وجوه لا تغيب…لأن الأثر أبقى من الزمن : د. احمد عمري الجزء 2

د. الحسـن اشباني
مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني
د. أحمد عمري: من حقول تزنيت إلى رحاب البحث العلمي
نشأة صنعت الشغف بالأرض ومهّدت لمسار الباحث
تزنيت: مدينة التعدد والثقافات
وُلدت بمدينة تزنيت سنة 1952، وتحديدًا في العاشر من دجنبر، في مدينة عريقة ذات تاريخ مميز، كانت ولا تزال ملتقى لثقافات وروافد اجتماعية متعددة. فقد كانت تزنيت، بحكم موقعها ومحيطها، فضاءً تتجاور فيه الثقافة العربية والأمازيغية؛ إذ كانت بعض المناطق والقبائل المجاورة تتحدث العربية، بينما يغلب على مناطق أخرى اللسان الأمازيغي.
كما عرفت المدينة، في فترة من تاريخها، حضور جالية يهودية مهمة، قبل أن يهاجر معظم أفرادها، خصوصًا في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، نحو أوروبا والولايات المتحدة ووجهات أخرى.
أسرة جمعت بين العلم والأرض
نشأت في أسرة كبيرة العدد؛ فقد كنا ثلاثة عشر ابنًا وبنتًا: ست أخوات وسبعة إخوة. وكان والدي، الحاج محمد بن العربي الذكري التزنيتي، فقيهًا تلقى تعليمه في المدارس العتيقة وتمكّن من العلوم الدينية، ثم امتهن مهنة العدالة منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي، إلى جانب عمله قابضًا.
ومع ذلك، ظل شديد الارتباط بالأرض والزراعة، حتى إنه كان يقضي ما يقارب نصف وقته في مزرعته، يتابع شؤونها ويشرف على أنشطتها.
أما والدتي، كلثوم بنت محمد بن أحمد أعمو، فكانت تنتمي إلى أسرة عريقة ومعروفة في مدينة تزنيت، وكان والدها قاضيًا بالمدينة خلال أربعينيات القرن الماضي وحتى أوائل الخمسينيات. وقد تلقت هي الأخرى نصيبًا مهمًا من العلوم الدينية، وحفظت القرآن الكريم، كما تولت، مدة سنتين أو ثلاث سنوات، تعليم النساء بعض علوم الدين وتفسير الحديث، قبل أن تتفرغ لشؤون أسرتها بعد أن رزقت بعدد كبير من الأبناء.
مدينة فلاحية وملتقى تجاري
كانت تزنيت في تلك المرحلة ملتقى تجاريًا مهمًا للقبائل المجاورة، ومحطة للتبادل بين مناطق مختلفة تمتد في اتجاه الصحراء. وفي الوقت نفسه، كانت مدينة فلاحية بامتياز، اشتهرت بعدد من الزراعات، ومنها زراعة النعناع، كما عرفت تربية أعداد كبيرة من الأغنام والماعز، وزراعة الشعير والقمح البوري، إلى جانب وجود حقول مسقية داخل المدينة وفي المناطق المجاورة الواقعة خارج أسوارها.
طفولة بين الحقول والماشية
عشت هذه البيئة الزراعية عن قرب منذ طفولتي. فأسرتنا كانت تملك ما يقارب ثلاثمائة رأس من الأغنام والماعز، وكنا نزرع سنويًا أكثر من عشرين هكتارًا من الشعير. كما كانت لدينا حقول مسقية بالقرب من منزلنا؛ إذ كنا نسكن في بيت يضم مزرعة، فضلًا عن مزرعة أخرى خارج أسوار المدينة.
كل ذلك أتاح لي، وأنا طفل، أن أحتك مبكرًا بعالم الزراعة، وأن أشارك في بعض الأعمال الفلاحية، فكانت الأرض والزراعة جزءًا أصيلًا من البيئة التي نشأت فيها ومن ذكريات طفولتي الأولى.
واستمرت مدينة تزنيت محافظة على جانب مهم من طابعها الزراعي إلى حدود سنة 1985 تقريبًا، قبل أن تتعرض المنطقة لأربع سنوات متتالية من الجفاف، تركت آثارًا عميقة في القطاع الزراعي. وقد عشنا انعكاسات ذلك مباشرة في مزرعتنا، بعدما كانت الفلاحة وتربية الماشية تشكلان جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية.
التعليم قيمة راسخة داخل الأسرة
وإذا كنت أستحضر اليوم مسار نشأتي، فلا بد لي من التنويه بالجهود الكبيرة التي بذلها والدي، رحمه الله، في سبيل تعليم أبنائه. فقد كان همه الأول أن نتعلم جميعًا، وأن يكون للعلوم الدينية مكان أساسي في تربيتنا. وكان المسار يبدأ عادة بالمسيد والكتاتيب القرآنية، ثم ينتقل إلى المدارس العتيقة.
وقد كان أخي الأكبر المثال الأول في هذا المسار؛ إذ درس في المسيد والكتاتيب القرآنية، وختم القرآن الكريم خمس مرات، قبل أن ينتقل بعد ذلك إلى المعهد الإسلامي بمدينة تارودانت.
وهكذا، نشأت في بيئة جمعت بين العلم والدين والعمل والزراعة؛ بيئة كان فيها الارتباط بالأرض جزءًا من الحياة اليومية، وكان طلب العلم قيمة راسخة داخل الأسرة. ولا شك أن هذه النشأة كان لها أثر عميق في تكوين شخصيتي وفي اختياراتي العلمية والمهنية اللاحقة.
من التكوين الزراعي إلى البحث العلمي
بعد تخرجي في معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، التحقت بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب، مفتتحًا بذلك مساري المهني في مجال البحث العلمي. ثم انتقلت بعد ذلك إلى المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة «إيكاردا» بسوريا، حيث بدأت مرحلة جديدة من مساري العلمي والمهني.
بصمة المسار
«بدأت صلتي بالزراعة قبل دخولي معهد الحسن الثاني بسنوات طويلة؛ هناك، في طفولتي بمدينة تزنيت، بين الحقول والمزرعة والأرض التي شكّلت أول صلة لي بعالم الزراعة.»

يتبع في الجزء 3
مقالات ذات الصلة
