Uncategorized

المغرب 2030… بين رهان المشاريع الكبرى واستحقاق الاستثمار في الإنسان -الفصل الثاني-

د. الحسـن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني 


تحليل مشاريع المغرب 2030 في ضوء التجارب الدولية ومبادئ التخطيط الاستراتيجي وتقييم الإرث التنموي للأحداث الرياضية الكبرى

ملخص الفصل الثاني

بعد أن تناول الفصل الأول رهانات تمويل المشاريع الكبرى، وعلاقة القروض العمومية بالمديونية وجودة الحكامة واختيار الأولويات، ينتقل هذا الفصل إلى دراسة ثلاث تجارب دولية توضح كيف يمكن للأحداث الرياضية الكبرى أن تتحول إلى أدوات لإعادة تشكيل المدن والاقتصادات، أو إلى أعباء مالية عندما تضعف الرؤية الاستراتيجية.

تكشف تجربة برشلونة 1992 أن النجاح لم يكن ثمرة تنظيم الألعاب الأولمبية وحده، بل نتيجة إدماجها في مشروع حضري طويل المدى شمل تحديث شبكات النقل، وفتح المدينة على واجهتها البحرية، وتأهيل الأحياء، وتعزيز جاذبيتها السياحية والاستثمارية. أما جنوب إفريقيا 2010، فقد أظهرت قدرة كأس العالم على تسريع بناء الملاعب وتطوير النقل وتحسين صورة البلاد دولياً، لكنها أبرزت أيضاً محدودية الوظائف المستدامة وارتفاع تكاليف صيانة بعض المنشآت وضعف أثرها في معالجة البطالة والفوارق الاجتماعية. وتقدم الصين 2008 نموذجاً ثالثاً اتسم بحجم استثماري واسع في النقل والاتصالات والتجهيزات الحضرية، ضمن استراتيجية أشمل لتحديث بكين وإبراز صعود الصين الاقتصادي والتكنولوجي، مع ما رافق ذلك من كلفة مرتفعة وآثار اجتماعية وبيئية تستدعي التقييم.

وتؤكد المقارنة أن الحدث الرياضي لا يصنع التنمية تلقائياً، بل تتوقف قيمته على اندماجه في تخطيط وطني سابق، وشفافية التمويل، واستدامة استعمال المنشآت، وتحسين حياة السكان. ويمكن للمغرب أن يستخلص من هذه التجارب ضرورة ربط تجهيزات 2030 بحاجات المدن بعد البطولة، وإعطاء الأولوية للنقل العمومي والمطارات والتهيئة الحضرية، وتجنب تشييد منشآت مرتفعة الصيانة وضعيفة الاستعمال، مع توزيع الاستثمارات بين المدن بصورة متوازنة. كما تبرز أهمية إشراك المقاولات والكفاءات المحلية، وتحويل الإنفاق الاستثنائي إلى فرص للتشغيل والتكوين ونقل التكنولوجيا، وإخضاع المشاريع لتقييم معلن قبل الإنجاز وبعده. فدرس برشلونة يتمثل في التخطيط للإرث الحضري، ودرس جنوب إفريقيا في الحذر من «الفيلة البيضاء» والوظائف المؤقتة، بينما تؤكد الصين أهمية دمج النقل والاتصالات والتقنيات الحديثة في رؤية تنموية شاملة. وقد أُرجئ تحليل تجربتي قطر 2022 وكأس العالم المشترك 2026 إلى الفصل الثالث، تمهيداً لمقارنتهما المباشرة بالرهان المغربي في أفق 2030.

الكلمات المفتاحية: المغرب- كأس العالم 2030-المشاريع الكبرى – الإرث الحضري – الحكامة المالية Mega-projects – Urban legacy – Financial governance

Summary

Following the first chapter’s examination of major-project financing, public borrowing, debt sustainability, governance, and the setting of national priorities, this chapter turns to three international experiences showing how mega-sporting events may become instruments of urban and economic transformation—or generate lasting financial burdens when they are not supported by a coherent strategy.

Barcelona 1992 demonstrates that success did not result from hosting the Olympic Games alone. It stemmed from integrating the event into a long-term urban project that modernized transport networks, reconnected the city with its waterfront, regenerated neighbourhoods, and strengthened its attractiveness to tourists and investors. South Africa 2010, by contrast, showed how the FIFA World Cup could accelerate stadium construction, improve transport infrastructure, and enhance the country’s international image. Yet it also exposed the limited creation of sustainable employment, the continuing cost of maintaining certain facilities, and the event’s modest contribution to reducing unemployment and social inequality. China 2008 offers a third model, marked by extensive investment in transport, communications, and urban infrastructure as part of a broader strategy to modernize Beijing and showcase China’s economic and technological rise, albeit with substantial financial, social, and environmental costs.

The comparison confirms that a major sporting event does not automatically generate development. Its value depends on integration into prior national planning, transparent financing, sustainable post-event use, and measurable improvements in residents’ lives. Morocco can draw several lessons for its 2030 preparations: infrastructure should respond to cities’ long-term needs; public transport, airports, and urban regeneration should take priority; costly and underused facilities should be avoided; and investment should be distributed more evenly across host territories. Local firms and skills should also be involved so that exceptional expenditure creates lasting employment, training, and technology-transfer opportunities. Barcelona highlights the importance of planning for a durable urban legacy; South Africa warns against “white elephants” and temporary employment; and China demonstrates the value of integrating transport, communications, and modern technologies into a broader development strategy. Qatar 2022 and the jointly hosted 2026 World Cup are reserved for Chapter Three, where they will be compared more directly with Morocco’s 2030 ambitions.


ملاحظة منهجية:
حرصاً على توحيد وحدة المقارنة بين التجارب الدولية، تُذكر جميع المبالغ المالية الواردة في هذه الورقة أولاً بعملتها الأصلية كما وردت في المصادر الرسمية، ثم يُذكر ما يعادلها تقريباً بالدولار الأمريكي، اعتماداً على متوسط سعر الصرف السائد خلال سنة الإعلان عن المشروع أو إنجازه. ويهدف هذا الإجراء إلى تسهيل المقارنة بين الدول والمشاريع، دون المساس بالقيم الأصلية الواردة في الوثائق الرسمية.


في الفصل الثاني…

سنحلل ثلاثة تجارب دولية بارزة: برشلونة، وجنوب إفريقيا، والصين، لاستخلاص الدروس التي يمكن أن يستفيد منها المغرب وهو يستعد لاستضافة كأس العالم 2030.


الفصل الثاني: التجارب الدولية بين نجاح الحدث واستدامة الإرث التنموي

التمهيد

بعد بناء الإطار النظري في الفصل الأول، يصبح من الضروري الانتقال إلى الواقع العملي. فالنظريات، مهما بلغت دقتها، لا تكتمل إلا باختبارها على تجارب حقيقية عاشت ظروفاً متباينة، واتخذت خيارات مختلفة، وحققت نتائج متباينة بدورها. ولا تهدف هذه المقارنة إلى تصنيف الدول إلى ناجحة وأخرى فاشلة، فلكل تجربة سياقها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. وإنما تسعى إلى فهم العوامل التي جعلت بعض المشاريع الكبرى تتحول إلى رافعة للتنمية المستدامة، بينما بقيت مشاريع أخرى دون الأثر المتوقع، رغم تشابه حجم الاستثمارات أو طبيعة الحدث الذي أُنجزت في إطاره.

ولهذا، ستتناول هذه الورقة كل تجربة وفق منهج تحليلي موحد، يركز على مراحل التخطيط والتمويل والتنفيذ والاستغلال بعد الإنجاز، وعلى مدى تحقق العوامل الثمانية التي تشكل أساس الإرث التنموي المستدام. ويتيح هذا النهج إجراء مقارنة موضوعية بين التجارب، بعيداً عن الانطباعات العامة أو الأحكام المسبقة. وفي ضوء هذه القراءة المقارنة، سيكون من الممكن، في الفصول اللاحقة، تقييم الحالة المغربية وفق المعايير نفسها، واستخلاص ما يمكن أن يعزز فرص نجاح المشاريع الكبرى في أفق 2030.

مبدأ موجّه
«الإرث الأولمبي ثمرةُ رؤية؛ وهو يشمل جميع المنافع المادية وغير المادية طويلة الأمد، التي تُطلقها أو تُسرّعها استضافة الألعاب الأولمبية أو الأحداث الرياضية، لفائدة الناس والمدن والأقاليم.»
اللجنة الأولمبية الدولية
«النهج الاستراتيجي للإرث الأولمبي»، 2017؛ منشور ضمن نشرة مركز الدراسات الأولمبية، فبراير 2018.
ترجمة عربية بتصرّف عن الأصل الإنجليزي

2.1 برشلونة 1992: نموذج لتحويل حدث رياضي إلى إرث تنموي مستدام

لم تكن استضافة مدينة برشلونة للألعاب الأولمبية الصيفية سنة 1992 مجرد تنظيم لحدث رياضي عالمي، بل كانت جزءاً من مشروع استراتيجي متكامل لإعادة بناء المدينة وتعزيز مكانتها الاقتصادية والعمرانية والسياحية. ولهذا السبب لا تُستحضر تجربة برشلونة اليوم بوصفها أنجح دورة أولمبية من الناحية التنظيمية فحسب، وإنما باعتبارها واحدة من أبرز التجارب العالمية في توظيف حدث رياضي لتحقيق تحول تنموي طويل الأمد.

عندما اختيرت برشلونة سنة 1986 لاستضافة الألعاب، لم تكن المدينة تعاني أزمة اقتصادية حادة، لكنها كانت تواجه تحديات هيكلية مرتبطة بتراجع النشاط الصناعي، وضعف انفتاحها على البحر، وتهالك أجزاء من بنيتها التحتية، إضافة إلى الحاجة إلى إعادة تأهيل عدد من الأحياء الحضرية وتحسين جاذبيتها للاستثمار والسياحة. وقد رأت السلطات الإسبانية، بشراكة مع حكومة إقليم كتالونيا والقطاع الخاص، في الألعاب الأولمبية فرصة لتسريع مشاريع كانت المدينة تحتاج إليها أصلاً، بدلاً من إنشاء منشآت ضخمة لا تخدم سوى فترة المنافسات.

ومنذ السنوات الأولى للتحضير، لم ينصب الاهتمام على الملاعب وحدها، بل على المدينة بأكملها. فتم اعتماد رؤية تقوم على أن يكون كل درهم يُستثمر في إطار الألعاب استثماراً يخدم سكان برشلونة لعقود لاحقة، سواء تعلق الأمر بشبكات النقل، أو إعادة تأهيل الواجهة البحرية، أو تحسين الفضاءات العمومية، أو توسيع المرافق السياحية والخدمات الحضرية. وبهذا المعنى، أصبحت الألعاب وسيلة لتنفيذ استراتيجية تنموية قائمة سلفاً، ولم تتحول الاستراتيجية إلى مجرد وسيلة لخدمة الألعاب. هذه النقطة بالذات تفسر لماذا بقيت تجربة برشلونة مرجعاً عالمياً بعد أكثر من ثلاثة عقود. فقد انتهى الحدث الرياضي خلال بضعة أسابيع، لكن المشاريع التي أُنجزت في إطاره استمرت في إنتاج آثار اقتصادية واجتماعية وسياحية ما تزال المدينة تجني ثمارها إلى اليوم.

2.1.1 السياق قبل الألعاب: لماذا احتاجت برشلونة إلى مشروع تحولي؟

عندما مُنحت برشلونة شرف استضافة الألعاب الأولمبية سنة 1986، لم تكن مدينة متخلفة أو تعيش أزمة مالية خانقة، بل كانت ثاني أكبر مدينة في إسبانيا وعاصمة إقليم كتالونيا، ويقطنها نحو 1.7 مليون نسمة، بينما تجاوز عدد سكان منطقتها الحضرية ثلاثة ملايين نسمة. وقد شكّل حجم المدينة وموقعها الاقتصادي رصيداً مهماً، غير أن نموذجها التنموي كان قد بدأ يفقد زخمه مع التحولات الاقتصادية التي عرفتها أوروبا خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. فقد أدى تراجع الصناعات التقليدية، وإغلاق عدد من الوحدات الصناعية، إلى ارتفاع البطالة وتراجع جاذبية بعض الأحياء، في الوقت الذي أصبحت فيه البنية التحتية الحضرية أقل قدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية الجديدة. كما كانت شبكة الطرق محدودة، والمواصلات تحتاج إلى تحديث، بينما ظلت أجزاء واسعة من المدينة تعاني ضعف جودة الفضاءات العمومية.

ومن أبرز مظاهر هذا الوضع أن برشلونة، رغم موقعها على البحر الأبيض المتوسط، كانت شبه منفصلة عن واجهتها البحرية. فقد احتلت الموانئ الصناعية، والمخازن، وخطوط السكك الحديدية، أجزاء كبيرة من الساحل، بحيث لم يكن السكان يتمتعون إلا بقدر محدود من الوصول إلى البحر، وهو ما اعتبره مخططو المدينة أحد أكبر الاختلالات العمرانية التي ينبغي معالجتها. وجاء اختيار برشلونة لاستضافة الألعاب الأولمبية في 17 أكتوبر 1986 متزامناً مع انضمام إسبانيا إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية في السنة نفسها، وهو ما وفر مناخاً سياسياً واقتصادياً ملائماً لإطلاق برنامج واسع لتحديث المدينة وتعزيز تنافسيتها داخل أوروبا.

ومنذ البداية، أدرك المسؤولون أن النجاح الحقيقي لن يقاس بعدد الميداليات أو جودة حفل الافتتاح، وإنما بقدرة الألعاب على تسريع مشاريع تنموية كانت المدينة تحتاج إليها أصلاً. ولذلك لم يكن السؤال: كيف ننظم ألعاباً أولمبية ناجحة؟ بل كان: كيف نجعل الألعاب وسيلة لإعادة بناء برشلونة؟ ومن هنا وُلدت الفلسفة التي أصبحت لاحقاً إحدى أشهر التجارب في التخطيط الحضري، ومفادها أن المشروع الأولمبي يجب أن يخدم المدينة، لا أن تُسخَّر المدينة لخدمة المشروع الأولمبي.

