتحدث النفيسي كذلك عن وجود معارضين إيرانيين وشخصيات يمكن أن تراهن عليها الولايات المتحدة عند حدوث تحول سياسي، لكنه يميز بين معارضة النظام والتعاون مع حرب خارجية على إيران. فكثير من الإيرانيين الذين غادروا بلادهم بعد الثورة الإسلامية سنة 1979 واستقروا في الولايات المتحدة وأوروبا يعارضون النظام بشدة، لكن ذلك لا يعني قبولهم بقصف بلدهم أو تفكيك دولتهم. ويستحضر أحياء الجالية الإيرانية في لوس أنجلوس ومحيط جامعة كاليفورنيا، حيث تحافظ المطاعم والمراكز الثقافية على الموسيقى والشعر والصور واللغة والذاكرة الإيرانية. ويقارن هذا الحنين بما يلمسه لدى العراقيين في لندن الذين يستعيدون بغداد والنجف والموصل والبصرة وأغاني حضيري أبو عزيز وسليم مراد. والفكرة الأساسية أن الاغتراب لا يلغي الانتماء، وأن معارضة السلطة لا تحول المواطن تلقائياً إلى أداة في مشروع أجنبي ضد وطنه.
وعندما يطرح الحوار سؤالاً عن سبب اكتفاء روسيا والصين بالمراقبة، يجيب النفيسي بأن عدم ظهور الدعم في الإعلام لا يعني غيابه. ففي عالم الاستخبارات توجد عمليات علنية، وأخرى سرية، وعمليات شديدة السرية لا تظهر تفاصيلها إلا بعد سنوات. وقد يشمل الدعم المحتمل معلومات استخباراتية، أو وسائل للرصد والإنذار المبكر، أو خبراء عسكريين، أو معدات وقطع غيار، أو تقنيات للدفاع الجوي والاتصالات الآمنة. ويستشهد بتاريخ الأنشطة الأمريكية السرية ضد كوبا قبل عملية خليج الخنازير سنة 1961، حين سبقت العملية العلنية أعمال واسعة شملت تمويل معارضين وتدريبهم وتسليحهم والدعاية ضد نظام فيدل كاسترو. لكن النفيسي يطرح الدعم الروسي والصيني لإيران بصيغة الاحتمال؛ ولذلك لا يجوز تحويل هذه التقديرات إلى حقائق جازمة ما لم تؤيدها أدلة مستقلة.
وفي المحصلة، لا تستطيع الصين أو روسيا في الوقت الراهن تعويض الولايات المتحدة بالكامل؛ فواشنطن تجمع بين شبكة عالمية من القواعد والتحالفات، وتفوق بحري وجوي، ونفوذ مالي وتكنولوجي وثقافي وعلمي واسع. وتتقدم الصين أساساً في الاقتصاد والتجارة والتنمية، بينما تمتلك روسيا خبرة عسكرية وأمنية كبيرة، لكن إمكاناتها الاقتصادية أقل. ولذلك قد لا يكون البديل قوة واحدة تحل محل أمريكا، بل توزيعاً جديداً للأدوار: الصين في الاقتصاد والاستثمار، وروسيا في الأمن والسلاح، مع استمرار الولايات المتحدة قوة رئيسية لا يمكن استبعادها. وما يتشكل، وفق هذه القراءة، ليس هيمنة بديلة مكتملة، بل نظام متعدد القوى يتيح لدول الخليج تنويع شراكاتها والمناورة بينها.
المحور 12: البحر الأحمر وميناء إيلات: حين يربك الطرف الأصغر قوة كبرى
يقدم الدكتور عبد الله النفيسي ما فعله الحوثيون في البحر الأحمر مثالاً على قدرة طرف محدود الإمكانات على إرباك دول تفوقه عسكرياً وتكنولوجياً بمراحل. فقد دفعت الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة عدداً من شركات الشحن العالمية إلى تجنب البحر الأحمر وباب المندب، واختيار طريق رأس الرجاء الصالح الأطول والأعلى تكلفة. ولم تقتصر التداعيات على إسرائيل، بل امتدت إلى التجارة الدولية وقناة السويس وأسعار النقل والتأمين وسلاسل الإمداد. وهنا يظهر أحد التحولات المهمة في طبيعة القوة: لم تعد الجماعة المسلحة تحتاج إلى امتلاك أسطول بحري كبير أو احتلال الممر حتى تؤثر فيه؛ فقد يكفي أن ترفع مخاطر المرور إلى مستوى يدفع الشركات التجارية إلى الانسحاب منه.
وكان ميناء إيلات الإسرائيلي، المطل على خليج العقبة والمتصل بالبحر الأحمر، من أبرز المتضررين. فقد تراجعت حركة الميناء بنحو 85% منذ تصاعد الهجمات أواخر سنة 2023، وواجهت إدارته أزمة مالية حادة وتهديداً واسعاً للوظائف، ثم وصل نشاطه التجاري إلى مستويات شديدة الانخفاض. ويختصر النفيسي هذا الأثر بقوله إن الحوثيين دفعوا إسرائيل عملياً إلى إغلاق الميناء أو تعطيله؛ فلم يحتاجوا إلى احتلاله أو تدميره، بل جعلوا الوصول إليه محفوفاً بالمخاطر. وبذلك تمكن طرف لا يملك القدرات البحرية التقليدية لإسرائيل وحلفائها من تقليص فاعلية منفذها الرئيسي على البحر الأحمر.
ويربط الدكتور النفيسي جانباً من فاعلية الحوثيين بما تردد عن حصولهم على معلومات استخباراتية روسية حول حركة السفن. فالمعلومة الدقيقة تتيح تحديد هوية السفينة وملكيتها ووجهتها وحمولتها، حتى عندما ترفع علم دولة أخرى أو تستخدم ترتيبات تجارية تحجب صلتها بالجهة المستفيدة. وقد أفادت تقارير نشرتها وول ستريت جورنال بأن روسيا قدمت بيانات استهداف للحوثيين خلال هجماتهم على سفن غربية في البحر الأحمر. كما كُشف عن محادثات سرية، بوساطة إيرانية، بشأن احتمال تزويدهم بصواريخ روسية متطورة مضادة للسفن، من دون ثبوت اتخاذ قرار نهائي بنقلها في المرحلة التي تناولتها التقارير.
ولا يعني ذلك أن نجاح الحوثيين يعود بالكامل إلى المخابرات الروسية؛ فلديهم خبرة تراكمت خلال سنوات الحرب في اليمن، وقدرات محلية، ودعم إيراني في مجالات التسليح والتدريب والتكنولوجيا. ولذلك فالأدق اعتبار المعلومات الروسية المزعومة عاملاً مساعداً داخل منظومة أوسع، لا السبب الوحيد في قدرتهم على التأثير في الملاحة. لكن هذا المثال يكشف كيف تستطيع قوة كبرى أن تؤثر في صراع بعيد من دون إرسال جنودها أو إعلان تدخلها؛ فالمعلومات الاستخباراتية قد تمنح طرفاً محدود الموارد فاعلية تفوق حجم سلاحه، وتسمح للدولة الداعمة بإرباك خصومها بتكلفة محدودة ومن دون الدخول في مواجهة مباشرة.

ويطرح النفيسي أمام هذا المشهد سؤالاً يمس جوهر موضوع الحلقة: إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك أساطيل وقواعد وقدرات استطلاع متقدمة، فلماذا لم تستطع إنهاء التهديد الحوثي وضمان العودة الطبيعية للملاحة؟ لا يعني استمرار التهديد أن البحرية الأمريكية عاجزة عن تدمير أهداف داخل اليمن، فقد نفذت بالفعل ضربات متعددة، لكن القصف لم ينه القدرة الحوثية على إطلاق الصواريخ والمسيّرات أو تهديد السفن. وهنا يتكرر الفارق بين القدرة على إصابة مواقع الخصم والقدرة على إنهاء الظاهرة السياسية والعسكرية التي يمثلها.
كما تكشف أزمة البحر الأحمر أن أمن الممرات البحرية لا يتحدد بحجم القوة المنتشرة فيها فقط، بل بتوزيع الجغرافيا وقدرة الطرف الأضعف على الاختباء والتحرك وإعادة بناء منصاته. ويمكن لصاروخ أو مسيّرة منخفضة التكلفة نسبياً أن يفرض على سفينة تجارية تغيير مسارها آلاف الأميال، وأن يرفع أقساط التأمين ويؤخر وصول البضائع ويضر باقتصادات دول لا تشارك مباشرة في الحرب. وبهذا يتحول السلاح البسيط إلى أداة تأثير اقتصادي عالمي، وتصبح كلفة مواجهة الطرف الأصغر أعلى بكثير من كلفة الهجوم الذي ينفذه.
ومن ثم، لا يقدم النفيسي الحوثيين بوصفهم قوة قادرة على هزيمة الولايات المتحدة أو إسرائيل عسكرياً في مواجهة تقليدية، بل مثالاً على أن الطرف الأضعف يستطيع حرمان الطرف الأقوى من بعض مزايا تفوقه، وتعطيل مصالحه، ورفع كلفة قراراته. وقد أظهر ميناء إيلات والبحر الأحمر أن الهيمنة لا تنهار فقط عندما تُهزم القوة الكبرى في معركة، بل تتآكل أيضاً عندما تعجز عن حماية حركة التجارة ومنع خصم أصغر من فرض كلفة مستمرة عليها وعلى حلفائها.

المحور 13: مضيق هرمز واختبار القيادة الأمريكية
يتوقف الدكتور عبد الله النفيسي عند مضيق هرمز بوصفه أحد أهم المواقع التي تكشف الفارق بين امتلاك القوة والقدرة على استخدامها بفاعلية. ويستحضر في هذا السياق تجربة شخصية تعود إلى سنة 1975، حين كان يجري بحثاً حول حرب ظفار، والتقى وزير الخارجية العُماني آنذاك قيس الزواوي. وقد طلب منه مساعدته على زيارة رأس مسندم حتى يشاهد المضيق بعينيه ويدرك طبيعته الجغرافية وحركة الملاحة فيه. وبمساعدة الخارجية العُمانية، انتقل بطائرة مروحية إلى المنطقة، واستقبله الوالي هناك، ثم صعد إلى موقع مرتفع أتاح له النظر مباشرة إلى المضيق. وقد بقيت في ذاكرته صورة الممر الضيق المحاط بالتضاريس الجبلية، والظروف المناخية التي قد تحجب الرؤية بسبب الضباب، بما يجعل تنظيم حركة السفن ومراقبتها وحمايتها مهمة دقيقة تتجاوز ما توحي به الخرائط.
ويبلغ عرض مضيق هرمز عند أضيق نقطة نحو 21 ميلاً بحرياً، أي قرابة 39 كيلومتراً، لكن الممرات المخصصة للملاحة أضيق بكثير؛ إذ يوجد مسار للدخول وآخر للخروج، يبلغ عرض كل منهما نحو ميلين بحريين (3،7 كلمتر)، ويفصل بينهما نطاق عازل بعرض ميلين تقريباً. ولا تنبع أهمية المضيق من ضيقه وحده، بل من حجم النفط والغاز والتجارة التي تمر عبره، ومن صعوبة إيجاد طرق بديلة تستطيع استيعاب الكميات نفسها. ولذلك تستطيع أزمة محدودة في هذه المنطقة أن ترفع أسعار الطاقة والتأمين والنقل، وتضغط على اقتصادات دول تبعد عنها آلاف الكيلومترات.