جدول (1): برشلونة قبل الألعاب الأولمبية 1992… مؤشرات تفسر الحاجة إلى التحول

المؤشرالوضع قبل 1992الدلالة
عدد سكان المدينةنحو 1.7 مليون نسمةمدينة كبرى تحتاج إلى تحديث بنيتها الحضرية والخدمات العمومية.
عدد سكان المنطقة الحضريةأكثر من 3 ملايين نسمةضغط متزايد على النقل والإسكان والمرافق العمومية.
الاقتصاد المحليانتقال من اقتصاد صناعي تقليدي إلى اقتصاد خدمات ومعرفةضرورة إعادة هيكلة الاقتصاد الحضري.
الواجهة البحريةمعزولة بفعل الميناء والمنشآت الصناعية وخطوط السكك الحديديةفقدان أحد أهم عناصر الجذب الحضري والسياحي.
اختيار المدينة لاستضافة الألعاب17 أكتوبر 1986وفر فرصة لتسريع برنامج الإصلاح الحضري.
انضمام إسبانيا للمجموعة الاقتصادية الأوروبية1986فتح آفاقاً جديدة للاستثمار والتمويل والتحديث.
الفلسفة المعتمدةالألعاب وسيلة لتنفيذ مشروع المدينةبداية مفهوم “الإرث التنموي” قبل أن يصبح مفهوماً عالمياً.

المصدر: اللجنة الأولمبية الدولية (IOC)، بلدية برشلونة، جامعة كتالونيا المفتوحة (UOC)، ومنظمة الصحة العالمية (WHO) في دراساتها حول الإرث الحضري لبرشلونة.

إذا كان هذا هو الوضع الذي انطلقت منه برشلونة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الذي فعلته المدينة عملياً بين سنتي 1986 و1992 حتى تحولت هذه الرؤية إلى واقع؟ سيجيب المحور التالي عن هذا السؤال من خلال تحليل المشاريع التي أُنجزت، وحجم الاستثمارات، وآليات الحكامة، مع التركيز على ما جعل برشلونة تتحول من مدينة صناعية متعثرة نسبياً إلى واحدة من أكثر المدن الأوروبية جاذبية للاستثمار والسياحة.

2.1.2 الرؤية الاستراتيجية: كيف حوّلت برشلونة الألعاب الأولمبية إلى مشروع مدينة؟

لم يكن النجاح الذي حققته برشلونة سنة 1992 وليد جودة التنظيم الرياضي وحدها، بل كان ثمرة رؤية استراتيجية تبلورت منذ مرحلة الترشح لاستضافة الألعاب. فقد انطلق صناع القرار من قناعة مفادها أن الألعاب الأولمبية لا ينبغي أن تكون مشروعاً قائماً بذاته، وإنما وسيلة لتنفيذ مشروع حضري وتنموي كانت المدينة بحاجة إليه منذ سنوات. ولهذا السبب، لم تُبنَ الاستراتيجية حول سؤال: كيف نستضيف دورة أولمبية ناجحة؟ بل حول سؤال أكثر عمقاً: كيف نستثمر هذا الحدث لتغيير مستقبل المدينة؟

ولتحقيق هذا الهدف، اعتمدت بلدية برشلونة بقيادة العمدة باسكوال ماراغال، بتنسيق وثيق مع الحكومة الإسبانية وحكومة إقليم كتالونيا، نموذجاً للحكامة يقوم على وحدة الرؤية وتوزيع واضح للأدوار بين مختلف المؤسسات. وقد منح هذا النموذج للسلطات المحلية دوراً محورياً في توجيه المشروع، بينما تكفلت الحكومة المركزية بتمويل جزء مهم من البنيات التحتية، وأسهم القطاع الخاص في إنجاز مشاريع عمرانية واستثمارية موازية. ولم يكن هذا التوزيع مجرد ترتيب إداري، بل كان تعبيراً عن توافق سياسي ومؤسساتي حول أولوية المشروع واعتباره مشروعاً وطنياً ومحلياً في آن واحد.

وكان من أهم عناصر هذه الرؤية أن معظم المشاريع المبرمجة لم تُصمم لتلبية متطلبات أسبوعين من المنافسات الرياضية، بل لتلبية حاجات المدينة خلال العقود التالية. ولهذا لم يُوجَّه الجزء الأكبر من الاستثمارات إلى الملاعب، وإنما إلى الطرق، وشبكات النقل، والميناء، والواجهة البحرية، والفضاءات العمومية، والسكن، والمرافق الحضرية. وقد عبّر أحد الباحثين في التخطيط الحضري عن هذه الفلسفة بقوله إن الألعاب “وفرت آليات التمويل التي سمحت بتنفيذ مشاريع كانت المدينة تخطط لها منذ سنوات”، وهو ما يفسر استمرار آثارها بعد انتهاء الحدث.

مدينة برشلونة اسبانيا

كما حرصت برشلونة على توزيع المشاريع في عدة مناطق داخل المدينة، بدلاً من تركيزها في موقع أولمبي واحد، حتى تستفيد أحياء متعددة من عملية التجديد الحضري. وأسهم هذا التوجه في إعادة دمج الواجهة البحرية داخل النسيج الحضري، وتحسين الربط بين الأحياء، ورفع جودة الفضاءات العمومية، وهو ما عزز جاذبية المدينة للاستثمار والسياحة بعد انتهاء الألعاب.

ولعل العنصر الأكثر تميزاً في التجربة هو أن الرؤية لم تتوقف عند سنة 1992. فقد اعتُبرت الألعاب محطة ضمن مسار تنموي أطول، واستُخدمت لإطلاق صورة جديدة لبرشلونة باعتبارها مدينة متوسطية حديثة، منفتحة على الاستثمار والابتكار والثقافة والسياحة الدولية. وقد ساعد هذا التحول في ترسيخ ما أصبح يُعرف لاحقاً بـ “نموذج برشلونة”، الذي استلهمته مدن عديدة عند التخطيط لاستضافة أحداث رياضية كبرى. ويمكن تلخيص جوهر هذه الرؤية في مبدأ بسيط لكنه بالغ الأهمية: لم تُغيِّر برشلونة المدينة من أجل الألعاب، بل غيَّرت الألعاب من أجل المدينة. وربما يفسر هذا المبدأ، أكثر من أي عامل آخر، لماذا ظل اسم برشلونة يُذكر حتى اليوم باعتباره نموذجاً عالمياً في تحويل حدث رياضي مؤقت إلى إرث تنموي دائم.

جدول (2): مرتكزات الرؤية الاستراتيجية لبرشلونة 1992

المرتكزالتطبيق في برشلونةالأثر طويل المدى
الهدف الرئيسياستخدام الألعاب كأداة لتنفيذ مشروع المدينةاستمرار المنافع بعد انتهاء الحدث
الحكامةتنسيق بين بلدية برشلونة، الحكومة الإسبانية، حكومة كتالونيا والقطاع الخاصسرعة التنفيذ ووحدة القرار
أولوية الاستثمارالبنية التحتية والمدينة قبل المنشآت الرياضيةتحسين جودة الحياة والتنافسية الاقتصادية
التخطيط العمرانيإعادة ربط المدينة بالبحر وتجديد الأحياءرفع القيمة العمرانية وجاذبية الاستثمار
الرؤية الزمنيةالتخطيط لعقود بعد 1992 وليس لفترة الألعاب فقطتكوين إرث حضري وتنموي مستدام

2.1.3 المشاريع المنجزة: كيف ترجمت برشلونة رؤيتها إلى استثمارات وبنية تحتية؟

إذا كانت الرؤية الاستراتيجية قد حددت الوجهة، فإن نجاح برشلونة ارتبط بقدرتها على تحويل تلك الرؤية إلى برنامج استثماري واسع، نُفذ خلال فترة وجيزة نسبياً بين 1986 و1992. وقد تميز هذا البرنامج بأنه لم يقتصر على المنشآت الرياضية، بل شمل مختلف مكونات المدينة، بحيث أصبحت الألعاب الأولمبية حافزاً لتسريع مشاريع كان تنفيذها سيستغرق سنوات طويلة في الظروف العادية.

وتشير الدراسات إلى أن ما يقارب 83% من إجمالي الإنفاق المرتبط بالألعاب الأولمبية وُجه إلى مشاريع البنية التحتية والتجديد الحضري، مقابل نحو 17% فقط خُصص لتنظيم المنافسات والمنشآت الرياضية. وهذه النسبة وحدها تكشف الفارق بين برشلونة والعديد من التجارب الأخرى التي ركزت معظم استثماراتها على الملاعب والمنشآت المؤقتة. وشملت المشاريع أربعة محاور رئيسية: تحسين شبكة النقل، وإعادة تأهيل الواجهة البحرية، وتطوير المرافق الاقتصادية، وتجديد النسيج الحضري.

أولاً: إعادة هيكلة شبكة النقل

شهدت المدينة تنفيذ واحدة من أكبر عمليات تحديث البنية التحتية في تاريخها الحديث. فقد اكتمل إنشاء الطريقين الدائريين Ronda de Dalt وRonda Litoral بطول يقارب 35 كيلومتراً داخل المدينة، مع امتدادات رفعت الطول الإجمالي إلى نحو 49.5 كيلومتراً، وهو ما ساهم في تخفيف الضغط عن وسط المدينة وتحسين الربط بين مختلف الأحياء والمطار والميناء. وقد بلغت تكلفة هذه الشبكة وحدها حوالي 130 مليار بيزيتا، أي ما يعادل تقريباً 1.1 مليار دولار بأسعار الصرف السائدة خلال الفترة 1986–1992. كما شملت الأشغال تحديث أجزاء من شبكة المترو والسكك الحديدية، وتحسين الوصول إلى المطار، وتوسيع الطاقة الاستيعابية لوسائل النقل العمومي، بما يخدم السكان بعد انتهاء الألعاب، وليس الزوار فقط.

شبكة المترو والسكك الحديدية المحدثة اثناء الاعداد للالعاب الاولمبية

ثانياً: استعادة العلاقة مع البحر

ربما كان المشروع الأكثر رمزية هو إعادة فتح المدينة على البحر الأبيض المتوسط. فقد أُزيلت الحواجز الصناعية القديمة، ودُفنت أجزاء من خط السكك الحديدية، وأُنشئت قرية برشلونة الأولمبية في منطقة بوبلينو (Poblenou)، مع إنشاء ميناء ترفيهي جديد، واستصلاح نحو خمسة كيلومترات من الشواطئ، وإضافة أكثر من 110 هكتارات من الحدائق والمساحات الخضراء. وقد غير هذا المشروع صورة المدينة بالكامل، وأصبح لاحقاً أحد أبرز عوامل جاذبيتها السياحية والاستثمارية.

ميناء ترفيهي

ثالثاً: تحديث البنية الاقتصادية

لم تقتصر الأشغال على المرافق الرياضية، بل شملت أيضاً توسعة مطار برشلونة، وتحديث مرافق ميناء برشلونة، وبناء فنادق جديدة، وتعزيز شبكات الاتصالات. كما أُنجزت نحو 4500 وحدة سكنية جديدة، منها حوالي 2500 وحدة داخل القرية الأولمبية، قبل تحويلها لاحقاً إلى مساكن مدنية، وهو ما حدّ من ظاهرة المنشآت المهجورة التي عرفتها مدن أخرى.

المشاريع التي غيّرت برشلونة بين 1986 و1992

رابعاً: تجديد المدينة بدل بناء مدينة جديدة

الميزة الأساسية لتجربة برشلونة أنها لم تعتمد على إنشاء أحياء معزولة أو منشآت منفصلة عن المدينة، بل استُثمرت الأموال في إعادة تأهيل أحياء قائمة وربطها ببقية النسيج الحضري. ولهذا ظل الجزء الأكبر من الاستثمارات يخدم السكان بشكل يومي بعد انتهاء الألعاب، سواء في النقل أو السكن أو الفضاءات العمومية أو الخدمات.

جدول (3): أبرز المشاريع المنجزة استعداداً لأولمبياد برشلونة 1992

المجالأهم الإنجازاتالأثر بعد الألعاب
الطرق والنقلإنشاء الطريقين الدائريين بطول نحو 35 كم (49.5 كم مع الامتدادات)تخفيف الازدحام وتحسين الربط الحضري
الواجهة البحريةاستصلاح 5 كم من الشواطئ وإنشاء الميناء الأولمبيتحويل البحر إلى واجهة حضرية وسياحية
الإسكاننحو 4500 وحدة سكنية جديدة، منها 2500 بالقرية الأولمبيةإعادة استخدام المساكن بعد الألعاب
المطارتوسعة وتحديث المرافقرفع القدرة على استقبال المسافرين
الميناءتحديث البنية والخدمات اللوجستيةتعزيز التجارة والأنشطة البحرية
الفضاءات الخضراءأكثر من 110 هكتارات من الحدائقتحسين جودة الحياة والبيئة الحضرية
الاستثمار83% من الإنفاق خُصص للبنية التحتية والتجديد الحضريإرث تنموي طويل الأمد

المصادر: اللجنة الدولية للأولمبياد، Metropolis، Port de Barcelona، El País، وتقارير البنية التحتية لمدينة برشلونة.

2.1.4 هل حققت هذه الاستثمارات عائداً تنموياً؟ قراءة في النتائج الاقتصادية والاجتماعية بعد 1992

يصعب قياس نجاح حدث رياضي عالمي بعدد الميداليات، أو بجودة التنظيم، أو بحفل الافتتاح، لأن هذه المؤشرات تنتهي بانتهاء المنافسات. أما المعيار الحقيقي، فهو قدرة الاستثمارات المنجزة على الاستمرار في إنتاج قيمة اقتصادية واجتماعية بعد سنوات من إسدال الستار على الحدث.

ومن هذه الزاوية، تُعد تجربة برشلونة واحدة من أكثر التجارب التي خضعت للدراسة في الأدبيات الاقتصادية والتخطيط الحضري. ورغم اختلاف التقديرات بشأن حجم الأثر الاقتصادي المباشر للألعاب، فإن أغلب الدراسات تتفق على أن التحول الحقيقي لم يكن في الحدث نفسه، بل في المكانة الجديدة التي اكتسبتها المدينة على الخريطة العالمية، وفي التحسن المستدام الذي عرفته بنيتها التحتية واقتصادها الحضري.