وخلال حديثه عن زيارته، يشير النفيسي إلى قبيلة الشحوح التي تقطن جبال مسندم، ويذكر رواية سمعها آنذاك تربط بعض الصفات الشكلية لدى أبنائها بتزاوج سكان المنطقة مع البرتغاليين الذين احتلوا أجزاء من سواحل الخليج. غير أن نسبة الشحوح إلى أصل برتغالي تبقى رواية شعبية غير مثبتة تاريخياً أو علمياً؛ فالشحوح قبيلة عربية أصيلة ارتبطت تاريخياً برؤوس الجبال ومسندم، وتذكر بعض الروايات مساهمتها في مقاومة الوجود البرتغالي. ولذلك يمكن الاحتفاظ بما أورده الدكتور في إطار ذكرياته وانطباعاته عن الرحلة، مع توضيح أنه ينقل ما قيل له، لا حقيقة محسومة بشأن أصل القبيلة.
ويرى النفيسي أن أزمة مضيق هرمز اختبرت قدرة الولايات المتحدة على إدارة ممر حيوي كانت تستطيع، في مراحل سابقة، التحرك لحمايته من دون أن تظهر حاجتها الملحة إلى قوى أخرى. أما اليوم، فقد طلبت واشنطن مساهمة الدول الأوروبية والصين في تأمين السفن وإعادة فتح الممر، لكن الموقف الأوروبي العام ظل متحفظاً على الحرب، بينما دعت بكين إلى وقف القتال والحفاظ على الملاحة من دون الالتحاق بالمقاربة العسكرية الأمريكية. وأثار رفض بعض الحلفاء غضب ترامب، غير أن توجيه الاتهامات إليهم لا يغير حقيقة أن الولايات المتحدة وجدت صعوبة في بناء تحالف دولي واسع حول قرار لم تشارك تلك الدول في اتخاذه.
ولا يمثل طلب مشاركة الدول المستفيدة من المضيق دليلاً كافياً على الضعف في حد ذاته؛ فقد يكون محاولة منطقية لتوزيع الأعباء والتكاليف. لكن حدود القوة تظهر عندما لا تستطيع واشنطن تأمين الممر منفردة، وفي الوقت نفسه تعجز عن إقناع الآخرين بالانضمام إليها. فالدولة القائدة لا تحتاج إلى الحلفاء لأن مواردها معدومة، بل لأن التحالف يمنح عملياتها الشرعية والقدرة والاستمرارية. وعندما يرفض الحلفاء المشاركة، تصبح القوة العسكرية الأمريكية أمام مسؤولية واسعة لا تستطيع تحملها إلى أجل غير محدود من دون أثمان سياسية واقتصادية وعسكرية.
ويستحضر الحوار حجة ترامب القائلة إن الولايات المتحدة لم تعد تعتمد على مضيق هرمز مثلما تعتمد عليه الصين والدول الآسيوية والأوروبية، وإن على المستفيدين الأساسيين أن يؤمّنوا سفنهم بأنفسهم. صحيح أن نمو إنتاج النفط والغاز الأمريكيين قلل اعتماد واشنطن المباشر على واردات الخليج، لكن ذلك لا يعزل اقتصادها عن آثار إغلاق المضيق؛ فسوق النفط عالمية، وأي نقص كبير في الإمدادات يرفع الأسعار داخل الولايات المتحدة وخارجها، ويزيد كلفة الوقود والنقل، ويغذي التضخم، ويضغط على اقتصادات الحلفاء وسلاسل التوريد الدولية. ولذلك لا تستطيع واشنطن التعامل مع هرمز باعتباره مشكلة صينية أو أوروبية لا تمس مصالحها القومية.
وورد في الحوار أن 40% من النفط الذي تستهلكه الصين يمر عبر المضيق، لكن الأدق هو التمييز بين إجمالي الاستهلاك وبين الواردات النفطية. وتشير التقديرات إلى أن نسبة كبيرة تراوح تقريباً بين 45% و50% من واردات الصين من النفط الخام كانت تعبر مضيق هرمز قبل الاضطرابات الأخيرة، وليست النسبة نفسها من إجمالي استهلاكها. ويجعل هذا الاعتماد الصين من أكثر الدول اهتماماً باستمرار الملاحة، لكنه لا يلزمها بالانضمام إلى حرب تقودها الولايات المتحدة؛ إذ تستطيع بكين استخدام مخزوناتها، وزيادة الواردات البرية والبحرية من روسيا ومصادر أخرى، والاعتماد على الوساطة والضغط الدبلوماسي بدلاً من المشاركة العسكرية المباشرة.
ويطرح النفيسي احتمال أن ترى إدارة ترامب في إغلاق المضيق وسيلة للضغط على الصين وإلحاق الضرر باقتصادها، لكن هذا السيناريو لا يصيب بكين وحدها. فارتفاع أسعار الطاقة يضغط أيضاً على المستهلك الأمريكي والحلفاء الأوروبيين والآسيويين، ويهدد استقرار اقتصادات الخليج ويزيد احتمالات الركود العالمي. ومن ثم، فإن هرمز لا يصلح سلاحاً موجهاً إلى طرف واحد؛ فأي محاولة لخنق الصين عبره يمكن أن ترتد على الولايات المتحدة وحلفائها، وأن تخلق اضطرابات تفوق المكاسب المتوقعة.