أولاً: تحول جذري في القطاع السياحي

كان قطاع السياحة أكبر المستفيدين من الإرث الأولمبي. فقبل الألعاب، كانت برشلونة تُعرف أساساً كمدينة صناعية وميناء تجاري، ولم تكن تُصنف ضمن أهم الوجهات السياحية الأوروبية. أما بعد 1992، فقد أصبحت المدينة واحدة من أبرز المقاصد السياحية في العالم. وتشير البيانات إلى أن عدد السياح الذين يقضون ليلة واحدة على الأقل ارتفع من نحو 1.7 مليون سائح سنة 1990 إلى ما يقارب 10 ملايين سائح قبل جائحة كوفيد-19، كما تغيرت طبيعة الطلب السياحي، إذ أصبحت الرحلات الترفيهية والثقافية تمثل الحصة الأكبر بعد أن كانت رحلات الأعمال هي السائدة قبل الألعاب. ولم يقتصر التحول على عدد الزوار، بل شمل أيضاً الطاقة الإيوائية؛ فقد ارتفع عدد الأسرة الفندقية بنحو 35% بعد الألعاب، كما تجاوزت نسبة إشغال الفنادق 80% خلال السنوات اللاحقة، وهو ما عزز مكانة برشلونة كوجهة للمؤتمرات والمعارض والسياحة الدولية.

ثانياً: تعزيز الجاذبية الاقتصادية

ساعدت مشاريع البنية التحتية، وتحديث الميناء والمطار، وتحسين جودة الفضاءات الحضرية، على رفع القدرة التنافسية للمدينة في جذب الاستثمارات والأنشطة الاقتصادية. كما أصبحت برشلونة خلال العقد التالي مركزاً أوروبياً مهماً للمؤتمرات الدولية، حيث تضاعف عدد المؤتمرات والفعاليات الاقتصادية عدة مرات مقارنة بما كان عليه قبل الألعاب.

ميناء برشلونة

وفي سوق الشغل، أسهمت الأشغال المرتبطة بالألعاب في خلق عشرات الآلاف من فرص العمل المؤقتة خلال مرحلة البناء، بينما ساعدت دينامية الاقتصاد الخدمي والسياحي لاحقاً في توفير فرص عمل دائمة، خاصة في قطاعات السياحة والخدمات والنقل. وتشير بعض التقديرات إلى أن الإرث الاقتصادي للألعاب ساهم في استدامة نحو 20 ألف وظيفة بعد انتهاء الحدث.

ثالثاً: تحسن الصورة الدولية للمدينة

من أصعب المكاسب قياساً، وأكثرها أهمية، التحول الذي عرفته صورة برشلونة في الخارج. فقد انتقلت المدينة من كونها مركزاً صناعياً متوسط الحضور الدولي إلى علامة حضرية عالمية ترتبط بالثقافة، والهندسة المعمارية، والابتكار، والسياحة، وجودة الحياة. ولم يكن هذا التحول نتيجة حملة ترويجية قصيرة، بل ثمرة استثمارات مادية صاحبتها استراتيجية طويلة الأمد لتسويق المدينة وجذب الاستثمارات والزوار. ولهذا ظل تأثير الألعاب يتجاوز بكثير الأسابيع الستة عشر التي استغرقتها المنافسات، واستمر لعقود بعد انتهائها.

جدول (4): أبرز النتائج الاقتصادية والاجتماعية لإرث برشلونة الأولمبي

المؤشرقبل الألعاببعد الألعاب
السياح المقيمون ليلة واحدةنحو 1.7 مليون (1990)قرابة 10 ملايين قبل الجائحة
الطاقة الفندقيةالأساس قبل 1992زيادة بنحو 35%
إشغال الفنادقنحو 70%أكثر من 80%
المؤتمرات الدوليةنشاط محدودتضاعف عدة مرات خلال العقد التالي
صورة المدينةمدينة صناعية متوسطيةمدينة عالمية للسياحة والاستثمار
فرص العملمرتبطة بالصناعة أساساًتوسع قطاع الخدمات والسياحة واستدامة آلاف الوظائف

لكن…ورغم هذه النتائج الإيجابية، فإن نجاح برشلونة لم يكن خالياً من الآثار الجانبية. فبعد أكثر من عقدين من الألعاب، بدأت المدينة تواجه تحديات جديدة، أبرزها الاكتظاظ السياحي، وارتفاع أسعار العقارات، وضغط السياحة على الخدمات العمومية، وتزايد الاحتجاجات المحلية ضد السياحة المفرطة. وأصبحت السلطات البلدية، منذ سنوات، تبحث عن توازن جديد بين الحفاظ على المكاسب الاقتصادية وحماية جودة حياة السكان. وهذا يقودنا إلى استنتاج مهم: حتى أنجح التجارب ليست مثالية. فبرشلونة نجحت في تحويل الألعاب إلى إرث تنموي، لكنها اضطرت لاحقاً إلى إدارة آثار هذا النجاح نفسه. وهذه ملاحظة بالغة الأهمية بالنسبة للمغرب، لأن التخطيط للإرث لا يقتصر على مرحلة ما قبل الحدث، بل يمتد إلى كيفية إدارة نتائجه بعد انتهائه.

2.1.5 قراءة نقدية في تجربة برشلونة: لماذا نجحت؟ وما حدود هذا النجاح؟

بعد أكثر من ثلاثة عقود على دورة الألعاب الأولمبية لسنة 1992، لا يزال اسم برشلونة يُستحضر في الأدبيات الاقتصادية والتخطيط الحضري بوصفه أحد أنجح النماذج في توظيف حدث رياضي لخدمة التنمية الحضرية. غير أن القراءة العلمية تقتضي التمييز بين النجاح الفعلي والتصور المثالي الذي رُوِّج للتجربة في كثير من الكتابات. فقد حققت برشلونة مكاسب استراتيجية لا جدال فيها، لكنها واجهت في الوقت نفسه تحديات لم تكن كلها متوقعة عند إطلاق المشروع.

أولاً: لماذا نجحت برشلونة؟

يمكن تفسير نجاح برشلونة بعدة عوامل مترابطة، لم يكن أي واحد منها كافياً بمفرده، وإنما أنتجت مجتمعة ما أصبح يعرف بـ “نموذج برشلونة”.

1- مشروع مدينة قبل أن يكون مشروع ألعاب : لم تبدأ برشلونة بالتفكير في الملاعب والمنشآت الرياضية، وإنما بدأت بتحديد الصورة التي تريد أن تكون عليها المدينة بعد عشرين أو ثلاثين سنة. وكانت الألعاب مجرد وسيلة لتسريع تنفيذ هذه الرؤية، وليس غاية مستقلة. ولهذا استمرت المشاريع في خدمة السكان بعد انتهاء المنافسات، وهو ما يفسر استمرار العائد التنموي لعقود.

2- الاستثمار في الأصول المنتجة : لم تُوجَّه معظم الموارد إلى منشآت رياضية محدودة الاستعمال، بل إلى أصول اقتصادية دائمة، مثل الطرق، والميناء، والمطار، وشبكات النقل، والواجهة البحرية، والمجالات الخضراء. وقد ساهمت هذه الأصول في رفع إنتاجية الاقتصاد المحلي وتحسين جاذبية المدينة للاستثمار والسياحة.

3- الحكامة والتنسيق المؤسساتي : تميزت التجربة بدرجة عالية من الانسجام بين بلدية برشلونة، والحكومة الإسبانية، وحكومة إقليم كتالونيا، مع إشراك القطاع الخاص في تنفيذ عدد من المشاريع. وقد قلل هذا التنسيق من التعثرات الإدارية، وساعد على احترام الآجال الزمنية والميزانيات في معظم المشاريع.

4- الاستمرارية السياسية : رغم تغير الحكومات، ظل المشروع يحظى بإجماع سياسي واسع، ولم يتحول إلى موضوع صراع حزبي. وقد وفر هذا الاستقرار بيئة مناسبة لاتخاذ قرارات استثمارية تمتد آثارها إلى ما بعد انتهاء الولاية الانتخابية.

ثانياً: ما حدود هذا النجاح؟

ورغم النتائج الإيجابية، فإن التجربة لم تكن خالية من الاختلالات، وهو ما تؤكده دراسات حديثة صدرت بعد مرور أكثر من ثلاثين سنة على الألعاب.

1- تضخم النشاط السياحي

أصبحت برشلونة إحدى أكثر المدن الأوروبية استقبالاً للسياح، وهو ما وفر دخلاً اقتصادياً كبيراً، لكنه أدى أيضاً إلى ضغط متزايد على البنيات التحتية والخدمات العمومية، وإلى ارتفاع كثافة الزوار في الأحياء التاريخية، الأمر الذي أثار احتجاجات متكررة من السكان المحليين.

2- ارتفاع أسعار العقارات

ساهمت جاذبية المدينة في رفع أسعار الأراضي والسكن بشكل متواصل، خاصة في المناطق التي شهدت عمليات التجديد الحضري. وقد أدى ذلك إلى صعوبة ولوج عدد من الأسر متوسطة الدخل إلى سوق السكن، وإلى انتقال جزء من السكان نحو الضواحي الأقل كلفة.

3- مخاطر الاعتماد المفرط على السياحة

أظهرت جائحة كوفيد-19 هشاشة الاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على النشاط السياحي. فقد تعرض اقتصاد برشلونة لانكماش ملحوظ خلال فترة توقف السفر الدولي، وهو ما أعاد النقاش حول ضرورة تنويع القاعدة الاقتصادية وعدم الاعتماد على قطاع واحد مهما بلغت أهميته.

4- استمرار بعض الفوارق المجالية

ورغم التحسن الكبير الذي عرفته المدينة، فإن بعض الدراسات تشير إلى أن جميع الأحياء لم تستفد بالدرجة نفسها من دينامية التجديد الحضري، وأن جزءاً من الفوارق الاجتماعية والمجالية ظل قائماً، وإن كان أقل حدة مما كان عليه قبل الألعاب.

جدول (5): حصيلة نقدية لتجربة برشلونة

عناصر النجاحالتحديات اللاحقة
رؤية استراتيجية بعيدة المدىالاكتظاظ السياحي
تحديث شامل للبنية التحتيةارتفاع أسعار السكن
تحسين صورة المدينة عالمياًضغط على الخدمات العمومية
نمو السياحة والاستثمارالاعتماد النسبي على الاقتصاد السياحي
تحسين جودة الفضاء الحضرياستمرار بعض الفوارق بين الأحياء

قراءة تحليلية

تكشف تجربة برشلونة أن النجاح لا يعني غياب المشكلات، بل يعني أن المكاسب التي تحققت كانت أكبر من الكلفة التي تحملتها المدينة، وأن السلطات امتلكت القدرة على تدبير التحديات الجديدة كلما ظهرت. فالتخطيط الاستراتيجي لا يلغي المخاطر، وإنما يجعلها قابلة للإدارة والتصحيح. ومن زاوية أخرى، تؤكد التجربة أن الإرث التنموي لا يتحدد يوم افتتاح الحدث الرياضي، بل يُقاس بعد عشر سنوات أو عشرين سنة من انتهائه. ولذلك فإن الحكم على أي مشروع رياضي كبير ينبغي أن ينطلق من أثره على الاقتصاد، وجودة الحياة، والاستثمار، والقدرة التنافسية، وليس من نجاح حفل الافتتاح أو عدد المباريات التي احتضنها.

خلاصة تحليلية
ليست أفضل المدن هي التي تنجح في تنظيم حدث عالمي، بل تلك التي تجعل الحدث مرحلة في مسار تنموي طويل.
خلاصة مستمدة من القراءة النقدية لتجربة برشلونة في توظيف الألعاب الأولمبية لخدمة التحول الحضري والتنمية طويلة الأمد.

2.1.6 ماذا يمكن أن يتعلم المغرب من تجربة برشلونة؟

لا تعني الاستفادة من تجربة برشلونة نقل نموذجها بحذافيره إلى المغرب، فلكل بلد بنيته الاقتصادية والمؤسساتية والمجالية الخاصة. لكن هذه التجربة تقدم مبادئ عملية يمكن الاستناد إليها عند تقييم مشاريع كأس العالم 2030: هل صُممت أساساً لخدمة الحدث، أم أُدرج الحدث داخل رؤية أوسع لخدمة البلاد والمدن والسكان؟

1- الانطلاق من مشروع تنموي لا من لائحة منشآت

أهم درس تقدمه برشلونة هو أن نجاح الحدث بدأ قبل تشييد الملاعب. فقد حُددت أولاً المشكلات التي تحتاج المدينة إلى حلها: ضعف الربط بين أحيائها، تدهور مناطقها الصناعية، انفصالها عن واجهتها البحرية، والحاجة إلى تحديث بنيتها الاقتصادية. ثم استُعملت الألعاب لتسريع مشاريع تجيب عن هذه الحاجات. وعليه، لا ينبغي أن يُختزل التحضير لمونديال 2030 في تحديد عدد الملاعب، والفنادق، والطرق اللازمة لاستقبال المباريات، بل يتعين أن ينطلق من سؤال أكثر استدامة: ما المشكلات البنيوية التي يستطيع هذا الاستثمار أن يعالجها في المغرب؟ وقد تكون الأولوية، بحسب كل مجال، للنقل الحضري، أو الماء، أو تأهيل الأحياء، أو تحسين الولوج إلى الخدمات، أو تقليص الفوارق بين المدن.

2- إعطاء الأولوية للأصول التي يستعملها السكان بعد الحدث

تكمن قوة برشلونة في أن جزءاً كبيراً من تدخلاتها مسّ شبكات النقل، والواجهة البحرية، والفضاءات العمومية، والسكن، وإعادة تأهيل المناطق الصناعية. ولهذا استمر استعمال الأصول بعد انتهاء الألعاب، ولم تتحول إلى منشآت معزولة عن الحياة اليومية للمدينة. وتُبرز منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أن تقييم الأحداث العالمية يجب أن يشمل دورة حياتها كاملة، وأن يوازن بين الإرث الاقتصادي والاجتماعي والعمراني والبيئي، لا أن يقتصر على نجاح التنظيم. والقاعدة التي يمكن اعتمادها في المغرب واضحة: كل درهم يُستثمر ينبغي أن يُقيَّم بقدرته على إنتاج خدمة أو قيمة بعد سنة 2030. فالطريق الذي يربط الأحياء ومناطق النشاط، ومحطة القطار التي تخدم التنقل اليومي، والمطار الذي يعزز الربط الاقتصادي، أصول تختلف في مردودها طويل الأمد عن منشأة لا تستعمل إلا في مناسبات محدودة.

3- ربط المشاريع بالمجال الحضري بدل إنشاء جزر منفصلة

لم تُبن منشآت برشلونة في موقع واحد بعيد عن المدينة، بل وُزعت على مناطق متعددة، وربطت بتدخلات في الطرق والسكك والفضاءات العمومية والواجهة البحرية. وتوضح وثائق بلدية برشلونة أن التخطيط شمل أربع مناطق أولمبية مرتبطة بإعادة تشكيل شبكة المدينة، في حين ارتبط مشروع القرية الأولمبية بإعادة تأهيل بوبلينو وإزالة حواجز السكك الحديدية وتطوير الشواطئ والميناء والحدائق. ويعني ذلك بالنسبة للمغرب أن اختيار مواقع الملاعب والمحطات والمرافق لا ينبغي أن يخضع فقط لتوافر العقار أو سهولة الإنجاز، بل لمدى اندماج المشروع في تخطيط المدينة، وقدرته على تحسين تنقل السكان وفتح مناطق جديدة للاستثمار والسكن والخدمات دون إنتاج توسع عمراني غير منظم.

4- بناء حكامة موحدة مع توزيع واضح للمسؤوليات

أظهرت برشلونة أهمية وجود مؤسسات مخصصة للإنجاز، مع تنسيق بين البلدية والحكومة المركزية والسلطات الإقليمية والقطاع الخاص. وتكشف محفوظات بلدية برشلونة تعدد الشركات والهيئات التي تولت المجالات الأولمبية والقرية الأولمبية والتطوير الحضري، ضمن إطار مؤسساتي مشترك حفظ وثائقه وتابع تنفيذ برامجه. أما في الحالة المغربية، فإن تعدد المتدخلين في الملاعب والمطارات والطرق والسكك والسكن والسياحة يفرض تحديداً دقيقاً للجهة المسؤولة عن كل مشروع، ومصدر تمويله، وآجال إنجازه، وكيفية تشغيله بعد المونديال. فوضوح المسؤولية لا يقل أهمية عن توفير التمويل؛ لأن غموضها يفتح الباب أمام التأخر، وتداخل الاختصاصات، وصعوبة المحاسبة.

5- إدماج مرحلة ما بعد 2030 في التصميم والتمويل منذ البداية

لم تنته رؤية برشلونة بانتهاء الألعاب. فقد استمرت برامج التخطيط الحضري والاجتماعي والاقتصادي بعد سنة 1992، ويظهر البرنامج البلدي للفترة 1992–1995 أن المدينة انتقلت مباشرة من مرحلة الإنجاز الأولمبي إلى مرحلة دمج المكتسبات ضمن سياسات النقل والسكن والتأهيل الحضري والتعليم والثقافة والخدمات الاجتماعية. لذلك ينبغي لكل مشروع مغربي مرتبط بالمونديال أن يتضمن، قبل انطلاق الأشغال، خطة واضحة لما بعد الحدث: الجهة التي ستشغله، كلفة الصيانة السنوية، مصادر الإيرادات، المستفيدون الدائمون منه، وإمكان تعديل استعماله عند الحاجة. فالإرث لا يبدأ بعد البطولة، بل يبدأ يوم اتخاذ قرار الاستثمار.

6- وصل التحول العمراني باستراتيجية اقتصادية جديدة

لم يقتصر أثر برشلونة على تحسين شكل المدينة، بل ارتبط بإعادة تحديد موقعها الاقتصادي، من مركز صناعي متراجع إلى مدينة أكثر انفتاحاً على السياحة والخدمات والابتكار وريادة الأعمال. وتربط منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بين استضافة ألعاب 1992، وإنشاء وكالة Barcelona Activa سنة 1986، والاستثمارات الاستراتيجية في النقل والبنية التحتية، ثم تطوير بوبلينو ((Poblenou)) لاحقاً بوصفه مجالاً للأنشطة الإبداعية والابتكارية.

حي بوبلينو ((Poblenou)) : المصانع والمداخن القديمة في جانب، والمكاتب الحديثة والفضاءات الخضراء والأنشطة الإبداعية في الجانب الآخر.

ومن ثم، لا يكفي أن تحسن مشاريع 2030 صورة المدن المغربية؛ بل ينبغي أن ترتبط باستراتيجيات اقتصادية محددة: مناطق أعمال قرب محاور النقل، منصات لوجستية، أحياء للابتكار، دعم المقاولات المحلية، وتكوينات تستجيب للوظائف التي ستنشأ. وإلا بقي التحول عمرانياً دون أن يتحول إلى إنتاج ودخل وفرص عمل مستدامة.

7- حماية التوازن الاجتماعي والمجالي

أثبتت تجربة برشلونة أن النجاح العمراني والسياحي قد يولد ضغوطاً جديدة، من بينها ارتفاع أسعار السكن، وتحول بعض الأحياء، وتزايد الاعتماد على السياحة. ولهذا لا ينبغي النظر إلى ارتفاع قيمة العقار أو أعداد الزوار باعتباره مكسباً خالصاً؛ إذ قد تستفيد منه فئات ومناطق أكثر من غيرها. ويقتضي ذلك في المغرب مصاحبة المشاريع بسياسات للسكن والنقل والتكوين ودعم الأنشطة الصغيرة، مع قياس توزيع المنافع بين الأحياء والمدن والفئات الاجتماعية. فالمشروع الذي يرفع جاذبية منطقة لكنه يدفع سكانها إلى مغادرتها يحتاج إلى قراءة تختلف عن مشروع يحسن ظروف عيشهم ويمنحهم فرصاً اقتصادية جديدة.

8- قياس الإرث بمؤشرات منشورة وقابلة للمراجعة

تؤكد منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أن قياس آثار الأحداث الكبرى يظل معقداً، وأنه ينبغي أن يغطي المراحل السابقة للحدث ومرحلة الإنجاز والتشغيل والتقييم اللاحق. كما تشدد على أن لهذه الأحداث آثاراً إيجابية وسلبية تختلف باختلاف الفئات والمجالات. ومن ثم، يحتاج المغرب إلى لوحة قيادة عمومية تتضمن، بالنسبة إلى كل مشروع، الكلفة الأصلية والكلفة المحينة، ونسبة التقدم، ومصادر التمويل، والوظائف المنشأة، ونسبة المشتريات المحلية، وعدد المستفيدين بعد 2030، وكلفة التشغيل والصيانة، والأثر البيئي والاجتماعي. فالإعلان عن الإنجاز لا يعوض تقييم مردوديته، والشفافية ليست مجرد مطلب أخلاقي، بل أداة لتصحيح الاختلالات قبل أن تصبح مكلفة.

ماذا يمكن أن يتعلم المغرب؟

تقدم برشلونة للمغرب درساً مركزياً: قيمة كأس العالم لا تتحدد بحجم ما سيُبنى قبل 2030، بل بنوعية ما سيبقى مفيداً بعده. ولن يتحقق ذلك إلا إذا رُبطت الاستثمارات بحاجات المدن والسكان، وأُعطيت الأولوية للأصول المنتجة، ووُضعت لكل مشروع حكامة واضحة وخطة تشغيل وتمويل وتقييم تمتد إلى ما بعد البطولة. ولا تعني هذه الخلاصة تقليص الاستثمار في المنشآت الضرورية للحدث، بل وضعها داخل توازن أوسع. فالملعب عنصر من المشروع، وليس المشروع كله؛ والمطار وسيلة للربط الاقتصادي، وليس مجرد بوابة لاستقبال الزوار؛ والطريق ينبغي أن يحل مشكلة تنقل يومية، لا أن يؤدي وظيفة مؤقتة؛ أما العائد الحقيقي، فيُقاس بما تضيفه هذه الأصول إلى الإنتاجية وجودة الحياة والعدالة المجالية. وبذلك، لا يكون السؤال الحاسم هو: هل سينجح المغرب في تنظيم كأس العالم؟ فالمؤشرات المتاحة قد تجعل النجاح التنظيمي هدفاً قابلاً للتحقق. وإنما السؤال الأبعد أثراً هو:

هل يستطيع المغرب أن يجعل سنة 2030 محطة لتسريع تحول تنموي كان يحتاج إليه أصلاً، وأن يضمن استمرار منافعه بعد انتهاء آخر مباراة؟

الخلاصة
وهكذا، لم يكن نجاح برشلونة نتاج الألعاب الأولمبية في حد ذاتها، بل نتاج الطريقة التي استُخدمت بها الألعاب لتسريع مشروع حضري وتنموي كان قائماً قبلها وسيستمر بعدها. ولعل هذا هو الدرس الأبرز الذي تمنحه هذه التجربة لكل دولة تراهن على حدث عالمي بوصفه وسيلة للتنمية، لا غاية في حد ذاته.

2.2 جنوب إفريقيا 2010: بين النجاح التنظيمي وتعثر الإرث التنموي

2.2.1 السياق قبل كأس العالم

شكّل تنظيم كأس العالم لكرة القدم سنة 2010 محطة تاريخية لجنوب إفريقيا، إذ كانت أول دولة إفريقية تنجح في استضافة أكبر تظاهرة رياضية عالمية. ولم يكن هذا الاختيار مجرد قرار رياضي، بل حمل أبعاداً سياسية ورمزية عميقة، ارتبطت بمكانة البلاد بعد انتهاء نظام الفصل العنصري سنة 1994، وبسعيها إلى ترسيخ صورتها بوصفها دولة ديمقراطية صاعدة وقادرة على قيادة القارة الإفريقية. فخلال العقدين اللذين سبقا المونديال، حققت جنوب إفريقيا تقدماً ملحوظاً في بناء مؤسساتها السياسية وإعادة إدماجها في الاقتصاد العالمي، غير أن هذا التحول لم ينجح في إزالة عدد من الاختلالات البنيوية التي ظلت تؤثر في مسار التنمية. فقد بقيت معدلات البطالة مرتفعة، واستمرت الفوارق الاجتماعية والمجالية من بين الأعلى عالمياً، كما واجهت المدن الكبرى تحديات متزايدة تتعلق بالإسكان، والنقل، والخدمات الأساسية، والأمن الحضري.

وفي هذا السياق، رأت الحكومة الجنوب إفريقية في كأس العالم فرصة استثنائية لتسريع الاستثمار العمومي، وتحسين البنية التحتية، وتعزيز جاذبية البلاد للاستثمار والسياحة، وإبراز قدرتها على تنظيم حدث عالمي وفق أعلى المعايير الدولية. ولم يكن الهدف المعلن يقتصر على إنجاح البطولة، بل كان يقوم على تحويلها إلى رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وإلى وسيلة لتعزيز الثقة الداخلية، وترسيخ صورة جديدة لإفريقيا على الساحة الدولية. وقد ارتكز الخطاب الرسمي آنذاك على فكرة أن المونديال سيخلّف إرثاً دائماً يتمثل في تحديث شبكات النقل، وتطوير المطارات، وتجديد عدد من المدن، وخلق فرص للشغل، وزيادة التدفقات السياحية، بما يجعل الاستثمارات المنجزة تتجاوز بكثير حدود الأسابيع التي استغرقتها المنافسات. غير أن التجربة الجنوب إفريقية ستكشف لاحقاً أن نجاح التنظيم لا يعني بالضرورة نجاح الإرث التنموي، وأن تحقيق المكاسب طويلة الأمد يتطلب شروطاً تتجاوز جودة الملاعب وحسن إدارة المباريات، لتشمل طبيعة المشاريع المنجزة، واستدامة تمويلها، وقدرتها على الاستجابة للحاجات الاقتصادية والاجتماعية بعد انتهاء الحدث.

جدول (6): جنوب إفريقيا قبل مونديال 2010

المؤشرالوضع قبل البطولة
السياق السياسيترسيخ الديمقراطية بعد نهاية الفصل العنصري
الهدف الاستراتيجيتحسين صورة البلاد وتعزيز مكانتها الإفريقية والدولية
أبرز التحدياتالبطالة، الفوارق الاجتماعية، ضعف بعض البنيات الحضرية
الرهان الحكوميجعل كأس العالم محركاً للتنمية والاستثمار
الرسالة الدوليةإثبات قدرة إفريقيا على تنظيم أكبر حدث رياضي عالمي

2.2.2 الرؤية الاستراتيجية والاستثمارات المرتبطة بمونديال 2010

لم تنظر جنوب إفريقيا إلى استضافة كأس العالم 2010 بوصفها حدثاً رياضياً عابراً، بل قدّمتها باعتبارها أداة لتسريع برامج التنمية وتحديث البنية التحتية وتحسين صورة البلاد في الخارج. وربطت الحكومة هذا الرهان بمبادرة النمو المتسارع والمشترك AsgiSA (Accelerated and Shared Growth Initiative for South Africa)، التي استهدفت رفع وتيرة النمو، وتقليص الفقر والبطالة، وتوسيع استفادة الفئات التي همّشتها سياسات الفصل العنصري من الفرص الاقتصادية. وهكذا جمعت الرؤية الرسمية بين نجاح التنظيم وتحقيق أهداف أوسع، شملت تحديث النقل العمومي، وتنمية السياحة، وخلق فرص الشغل، وتطوير المهارات، وتعزيز الاعتزاز الوطني، وتقديم جنوب إفريقيا بوصفها بوابة للقارة الإفريقية.

وترجمت هذه الرؤية إلى برنامج واسع من الاستثمارات. ففي فبراير 2008، بلغت مساهمة الحكومة الوطنية المعلنة في المشاريع المرتبطة بالمونديال نحو 28 مليار راند جنوب إفريقي (ما يعادل آنذاك نحو 3.4 مليارات دولار أمريكي)، منها قرابة 9.84 مليارات راند (نحو 1.19 مليار دولار) لبناء الملاعب وتهيئة محيطها، و11.73 مليار راند (نحو 1.42 مليار دولار) لتطوير قطاع النقل. ثم ارتفع إجمالي التمويل الحكومي المخصص للبطولة، وفق ميزانية 2010، إلى نحو 33 مليار راند (نحو 4.5 مليارات دولار). وشملت الأشغال بناء ملاعب جديدة وتحديث أخرى، وتطوير الطرق والسكك الحديدية والمحطات والمطارات، وإطلاق شبكات الحافلات ذات الخدمة السريعة، إلى جانب تحسين الاتصالات والمنافذ الحدودية والتجهيزات الأمنية. كما خُصص للنقل العمومي، في مرحلة متقدمة من الاستعدادات، نحو 13.6 مليار راند (ما يقارب 1.65 مليار دولار)، استُعمل جزء منها لاقتناء 1500 حافلة إضافية وتجديد أكثر من 2000 عربة قطار، فضلاً عن تحديث مطارات عدة وإنشاء مطار دولي جديد شمال ديربان.