ويناقش الحوار كذلك سيناريو إرسال قوات أمريكية للسيطرة على جزر أو مواقع إيرانية قريبة من المضيق. وقد دار الحديث بداية عن جزر أبي موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، ثم اتضح أن المقصود قد يكون مواقع أخرى تتحكم بصورة مباشرة في حركة الملاحة، إضافة إلى الخيارات التي نوقشت بشأن جزيرة خرج، المركز الرئيسي لتصدير النفط الإيراني. لكن السيطرة على جزيرة أو موقع ساحلي لا تضمن وحدها فتح المضيق؛ إذ تستطيع إيران استخدام الصواريخ الساحلية والمسيّرات والألغام البحرية والزوارق السريعة، ومهاجمة القواعد والمنشآت المحيطة. كما أن إنزال قوات على الأرض يناقض تصريحات ترامب المتكررة بعدم إرسال جنود إلى حرب برية، ويفتح مواجهة يمكن أن تتجاوز السيطرة على جزيرة إلى حرب إقليمية واسعة.
ويرى النفيسي أن تعدد التصريحات يكشف غياب قرار مستقر؛ فقد تحدث ترامب عن التحرك البري، ثم نفى إرسال القوات، وطُرحت خيارات تتعلق بغرب إيران وجزيرة خرج ومواقع قريبة من المضيق، قبل العودة إلى القول إنه لن ينشر جنوداً في أي مكان. ولا يتعامل النفيسي مع هذه التناقضات بوصفها مرونة تكتيكية فقط، بل يراها علامة على إدراك الإدارة أن الحرب يصعب استمرارها بالصورة نفسها، وأن تحقيق انتصار حاسم أصبح بعيداً، لذلك بدأ البحث عن مخرج تشارك فيه مؤسسات الدولة، من البيت الأبيض والكونغرس إلى وزارتي الخارجية والدفاع. وهكذا يتحول مضيق هرمز من مجرد ممر للطاقة إلى اختبار للقيادة الأمريكية: هل تستطيع واشنطن حماية الملاحة من دون الانزلاق إلى حرب برية، وهل تستطيع جمع الحلفاء حولها من دون أن تتحمل وحدها كلفة الأزمة؟

المحور 14: من يملأ الفراغ؟ عالم متعدد القوى لا بديل منفرد فيه
بعد استعراض حدود القوة الأمريكية، يعود السؤال: من يملأ الفراغ إذا واصلت الولايات المتحدة تراجعها أو أعادت تقليص انتشارها في الشرق الأوسط؟ يجيب الدكتور النفيسي بأن روسيا والصين هما الأكثر استعداداً للاستفادة من هذا التحول؛ فكلتاهما تمتلك مصالح واسعة في إيران والخليج، وتراقبان اهتزاز الثقة بين واشنطن وحلفائها. لكن الحديث عن «البديل» لا يعني أن قوة واحدة ستنتقل تلقائياً إلى الموقع الذي شغلته الولايات المتحدة، لأن الهيمنة الأمريكية لم تكن عسكرية فقط، بل قامت على منظومة متكاملة من القواعد والتحالفات والمؤسسات المالية والشركات التكنولوجية والجامعات ووسائل الإعلام والنفوذ الثقافي والدبلوماسي.
تستطيع الصين تقديم استثمارات ضخمة وتمويل مشروعات البنية التحتية والطاقة والموانئ والتكنولوجيا، كما تستطيع شراء النفط والغاز بعقود طويلة الأمد، وتوظيف علاقاتها المتوازنة نسبياً مع السعودية وإيران في الوساطة السياسية. لكنها لا تملك حتى الآن شبكة أمنية وعسكرية تضاهي الشبكة الأمريكية، وقد لا ترغب أصلاً في تحمل كلفتها. أما روسيا، فتملك خبرة عسكرية واستخباراتية وصناعة سلاح وعلاقات مع قوى مناوئة لواشنطن، لكنها تواجه قيوداً اقتصادية تحد من قدرتها على تمويل المشروعات التنموية الكبرى أو تقديم مظلة أمنية واسعة لكل دول المنطقة.
ولهذا يرجح أن يكون الفراغ موزعاً لا محتَكراً: تتقدم الصين في الاقتصاد والاستثمار، وتتوسع روسيا في السلاح والأمن والمعلومات، وتواصل الولايات المتحدة الاحتفاظ بقواعدها وتحالفاتها ونفوذها المالي والعسكري، بينما تحاول قوى أخرى، مثل الهند وتركيا وبعض الدول الأوروبية، الحصول على مواقع داخل التوازن الجديد. ويمنح هذا التعدد دول الخليج هامشاً أوسع للمناورة، فتستطيع شراء السلاح من طرف، وبناء البنية التحتية مع طرف آخر، والمحافظة على علاقاتها الأمنية مع واشنطن، وتطوير قنواتها السياسية مع بكين وموسكو.
لكن تعدد الشركاء لا يضمن الاستقرار تلقائياً؛ فقد يحول المنطقة إلى ساحة تنافس أشد تعقيداً، ويضع دولها أمام ضغوط متناقضة. فالصين تريد استقرار تدفقات الطاقة والتجارة، وروسيا تبحث عن النفوذ ومواجهة الغرب، والولايات المتحدة تسعى إلى منع منافسيها من السيطرة على المنطقة، بينما تريد دول الخليج حماية أمنها وتنميتها وتجنب تحول أراضيها إلى ميادين للصراع. ولذلك لا يكفي استبدال الارتهان لطرف واحد بالارتهان إلى طرف آخر؛ بل ينبغي بناء قدرة عربية وخليجية على تحديد المصالح والتفاوض مع الجميع من موقع أكثر استقلالاً.