كانت الفكرة الأساسية أن تعمل البطولة محفزاً يسرّع مشاريع كانت البلاد في حاجة إليها أصلاً، وأن تترك أصولاً قابلة للاستعمال بعد انتهاء المنافسات. غير أن هذه الرؤية جمعت منذ البداية بين نوعين مختلفين من الإنفاق: استثمارات ذات منفعة عامة ممتدة، مثل النقل والمطارات، ومنشآت رياضية مرتفعة الكلفة يرتبط مردودها اللاحق بمعدل استعمالها وقدرة المدن على تمويل صيانتها. ومن هنا يبرز السؤال الذي ستعالجه الفقرة التالية: إلى أي حد تحولت هذه الاستثمارات فعلاً إلى عائد تنموي مستدام بعد مونديال 2010؟

2.2.3 هل حققت هذه الاستثمارات عائداً تنموياً مستداماً؟ قراءة في النتائج بعد مونديال 2010

يصعب الحكم على نجاح أي تظاهرة رياضية كبرى من خلال جودة التنظيم وحدها، لأن التنظيم ينتهي بانتهاء المنافسات، بينما يبقى السؤال الحقيقي متعلقاً بما تتركه من آثار اقتصادية واجتماعية وعمرانية في السنوات اللاحقة. ومن هذا المنطلق، تبدو تجربة جنوب إفريقيا أكثر تعقيداً من الصورة الاحتفالية التي رافقت مونديال 2010، إذ جمعت بين نجاح تنظيمي حظي بإشادة دولية واسعة وحصيلة تنموية أكثر تبايناً عند تقييمها على المدى المتوسط والبعيد. فعلى المستوى السياحي، سجلت البطولة نتائج إيجابية خلال سنة 2010. فقد استقبلت البلاد أكثر من 309 ألف سائح أجنبي قدموا خصيصاً لحضور كأس العالم، وأنفقوا ما يزيد على 3.6 مليارات راند، أي ما يعادل نحو 490 مليون دولار أمريكي وفق متوسط سعر الصرف آنذاك. كما ارتفع متوسط إنفاق السائح وازدادت شهرة جنوب إفريقيا كوجهة سياحية، وأظهرت الاستطلاعات أن غالبية الزوار أعربوا عن رضاهم عن تجربتهم واستعدادهم للتوصية بزيارة البلاد.

وفي الجانب المؤسسي، استفادت الدولة من تحديث عدد من البنيات الأساسية التي استمرت في خدمة الاقتصاد بعد البطولة، ولا سيما تطوير المطارات، وتحسين بعض الطرق، وإطلاق أنظمة جديدة للنقل الحضري، وتعزيز البنية الرقمية والأمنية. وقد اعتبرت الحكومة هذه المشاريع جزءاً من الإرث الدائم الذي سيعود بالنفع على الأجيال اللاحقة، وليس مجرد تجهيزات مرتبطة بالمنافسات الرياضية. غير أن هذه المكاسب لم تنعكس بالقدر نفسه على المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت الحكومة تراهن على تحسينها. فقد كانت فرص الشغل التي وفرتها مشاريع البناء في معظمها وظائف مؤقتة انتهت بانتهاء الأشغال، بينما ظل معدل البطالة مرتفعاً خلال السنوات اللاحقة، واستمرت الفوارق الاجتماعية والمجالية التي كانت تمثل أحد أبرز التحديات التنموية في البلاد. كما لم تظهر الأدلة الاقتصادية أن كأس العالم أحدث تحولاً هيكلياً في مسار النمو الاقتصادي أو في معالجة الاختلالات البنيوية لسوق العمل.

أما أكثر الجوانب إثارة للنقاش، فتمثل في مستقبل الملاعب التي شُيدت أو أُعيد بناؤها خصيصاً للمونديال. فقد أظهرت دراسة اقتصادية أُنجزت بعد البطولة انخفاضاً ملحوظاً في معدل استعمال عدد منها مقارنة بفترة المنافسات، ولا سيما في المدن التي لا تتوفر على أندية جماهيرية قادرة على استقطاب أعداد كبيرة من المتفرجين. وأدى ضعف المباريات والفعاليات المدرة للدخل إلى تحميل البلديات جزءاً مهماً من نفقات التشغيل والصيانة، وهو ما جعل بعض هذه المنشآت تُدرج في الأدبيات الاقتصادية ضمن ما يعرف بـ«الفيلة البيضاء» (White Elephants)، أي المشاريع الضخمة التي تتطلب إنفاقاً مستمراً دون أن تحقق عائدات تتناسب مع كلفة إنجازها. وتوضح حالة ملعب موزيس مابيدا في ديربان طبيعة هذا العبء. فعلى الرغم من استمرار استعماله في بعض مباريات الدوري والكؤوس والحفلات والأنشطة السياحية، اضطرت بلدية إيثيكويني سنة 2024 إلى إطلاق برنامج لإعادة تأهيله بكلفة تقارب 390 مليون راند جنوب إفريقي (نحو 21 مليون دولار أمريكي) موزعة على ثلاث سنوات. وشملت الأشغال إصلاح السقف والواجهة والمصاعد والسلالم الكهربائية والمنصة العلوية ومرافق أخرى. ومع ذلك، لا يُعد الملعب مهجوراً؛ فقد احتضن مباريات في الدوري والكؤوس، كما استقطب نهائي كأس MTN8 سنة 2024 أكثر من 60 ألف متفرج. وتكشف هذه الحالة أن وجود فعاليات متفرقة، ولو كانت جماهيرية، لا يضمن بالضرورة تغطية تكاليف الصيانة الدورية والتجديدات الكبرى.

وفي المقابل، يقدم ملعب كيب تاون، المعروف حالياً باسم ملعب DHL، نموذجاً أكثر نجاحاً في مرحلة ما بعد المونديال، بعد تحويله إلى منشأة متعددة الاستعمالات واستقطاب فريق ستورمرز للرغبي ومباريات كرة القدم والحفلات والمعارض والمؤتمرات. وخلال السنة المالية 2024–2025، احتضن الملعب 129 فعالية، منها 45 فعالية داخل مدرجاته الرئيسية: 22 مباراة للرغبي، و14 مباراة لكرة القدم، وتسع حفلات وفعاليات ترفيهية. واستقبل في المجموع نحو 1.06 مليون متفرج ومشارك، من بينهم قرابة 740 ألفاً في الفعاليات الكبرى داخل الملعب، كما جذبت ثلاث حفلات موسيقية وحدها أكثر من 103 آلاف شخص.

غير أن هذا التحسن التشغيلي لم يحقق بعد استقلالاً مالياً كاملاً؛ إذ بلغت نفقات الجهة المدبرة للملعب في السنة نفسها نحو 99.7 مليون راند (نحو 5.5 ملايين دولار)، بينما شملت إيراداتها مساهمة من مدينة كيب تاون قدرها نحو 19.5 مليون راند (نحو 1.1 مليون دولار)، إضافة إلى خدمات عينية قُدرت بنحو 10.1 ملايين راند (نحو 560 ألف دولار). وهذا يعني أن ارتفاع عدد الفعاليات حسّن مردودية المنشأة، لكنه لم يُلغِ تماماً الحاجة إلى الدعم العمومي. وتؤكد المقارنة أن إرث الملاعب لم يكن واحداً في جميع المدن: فنجاح المنشأة بعد المونديال ارتبط بوجود مستعمل رياضي دائم، وحجم السوق الجماهيرية المحلية، وإمكانية استضافة الحفلات والمعارض، وتنوع مصادر الدخل، وجودة الإدارة التجارية. أما الملاعب التي افتقرت إلى هذه الشروط، فقد بقيت أكثر عرضة لضعف الاستعمال وتحول تكاليفها إلى التزام طويل الأمد على ميزانيات البلديات.

ملعب كيب تاون، أحد أبرز الملاعب التي واجهت تحديات الاستغلال بعد مونديال 2010

ومع ذلك، سيكون من غير المنصف اختزال التجربة الجنوب إفريقية في هذه الصورة وحدها. فقد واصلت استثمارات النقل والمطارات أداء وظائفها داخل الاقتصاد الوطني بعد انتهاء البطولة، وأسهمت في تحسين الربط بين المدن وتحديث بعض الخدمات العمومية. ويقدم قطار غاوترين (Gautrain) مثالاً واضحاً؛ إذ يربط جوهانسبرغ وبريتوريا ومطار أور تامبو الدولي، وسجل خلال السنة المالية 2024–2025 نحو 7.86 ملايين رحلة بالقطار، إضافة إلى نحو 2.38 مليون رحلة عبر حافلات الربط التابعة له. كما بلغ معدل جاهزية خدمة القطارات 99.51%، ونسبة احترام المواعيد 97.57%، وهي مؤشرات تؤكد أن المشروع تحول إلى مرفق نقل دائم، وإن ظل محتاجاً إلى دعم عمومي ولم يستعد بعد مستوى الإقبال المسجل قبل جائحة كوفيد-19. التقرير السنوي لهيئة غاوترين 2024–2025

وتظهر الاستفادة المستمرة أيضاً في قطاع المطارات. فمطار أور تامبو الدولي، الذي خضع لتوسعات كبيرة قبل المونديال، يستقبل حالياً أكثر من 21 مليون مسافر سنوياً، بينما سجل مطار كيب تاون الدولي نحو 5.4 ملايين مسافر مغادر خلال السنة المالية 2024–2025، وسجل مطار الملك شاكا الدولي، الذي افتُتح شمال ديربان قبيل البطولة، نحو 2.82 مليون مسافر مغادر وأكثر من 27 ألف حركة وصول للطائرات. كما تُستثمر المنطقة المحيطة بمطار الملك شاكا ضمن مشروع Dube TradePort لتطوير الخدمات اللوجستية والعقارية والتجارية، بما يوسع وظيفة المطار إلى ما يتجاوز نقل مشجعي البطولة أو السياح. شركة مطارات جنوب إفريقيا

ولذلك، فإن الإرث الذي خلفه مونديال 2010 لم يكن فشلاً كاملاً ولا نجاحاً كاملاً، بل جاء متفاوتاً بين القطاعات. فقد حققت الاستثمارات المرتبطة بالنقل والمطارات والبنية التحتية العامة منافع مستمرة وقابلة للقياس، بينما واجهت بعض المنشآت الرياضية صعوبات في الاستعمال المنتظم والاستدامة المالية. ومن هنا تكشف تجربة جنوب إفريقيا أن نوعية المشروع ووظيفته بعد انتهاء الحدث لا تقلان أهمية عن جودة إنجازه قبل انطلاقه. فالاستثمار الذي يندمج في حركة السكان والاقتصاد، ويحتفظ بطلب يومي أو منتظم على خدماته، يتحول إلى أصل تنموي منتج؛ أما المشروع الذي تتراجع وظيفته بانتهاء المنافسات، فقد يتحول تدريجياً إلى عبء على الميزانيات العمومية.

جدول (8): حصيلة أولية للإرث التنموي لمونديال جنوب إفريقيا 2010

المجالحصيلة الإرث بعد البطولة
السياحةاستقبلت جنوب إفريقيا أكثر من 309 آلاف سائح أجنبي إضافي خلال البطولة، وبلغ إنفاق الزوار نحو 3.6 مليارات راند (قرابة 490 مليون دولار آنذاك). وأسهم الحدث في تعزيز صورة البلاد دولياً، غير أن أثره السياحي الطويل الأمد يصعب فصله عن عوامل أخرى.
النقل والمطاراتتحولت منشآت عدة إلى أصول دائمة. فسجل قطار غاوترين خلال 2024–2025 نحو 7.86 ملايين رحلة بالقطار و2.38 مليون رحلة بالحافلات. ويستقبل مطار أور تامبو أكثر من 21 مليون مسافر سنوياً، بينما واصل مطارا كيب تاون والملك شاكا خدمة ملايين المسافرين.
التشغيلأسهمت الاستعدادات في خلق نحو 130 ألف فرصة عمل، منها أكثر من 20 ألفاً ارتبطت ببناء الملاعب، لكن معظمها كان مؤقتاً. وبلغت البطالة الرسمية 25% في الربع الأول من 2011، مقابل 25.2% في الفترة نفسها من 2010، مما يؤكد محدودية الأثر الدائم في سوق الشغل.
الملاعبتفاوت الإرث بين المنشآت. فقد احتضن ملعب كيب تاون 129 فعالية واستقبل نحو 1.06 مليون شخص خلال 2024–2025، لكنه ظل يستفيد من دعم عمومي. وفي المقابل، أُطلق برنامج لإعادة تأهيل ملعب موزيس مابيدا بكلفة تقارب 390 مليون راند، رغم استمرار استضافته بعض المباريات والحفلات الكبرى.
الاقتصاد والخدمات الاجتماعيةحسّنت استثمارات النقل والمطارات بعض الخدمات والربط الحضري، لكنها لم تُحدث تحولاً هيكلياً واضحاً في النمو أو التشغيل. كما تزامن إنفاق نحو 9.84 مليارات راند على الملاعب ومحيطها مع عجز سكني قُدّر سنة 2010 بنحو 2.1 مليون وحدة.
الإرث العامإرث متفاوت لا يمكن وصفه بالنجاح الكامل أو الفشل الكامل: منافع مستمرة وقابلة للقياس في النقل والمطارات، مقابل وظائف مؤقتة وأعباء تشغيل وصيانة في بعض الملاعب. وكان العامل الحاسم هو قدرة كل مشروع على الاحتفاظ بوظيفة اقتصادية واجتماعية بعد انتهاء البطولة.

2.2.4 قراءة نقدية في تجربة جنوب إفريقيا: لماذا تعثر جزء من الإرث التنموي؟

تكشف تجربة جنوب إفريقيا أن نجاح تنظيم حدث عالمي لا يضمن تلقائياً نجاح الإرث التنموي الذي يُفترض أن يخلفه. فقد أجمعت التقارير الدولية على أن مونديال 2010 نُظم وفق معايير عالية، وشكّل لحظة تاريخية للقارة الإفريقية، غير أن تقييم التجربة بعد سنوات أظهر أن عدداً من الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المعلنة لم يتحقق بالقدر المأمول. ولا يعود ذلك إلى عامل واحد، بل إلى تفاعل مجموعة من العوامل البنيوية والمؤسساتية.

أول هذه العوامل يتمثل في ضعف استدامة بعض المنشآت الرياضية. فقد بُنيت عدة ملاعب وفق مواصفات عالمية لاستضافة البطولة، لكنها كانت توجد في مدن لا تتوفر على أندية محترفة ذات قاعدة جماهيرية كبيرة، ولا على برنامج منتظم من التظاهرات الرياضية أو الثقافية القادر على ضمان استغلالها بعد انتهاء المنافسات. ونتيجة لذلك، أصبحت بعض هذه الملاعب تتطلب اعتمادات مالية سنوية مرتفعة للصيانة والتشغيل، في مقابل إيرادات محدودة، وهو ما جعلها تُصنف ضمن ما يعرف في الأدبيات الاقتصادية بمشروعات «الفيلة البيضاء».

وثاني هذه العوامل يرتبط بطبيعة سوق الشغل. فقد أسهمت الاستعدادات للمونديال في خلق نحو 130 ألف فرصة عمل في قطاعات البناء والطرق والنقل والضيافة، منها أكثر من 20 ألف فرصة ارتبطت مباشرة ببناء الملاعب. غير أن معظم هذه الفرص تركزت في السنوات السابقة للبطولة، وكانت في جانب كبير منها مؤقتة أو محدودة المدة. وبعد انتهاء الأشغال، فقد قطاع البناء وحده نحو 25 ألف وظيفة بين الربع الأخير من سنة 2010 والربع الأول من سنة 2011، كما خلص تقرير رسمي لوزارة العمل إلى أن قسماً مهماً من الوظائف المرتبطة بالمونديال اختفى بعد انتهاء الحدث لافتقاره إلى الاستدامة.

ولذلك لم تُحدث البطولة تحولاً بنيوياً في سوق الشغل. فقد بلغ معدل البطالة الرسمي 25% في الربع الأول من سنة 2011، مقابل 25.2% في الفترة نفسها من سنة 2010؛ أي إن تنظيم المونديال لم يخفض البطالة إلا بنحو 0.2 نقطة مئوية. وكان الوضع أشد صعوبة بالنسبة إلى الشباب؛ إذ بلغت البطالة سنة 2010 نحو 51.2% بين الفئة العمرية من 15 إلى 24 سنة، ونحو 29.3% بين الفئة من 25 إلى 34 سنة. وتكشف هذه الأرقام أن مشاريع البطولة وفرت دفعة تشغيلية مهمة خلال مرحلة الإنجاز، لكنها لم تُواكَب بتوسع كافٍ في الصناعة والخدمات الإنتاجية والقطاعات القادرة على خلق وظائف دائمة.

ويتمثل العامل الثالث في توزيع الإنفاق العمومي ومدى ارتباطه بالحاجات الاجتماعية الملحّة. فقد خُصص نحو 9.84 مليارات راند جنوب إفريقي (نحو 1.19 مليار دولار أمريكي آنذاك) لبناء الملاعب وتهيئة محيطها. وفي المقابل، كانت البلاد تواجه سنة 2010 عجزاً سكنياً قُدّر بنحو 2.1 مليون وحدة سكنية، بما يعني أن قرابة 12 مليون شخص كانوا في حاجة إلى سكن أفضل. وأظهر تعداد 2011، بعد سنة من البطولة، أن 13.6% من الأسر ما تزال تقيم في مساكن غير نظامية، وأن نسبة الأسر التي تتوفر على مراحيض مرتبطة بشبكة الصرف لم تتجاوز نحو 60%.

ولا تعني هذه المقارنة أن الاعتمادات المخصصة للملاعب كان يمكن تحويلها آلياً وبالكامل إلى السكن أو الخدمات الأساسية؛ إذ يخضع كل قطاع لبرامجه وتمويلاته والتزاماته الخاصة. لكنها تُبرز مسألة ترتيب الأولويات والعائد البديل للإنفاق العمومي: فبينما تركت بعض الاستثمارات، ولا سيما شبكات النقل والمطارات، منفعة عامة ممتدة، واجهت ملاعب معينة بعد البطولة ضعف الاستعمال وارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة. ومن ثم لم يكن الإشكال في حجم الاستثمار وحده، بل في تفاوت قدرة المشاريع المنجزة على الاندماج في الاقتصاد المحلي والاستجابة للحاجات اليومية للسكان.

كما أظهرت التجربة أن تحسين صورة الدولة دولياً لا يكفي وحده لاستقطاب استثمارات مستدامة. فقد حظيت جنوب إفريقيا بتغطية إعلامية إيجابية واسعة خلال البطولة، وتعززت مكانتها بوصفها أول دولة إفريقية تنظم كأس العالم، غير أن هذا المكسب الرمزي لم يتحول تلقائياً إلى طفرة اقتصادية طويلة الأمد، لأن جذب الاستثمار يعتمد أيضاً على عوامل أخرى، مثل استقرار بيئة الأعمال، ومستوى النمو، وجودة التعليم، وكفاءة الإدارة، واستمرارية الإصلاحات الاقتصادية. وفي المقابل، لا ينبغي أن يقود هذا التقييم إلى إغفال الجوانب الإيجابية للتجربة. فقد استفادت البلاد من مطارات حديثة، وشبكات نقل أكثر تطوراً، ومنظومات أمن واتصالات متقدمة، وهي استثمارات استمرت في خدمة الاقتصاد الوطني بعد انتهاء البطولة. وهذا يعني أن الإشكال لم يكن في جميع المشاريع، بل في التفاوت الكبير بين المشاريع المنتجة طويلة الأمد والمشاريع التي ارتبطت وظيفتها بالحدث الرياضي نفسه. ومن خلال هذه القراءة، يتضح أن نجاح الإرث التنموي لا يرتبط بحجم الإنفاق أو بعدد المشاريع، وإنما بقدرتها على الاندماج في استراتيجية اقتصادية واجتماعية أوسع، تضمن استمرار استخدامها وإنتاجها للقيمة بعد انتهاء الحدث.

جدول (9): أبرز أسباب تعثر جزء من الإرث التنموي في جنوب إفريقيا

العاملأثره على الإرث التنموي
ضعف استغلال بعض الملاعبارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة مقابل عائد محدود
هيمنة الوظائف المؤقتةانتهاء معظم فرص العمل بانتهاء مشاريع البناء
محدودية الترابط مع الاقتصاد المحليضعف الأثر طويل الأمد على النمو والتشغيل
استمرار الاختلالات الاجتماعيةبقاء البطالة والفوارق المجالية مرتفعة
نجاح غير متوازن للمشاريعاستفادة واضحة من النقل والمطارات، مقابل ضعف مردودية بعض المنشآت الرياضية
خلاصة تحليلية

تكشف تجربة جنوب إفريقيا أن الإرث التنموي لا يُقاس بنجاح البطولة في حد ذاتها، بل بقدرة الاستثمارات المنجزة على خلق قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة بعد انتهاء الحدث. فحين تُصمم المشاريع لتلبية احتياجات ظرفية فقط، يضعف مردودها مع مرور الوقت، أما عندما تكون جزءاً من رؤية تنموية طويلة الأمد، فإنها تتحول إلى أصول منتجة تواصل خدمة الاقتصاد والمجتمع لعقود.

2.2.5 ماذا يمكن أن يتعلم المغرب من تجربة جنوب إفريقيا؟

لا تقدم تجربة جنوب إفريقيا نموذجاً للفشل، كما لا يمكن اعتبارها نموذجاً للنجاح الكامل، بل تمثل مثالاً واقعياً على أن نتائج استضافة حدث عالمي تتوقف على كيفية توظيف الاستثمارات بعد انتهاء الحدث أكثر مما تتوقف على نجاح تنظيمه. وهذا ما يمنحها قيمة خاصة بالنسبة للمغرب وهو يستعد لاستضافة كأس العالم 2030.

ويتمثل الدرس الأول في أن الملاعب ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لخدمة مشروع تنموي أشمل. فكل منشأة رياضية تُشيد دون تصور واضح لاستغلالها بعد البطولة، قد تتحول إلى عبء مالي يتطلب نفقات تشغيل وصيانة مستمرة، دون أن تحقق مردودية اقتصادية أو اجتماعية تتناسب مع كلفة إنجازها.

أما الدرس الثاني، فيؤكد أن البنية التحتية العامة أكثر استدامة من المنشآت المرتبطة بالحدث الرياضي نفسه. فقد أظهرت تجربة جنوب إفريقيا أن المطارات، والطرق، وشبكات النقل الحضري واصلت تقديم خدماتها للمواطنين والاقتصاد الوطني بعد البطولة، في حين واجهت بعض الملاعب صعوبة في الحفاظ على مستوى مناسب من الاستغلال.

ويبرز الدرس الثالث أهمية الربط بين المشاريع الكبرى والاقتصاد المحلي. فنجاح الحدث لا يقاس بعدد الزوار خلال أسابيع المنافسات، بل بقدرة الاستثمارات على تحفيز الاستثمار الخاص، ودعم السياحة المستدامة، وخلق فرص عمل دائمة، وتعزيز تنافسية المدن المستضيفة على المدى الطويل.

كما تؤكد هذه التجربة أن الوظائف المؤقتة، مهما بلغ عددها، لا يمكن أن تحل محل التشغيل المستدام. فالمعيار الحقيقي لا يكمن في عدد من اشتغلوا أثناء البناء، وإنما في عدد من استمروا في العمل بعد انتهاء المشاريع، بفضل دينامية اقتصادية جديدة أفرزتها تلك الاستثمارات.

وأخيراً، تبرز تجربة جنوب إفريقيا أهمية التوازن بين متطلبات الحدث الدولي والأولويات الاجتماعية الوطنية. فكلما اندمجت المشاريع الرياضية ضمن رؤية أشمل تشمل التعليم، والصحة، والتنمية الحضرية، وجذب الاستثمار، ارتفعت احتمالات أن تتحول إلى إرث تنموي دائم، بدلاً من أن تبقى إنجازات مرتبطة بحدث عابر.

جدول (10): أهم الدروس المستفادة للمغرب من تجربة جنوب إفريقيا

الدرسالدلالة بالنسبة للمغرب
التخطيط لما بعد البطولةتحديد استعمال كل منشأة قبل بدء إنجازها
إعطاء الأولوية للبنية التحتية المنتجةالاستثمار في النقل والمطارات والخدمات ذات الأثر المستدام
ربط المشاريع بالاقتصاد المحليتشجيع الاستثمار والسياحة وخلق فرص عمل دائمة
تجنب الاعتماد على الوظائف المؤقتةتحويل الاستثمارات إلى محركات للنمو طويل الأمد
تحقيق التوازن بين الرياضة والتنميةدمج المشاريع الرياضية ضمن رؤية وطنية شاملة للاستثمار في الإنسان والاقتصاد
خلاصة تحليلية

تكشف تجربة جنوب إفريقيا أن النجاح التنظيمي، مهما كان مستواه، لا يكفي وحده لصناعة إرث تنموي مستدام. فالقيمة الحقيقية للمشاريع الكبرى لا تتحدد عند افتتاحها، بل بقدرتها على الاستمرار في خدمة الاقتصاد والمجتمع بعد سنوات من انتهاء الحدث. ومن ثم، فإن التخطيط لمرحلة ما بعد 2030 قد يكون، بالنسبة للمغرب، أكثر أهمية من التخطيط لأسابيع البطولة نفسها.

2.3 الصين 2008: عندما يصبح الحدث الرياضي جزءاً من مشروع وطني للتحول الاقتصادي

2.3.1 السياق قبل أولمبياد بكين 2008

لم يكن تنظيم الألعاب الأولمبية الصيفية ببكين سنة 2008 مشروعاً رياضياً معزولاً، بل جاء تتويجاً لمسار طويل من الإصلاحات الاقتصادية التي أطلقتها الصين منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي بقيادة دنغ شياو بينغ. فمنذ اعتماد سياسة «الإصلاح والانفتاح» سنة 1978، انتقلت البلاد تدريجياً من اقتصاد مركزي مغلق إلى نموذج يجمع بين التخطيط الاستراتيجي وآليات السوق، وهو ما أدى إلى تحقيق معدلات نمو مرتفعة على مدى ثلاثة عقود متتالية، وجعل الصين واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم. وقد تعزز هذا المسار بانضمامها إلى منظمة التجارة العالمية سنة 2001، الأمر الذي سرّع اندماجها في الاقتصاد العالمي ورفع قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية والصادرات الصناعية. منظمة التجارة العالمية

وفي هذا السياق، لم يكن فوز بكين بحق استضافة أولمبياد 2008 مجرد نجاح دبلوماسي، بل اعتبرته القيادة الصينية فرصة تاريخية لإبراز التحول الذي شهدته البلاد خلال العقود السابقة، وإرسال رسالة إلى العالم مفادها أن الصين لم تعد مجرد مصنع عالمي منخفض الكلفة، بل أصبحت دولة تمتلك القدرة على إنجاز مشاريع عملاقة، وتنظيم أكبر التظاهرات الدولية، وقيادة مسارها التنموي وفق رؤية بعيدة المدى. وانطلاقاً من هذا التصور، أُدرجت الألعاب الأولمبية ضمن استراتيجية وطنية أشمل لتحديث العاصمة بكين، وتحسين جودة الحياة فيها، وتسريع الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير شبكات النقل، وتعزيز الابتكار العمراني والتكنولوجي. ولم يكن الهدف إنشاء منشآت رياضية فقط، وإنما استغلال الحدث لتسريع تنفيذ مشاريع كانت الدولة تعتزم إنجازها في جميع الأحوال، مع منحها زخماً زمنياً وسياسياً أكبر.