ومن هنا، يمكن تحويل تراجع الهيمنة الأمريكية من مصدر خوف إلى فرصة، شريطة ألا يُفهم على أنه دعوة إلى القطيعة مع واشنطن أو الارتماء الكامل في أحضان بكين وموسكو. فالبديل الأكثر واقعية هو تنويع الشراكات: استمرار التعاون مع الولايات المتحدة في المجالات التي تتفوق فيها، والانفتاح على الصين في التنمية والتكنولوجيا، والاستفادة من روسيا وغيرها في مجالات محددة، مع بناء القدرات الدفاعية والاقتصادية المحلية التي تقلل الحاجة إلى أي قوة خارجية.
كما ينبغي التمييز بين الفراغ العسكري والفراغ السياسي. فقد تنسحب قوة من قاعدة أو تخفض عدد جنودها، لكن نفوذها المالي والتكنولوجي يبقى قائماً. وقد تدخل قوة أخرى من خلال الموانئ والسكك الحديدية والقروض من دون أن ترسل جندياً واحداً. لذلك فإن خريطة القوة الجديدة لن ترسمها القواعد العسكرية وحدها، بل سترسمها أيضاً طرق التجارة، وسلاسل التوريد، والجامعات، والذكاء الاصطناعي، وشبكات الاتصالات، والعملات، والاستثمارات، والقدرة على الوساطة وحل الأزمات.
ويرى الدكتور النفيسي أن النقاش الأمريكي حول حدود القوة ليس وليد ترامب أو الحرب الراهنة، بل بدأ منذ حرب فيتنام والانسحاب منها، ثم ازداد بعد العراق وأفغانستان. وقد تناوله مفكرون وكتاب مثل أندرو باسيفيتش ونعوم تشومسكي والصحفي الاستقصائي سيمور هيرش، كما حذر هنري كيسنجر من الغرق في الأزمات بدلاً من التحكم في خيوطها. ففي كتابه الضخم «الدبلوماسية – Diplomacy»، يقدم كيسنجر رؤية تقوم على أن السياسة الخارجية الأمريكية لا تستطيع حل مشكلات العالم كلها، وأن هدفها الواقعي هو إدارة توازنات القوى والإمساك بخيوط الأزمات بما يخدم المصلحة القومية الأمريكية. ومن هذه الزاوية، يرى النفيسي أن كيسنجر كان سيعارض طريقة إدارة ترامب للحرب، لأنها أدخلت الولايات المتحدة في أزمة من دون تصور ثابت لنهايتها.
والخلاصة أن تراجع الهيمنة الأمريكية لا يعني اختفاء الولايات المتحدة ولا انتقال العالم إلى هيمنة صينية أو روسية مكتملة، بل يعني نهاية المرحلة التي استطاعت فيها قوة واحدة احتكار القرار الدولي بدرجة واسعة. وما يتشكل هو نظام تتعدد فيه مراكز التأثير، وتصبح التحالفات أكثر مرونة، وتستطيع الدول المتوسطة والصغيرة التفاوض مع أكثر من طرف. غير أن الاستفادة من هذا العالم تقتضي وعياً استراتيجياً يمنع الانتقال من تبعية قديمة إلى تبعية جديدة؛ لأن القوة الخارجية، سواء كانت أمريكية أو صينية أو روسية، تتحرك أولاً وفق مصالحها القومية. أما حماية مصالح الخليج والعالم العربي، فلا يمكن أن تتحقق بصورة دائمة إلا ببناء قوة ذاتية قادرة على اختيار الشركاء، لا انتظار القوة التي تملأ الفراغ.
المحور 15: الخاتمة: القوة على التدمير ليست قدرة على الانتصار
لا ينتهي الدكتور عبد الله النفيسي في تحليله إلى أن الولايات المتحدة أصبحت دولة ضعيفة أو فقدت مكانتها الدولية؛ فهي ما تزال تمتلك قوة عسكرية هائلة، واقتصاداً ضخماً، وقدرات تكنولوجية واستخباراتية متقدمة، وشبكة واسعة من القواعد والتحالفات والمؤسسات المالية والجامعات ومراكز البحث. لكنها، على الرغم من ذلك، ليست قوة مطلقة تستطيع تحقيق كل ما تريده، ولا يكفي تفوقها العسكري لضمان إخضاع الخصوم أو إعادة تشكيل الدول والمجتمعات وفق إرادتها. فالقوة التي تستطيع الوصول إلى قائد واغتياله، أو تدمير منشأة عسكرية، أو إسقاط حكومة خلال فترة قصيرة، قد تعجز عن وقف رد الخصم، أو إدارة اليوم التالي، أو بناء نظام بديل، أو إقناع المجتمع المستهدف بقبول النتائج التي تريدها.
وقد حدد الحوار أربعة مظاهر رئيسية لحدود القوة الأمريكية. يتمثل الأول في انحسار الهيمنة؛ إذ لم تعد الولايات المتحدة الشريك الوحيد الذي تتجه إليه الدول الباحثة عن التمويل والتكنولوجيا والسلاح والتنمية، بعد صعود الصين وروسيا والهند وقوى أخرى. ويتمثل الثاني في صعوبة الحسم الشامل؛ فالولايات المتحدة قادرة على تنفيذ ضربات دقيقة وإلحاق أضرار كبيرة، لكنها لا تضمن تحويل ذلك إلى انتصار سياسي مستدام. أما المظهر الثالث فهو القيود الدستورية والداخلية التي يفرضها الكونغرس والقانون والرأي العام والانتخابات وكلفة سقوط الجنود واستمرار الحرب. ويتمثل المظهر الرابع في القيود الاستراتيجية واللوجستية؛ فاتساع شبكة القواعد والانتشار العسكري لا يضمن اكتشاف جميع قدرات الخصم أو حماية جميع القواعد والحلفاء والممرات البحرية في الوقت نفسه.
وقد وضعت الحرب على إيران هذه الحدود أمام اختبار عملي. فقُتل المرشد علي خامنئي وعدد من كبار القادة، لكن مؤسسات الدولة لم تنهَر، وانتقلت القيادة إلى ترتيبات مؤقتة، واستمرت إيران في إطلاق الصواريخ والمسيّرات. كما لم تظهر الانشقاقات الواسعة التي كان يمكن أن تقود إلى تفكك النظام، ولم تقبل القيادة الإيرانية المتبقية بالتفاوض تحت الشروط الأمريكية. وبدلاً من أن يؤدي القصف الخارجي إلى انتفاضة داخلية سريعة، أسهم الشعور بالخطر في إعادة توحيد قطاعات من المجتمع حول الدولة، كما يحدث غالباً حين يصبح الوطن نفسه عرضة لعدوان خارجي. وهنا تتضح محدودية نظرية «قطع الرأس»: فاغتيال رأس النظام قد يضعفه ويحدث فيه ارتباكاً كبيراً، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار الدولة أو توقف قدرتها على المقاومة.
وكشفت الحرب أيضاً أن القواعد الأمريكية في الخليج لم تعد مظلات حماية محصنة، بل أصبحت أهدافاً محتملة يمكن للصواريخ والطائرات المسيّرة الوصول إليها. وهذا التحول يضع دول المنطقة أمام معادلة شديدة التعقيد: فالوجود الأمريكي يوفر لها جانباً من الردع والدعم العسكري، لكنه قد يجعل أراضيها في الوقت نفسه جزءاً من ساحة المواجهة. ولذلك بدأ السؤال الخليجي يتغير؛ فلم يعد يقتصر على مقدار الحماية التي توفرها الولايات المتحدة، بل أصبح يشمل ما إذا كانت قرارات واشنطن قد تجلب إلى المنطقة أخطاراً لم تشارك دولها في صنعها. إن اهتزاز الثقة لا يعني نهاية التحالف، لكنه يدفع نحو تنويع الشراكات وفتح قنوات أوسع مع الصين وروسيا وغيرهما.
أما في البحر الأحمر، فقد أثبت الحوثيون أن الطرف الأقل قوة يستطيع إرباك خصم يتفوق عليه عسكرياً، إذا امتلك الصواريخ والمسيّرات والمعلومات واختار نقطة جغرافية شديدة الحساسية. فقد أثرت هجماتهم في حركة الملاحة ورفعت كلفة التأمين والنقل، وألحقت بميناء إيلات خسائر كبيرة، من دون الحاجة إلى احتلاله أو تدميره. وفي مضيق هرمز، وجدت الولايات المتحدة نفسها مطالبة بحماية ممر بالغ الضيق والأهمية، مع حاجة متزايدة إلى مشاركة الأوروبيين والصين، في وقت رفض فيه بعض الحلفاء الانخراط في الحرب. وهكذا تحول الممران البحريان إلى مثالين على أن القوة لا تُقاس بعدد السفن الحربية فقط، بل بقدرتها على ضمان الملاحة ومنع الخصم من فرض كلفة مستمرة.
ويفتح هذا التراجع النسبي المجال أمام الصين وروسيا، لكن أياً منهما لا يملك بمفرده جميع عناصر القوة التي راكمتها الولايات المتحدة. فالصين تملك الاقتصاد والاستثمار والتجارة والقدرة على تنفيذ مشروعات التنمية، بينما تمتلك روسيا الخبرة العسكرية والأمنية وشبكات التعاون مع قوى مناهضة لواشنطن. والأرجح أن المنطقة لا تنتقل من هيمنة أمريكية إلى هيمنة صينية أو روسية، بل تدخل عالماً متعدد القوى تتوزع فيه الأدوار والمصالح. ويمنح هذا الوضع دول الخليج والعالم العربي فرصة لتنويع الشراكات، لكنه يحمل أيضاً خطر التحول إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى إذا لم تُبنَ قدرة ذاتية عربية تحدد المصالح وتختار الشركاء من موقع الاستقلال.
وتبقى الخلاصة الأهم في حديث الدكتور النفيسي أن النجاح التكتيكي لا يساوي انتصاراً استراتيجياً. فقد تنجح الدولة في اغتيال قائد، أو تدمير منشأة، أو احتلال موقع، لكنها لا تنتصر فعلاً إلا إذا حققت الهدف السياسي الذي أعلنت الحرب من أجله، واستطاعت المحافظة عليه بتكلفة مقبولة. فالقوة الحقيقية لا تقاس فقط بما تستطيع الدولة هدمه، بل بما تستطيع بناءه؛ ولا بعدد الضربات التي تنفذها، بل بقدرتها على إنهاء الحرب؛ ولا بخوف الخصوم منها وحده، بل أيضاً بثقة الحلفاء في قراراتها ووعودها.
ومن هنا، فإن السؤال الصحيح ليس: هل الولايات المتحدة قوية؟ فهي ما تزال بلا شك واحدة من أقوى دول العالم. وإنما السؤال هو: أين تنتهي فاعلية هذه القوة، ومتى تتحول من أداة لحماية المصالح إلى مصدر للاستنزاف وفقدان الثقة؟ وبين الاعتراف بقوة الولايات المتحدة ورفض أسطورة قدرتها المطلقة، يدعو الدكتور النفيسي إلى قراءة استراتيجية تحرر الوعي العربي من الخوف، من دون أن تسقطه في التهوين أو الوهم.
وبهذه الخلاصة تُغلق الحلقة ملف حدود القوة الأمريكية، لتفتح الباب أمام سؤال لا يقل أهمية وتعقيداً: ما حدود القوة الإسرائيلية؟ وهل يعبّر اتساع قدرتها على القتل والتدمير عن انتصار حقيقي، أم يكشف بدوره عجزاً عن تحقيق الأهداف السياسية وبناء سلام قابل للاستمرار؟
ملخص المقال
يناقش هذا المقال، انطلاقاً من قراءة الدكتور عبد الله النفيسي، حدود القوة الأمريكية والفجوة المتزايدة بين امتلاك أدوات عسكرية هائلة والقدرة على تحقيق نصر سياسي واستراتيجي حاسم. ويتناول وهم «القوة التي لا تُقهر» في الوعي العربي، واعتراف نخبة من المفكرين الأمريكيين بتآكل الهيمنة، وتراجع الثقة الدولية في القيادة الأمريكية. كما يستعرض القيود الدستورية واللوجستية التي تحدّ من استخدام القوة، وما كشفته المواجهات المعاصرة من صعوبة الحسم والحفاظ على التحالفات وتأمين القواعد والممرات البحرية، ولا سيما مضيق هرمز والبحر الأحمر. وينتهي إلى أن تراجع التفرد الأمريكي لا يعني ظهور بديل منفرد، بل يشير إلى تشكل نظام دولي متعدد القوى تتقدم داخله الصين وروسيا وقوى إقليمية أخرى.
English Summary
Drawing on Dr. Abdullah Al-Nafisi’s analysis, this article examines the limits of American power and the widening gap between possessing overwhelming military capabilities and achieving decisive political and strategic outcomes. It explores the Arab perception of the United States as an “invincible power,” the acknowledgment by American strategic thinkers of declining hegemony, and the erosion of international confidence in U.S. leadership. The article also highlights the constitutional, logistical, and geopolitical constraints affecting the use of force, as well as the difficulties of maintaining alliances, protecting overseas bases, and securing strategic waterways such as the Strait of Hormuz and the Red Sea. It concludes that the decline of American unipolar dominance is not producing a single successor, but rather a multipolar international order in which China, Russia, and regional powers are gaining influence.
الهوامش والمراجع الرئيسية
أولاً: المصدر الأساسي
[1] النفيسي، عبد الله. حوار مرئي حول «حدود القوة الأمريكية»، النص الكامل المفرغ والمعاد تنظيمه وتحليله في هذا المقال.
ملاحظة: يُضاف هنا رابط الحلقة الأصلية، واسم القناة، وتاريخ بثها فور توفرها.
ثانياً: كتب أندرو باسيفيتش
[2] Bacevich, Andrew J. (2008).
The Limits of Power: The End of American Exceptionalism.
New York: Metropolitan Books.
يُعد هذا الكتاب المرجع الفكري الأساسي لموضوع الحلقة؛ إذ يناقش حدود القدرة الأمريكية ونهاية الاعتقاد بأن الولايات المتحدة استثناء من القواعد التي تحكم صعود القوى الكبرى وتراجعها.
[3] Bacevich, Andrew J. (2013).
Breach of Trust: How Americans Failed Their Soldiers and Their Country.
New York: Metropolitan Books.
يتناول العلاقة بين المجتمع الأمريكي وجيشه، وينتقد الزج بالجنود في حروب بعيدة وممتدة من دون تحمل المجتمع والنخب السياسية مسؤوليتها كاملة.
[4] Bacevich, Andrew J. (2016).
America’s War for the Greater Middle East: A Military History.
New York: Random House.
يقدم تاريخاً نقدياً للتدخل العسكري الأمريكي الممتد في الشرق الأوسط، ويشرح كيف تحولت المنطقة إلى ميدان دائم للحروب الأمريكية منذ العقود الأخيرة من القرن العشرين.
[5] Bacevich, Andrew J. (2020).
The Age of Illusions: How America Squandered Its Cold War Victory.
New York: Metropolitan Books.
يحلل كيف بددت الولايات المتحدة جانباً من انتصارها في الحرب الباردة عبر التوسع في الحروب، وتعميق اللامساواة، والمبالغة في قدرتها على قيادة العالم منفردة.
[6] معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول. السيرة العلمية لأندرو باسيفيتش، المؤسس المشارك والرئيس الفخري لمجلس إدارة المعهد. ويؤكد المعهد تخرجه في وست بوينت وبرينستون، وخدمته العسكرية وانتقاله إلى البحث والكتابة في السياسة الخارجية.
ثالثاً: الدبلوماسية والاستراتيجية الأمريكية
[7] Kissinger, Henry. (1994).
Diplomacy.
New York: Simon & Schuster.
يقدم الكتاب قراءة تاريخية لتوازن القوى والدبلوماسية والسياسة الخارجية الأمريكية، ويبين أهمية إدارة الأزمات والتحكم في مساراتها بدلاً من الاندفاع إلى حروب لا تُعرف نهاياتها.
[8] Chomsky, Noam. (2003).
Hegemony or Survival: America’s Quest for Global Dominance.
New York: Metropolitan Books.
يناقش السعي الأمريكي إلى الهيمنة العالمية، وينتقد آثار استخدام القوة العسكرية والسياسية خارج الحدود.
[9] Hersh, Seymour M. (2004).
Chain of Command: The Road from 9/11 to Abu Ghraib.
New York: HarperCollins.
يتناول آليات اتخاذ القرار داخل المؤسسة السياسية والعسكرية الأمريكية، والتجاوزات التي رافقت الحروب الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر.
رابعاً: القيود الدستورية على قرار الحرب
[10] United States Congress. (1973).
War Powers Resolution, Public Law 93-148; 50 U.S.C. §§1541–1548.
وهو النص القانوني الذي ينظم العلاقة بين الرئيس والكونغرس عند إدخال القوات الأمريكية في أعمال قتالية. ويلزم الرئيس بإخطار الكونغرس، ويحدد مدة 60 يوماً لاستمرار استخدام القوات من دون تفويض، مع إمكان إضافة 30 يوماً للانسحاب الآمن.
[11] U.S. House of Representatives, Office of the Historian.
The War Powers Resolution.
مرجع تاريخي يشرح خلفية صدور القرار بعد حرب فيتنام وسعي الكونغرس إلى استعادة دوره في قرارات الحرب.
خامساً: مضيق هرمز والطاقة
[12] U.S. Energy Information Administration – EIA.
The Strait of Hormuz is the World’s Most Important Oil Transit Chokepoint.
يوضح أن عرض المضيق عند أضيق نقطة يبلغ نحو 21 ميلاً، بينما يبلغ عرض كل مسار ملاحي ميلين، يفصل بينهما نطاق عازل بعرض ميلين. كما يبين محدودية الطرق البديلة لنقل نفط الخليج.
[13] U.S. Energy Information Administration – EIA. (2025).
Amid Regional Conflict, the Strait of Hormuz Remains a Critical Oil Chokepoint.
يوثق أهمية المضيق للصادرات المتجهة إلى آسيا، ويوضح أن الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية كانت من أهم وجهات النفط المار عبره، مقابل انخفاض الاعتماد الأمريكي المباشر عليه.
[14] Reuters. (21 September 2026).
Vessels Trickle Through Strait of Hormuz as Middle East Conflict Persists.
يتابع تراجع حركة السفن عبر المضيق وتأثير استمرار التوتر الأمريكي الإيراني في نقل النفط والسلع.
سادساً: الصين والاتفاق السعودي الإيراني
[15] Ministry of Foreign Affairs of the People’s Republic of China. (10 March 2023).
Joint Trilateral Statement by the People’s Republic of China, the Kingdom of Saudi Arabia, and the Islamic Republic of Iran.
النص الرسمي للاتفاق الذي رعته الصين، ونص على استئناف العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
[16] Saudi Press Agency – SPA. (10 March 2023).
Joint Trilateral Statement by the Kingdom of Saudi Arabia, the Islamic Republic of Iran, and the People’s Republic of China.
النسخة الرسمية السعودية من البيان الثلاثي الصادر في بكين.
سابعاً: إيران واستمرار مؤسسات الدولة
[17] Reuters. (1 March 2026).
Alireza Arafi Appointed to Iran’s Leadership Council.
يوثق تشكيل مجلس القيادة المؤقت من الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي، وآية الله علي رضا أعرافي.
[18] Reuters. (4 March 2026).
Hardline Cleric Arafi Joins Wartime Leadership as Iran Juggles Conflict and Succession.
يعرض دور مجلس القيادة المؤقت وآليات استمرار الدولة وإدارة مرحلة الخلافة بعد مقتل علي خامنئي.
[19] Reuters. (23 March 2026).
With Top Figures Dead, Who Is Now Running Iran?
يتناول استمرار عمل المؤسسات الإيرانية وإعادة تشكيل القيادة السياسية والعسكرية بعد مقتل عدد من الشخصيات العليا.
ثامناً: البحر الأحمر والحوثيون وميناء إيلات
[20] Reuters. (21 December 2023).
Israel’s Eilat Port Sees 85% Drop in Activity amid Red Sea Houthi Attacks.
يوثق تراجع نشاط ميناء إيلات بنسبة 85% نتيجة تهديد الملاحة في البحر الأحمر.
[21] Reuters. (20 March 2024).
Israel’s Eilat Port Faces Layoffs amid Red Sea Shipping Crisis.
يتناول الأزمة المالية التي تعرض لها الميناء واحتمال تسريح نصف العاملين فيه بسبب انهيار النشاط التجاري.
[22] Reuters. (11 March 2024).
U.S.-British Forces Strike Houthi Targets as Shipping Avoids the Red Sea.
يوثق تحول السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح، وارتفاع تكاليف النقل بسبب تهديدات البحر الأحمر.
[23] The Wall Street Journal. (24 October 2024).
Russia Provided Targeting Data for Houthi Assault on Global Shipping.
يفيد التقرير بأن روسيا قدمت معلومات استهداف للحوثيين خلال هجماتهم على سفن غربية في البحر الأحمر. ويجب تقديم هذه المعلومة في المقال بصيغة «بحسب تقرير للصحيفة»، لأنها مبنية على مصادر استخباراتية غير معلنة.
[24] Reuters. (24 September 2024).
Iran Brokering Talks to Send Advanced Russian Missiles to Yemen’s Houthis.
يتناول محادثات سرية محتملة لنقل صواريخ روسية مضادة للسفن إلى الحوثيين، مع التأكيد أن عملية التسليم لم تكن قد حُسمت عند نشر التقرير.
تاسعاً: الاستخبارات الأمريكية في إيران
[25] Encyclopaedia Iranica.
Central Intelligence Agency in Persia.
يوثق نشاط وكالة الاستخبارات المركزية في إيران خلال عهد الشاه، بما في ذلك تشغيل محطتين إلكترونيتين رئيسيتين لمراقبة التجارب الصاروخية السوفييتية في آسيا الوسطى. وهذا المصدر هو الأساس في تصحيح رواية وجود 13 محطة تنصت، التي تحتاج إلى الرجوع إلى مصدرها الأصلي قبل اعتمادها.