ولهذا السبب، ارتبطت الاستعدادات للأولمبياد بخطط استثمارية واسعة شملت توسيع شبكة مترو الأنفاق، وإنشاء طرق ومحاور حضرية جديدة، وتحديث مطار العاصمة، وتحسين البنية البيئية، وإعادة تأهيل أحياء كاملة داخل بكين. كما استُثمرت مبالغ كبيرة في التكنولوجيا والاتصالات والأمن، بما جعل الأولمبياد جزءاً من مشروع شامل لإعادة تشكيل صورة العاصمة الصينية، وإظهار قدرة الدولة على تنفيذ مشاريع معقدة في آجال زمنية قصيرة. وتجدر الإشارة إلى أن الصين دخلت مرحلة الإعداد للألعاب وهي تحقق معدلات نمو اقتصادي تجاوزت 10% سنوياً في عدد من السنوات، وتراكم احتياطيات ضخمة من النقد الأجنبي، ووضع مالي مكّنها من تمويل جزء كبير من الاستثمارات من مواردها الذاتية، دون الاعتماد المكثف على الاقتراض الخارجي. وقد منح ذلك الحكومة هامشاً واسعاً لتنفيذ مشاريع طويلة الأجل ضمن رؤية تنموية متكاملة، لا ترتبط بالألعاب الأولمبية وحدها، بل بمسار التحول الاقتصادي الذي كانت البلاد قد بدأته قبل سنوات عديدة. ومن ثم، فإن فهم تجربة بكين 2008 يقتضي النظر إلى الألعاب الأولمبية باعتبارها وسيلة لتسريع مشروع وطني قائم بالفعل، وليس نقطة انطلاق لهذا المشروع. وهذه الخصوصية هي التي تميز التجربة الصينية عن معظم التجارب الدولية الأخرى، وتجعل تقييمها يتجاوز حدود النجاح التنظيمي إلى دراسة دورها في دعم التحول الاقتصادي والعمراني والدبلوماسي للصين.

جدول (11): الصين قبل أولمبياد بكين 2008

المؤشرالوضع قبل الألعاب
السياق الاقتصادينمو اقتصادي متسارع منذ إصلاحات 1978
الانفتاح الدوليانضمام إلى منظمة التجارة العالمية سنة 2001
الرؤية الاستراتيجيةاستخدام الأولمبياد لتسريع مشروع وطني قائم
الأولوياتتحديث البنية التحتية، النقل، البيئة، وصورة الصين عالمياً
نموذج التمويلاعتماد كبير على الموارد الوطنية والاستثمار العمومي طويل الأجل

2.3.2 المشاريع الكبرى والاستثمارات: الأولمبياد داخل برنامج تحديث العاصمة

يصعب تحديد «كلفة أولمبياد بكين» برقم واحد، لأن المصادر تميز بين النفقات المباشرة المرتبطة بتنظيم الألعاب والمنشآت الرياضية وبين الاستثمارات الأوسع التي أُنجزت في النقل والبيئة والاتصالات وإعادة تأهيل العاصمة. وهذا التمييز ضروري حتى لا تُنسب إلى الحدث الرياضي جميع المشاريع التي كانت بكين تحتاج إليها ضمن مسار تحديثها الحضري. وتشير دراسة منشورة لدى الإدارة العامة للرياضة في الصين إلى أن الاستثمارات والنفقات المقدرة خلال دورة التحضير بلغت نحو 292.14 مليار يوان صيني، أي ما يعادل تقريباً 42.1 مليار دولار أمريكي، باعتماد متوسط سعر الصرف لسنة 2008 البالغ نحو 6.95 يوانات للدولار. غير أن الجزء الأكبر من هذا المبلغ لم يُخصص للمباريات أو الملاعب، بل للبنيات الأساسية والبيئية والرقمية التي كانت تخدم المدينة والاقتصاد على المدى الطويل.

أولاً: النفقات المباشرة المرتبطة بالألعاب

قدرت نفقات تشغيل وتنظيم الألعاب بحوالي 11.735 مليار يوان، أي قرابة 1.69 مليار دولار، بينما بلغت الاستثمارات المقدرة في الملاعب والمنشآت المرافقة نحو 29.755 مليار يوان، أي حوالي 4.28 مليارات دولار. وشملت هذه الفئة الملاعب الرياضية، والقرية الأولمبية، وقرية الإعلاميين، والمركز الصحفي الرئيسي، ومركز البث الدولي وغيرها من التجهيزات المرتبطة مباشرة باستضافة الحدث.

الملعب الوطني “عش الطائر” في بكين، رمز للألعاب الأولمبية 2008

واعتمدت الصين في تمويل المنشآت على مزيج من الموارد العمومية، وتمويل المؤسسات المالكة، ومساهمات اللجنة المنظمة، والتمويل الاجتماعي والخاص. كما مُنح بعض المستثمرين حق استغلال المنشآت لفترات طويلة بعد الألعاب، وربطت بعض المشاريع الرياضية بمشاريع عقارية وتجارية لتحسين فرص استدامتها المالية. ويكشف هذا النموذج عن محاولة مبكرة للجمع بين التوجيه الحكومي وآليات الاستثمار السوقي، وإن ظل حضور الدولة مركزياً في التخطيط وتوفير الأرض والبنية الأساسية.

ثانياً: النقل الحضري والربط الجوي

احتل النقل موقعاً محورياً في برنامج التحديث. فقد افتُتحت سنة 2008 المرحلة الأولى من خط المترو رقم 10، والخط الأولمبي، وخط مطار العاصمة، لترتفع الشبكة التشغيلية إلى نحو 200 كيلومتر. كما أُنجزت طرق سريعة ومحاور حضرية جديدة، وافتُتحت المحطة الثالثة في مطار بكين الدولي، إلى جانب محطة بكين الجنوبية وخط السكك الحديدية السريع بين بكين وتيانجين. وبذلك، لم تكن الاستثمارات في النقل مجرد تدابير لنقل الرياضيين والجمهور خلال بضعة أسابيع، بل ساهمت في توسيع قدرة العاصمة على الحركة، وربطها بالمطار والمدن المجاورة، وتحسين شبكة النقل العمومي التي استمر استخدامها بعد انتهاء الألعاب.

وقد قدرت الدراسة الصينية الاستثمارات في النقل والمشاريع الأساسية الأخرى بحوالي 129.3 مليار يوان، أي نحو 18.6 مليار دولار، وهو مبلغ يفوق بكثير ما خُصص للملاعب والمنشآت الرياضية المباشرة.

قطار بكين–تيانجين: بداية عصر السرعة العالية في الصين

ثالثاً: البيئة وإعادة تأهيل المجال الحضري

تبنت بكين شعار «الألعاب الخضراء»، وربطت التحضير للأولمبياد ببرنامج لتحسين جودة الهواء، وتطوير المساحات الخضراء، ومعالجة التلوث، ونقل أو تحديث بعض الوحدات الصناعية، وتحسين شبكات المياه والطاقة والتدفئة. وقدرت الاستثمارات البيئية بنحو 58.2 مليار يوان، أي ما يقارب 8.4 مليارات دولار. وشملت هذه الجهود إنشاء الحديقة الأولمبية والغابة المحيطة بها، وتحسين المشهد الحضري، وتوسيع المساحات الخضراء، إلى جانب إجراءات تنظيمية مؤقتة للحد من حركة السيارات والانبعاثات أثناء الألعاب. غير أن الأثر البيئي لهذه السياسات يحتاج إلى تقييم بعيد المدى، لأن بعض التحسينات ارتبط بإجراءات استثنائية خلال البطولة، بينما تطلب الحفاظ على جودة الهواء بعد الألعاب سياسات صناعية ونقلية مستمرة.

رابعاً: الاتصالات والتكنولوجيا

البنية الرقمية: من تغطية الألعاب إلى الإدارة الذكية للمدينة : شكّل تحديث البنية الرقمية أحد المحاور الأساسية في استعدادات بكين لأولمبياد 2008. فقد خُصص نحو 63.15 مليار يوان، أي قرابة 9.1 مليارات دولار بأسعار الصرف السائدة سنة 2008، لمشروعات المعلومات والاتصالات ضمن الاستثمارات الحضرية غير المباشرة المرتبطة بالألعاب. وشملت هذه المشروعات توسيع شبكات الألياف البصرية والاتصالات عريضة النطاق، وتطوير شبكات الهاتف المحمول والاتصالات اللاسلكية، وتجهيز مرافق البث التلفزيوني الرقمي، وربط الملاعب ومراكز الإعلام والهيئات التنظيمية بمنظومات آمنة لنقل الصوت والصورة والبيانات. وكانت بكين قد وضعت، في إطار مشروع تحويلها إلى «مدينة رقمية» بحلول سنة 2008، ميزانية تقدر بنحو 3.6 مليارات دولار لتوسيع استخدام الشبكات الرقمية والبطاقات الذكية وتقنيات الاتصال اللاسلكي والأنظمة المعلوماتية المتقدمة. مجلس الأعمال الأميركي–الصيني

ولم تقتصر وظيفة هذه البنية على نقل المنافسات إلى الجمهور العالمي، بل استُخدمت أيضاً في الإدارة الفورية لمدينة كبرى. فقد اعتمد مركز إدارة حركة المرور نظاماً موحداً يجمع البيانات الواردة من كاميرات المراقبة، وإشارات المرور، والشاشات الإلكترونية المثبتة على الطرق، وشرطة السير، ثم يحللها ويوجه التدخلات وفق تطور حركة المركبات. وأتاح ذلك مراقبة الاختناقات والحوادث، وتعديل تدفق المرور، وإبلاغ السائقين بالمسارات البديلة، وتنسيق حركة الحافلات والمترو والسيارات خلال فترات الضغط. كما تولّى مركز مركزي تنسيق إدارة النقل بمختلف أنواعه، وربطه بمنظومة للاستجابة للطوارئ تضمنت 22 إجراءً أمنياً واستجابياً ومركبات قيادة متنقلة، إلى جانب تغطية مرافق الألعاب بأنظمة المراقبة بالفيديو. وزارة النقل الأميركية، تقرير CCTV عن نظام المرور الذكي

وتكاملت هذه الشبكات مع منظومة أوسع لإدارة الطوارئ، أتاحت تبادل المعلومات بالصوت والصورة والنص بين مركز القيادة الرئيسي والمراكز الفرعية والمنشآت الأولمبية. وبذلك أصبح ممكناً رصد الحوادث، وتحديد مواقعها، وتبادل المعطيات بين أجهزة النقل والأمن والصحة، ثم اتخاذ القرار وتوجيه فرق التدخل بصورة أسرع. وقد مثّل مبنى «بكين الرقمية»، الذي اكتمل سنة 2007 داخل الحديقة الأولمبية، أحد المراكز التقنية المخصصة لمعالجة البيانات ودعم الأنظمة المعلوماتية للألعاب.

ومن ثم، فإن إرث هذه الاستثمارات لا يقاس فقط بجودة بث أولمبياد 2008، بل أيضاً بما راكمته بكين من قدرة على جمع بيانات المدينة في الزمن الفعلي، وربط الإدارات، وإدارة حركة ملايين السكان، والتدخل المنسق في حالات الازدحام والحوادث والطوارئ. غير أن هذا الإرث يظل مزدوجاً: فقد رفع كفاءة الإدارة الحضرية، لكنه وسّع في الوقت نفسه إمكانات المراقبة الرقمية، بما يثير أسئلة تتعلق بحماية المعطيات الشخصية وحدود استخدامها بعد انتهاء الحدث.

جدول (12): التوزيع التقديري للاستثمارات المرتبطة بأولمبياد بكين 2008

مجال الاستثمارالمبلغ باليوان الصينيما يعادله تقريباً بالدولارطبيعته
تشغيل وتنظيم الألعاب11.735 مليار يوان1.69 مليار دولارإنفاق مباشر
الملاعب والمنشآت المرافقة29.755 مليار يوان4.28 مليارات دولاراستثمار مباشر
البيئة وإعادة التأهيل58.2 مليار يوان8.38 مليارات دولارإرث حضري وبيئي
النقل والبنيات الأساسية الأخرى129.3 مليار يوان18.62 مليار دولاربنية منتجة طويلة الأجل
المعلومات والاتصالات63.15 مليار يوان9.09 مليارات دولاربنية رقمية وتكنولوجية
المجموع التقديري292.14 مليار يواننحو 42.1 مليار دولارمباشر وغير مباشر

تنبيه منهجي: لا يمثل مبلغ 292.14 مليار يوان الكلفة التنظيمية الضيقة للألعاب وحدها، بل يجمع النفقات المباشرة والاستثمارات الحضرية والبيئية والرقمية الواسعة التي سُرّع تنفيذها في سياق التحضير للأولمبياد. كما أن هذه الأرقام وردت في دراسة تقديرية صينية، ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها تقديرات للاستثمارات المبرمجة خلال دورة الإعداد، لا حساباً مالياً نهائياً موحداً.

وتكشف بنية الإنفاق أن الصين لم تجعل الملاعب مركز المشروع؛ إذ استحوذت البنيات الأساسية والبيئة والاتصالات على الحصة الأكبر من الموارد. وبهذا المعنى، استُخدم الأولمبياد لتسريع استثمارات كانت وظيفتها الأساسية إعادة تأهيل العاصمة ورفع قدرتها الإنتاجية والخدماتية، وهو ما يميز التجربة الصينية عن النماذج التي يتركز فيها الإنفاق على منشآت رياضية يصعب استغلالها بعد انتهاء الحدث.

2.3.3 النتائج: هل حققت الصين إرثاً تنموياً مستداماً؟

يصعب اختزال نتائج أولمبياد بكين 2008 في المؤشرات الرياضية أو في النجاح التنظيمي الذي حظي بإشادة دولية واسعة، لأن القيمة الحقيقية للتجربة الصينية تتجلى في كون الألعاب الأولمبية شكلت جزءاً من مسار تحول اقتصادي وعمراني كانت الدولة قد شرعت فيه قبل سنوات. ولذلك، فإن تقييم الإرث التنموي يقتضي النظر إلى ما استمر بعد انتهاء المنافسات، لا إلى ما تحقق أثناء تنظيمها فقط.

أولاً: تسريع تحديث البنية التحتية

ساهمت الألعاب الأولمبية في تسريع تنفيذ عدد كبير من المشاريع التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية لسكان العاصمة. فقد توسعت شبكة مترو بكين بصورة ملحوظة، وارتفعت القدرة الاستيعابية للمطار الدولي بعد افتتاح المحطة الثالثة، كما تحسنت شبكات الطرق والخدمات الحضرية، وهو ما انعكس على كفاءة التنقل داخل المدينة وربطها بالمراكز الاقتصادية الأخرى. ولم تكن هذه المشاريع مرتبطة باستقبال الرياضيين والسياح خلال فترة الألعاب فقط، بل واصلت أداء وظائفها الاقتصادية والاجتماعية بعد انتهاء الحدث، مما جعلها تشكل أحد أبرز عناصر الإرث التنموي للتجربة الصينية.

ثانياً: تعزيز المكانة الدولية للصين

شكل أولمبياد بكين نقطة تحول في صورة الصين على الساحة الدولية. فقد نجحت الدولة في تنظيم حدث شاركت فيه أكثر من مائتي دولة ومنطقة، وأظهرت قدرة تنظيمية وتقنية ولوجستية عالية، بما عزز الثقة الدولية في إمكاناتها الاقتصادية والإدارية. كما ساهمت التغطية الإعلامية العالمية في إبراز التحولات العمرانية التي شهدتها العاصمة، وأصبحت منشآت مثل الاستاد الوطني (عش الطائر) والمركز الوطني للسباحة من الرموز المعمارية الحديثة للصين، وأسهمت في تعزيز جاذبية بكين كوجهة سياحية واستثمارية.

ثالثاً: دفع الاستثمار والاقتصاد الحضري

ساعدت الاستثمارات المرتبطة بالأولمبياد على تنشيط قطاعات البناء، والهندسة، والنقل، والخدمات، والاتصالات، كما ساهمت في رفع قيمة العقارات في بعض المناطق التي شملتها مشاريع إعادة التأهيل الحضري. وبالرغم من أن جانباً مهماً من فرص العمل التي وفرتها المشاريع كان مؤقتاً، فإن عدداً من القطاعات الاقتصادية استفاد من تحسن البنية الأساسية واستمرار النشاط السياحي والخدماتي بعد الألعاب، وهو ما جعل الأثر الاقتصادي يمتد إلى ما بعد سنة 2008.

رابعاً: إرث عمراني أكثر من كونه إرثاً رياضياً

بخلاف بعض التجارب التي ركزت على تشييد الملاعب، اتجهت الصين إلى توظيف الجزء الأكبر من استثماراتها في مشاريع حضرية وخدماتية واسعة. ولهذا، لم يكن الإرث الرئيسي للأولمبياد هو المنشآت الرياضية في حد ذاتها، بل التحول الذي عرفته العاصمة في مجالات النقل، والبيئة، والتكنولوجيا، والخدمات العمومية. وقد ساعد هذا التوجه على الحد من ظاهرة “الملاعب البيضاء” التي واجهتها بعض الدول بعد تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى، رغم أن عدداً محدوداً من المنشآت الأولمبية احتاج لاحقاً إلى إعادة توظيف أو تطوير نماذج استغلاله لضمان استدامته الاقتصادية.

خامساً: حدود التجربة والتحديات

ورغم النجاح الكبير الذي حققته الصين، فإن التجربة لم تخل من انتقادات. فقد أشار عدد من الباحثين إلى أن بعض التحسينات البيئية التي صاحبت الألعاب ارتبطت بإجراءات استثنائية أكثر من ارتباطها بتحولات هيكلية دائمة، كما أثيرت نقاشات حول كلفة بعض المشاريع، وحول عمليات إعادة التهيئة الحضرية التي استلزمت نقل سكان من بعض الأحياء. غير أن هذه الملاحظات لم تغير من النتيجة الأساسية التي توصلت إليها غالبية الدراسات، وهي أن القسم الأكبر من الاستثمارات الأولمبية اندمج في استراتيجية تنموية وطنية طويلة الأمد، الأمر الذي سمح باستمرار عائدها الاقتصادي والعمراني بعد انتهاء الحدث.

جدول (13): أبرز نتائج أولمبياد بكين 2008

المجالأبرز النتائج
البنية التحتيةتوسع شبكة المترو، تطوير المطار، تحسين الطرق والخدمات الحضرية
الاقتصادتنشيط قطاعات البناء والنقل والخدمات وتعزيز جاذبية الاستثمار
المكانة الدوليةتعزيز صورة الصين كقوة اقتصادية وتنظيمية صاعدة
التنمية الحضريةإعادة تأهيل العاصمة وتحسين البيئة والخدمات العمومية
الاستدامةاستمرار استفادة المدينة من معظم مشاريع البنية الأساسية بعد انتهاء الألعاب

ويبرز من هذه النتائج أن نجاح الصين لم يكن مرتبطاً بحجم الإنفاق في حد ذاته، وإنما بقدرة الدولة على إدماج الاستثمارات الأولمبية داخل مشروع اقتصادي وتنموي بدأ قبل الألعاب واستمر بعدها. وهذا ما يجعل التجربة الصينية مختلفة عن الحالات التي يصبح فيها الحدث الرياضي هو الهدف، بينما كان في بكين وسيلة لتسريع تحول وطني أوسع.

2.3.4 قراءة نقدية للتجربة الصينية

تُعد تجربة بكين 2008 من أكثر التجارب التي استُشهد بها عند الحديث عن الإرث التنموي للأحداث الرياضية الكبرى، غير أن نجاحها لا يعني أنها نموذج يمكن نقله حرفياً إلى دول أخرى. فقد ارتبطت هذه التجربة بخصوصيات اقتصادية وسياسية ومؤسساتية جعلت نتائجها مختلفة عن كثير من التجارب السابقة.

ويتمثل العنصر الأول في أن الألعاب الأولمبية لم تكن نقطة بداية المشروع التنموي الصيني، بل إحدى أدوات تسريع تنفيذه. فمعظم مشاريع النقل، والتوسع الحضري، والتحديث الاقتصادي كانت جزءاً من خطط وطنية أُقرت قبل سنوات من منح بكين حق الاستضافة، وهو ما جعل الأولمبياد عاملاً لتسريع التنفيذ أكثر من كونه سبباً مباشراً في إطلاق تلك المشاريع.

أما العنصر الثاني، فيتعلق بقدرة الدولة على تعبئة الموارد المالية والمؤسساتية. فقد كانت الصين، عند تنظيم الألعاب، تحقق معدلات نمو مرتفعة، وتتوفر على احتياطيات كبيرة من النقد الأجنبي، كما تمتلك جهازاً إدارياً يتميز بقدرة عالية على التخطيط والتنفيذ. وقد سمح ذلك بإنجاز مشاريع ضخمة خلال فترة زمنية قصيرة، مع الحفاظ على درجة كبيرة من التنسيق بين مختلف القطاعات والمؤسسات.

وفي المقابل، يرى عدد من الباحثين أن هذه الخصوصيات تجعل من الصعب اعتبار التجربة الصينية نموذجاً قابلاً للتكرار في جميع الدول، لأن نجاحها لم يكن نتيجة حجم الاستثمار وحده، بل أيضاً نتيجة طبيعة النظام الإداري، واستقرار السياسات العمومية، واستمرار الرؤية التنموية لعقود دون تغييرات جوهرية.

ومن جهة أخرى، لم تخل التجربة من انتقادات تتعلق بارتفاع كلفة بعض المشاريع، وعمليات إعادة تهيئة بعض الأحياء، ونقل عدد من السكان خلال تنفيذ الأشغال، إضافة إلى ملاحظات بيئية اعتبرت أن جزءاً من التحسن في جودة الهواء خلال الألعاب ارتبط بإجراءات استثنائية أكثر منه بتحولات هيكلية دائمة. كما أثيرت تساؤلات حول الجدوى الاقتصادية طويلة الأجل لبعض المنشآت الأولمبية، رغم أن هذه الإشكالات ظلت أقل حدة مقارنة بما شهدته بعض الدول الأخرى.

وتبرز التجربة الصينية كذلك أن النجاح لا يقاس بسرعة الإنجاز وحدها. فالمشاريع الكبرى لا تحقق أثرها المستدام إلا عندما تكون منسجمة مع حاجات الاقتصاد، وقابلة للاستغلال المستمر، ومدمجة ضمن استراتيجية تنموية متكاملة. وفي هذا السياق، تبدو البنية التحتية للنقل، والاتصالات، والخدمات الحضرية أكثر قدرة على تحقيق عائد اقتصادي طويل الأجل من المنشآت الرياضية التي يقتصر استعمالها على مناسبات محدودة.

وأخيراً، تكشف التجربة الصينية أن الإرث الحقيقي للأحداث الرياضية الكبرى لا يصنعه الحدث نفسه، وإنما السياسات التي تسبقه وتستمر بعده. فكلما كان الحدث جزءاً من مشروع وطني طويل الأمد، ارتفعت فرص تحويل الاستثمارات إلى أصول منتجة تدعم النمو الاقتصادي لعقود، بينما تتراجع هذه الفرص عندما يصبح الحدث غاية مستقلة بذاته.

جدول (14): قراءة نقدية للتجربة الصينية

العنصرالتقييم
الرؤية الاستراتيجيةنجاح كبير في دمج الأولمبياد ضمن مشروع وطني طويل الأمد
التخطيط والتنفيذتنسيق مؤسساتي وقدرة عالية على إنجاز المشاريع في آجال قصيرة
البنية التحتيةإرث حضري واقتصادي استمر بعد انتهاء الألعاب
أبرز الانتقاداتارتفاع كلفة بعض المشاريع، وإعادة التهيئة الحضرية، وملاحظات بيئية واجتماعية
الدرس الأساسيالحدث الرياضي ينجح عندما يسرّع مشروعاً تنموياً قائماً، لا عندما يحاول أن يحل محله
خلاصة تحليلية

تكمن خصوصية التجربة الصينية في أنها لم تجعل الألعاب الأولمبية مشروعاً قائماً بذاته، بل حولتها إلى أداة لتسريع تنفيذ رؤية وطنية كانت قد بدأت قبل سنوات. ولذلك، لم يكن نجاح بكين 2008 نتاج حجم الإنفاق أو قوة التنظيم وحدهما، بل نتيجة اندماج الحدث الرياضي في استراتيجية اقتصادية وعمرانية طويلة الأمد، استمرت آثارها بعد انتهاء المنافسات.

2.3.5 ماذا يمكن أن يتعلم المغرب من التجربة الصينية؟

لا تكمن أهمية التجربة الصينية في حجم استثماراتها أو في إمكاناتها الاقتصادية الاستثنائية، فهذه عناصر يصعب نقلها إلى دول تختلف في مواردها وقدراتها. وإنما تكمن قيمتها الحقيقية في المنهج الذي اعتمدته، والقائم على جعل الحدث الرياضي جزءاً من مشروع وطني للتنمية، وليس مشروعاً مستقلاً عنها. ومن هذا المنطلق، يمكن استخلاص عدد من الدروس التي تكتسي أهمية خاصة بالنسبة للمغرب وهو يستعد لاستضافة كأس العالم 2030.

ويتمثل الدرس الأول في أن نجاح الحدث يبدأ قبل انطلاقه بسنوات، عبر وجود رؤية استراتيجية واضحة تحدد الدور الذي ستؤديه كل استثماراته في خدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فالملاعب، والطرق، والمطارات، وشبكات النقل، ليست أهدافاً في حد ذاتها، وإنما أدوات ينبغي أن تستجيب لحاجات قائمة، وتواصل أداء وظائفها بعد انتهاء البطولة.

أما الدرس الثاني، فيتمثل في أولوية الاستثمار في البنية التحتية المنتجة. فقد أظهرت التجربة الصينية أن العائد الاقتصادي الأكبر تحقق من مشاريع النقل، والاتصالات، والخدمات الحضرية، لأنها رفعت إنتاجية الاقتصاد، وسهلت حركة الأشخاص والبضائع، وعززت جاذبية المدن للاستثمار والسياحة. ويعني ذلك أن قيمة المشروع لا تُقاس بكلفته، وإنما بقدرته على خلق منافع اقتصادية واجتماعية مستدامة.

ويبرز الدرس الثالث أهمية الانسجام بين المشاريع الكبرى والسياسات القطاعية. فالتنمية لا تتحقق بمجرد تشييد منشآت حديثة، بل تتطلب أن تتكامل هذه الاستثمارات مع سياسات التعليم، والتكوين، والابتكار، والصناعة، والخدمات، حتى تتحول إلى محركات للنمو وخلق فرص الشغل وتحسين جودة الحياة.

كما تؤكد التجربة الصينية أن سرعة الإنجاز، على أهميتها، ليست بديلاً عن جودة التخطيط. فالالتزام بالآجال يظل عنصراً أساسياً في إنجاز المشاريع الكبرى، لكنه لا يحقق وحده الإرث التنموي المنشود ما لم يكن مقروناً برؤية واضحة لاستغلال هذه المشاريع وصيانتها وتمويل تشغيلها بعد انتهاء الحدث.

وأخيراً، تبين تجربة بكين أن استضافة حدث عالمي ينبغي أن تُقاس بقدرته على تسريع تنفيذ الإصلاحات الوطنية، لا بقدرته على فرض مشاريع لا تنسجم مع الأولويات التنموية للدولة. فحين يصبح الحدث وسيلة لتسريع برامج كانت البلاد تحتاج إليها أصلاً، ترتفع فرص تحقيق عائد اقتصادي واجتماعي طويل الأمد، أما إذا تحول إلى غاية مستقلة، فإن خطر تضخم النفقات وضعف المردودية يصبح أكثر احتمالاً.

جدول (15): أهم الدروس المستفادة للمغرب من التجربة الصينية

الدرسالدلالة بالنسبة للمغرب
ربط الحدث برؤية وطنيةجعل كأس العالم جزءاً من مشروع تنموي طويل الأمد
إعطاء الأولوية للبنية التحتية المنتجةالاستثمار في النقل، والمطارات، والخدمات ذات الأثر الاقتصادي المستدام
التكامل بين القطاعاتربط المشاريع الكبرى بالتعليم، والتكوين، والابتكار، والصناعة
التخطيط لما بعد 2030إعداد نماذج استغلال وصيانة المنشآت منذ مرحلة التصميم
قياس النجاح بالأثر المستدامتقييم المشاريع وفق مساهمتها في النمو والتشغيل وجودة الحياة، لا وفق سرعة إنجازها فقط
خلاصة تحليلية

تكشف التجربة الصينية أن قوة الحدث الرياضي لا تكمن في قدرته على خلق التنمية من الصفر، بل في قدرته على تسريع تنفيذ مشروع تنموي وطني قائم على رؤية واضحة ومؤسسات قادرة على التنفيذ. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لكأس العالم 2030 بالنسبة للمغرب لن تتحدد بحجم المنشآت التي ستُنجز، وإنما بمدى مساهمة هذه المنشآت في دعم تنافسية الاقتصاد، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز الاستثمار في الإنسان بعد انتهاء البطولة.


انتهي الفصل الثاني

.


مقالات الكاتب ذات الصلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى