حوارات

د. محمد المختار الشنقيطي بين رمال موريتانيا، ورحلته الفريدة من المحظرة الى ساحل العاج واليمن والسجن وامريكا واستقراره بقطر

د. الحسن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي

ملخص

استمعتُ بإمعان إلى هذا الحوار الآسر الذي أجراه الصحفي أحمد الفال ولد الدين مع الدكتور محمد المختار الشنقيطي ضمن بودكاست “حكايات إفريقية” على قناة الجزيرة – يوتوب أثير، فوجدت نفسي أمام تجربة فكرية وإنسانية لا يمكن المرور عليها مرور الكرام. فقد بدا الشنقيطي، كعادته، ذلك الرجل الذي يحمل في داخله أشواق الصحراء، وحنين المحظرة، وألم الاغتراب، وشغف الباحث الذي لا يهدأ. هو شخصية جمعت بين صلابة الموقف ولين الجانب، بين صرامة الفكرة ورهافة الشعور، وبين الانتماء العميق للجذور والقدرة الكبيرة على التحليق في آفاق الفكر العالمي. في هذا الحوار الطويل، يفتح الشنقيطي صندوق سيرته دون ادّعاء؛ يحكي عن طفولته بين رمال موريتانيا، ورحلته في طلب العلم، وتجربته مع الاعتقال، وغربته في أمريكا، ومواجهته لمحاولات استقطاب أجهزة الأمن، ثم مسيرته العلمية في تاريخ الأديان والفقه السياسي والدراسات الاستراتيجية. وكل ذلك بلغة صادقة تنضح بالأشواق، ووعيٍ هادئ تشكّل على خطوط التماس بين الثقافات والآلام والتحولات الكبرى.

ولأنني وجدت في هذا الحوار متعة ومعرفة وإلهامًا، أحببت أن أقدّمه لروّاد موقعي الكرام، علّهم يجدون فيه ما وجدت: رحلة عقلٍ وقلبٍ معًا، ونافذة تطلّ على عالم مفكر استثنائي لا يزال يحفر أثره في الذاكرة العربية بهدوء وثبات.


النص الاول للحوار

الصحفي احمد الفال : أهلاً بكم مشاهدينا ومستمعينا. هذه حكايات إفريقية، ومعكم أحمد فال ولد الدين. ضيفُنا اليوم رجلٌ وصفتهُ ذات مرّة بـ”ملاعب الأسنّة” لكثرة ما خاض من معارك فكرية، ولوعورة المسالك المعرفية التي اقتحمها. هو رجل تعرفونه في عالم الفكر السياسي والفلسفة الدينيّة، وتسمعون آراءه في مجالات التفكير الاستراتيجي. كما تعرفون مواقفه وتحليلاته، لكن كثيرين لا يعرفون تكوينه المعرفي، ولا حياته الفكريّة والشخصيّة، وكيف تشكّل كل ذلك. حكايتُنا الإفريقية اليوم تدور حول الدكتور محمد بن المختار الشنقيطي، أستاذ الشؤون الدولية في جامعة قطر. حيّاكم الله دكتور.

د. محمد المختار الشنقيطي: حيّاك الله وبيّاك، أهلاً وسهلاً.

الصحفي احمد الفال : كثير من الناس لا يعرفون أنك “حكاية إفريقية”؛ لأنك وُلدتَ على طرف الحدود بين مالي وموريتانيا، وهذه معلومة – أظن – لا يعرفها غيري. هل هذا صحيح؟

د. محمد المختار الشنقيطي: نعم، هذا صحيح. لقد وُلدتُ في قريةٍ قريبة من الحدود الماليّة داخل موريتانيا، وربما تُعدّ – بمعنى من المعاني – في قلب إفريقيا.

الصحفي احمد الفال : وما اسم هذه القرية؟

د. محمد المختار الشنقيطي : اسمها الجُرَيف، ونحن ننطقها «الجْريف» بإسكان الجيم. وهي تصغير لكلمة الجرف. تحيط بها الجبال من ثلاث جهات، ولذلك تبدو كأنها مسوّرة بالطبيعة، وهذا أضفى عليها جمالاً خاصّاً. وإلى جانب ذلك، تمرّ بها سيول البطاح في موسم الأمطار، فتتحوّل القرية إلى ما يشبه الجزيرة، مما يضفي عليها جمالاً مضاعفاً خصوصاً في فترة الأمطار.

الصحفي احمد الفال : أعتقد أنّ محضن الطفولة يحمل دائماً مسحةً شاعرية في ذهن أي إنسان، بعيداً عن موضوعية المكان. حين تصف هذه القرية يبدو واضحاً أنها جميلة في ذاكرتك. فهل كانت فعلاً كذلك، أم أن الأمر مجرّد أثر عاطفي؟

د. محمد المختار الشنقيطي : بلا شك أنّ المسألة ذاتية وفيها جانب غير موضوعي، لكن بالنسبة إليّ هي من أجمل أرض الله.
ورغم أنني زرتُ بلاداً كثيرة شرقاً وغرباً، وبعضها أجمل بطبيعة الحال، فإن قريتي لا تزال تحتلّ عندي مكانة خاصة.

الصحفي احمد الفال : وهل هي قريبة من مدينة النعمة؟

د. محمد المختار الشنقيطي : نعم، هي قريبة من مدينة النّعمة، وهي عاصمة ولاية الحوض الشرقي في جنوب شرق موريتانيا، والولاية التي تحدّها جمهورية مالي من الجنوب والشرق. تبعد القرية عن النعمة نحو خمسة عشر كيلومتراً، وكنت كثيراً ما أسافر إليها وأنا صغير ماشياً على قدميّ.

الصحفي احمد الفال : سنأتي إلى كل هذا لاحقاً، لكن قبل ذلك… نعرف أنه لا ينبغي أن تسأل بدوياً عن تاريخ ميلاده! ومع ذلك سنسأل.

د. محمد المختار الشنقيطي : ومَن يدريك أني بدوي؟ (يبتسم) أعلم ما تعنيه… لكني في الحقيقة لا أعرف تاريخ ميلادي: لا اليوم، ولا الشهر، ولا السنة، حسب التقويم الميلادي.

المحظرة بموريتانيا

الصحفي احمد الفال : ولا أي معلومة تقريباً؟

د. محمد المختار الشنقيطي : الشيء الوحيد الذي أعرفه – بفضل مصادفة سعيدة – هو ليلة الميلاد الهجري. فقد وُلدتُ في ليلة المولد النبوي الشريف؛ ليلة الثاني عشر من ربيع الأول. أمّا السنة، فلا أحد يعرفها على وجه التحديد.

الصحفي احمد الفال : وكيف عُرف ذلك؟

د. محمد المختار الشنقيطي : أهل القرية أجمعوا على أن ولادتي كانت ليلة المولد النبوي، وكانت تلك مصادفة ستظلّ عالقة في الذاكرة. ولهذا يتذكّر الجميع ميلادي بسهولة، وكأنني أجدد لنفسي الميلاد كلّما حلّ المولد.

الصحفي احمد الفال : هذه فرصة جميلة، أن يملك الإنسان يوماً يختاره لميلاده ويدعو فيه بما يشاء… وقد يحتفظ بشبابه رقمياً! (يضحك)

د. محمد المختار الشنقيطي : فعلاً… هي فرصة أن يدّعي الإنسان عمراً أقل من عمره الحقيقي. ثمّ إن وثائقي الرسمية لا علاقة لها بتاريخ ميلادي، لأنني لم أحصل على شهادة ميلاد رسمية إلا بعد أن أنهيتُ تقريباً المرحلة الابتدائية، حين كنتُ على وشك إنهاء سنتها الأخيرة.

الصحفي احمد الفال : عجيب… طيب، كيف دخلتَ المدرسة الابتدائية؟ كيف عرفوا عمرك؟ كيف “تزبط” هذه المسألة؟ القصة تبدو غريبة قليلاً.

د. محمد المختار الشنقيطي: فتحوا قسماً جديداً؛ إذ كانوا كل سنة أو سنتين يأخذون دفعة جديدة من الأولاد إلى المدرسة. وكانت المدرسة في قريتنا عبارة عن بيتٍ تملكه إحدى النساء، وهي تقضي معظم وقتها في المدينة، فاستُغلّ بيتها واتُّخذ حجرةً للدراسة. المدرسة كانت غرفة واحدة، ولها معلم واحد. أرسلوني أنا وأخي – رحمه الله – لندخل المدرسة، وكان المدير وهو نفسه المعلّم لا يعرف أعمار الأطفال، لكن كان لديه طريقة فنية للحكم على العمر. كان يقول: من استطاع أن يمسك أذنه اليسرى من فوق رأسه بيده اليمنى، أو يمسك أذنه اليمنى بيده اليسرى، فقد بلغ سنّ المدرسة القانوني.

الصحفي احمد الفال : دعني أجرّب… هكذا؟ هل أنا في السن القانوني للدراسة؟ (يضحك)

د. محمد المختار الشنقيطي: (يبتسم) نعم… هكذا كانوا يفعلون. نجح أخي في ذلك، أما أنا فلم أنجح. أظن أن عمري كان نحو أربع سنوات فقط، فرفض المدير أن يقبلني في المدرسة. لكنني أرغمته! ربما كان هذا أول احتجاج سياسي شاركتُ فيه في حياتي. ملأت المكان صراخاً وبكاءً، وانبطحت على الأرض أتمرّغ فيها. وبسبب الضجة استسلموا، وقبلوني في المدرسة مع أخي ومع أولاد آخرين. كانت دفعتنا متفاوتة الأعمار؛ بعضنا يكبر بعضاً بخمس سنوات تقريباً.

الصحفي احمد الفال : حسناً… في أي سنة تقريباً كان دخولك المدرسة؟

د. محمد المختار الشنقيطي: أقدّر أنه كان في أكتوبر 1973 تقريباً؛ لأنني أنهيت المرحلة الابتدائية عام 1980. أما تاريخ الميلاد، فإن أردت تقديري، فأظنه بين 1968 أو 1969. أما الأوراق الرسمية فتقول 1966، وهذه قصة أخرى… فبعد أن أنهينا خمس سنوات الابتدائية، وجب علينا اجتياز امتحان إنهاء المرحلة، وكان لا بد أن نذهب إلى المدينة. وفي المدينة لا يُمكن إجراء الامتحان دون وثائق رسمية. ذهب المدير إلى مكتب الحاكم في المدينة، وصنع لنا جميعاً بطاقات ميلاد، وكتب للجميع 1966!
كتبها لنا كلّنا، حتى لمن يكبرني بخمس سنوات، وحتى أخي الذي يكبرني بسنتين أو ثلاث… جميعنا صرنا مواليد 1966! وأنا متأكد أني لم أولد سنة 66، لكن هل هو 67 أو 68 أو 69؟ الله أعلم.

الصحفي احمد الفال : حسناً… دخلتَ المدرسة. ما ذكرياتك عنها؟ وما الذي ميّز هذه المرحلة؟

د. محمد المختار الشنقيطي: والله كانت المدرسة آية من الجمال. أستاذ المدرسة ومديرها كان هو نفسه إمام المسجد، رجلاً طيب القلب، كريماً، واسع العلم، حافظاً للقرآن، فقيهاً، مفتي القرية، وإمامها، ومدير المدرسة ومعلمها أيضاً… رجلٌ متكامل. كانت تجربة جميلة. وقد تميّزتُ في النحو والإعراب تميزاً خاصاً منذ السنة الأولى والثانية ابتدائية، وهذا جرّني إلى موقف لا أنساه. صححتُ لأستاذي إعراب كلمة. ويبدو أنه انحرج، فلم يقبل التصحيح. لا أدري إن كان هو المدير أم أستاذاً آخر. لكن حين وصلنا السنة الثالثة ابتدائي أصبح لا بد من تعلّم الفرنسية، فجاؤوا بأستاذ للفرنسية، فأصبح لدينا أستاذان تقريباً: أحدهما للفرنسية وبعض المواد، والمدير يدرّس المواد الأخرى. أذكر قصة لطيفة:
في كتاب المطالعة كانت قصة عن الإسكندر المقدوني، أنه انهزم في إحدى معاركه، وكاد يبلغ اليأس، ثم جلس تحت صخرة يتأمل مصيره ومصير جيشه، فرأى نملة تحاول رفع حبة، فحاولت سبع مرات أو أكثر حتى نجحت. وكان في الكتاب: «لفتَ نظرَ الإسكندرِ منظرُ نملةٍ…» فقال الأستاذ: أعرب الجملة. فقلت: «لَفَتَ» فعل ماضٍ، و«نَظَرَ» مفعولٌ به. فقال: لا، بل «نظر» فعلٌ ماضٍ أيضاً! فقلت له: لا… فانزعج الأستاذ وسكت. تعلمتُ من ذلك درساً مهماً في حياتي اللاحقة حين أصبحتُ أدرّس: لا ينبغي للأستاذ أن يحرج إذا نبّهه أحد طلابه إلى خطأ.

الصحفي احمد الفال : تميزتَ في الإعراب… فهل كنتَ تحفظ بسهولة؟

د. محمد المختار الشنقيطي: نعم، كانت لديّ في الصغر – والحمد لله – قدرة عجيبة على الحفظ. كنا ندرس في المدرسة، وندرس في المحضرة حفظ القرآن الكريم. وكنتُ أحفظ يومياً ربع حزب، بينما التلاميذ المتميزون كانوا يحفظون ثُمن الحزب فقط، وبعضهم أقل. ولعل ذلك يرجع إلى جينات العائلة؛ فقد أخبرني بعض أهلي لاحقاً أنّ جدّي “محمد” كان يُضرَب به المثل في الحفظ، وأنه حفظ مختصر خليل بن إسحاق – وهو من أمهات الفقه المالكي – في بضعة أشهر، وكانوا يفاخرون به. ويبدو أنني ورثتُ شيئاً من تلك الموهبة.

الصحفي احمد الفال : هذا الحفظ يعيدني قليلاً إلى الوراء… كيف بدأتَ أصلاً التهجّي وقراءة القرآن الكريم؟ ومن درّسك الحرف في بداياتك؟

د. محمد المختار الشنقيطي: العرف عندنا في القرية أنّ النساء هنّ من يتولين تعليم الأطفال التهجّي في بداياتهم، لا الرجال. وكان في قريتنا شيختان مجتهدتان يعتمد عليهما الطلاب في حفظ القرآن الكريم: إحداهما تسمّى مريم، والثانية عائشة. أنا درستُ عند مريم. وكان لديها أمرٌ لم أرَ أحداً في بلادنا يفعله، لا في قريتنا ولا في موريتانيا كلها: كانت لا تبدأ تعليم التهجّي بنصّ القرآن الكريم، بل تبدأ بـ قصيدة البُردة! فقالت: أنا لا أريد أن يخطئ الأولاد في نطق القرآن الكريم، فلا بد أن يتدرّبوا ويتقنوا القراءة في حفظ البُردة أولاً، ثم بعد ذلك يبدأون بالتجهّز لينطقوا القرآن سليماً. وأول ما كتب في اللوح مع الحروف هو:
أمِنْ تذكّرَ جيرانٍ بذي سَلَمٍ
مزجْتَ دمْعاً جرى من مقلةٍ بدمِ
أمْ هَبَّتِ الريحُ من تلقاءِ كاظمةٍ
وأومضَ البرقُ في الظلماءِ من إِضمِ

الصحفي احمد الفال : يعني “البردة”1* كانت أول نص حفظته في حياتك؟

1* البُردة هي قصيدة مديح نبوي شهيرة للشاعر الإمام البوصيري في القرن السابع الهجري، تُعدّ من أعظم ما قيل في حبّ الرسول ﷺ. اسمها الكامل “الكواكب الدرية في مدح خير البرية”، لكن اشتهرت بـ البردة لأن الشاعر رأى في المنام أن النبي ﷺ ألقى عليه بُردته بعد إنشادها، فشُفي من مرضه.

د. محمد المختار الشنقيطي: نعم، هذا صحيح. وربما كانت البُردة أول نص أحفظه في حياتي، ولا تزال بقايا منها في الذاكرة إلى اليوم، منذ عمر الرابعة تقريباً.

الصحفي احمد الفال : إذن مريم بدأت معك بالأحرف والبُردة؟

د. محمد المختار الشنقيطي: نعم، صحيح. وكان عندها أيضاً تقليد آخر عجيب.

الصحفي احمد الفال : ما هو؟

د. محمد المختار الشنقيطي: كان قلبها معلّقاً بحجّ بيت الله الحرام، وكانت تشترط على كل الطلاب والطالبات أن يدعوا لها بتيسير الحجّ كل يوم قبل الانصراف. نحن ندرس في اللوح الخشبي، فإذا أكمل أحدنا واجباته وأراد أن يرجع إلى بيته، لا بد أن يقول لها دعاءً مخصوصاً باللهجة المحلية:
«الله يعطينا ويعطيك العافية، ويجيرنا ويجيرك من النار، ويعملْ لك تحي». يعني: يرزقكِ الله العافية، ويجيرك من النار، وييسّر لك سبل الحج. وكان ذلك واجباً يومياً لا تترك أحداً ينصرف بدونه.

ولا أنسى اليوم الحزين الذي سافرت فيه هي وزوجها من القرية إلى المدينة في طريقهم إلى الحج. خرجوا فجراً على الحمير من القرية إلى مدينة النعمة، ثم من هناك سافروا بالسيارة إلى أولادهم في دولة ساحل العاج، فقد كانوا تجاراً هناك، ومن ساحل العاج ركبوا الطائرة. وقد تحقّق لها ما تمنّت؛ فقد حجّت وجاورت، ولم تعد.
أنت تعرف في تقاليد الحجّ عندنا: بعض الناس يحجّ ويرجع، وبعضهم يقول: «أنا ذاهب للجوار»، أي ليمكث في المدينة. وكان قلبها متعلّقاً بأن تموت مجاورةً في المدينة المنوّرة، وقد عاشَتْ هناك عمراً، وتوفّيت ساجدة في المدينة.

الصحفي احمد الفال : رحمها الله. ويُقال إن آخر كلامها كان “لا إله إلا الله…” حين أراد رجلٌ مساعدتها؟

د. محمد المختار الشنقيطي: نعم، صحيح… حين رجعت عليها السيارة – ولم ينتبه لها أحد في البداية – وجاء السائق يعدو ليسعفها، قالت له: «لا تَمَسّني… ماك محرِّمني»، أي: لا تلمسني، فأنت لست محرماً لي. وكانت هذه آخر كلمة نطقتها، ثم قالت: «لا إله إلا الله». كانت امرأة عابدة زاهدة عجيبة.

الصحفي احمد الفال : بعد رحيل مريم، انتقلتَ إذن إلى الشيخة عائشة. ماذا درستَ عندها؟ إلى أي حزب مثلاً؟

د. محمد المختار الشنقيطي: لا أذكر بالضبط بداية التهجّي معها… لكن الشيخة عائشة كانت تحفظ ستة عشر جزءاً من القرآن الكريم، وتحفظها إتقاناً. ومن لم يُكمل هذه الأجزاء الستة عشر لا يدرس إلا عندها. وكانت مشهورة بالجدّ، والصَّرامة، وقلة النوم، والشراسة أيضاً… وبالضرب! ضربتني مرةً – والنساء عندنا لا يضرِبن بأيديهن، بل بأقدامهن – حتى أُغمي عليّ، ولا أنسى ذلك. لكنّي لم أرَ أحداً مثلها في الإتقان والجدّ، وكأنها تعمل أربعاً وعشرين ساعة. نتركها أحياناً عند منتصف الليل، ونعود قبل الفجر فنجدها مستيقظة. جلستُ عندها سنين أحفظ.

الصحفي احمد الفال : كيف كان برنامجك اليومي في تلك الفترة؟ يبدو أنه كان مرهقاً.

د. محمد المختار الشنقيطي: كان برنامجاً عجيباً فعلاً. قبل الفجر نذهب لحفظ القرآن، ونظل نحفظ حتى الساعة 7:30 صباحاً تقريباً. ثم نركض إلى أهلنا لنأخذ إفطاراً سريعاً، ثم نذهب إلى المدرسة. وفي المدرسة من الساعة الثامنة حتى الثانية عشرة. نرتاح قليلاً، ثم نذهب إلى المحضرة للحفظ ساعة أو ساعتين، حتى نسمع جرس المدرسة الساعة الثالثة. النظام كان فرنسياً قديماً: أربع ساعات صباحاً، وساعتان بعد العصر. نخرج من المدرسة قبل الغروب بقليل، ولا يمكن أن يؤذن المغرب إلا ونحن عند الشيخة، ونستمر معها إلى نحو الساعة الثانية عشرة ليلاً. كان مجموع ساعات الدراسة اليومية حوالي 17 إلى 18 ساعة، بين المحضرة والمدرسة. ولا أدري من أين كانت لدينا تلك الطاقة!

الصحفي احمد الفال : وعندما بلغتَ سورة الإسراء، تخرّجتَ من عند الشيخة عائشة، صحيح؟

د. محمد المختار الشنقيطي: نعم، صحيح.

الصحفي احمد الفال : من درّسك بعد ذلك؟

د. محمد المختار الشنقيطي: درستُ بعد ذلك على شيخين من رجال القرية لفترة، ثم انتقلت إلى شيخي الذي مكثتُ معه طويلاً، وحصلت منه على الإجازة، وهو الشيخ أحمد خليل، في قرية تبعد عن قريتنا نحو 25 أو 30 كيلومتراً.

الصحفي احمد الفال : هذا الرجل يهمّني كثيراً أن تحدثني عنه، لأنه يبدو مربياً استثنائياً.

د. محمد المختار الشنقيطي: وهذا صحيح. الشيخ أحمد – أطال الله عمره – ولا يزال حياً إلى اليوم، ويخرج طلاباً ويمنح الإجازات منذ أكثر من خمسين سنة. أول ما يميّزه العبادة؛ فهو صائم الدهر، دائم الصيام في الصحراء القاسية، في السفر والحضر، لا تكاد تراه مفطراً. وقائم الليل، مستحيل أن يفوته قيام الليل سفراً أو حضراً.

الصحفي احمد الفال : وكنتَ تسافر معه؟

د. محمد المختار الشنقيطي: نعم، سافرت معه على الجِمال، وكانت لنا أسفار عجيبة وغريبة. زوجته كان أهلها بدوا رحّلاً، ونحن أنصاف بدو. فنحن غالب الوقت في القرية، فإذا نقصت المراعي نتحوّل إلى حالة الترحّل. أما هو، فكان يذهب لملاحقة زوجته في الصحراء، وأنا معه على الجمل! وفي إحدى الرحلات – وهي رحلة لا أنساها ما حييت – كنا نسافر صيفاً في صحراء جافة، والشجر إذا يبس لا يُرى في الليل. قد تمر بجانب الشجرة في الظلام فيجرحك الشوك دون أن تراها. كنتُ راكباً خلف الشيخ على الجمل؛ والراكب في الرحل محميّ من الأغصان، أما من يركب خلفه على الكَفَل فسيقاه متدليتان ومعرضتان لكل الشوك. فكان الشوك يجرح ساقيّ حتى تسيل منهما الدماء، وأنا لا أنطق بكلمة واحدة احتراماً للشيخ. وكان الشيخ يقول لي أثناء السفر: «اسمع يا بُنيّ… تذكّر أن هذه النجمة على منكبك الأيمن»، ويهتدي بالنجوم كما كان يفعل العرب الأقدمون… كأنه GPS بدوي أصيل.

الصحفي أحمد فال: يا سلام… وعلاماتهم بالنجمة يهتدون، لأن معالم الصحراء متشابهة.

د. محمد المختار الشنقيطي: نعم؛ أحيانًا تضيع كلُّ المعالم فلا تعرف شرقًا من غرب، ولا تميّز الجهات. فيقول لك الشيخ: هذه النجمة هنا، أو هذه النجوم الثلاثة أو الأربعة على منكِبك الأيمن؛ حتى إذا اختلطت عليك الجهات – كما نقول في اللهجة: «إِلى ارْتَبْطُوا رُؤوسْنا» – تتذكر أن هذه النجوم على منكِبك هذا، فلا تفقد البوصلة. وكانت ليلةً شديدة الظلام؛ نبحث ولا ندري أين نجد القوم. والقاعدة في مثل هذا الموقف: إذا عجزتَ عن معرفة الجهة، فاترك للجمل الاجتهاد؛ فالجمل يجد إنسًا عجيبًا؛ يشمّ رائحة الناس أو الحيوانات أو أي شيء، أو يسمع الأصوات من بعيد أكثر مما نسمع. فدعه يقودك؛ فإنه مأمور، مسخَّر، كما نقول.

فقال الشيخ: لا سبيل لنا إلا أن نترك الجمل يمشي على راحته. تركناه؛ يمشي مرة في هذا الاتجاه، ومرة في ذاك… وفجأة شممنا رائحة الدخان، فقلنا: انتهت المشكلة، فهذا يعني أن هناك قريةً أو حيًّا قريبًا، وسنصل لا محالة إلى حيٍّ من الأحياء، لا ندري أهو حيُّنا أم غيره. ثم تبيّن في الصباح أنه حيٌّ جميل. حين أصبح الصباح رأى الشيخ الجروح في ساقَيَّ من الشوك، فقد كانت سيقاني مخدوشة كلها. ومع ذلك لم أُحدّثه بالقصة، لأن نظام المحضرة عندنا يقتضي مستوى من التوقير للشيخ لا مثيل له؛ فأنت تخدم الشيخ خدمة مباشرة بيدك، وتُسخَّر له تسخيرًا، وهذا جزء من الأدب معه. هذا هو الشيخ الذي حفظتُ عنده القرآن، وهو الذي منحني الإجازة.

الجُرَيْف قريةٌ موريتانية قرآنيةٌ خالصة؛ لا يكاد يمضي وقتٌ دون أن ينساب صوتُ التلاوة في أرجائها. صِبيةٌ وفتياتٌ، يحفظون كتابَ الله آناء الليل وأطراف النهار، حتى غدا القرآن نَفَسَها الذي تتنفّسه وروحَها التي تحيا بها.

الصحفي أحمد فال: حسناً… الجُرَيْف التي تحدّثتَ عنها، ما الذي بقي في ذهنك منها؟ وما هي الحكايات التي نشأتَ وأنت تسمعها في تلك البيئة؟ فكل بيئة لها حكاياتها الثقافية التي تتسرّب إلى أذن الطفل وهو يكبر.

د. محمد المختار الشنقيطي: نعم، هناك ذكريات كثيرة لا أنساها، وأعتقد أنها ساعدت في تشكيل ذاتي. أولاً: الجُرَيْف قريةٌ قرآنية؛ لا يكاد يخلو وقت من سماع الناس يقرؤون القرآن؛ الأولاد والبنات يحفظون القرآن ليل نهار، وهذه ذكرى جميلة جدًّا. ثم هناك محكيات بحكم الجغرافيا؛ وأهمها ما يتعلّق بمقاومة الاستعمار الفرنسي. فعلى بُعد سبعة كيلومترات تقريبًا من قريتنا موضع يسمّى في لهجتنا: «شَلْخَةْ الصَّنَادْرَة». “شلخة” بمعنى شِعب أو وادٍ، و”الصنادرة” تعني الجنود أو العسكر، ولا أدري هل أصل الكلمة من “جنادره” أم من لفظ فرنسي كـ«سولْدات» ونحوها؛ على كل حال تبدو فيها ظلال فرنسية أو تركية. هذا المكان مصدر فخرٍ لنا في القرية؛ لأن أحد قادة مقاومة الاستعمار الفرنسي من منطقتنا، اسمه الشيخ العَبْدَك، أغار على الفرنسيين هناك، وقتل منهم مقتلة عظيمة. ولا يزال الناس إلى اليوم يتغنّون بأمجاده في أغانٍ شعبية، تحوّل بسببها إلى أيقونة في البادية.

نحن نسكن في السفح، فإذا قلّت المراعي صعدنا إلى الجبل طلبًا للكلأ لدوابّنا. وهذه الجبال هي نفسها التي كان يتحصّن فيها الشيخ العبدك ورفاقه المقاومون. كان الناس يسمّونهم «أهل الكْدِيَّه»؛ أي أهل الجبل، ومن انضمّ إليهم يُقال له: «مِكْدِي»، أي ذهب إلى الكدية وصار مقاوماً في الجبل. نحن نرعى في تلك الجبال، والفتيات يردّدن الأغاني الشعبية الجميلة عن المقاومة، وما زالت تلك الأغاني في ذاكرتي إلى اليوم؛ فهي أغنيات ملحمية في جُرَيْف.

منها أغنيةٌ تقول في لهجتنا عن خطوط التلغراف:
«عَنْكْ يَالسِّلْكْ امْشِي، يَكُولْهَا…عَنْكْ يَالسِّلْكْ امْشِي، يَكُولْهَا…الخُوَيْبَهْ خْلَاتْ، انْقَطَعُولْهَا،إِلَّا بْتِنَاتْ نُولُّولْهَا…»

ومعنى الكلام: “ابتعدْ أيها السلك (سلك التلغراف)، فالخُويْبَة – أي القلعة/الموضع – خَلَتْ وانقطع شأنها، وإن بُنِيت من جديد سنعود فنُكرّر الكَرّة عليها”. كان الفرنسيون يستعملون سلك التلغراف بين مناطق نفوذهم، وكانت المقاومة تهاجمهم وتقطع هذه الخطوط؛ لتغافلهم إذا أرادت الإغارة عليهم. في إحدى المرات قطعوا خطوط التلغراف في منطقة هي اليوم داخل جمهورية مالي، لكنها ليست بعيدة عنا. كان ذلك الفضاء في نظر المقاومين كله أرضًا للمسلمين هاجمها النصارى؛ هكذا كانت المعادلة في وعيهم. الموضع الذي يتحدثون عنه في الأغنية اسمه الخُوَيْبَة رَأْس الماء أو «خَابْيَة رَأْسْ لْمَا»؛ وسُمّي كذلك لأنه عنده فرع من روافد نهر النيجر يبدأ من هناك، وقد بُنيت لاحقًا بلدة في ذلك الموضع داخل مالي. أغار الشيخ العبدك ورفاقه على الفرنسيين هناك، وقطعوا خطوط التلغراف، وصارت الأغنية تتردّد على افواه الساكنة. فأنت ترى أن الفضاء من حولنا كان فضاءً مشاكسًا على المستعمر منذ القدم؛ وهذه الأغاني الشعبية في جُرَيْف بقيت في خيالي إلى اليوم: منها أغاني المقاومة، ومنها أغاني المديح النبوي.

الصحفي أحمد فال: إذن: الدين والمقاومة… الدين والسياسة من جديد!

د. محمد المختار الشنقيطي: نعم، الدين والسياسة معاً. كانت من الأغاني التي نرددها: «عليكْ أَنْوَارْ، يَا النَّبِي… عليكْ أَنْوَارْ… عليكْ أَنْوَارْ فِي كُلْ لَيْلَهْ، وَعْلِيكْ أَنْوَارْ فِي كُلْ نَهَارْ…»

أغانٍ في المديح النبوي جميلة جدًّا؛ تربّينا بها على محبّة رسول الله ﷺ، مع قصيدة البردة، وتربّينا في الوقت نفسه على محبّة المقاومين للاستعمار. الشيخ العبدك كان مجاهدًا عظيمًا، وكان أبوه يقود المقاومة، ومعه أخوه الزُّوَيْن؛ وأبوه اسمه محمد.
كبّدوا الاستعمار الفرنسي خسائر فادحة بين سنتي 1911 و1916، وهذه المرحلة الذهبية لمقاومتهم. ثم أُلقِي القبض عليهم، ودُفِع بهم إلى المنفى في دولة ساحل العاج. مات الوالد محمد هناك، وكذلك الأخ الزوين، وبقي الشيخ العبدك؛ حُكِمَ عليه سنواتٍ طويلة – بالسجن المؤبّد أو قريبا منه – ثم أُرجِع بعد ذلك إلى البلاد، وتوفّي في منطقتنا سنة 1958 رحمه الله.

وقد حدّثني خالي رحمه الله – وكان بينه وبين الشيخ العبدك وُدٌّ – عن كيفية هجومهم على قوة فرنسية قرب قريتنا.
قال: رصدنا قوةً فرنسية في تلك المنطقة، وتركناهم حتى ارتفع الضحى؛ أخذوا بنادقهم وعلّقوها في الشجر، وهيّأوا الشواء والشاي، وجلسوا يأكلون ويستريحون، فهجمنا عليهم على حين غِرَّة. فكانت معركة خالدة لا يزال صداها وأغانيها يتردّدان إلى اليوم.

الصحفي أحمد فال: هناك شخصية أخرى كانت محورية في نمط تربيتك وتعليمك، سنتوقف عندها، وهي الوالد رحمه الله. أود أن أسمع منك أولاً عن علاقته بالثقافة، ثم عن علاقتك أنت به.

د. محمد المختار الشنقيطي: رحم الله والدي؛ كان شخصية استثنائية. كان تاجرًا، ولم يكن متفرّغًا للعلم طلبًا وتدريسًا، لكنه كان أديبًا بالفطرة، ذا ذاكرة قوية تشبه الذاكرة التي كانت عندي في الصغر. يحفظ كميةً عجيبةً من الشعر العربي؛ لا تكاد تذكر له بيتًا إلا حدّثك عن قائله، وفي أي سياق قاله، وما قصته، كلّ ذلك من كثرة القراءة وسهولة الحفظ. كان زاهدًا، متصوّفًا، أديبًا؛ ومنه أخذتُ محبة الأدب العربي. كانت عنده مكتبة، وكان يحب القراءة، بل مدمنًا عليها. يحكي لنا – ولم أعايش هذه القصة بنفسي، لكن سمعناها منه ومن غيره – أنه اشترى يومًا قطيعًا من الإبل، ثم ساقه بعد مدة وجيزة إلى السوق وباعه. فلامه الناس: لماذا تبيع إبلك؟ فقال: منذ أن اشتريتُ هذه الإبل لم أستطع أن أفتح كتابًا، ولا أن أجد وقتًا للمطالعة، فتيقّنتُ أن الإبل ليست من المال الذي يصلح لي، ولا أنا أصلح لها؛ فبعته، واشتريتُ البقر بدلاً منها!

وكان يقول: البقر حيوان أليف، حيوان ثقافي، حيوان طيب يمكن أن تقرأ معه وأنت مرتاح؛ أما الإبل فكل يوم لها ضالة، وأخبار، ومطاردة، ومشكلات. كان يحب القراءة حبًّا جمًّا، ومن الكتب التي كان مدمنًا عليها: «إحياء علوم الدين» لأبي حامد الغزالي – الغزالي دانشمند كما يُلقَّب – وكتاب «الإصابة في تمييز الصحابة»، وكتاب «الغزوات» للبدوي، وكتب أخرى عرفتها وألفتها وأحببتها منذ الصغر.

ومن الكتب التي بقيت معي إلى اليوم مقامات الحريري 2*؛ فقد حفظتُ على والدي كثيرًا من المقامات وأنا صغير جدًّا؛ وبقيت في ذاكرتي قصص جميلة ونحن نقرأ معًا المقامات، ونتضاحك من مغامرات أبي زيد السروجي: يكون واعظًا أحيانًا، ومحتالاً أحيانًا أخرى.

2 * مقامات الحريري: مجموعة قصص أدبية بليغة، تقوم على السرد والحيلة والبلاغة، كتبها الحريري البصري في أوائل القرن السادس الهجري، وتحديدًا نحو سنة 504هـ / 1110م تقريبًا، وهي السنة التي فرغ فيها الحريري من صياغة المقامة الأولى قبل أن يُتمّ مجموعته المشهورة.، وتُعَدّ من أرقى نماذج النثر العربي في عصره.

والمقامات نصٌّ عجيب في جمال الألفاظ، وهو من أهم وسائل بناء الرصيد اللغوي. وتعرف أن من تقاليدنا أن يحفظ الطالبُ واحدًا من النصوص التأسيسية: إمّا ديوان المتنبي، أو ديوان غيلان، أو دواوين الجاهليين، أو مقامات الحريري. وكان من حظّي أن يكون نصّي التأسيسي هو المقامات، وهذا من فضائل والدي عليَّ، رحمه الله.

الصحفي أحمد فال: أنا عندي سؤال في موضوع المقامات: لماذا كنتَ تقرؤها على والدك؟ فأبي – رحمة الله عليه – كان يفعل الشيء نفسه؛ يطلب مني أن أقرأ عليه المقامات. هل كان الهدف أن يستمتع هو بسماعها، أم كان هدفًا تربويًّا لنا نحن الأبناء؟ هل كان يريد أن يعرّفك ويربطك بالنصوص المؤسسة أم كان هو يحب أن يسمعها فحسب؟

د. محمد المختار الشنقيطي: أظنّ الأمرين معًا. هو بلا شك كان يستمتع بسماعها، وهذا واضح من طريقته وهو يصغي إليّ، لكن الغاية الأساسية أنه أراد أن يدرّبني على اكتساب تلك المفردات الثقيلة الجميلة المشحونة في كتاب المقامات. مقامات الحريري هو الكتاب الذي قال فيه الزمخشري: «أقسم بالله وآياته، ومنسك الحج وميقاته، إنَّ الحريريَّ حَرِيٌّ بأن تُكتب بالتِّبْرِ (الذَّهَب الخالص) مقاماتُه.»

الصحفي أحمد فال: شهادة من شيخ البلاغيين، إي والله، الزمخشري نفسه. فهو كتاب من أعجب ما يكون، وقد بقيت المقامات معي طيلة حياتي ولا تزال أثرًا مهمًّا في تكويني، بل اكتشفت بعض أبعادها ومعانيها بعد زمن طويل، وسنأتي إلى ذلك لاحقًا إن شاء الله. ذكرتَ علاقة والدك بالكتب، وأنه باع إبله من أجل المطالعة. كيف كان تعامله مع الكتاب نفسه؟

الرجل الذي لا يُعير كتبه للناس غبي، ولكنَّ الأغبى منه هو الذي يُعيدها بعد استعارتها!

د. محمد المختار الشنقيطي: كان حريصًا على الكتب إلى حدّ القداسة تقريبًا، ولا يعير كتابًا قط. أما أنا فأُخالفه في هذا؛ أعير كتبي للناس، لكن الوالد لم يكن يعير أحدًا كتابًا. وقد فهمتُ رأيه لاحقًا عبر عبارة سمعتُها من أحد الأمريكيين بعد سنين طويلة، يقول فيها: «الرجل الذي لا يُعير كتبه للناس غبي، ولكنَّ الأغبى منه هو الذي يُعيدها بعد استعارتها!» أما والدي، فكان يرى الكتب شيئًا مقدّسًا لا يُعرى. ومن الطريف أنه علّمني نصًّا من سيرة العلّامة مَمُّو للعلامة يحظيه – النص الشهير – يقول فيه: «ولا يصونُ كتبَهُ عن طالِبِ وليس دونَ بابِهِ من حاجِبِ» أي: أن الكريم لا يمنع كتبه عن طلاب العلم، ولا يجعل على بابه حاجبًا.
لكن هو نفسه لا يُعير كتابًا! ذات مرة، أحد التجار – وهو صديق حميم عزيز عليه – طلب منه أن يعيره كتابًا، فقال له الوالد:
“أنت تعلم أني لا أعير كتبي، لكن إن شئتَ وهبتُه لك”. فقال التاجر مازحًا: “نعم، هَبْه لي!”، وأخذ الكتاب. وبعد يوم أو يومين عاد التاجر وقال له: “يا مختار، سامحني؛ لقد أسأتُ الظنّ بك حين غضبتَ من إعارة الكتاب، لكني الآن عذرتك”. قال له الوالد: “كيف؟” قال: “الكتاب الذي أخذته منك نزل المطر على البيت، وسال السقف، وضاع الكتاب في الماء؛ لا أدري أكان جزءًا من الإصابة لابن حجر أم غيره (يرد هنا مزاحًا ليخفف من وقع الخبر على الشيخ المختار، لأن الشيخ كان شديد الحرص على كتبه)”. فازداد اقتناع الوالد أنه لا يُعير كتبه لأحد أبدًا.

الصحفي أحمد فال: في هذه البيئة التي وصفتَها، أظن أن الوالد ذهب في رحلة حجّ برًّا، أليس كذلك؟

د. محمد المختار الشنقيطي: ذهب مرتين؛ مرةً برًّا ولم يَصِل، ومرةً جوًّا. المحاولة الأولى كانت قبل ولادتي بمدة؛
كان الوالد يتاجر بين موريتانيا ومالي بحكم أننا في منطقة حدودية، فالتقى في مالي بقافلةٍ من قوافل الحجاج، فقرّر أن يصحبهم. وكانت في القافلة امرأة من قومٍ آخرين، فتزوّجها، وهي زوجته الأولى، اسمها مريم. خطبها، فقالت له:
“أشترط عليك أنني لن أتخلف عن قافلة الحج؛ إن أردت الزواج بي فتعال معي، لكن لن أنتظرك يومًا واحدًا”. فتزوّجها وسافر معها قليلًا، ثم شغلته التجارة وتعطّل، فاستمرّت هي مع القافلة، وكأنها طلّقته عمليًّا وواصلت طريق الحج. كانت القوافل تمرّ بمالي، ثم النيجر، ثم تشاد، ثم السودان، ومن هناك يقطعون البحر الأحمر إلى الحجاز. وفي السودان وُلِدت أختي الكبرى غير الشقيقة زينب، في يوم استقلال السودان، فهي والسودان توأمان تقريبًا؛ عام 1956، في الخرطوم. والأعجب من ذلك أن أمَّها كانت قريبةً لمحمد صالح الشنقيطي – إحدى الشخصيات السياسية المهمّة في السودان، ورئيس البرلمان المعروف فيما بعد.
أكرمهم محمد صالح الشنقيطي إكرامًا عجيبًا؛ كانت أختي تحكي لنا أن أمّها قالت: كان يزورنا دائمًا مع زوجتيه؛ لا يأتي إلا بهما معًا إكرامًا لنا. ثم أصرّ أن تسافر الأمّ وابنتها زينب إلى جدة جوًّا، وكان السفر بالطائرة عام 56 أمرًا ليس هيّنًا. أصرّ على ذلك، وحملهما في الطائرة من الخرطوم إلى جدة، فذهبتا جوًّا بحمد الله، وعاشتا بقية العمر هناك في الحجاز. وكان الوالد إذا زار السعودية في عمرة أو حج أو غير ذلك، يذهب لزيارتهما في البيت.

هذه كانت المحاولة الأولى للحج. أما المحاولة الثانية فكانت أيضًا بالطائرة، في الخمسينيات تقريبًا، حجّ فيها وعاد، وتمّت له فريضة الحج بحمد الله.

الصحفي أحمد فال: ما الذي تذكره من مواقفك الخاصة مع الوالد، قبل أن نتركه وننتقل إلى فقرة أخرى؟ مواقف فارقة ارتبطت في ذهنك وكان لها دور محوري في حياتك؟

د. محمد المختار الشنقيطي: الوالد – رحمه الله – كان لي معه علاقة خاصة جدًّا، خصوصًا حين كنت أُحضّر للسنة السادسة ابتدائي. انتقلتُ إلى المدينة، وسكنت معه؛ لأنه كان يسكن في مدينة النعمة بحكم تجارته، ونحن في قرية الجُرَيف. كانت تلك تقريبًا السنة الوحيدة التي جلست فيها معه أنا وأخي – رحمه الله – لنحضّر امتحان الابتدائية، فكنّا معه حصرًا، فتعمّقت صلتي به كثيرًا. واصلت قراءة كتب الأدب، وهو يحب أن أقرأها عليه؛ ربما ليتسلّى بها، وربما ليشجّعني على القراءة. ومن المواقف الظريفة: كنتُ أقرأ عليه بعض شعر ابن الرومي، ووصلتُ إلى قصيدته التي يرثي فيها ابنه الأوسط:

«بُكاؤُكما يُشفِي وإن كان لا يُجدي…..فقد أودى نظيرُكما عندي
أقاتلُ اللهُ المنايا ورَمْيَها…..من القومِ حَبّاتِ القلوبِ على عَمْدِ
تَوَخَّى حِمَامُ الموتِ أوسَطَ صِبْيَةٍ…….فللهِ كيفَ اختارَ واسطةَ العِقدِ…»

إلخ القصيدة. ما إن قرأتُ المقطع الأول حتى قال الوالد بلهجتنا: «كافيك يا وْلِيدِي، كافيك يا وْلِيدِي»، اي: حسبك يا بُني، يكفي. لم أفهم السبب في البداية، ثم التفتُّ فإذا به يبكي. سألت نفسي: ما القصة؟ كنتُ آنذاك في السنة السادسة ابتدائي، عمري نحو 11 سنة. أخذتُ الكتاب، وقلت: دعني أرى ما وراء القصيدة. قرأتُ أنها رثاءٌ لابنٍ أوسط، مات صغيرًا، وكان أبوه يحبه حبًّا جمًّا، فبكى عليه هذا البكاء المرّ في قصيدة بديعة. ثم قلت: وما الذي أبكى أبي؟
فتذكّرت أننا تسعة من الأولاد الأشقاء، وأنا في منتصفهم تمامًا؛ أكبر منّي ولدان وبنتان، وأصغر منّي ولدان وبنتان؛ أنا رقم خمسة من تسعة، أي “الولد الأوسط” حرفيًّا. ففهمتُ كيف تماهى أبي مع مأساة ابن الرومي، وكأنه تشاءم من القصيدة وما تحمل من معانٍ، فطلب مني أن أكفّ عن قراءتها.

هذه كانت من طرائف الأدب التي عشتها معه. وهناك طرائف أخرى “تُطوى ولا تُروى”… أو هكذا يُقال! لكن سأروي لك واحدة منها لأننا في حكايات إفريقية (يبتسم). مرّةً أرسلتُ له رسالة وأنا أُحضّر الشهادة الثانوية – مع أني لم أدرس الثانوية دراسة نظامية، بل ترشحت لها لاحقًا – أرسلتها مع خالتي، أطلب منه فيها أن يزوجني! هذه – كما يقال – من القصص التي تُطوى ولا تُروى، لكنها صارت تُروى الآن (يضحك).

رجعت خالتي وهي تضحك ومعها الرسالة، وقالت: “أبوك جاءني وهو يضحك، وقال لي: ابن أختك يريد أن يتزوج!”، وضحك هو وهي. ثم كتب أبياتًا على ظهر الرسالة، وأعطاها لها، وقال: “أعطيه هذه”.

وصلتني الرسالة، وعلى ظهرها هذه الأبيات:

يعني: إذا أطلقتَ بصرك رائدًا لشهوتك، أتعبتك المناظر، ورأيت ما لا تقدر عليه، ولا تصبر عن بعضه، فإيّاك والأمر الذي إن توسعت موارده ضاقت عليك مصادره! نصيحة شاعرية رفيعة، أراد بها أن يقول لي بلطف: اصبر يا بُني، فليس الآن وقت الزواج.
الصحفي أحمد فال: يا سلام، يا سلام… إذن هذه الرسالة كانت واضحة: والدك يقول لك فيها إنك لستَ جاهزًا للزواج، فاسترح واصبر.

د. محمد المختار الشنقيطي: نعم، بالضبط. كانت رسالة لطيفة يقول لي فيها بلغة الشعر: “لستَ مهيَّأً بعدُ للزواج، فاصبر”. وكانت من الطرائف الجميلة في علاقتي معه.

الصحفي أحمد فال: حسنًا… دخلتَ المدرسة، حفظتَ القرآن، واندملتَ في الدراسة، وتميّزتَ في النحو والحفظ وغير ذلك. لكن بعد ذلك وقع حادث مهم، هو أنك – بقرار شخصي – قررتَ “الهرب” من المدرسة إن جاز التعبير. ما القصّة؟

د. محمد المختار الشنقيطي: نعم، هربتُ من المدرسة إلى المحظرة، ثم هربتُ من المحظرة أيضًا! حكايتي مع الهرب معروفة؛ شيء من التمرّد على المدرسة، بعد أن نجحتُ في امتحان السنة السادسة ابتدائي ودخلتُ الإعدادية، من اليوم الأول لم أفهم شيئًا اسمه “الرياضيات”. كانت بالنسبة لي طلاسم في طلاسم. حين انتقلوا بنا من الحساب البسيط إلى المعادلات، شعرتُ بالصدمة. كانت تلك بداية تعريب التعليم في موريتانيا أو تكثيفه، تقريبًا سنة 1980؛ الكتب تأتي من العراق، وبعض المدرسين من مصر وسوريا، وبعضهم موريتانيون. نصيبنا في الرياضيات كان أستاذًا مصريًّا طيبًا محترمًا؛ هو يدرّس الرياضيات، وزوجته تدرّس العلوم. بدأ يكتب على السبورة: س زائد ص، س زائد ص… أنا أعرف خمسة زائد خمسة تساوي عشرة، لكن س زائد ص لم أفهم منها شيئًا من أول درس. جلستُ في الإعدادية ربما شهرًا واحدًا، ثم هربتُ من المدرسة، ورفضتُ متابعة الدراسة.

الصحفي أحمد فال: وحين لاحظتَ أن أهلك غير مرتاحين من تركك للدراسة، ماذا فعلت؟

د. محمد المختار الشنقيطي: حين شعرتُ أن أهلي غير راضين، هربتُ من موريتانيا كلها! كان عمري آنذاك حوالي اثنتي عشرة سنة. ربما يستغرب الناس هذا، لكنني وجدتُ سيارةً في السوق فيها بعض أهل قريتنا مسافرين إلى دولة ساحل العاج – مسافة تقارب ثلاثة أو أربعة آلاف كيلومتر – فصعدتُ معهم في السيارة ببساطة. سألتهم: إلى أين أنتم ذاهبون؟ قالوا بلهجتنا: “رايحين كَلْدْوَار” – أي “كوت ديفوار”، ساحل العاج. قفزتُ معهم في السيارة والسلام، وهم يعرفونني ويعرفون أهلي، فالأمر عادي. لم يكن معي حتى ثمن الرحلة، فقلتُ لأحدهم: “هل يمكنك أن تدفع عني أجرة السفر؟”
فقال: نعم، عنده. فاعتمدتُ على قرابتي بهم وذهبتُ معهم إلى ساحل العاج.

الصحفي أحمد فال: وماذا كان في ذهنك؟ ماذا تريد بالضبط؟

د. محمد المختار الشنقيطي: كان في ذهني أن شيئًا اسمه الدراسة لا أصلح له مطلقًا. تحطّمت معنوياتي تمامًا بسبب “س زائد ص”! كنتُ متعوّدًا على التفوّق وإتقان ما أدرسه، لكن صدمتني الرياضيات على يد الأستاذ – أذكره بخير – فكرهتُ المدرسة كلها.

الصحفي أحمد فال: هل تذكر اسم الأستاذ كاملًا؟ لعلّه يشاهدنا!

د. محمد المختار الشنقيطي: إن لم تخني الذاكرة فاسمه مجدي أمين. وأذكر اسم زوجته أيضًا؛ فقد وقعت لنا معها قصة طريفة.

الصحفي أحمد فال: هذه القصة لا بد أن نسمعها.

د. محمد المختار الشنقيطي: سألناه مرة عن اسم زوجته، فقال: “اسمها مذكور في القرآن الكريم”. فبدأ الطلاب يبحثون في أذهانهم عن الأسماء: مريم؟ قال: لا، ليست مريم. اسمها في القرآن، لكنهم لم يصيبوا. كان بيننا طالب مشاغب قريبٌ لي، فقال للأستاذ: “أستاذ، يمكن اسمها حَمّالَة الحطب!” فغضب الأستاذ غضبًا شديدًا، وطرده من الفصل. لكن لأن هذا الطالب كان صاحب روح فكاهية، والطلاب يحبونه، خرجتْ المدرسة كلُّها تقريبًا في نوع من “الاحتجاج” تضامنًا معه، وأصبحت أزمة صغيرة في المدرسة. بعد ذلك قال لنا الأستاذ: اسمها “هُدى” – أو أظن “بُشرى” – أي كلمة وردت في القرآن، لكنها ليست اسم علمٍ لامرأة بعينها.

الصحفي أحمد فال: جميل… نعود إلى رحلتك في ساحل العاج.

د. محمد المختار الشنقيطي: وصلتُ إلى ساحل العاج، وذهبتُ إلى خالٍ لي هناك تاجر. قلتُ له: أريد أن أعمل معك في التجارة. فرح بي كثيرًا؛ أولاً لأني أعرف الحساب، فقد درستُ الابتدائية، وقليل من أهل القرية من درسها أصلاً، وثانيًا لأن عندي مستوى جيدًا في اللغة الفرنسية، وهي لغة التعامل في ساحل العاج. فعدّني شخصًا مثاليًّا لأكون مساعدًا له في الدكان، يكلّفني بالمهام التجارية. لكنني خيّبتُ ظنّه… ذات يوم جاء فوجدني أتشاجر مع إحدى الزبونات بالخبز الفرنسي الطويل – “الباغيت” – وقد حوّلته إلى عصا أضربها به! القصة أن امرأة كبيرة في السن دخلت، فقلت لها بالفرنسية:
“Bonjour mademoiselle” – صباح الخير يا آنسة. فغضبت وقالت: “لا، لستُ آنسة، أنا madame!” هي تعتبر نفسها سيدة متزوجة، لا “آنسة”. تطوّر النقاش بيننا حول “مادام” و”مادموازيل”، ثم رمت عليّ شيئًا، فأخذتُ أنا الخبز وضربتُها به، فضربتني هي أيضًا! دخل خالي علينا ونحن نتضارب بالخبز، ففهم أن هذا الفتى سيُفسد عليه تجارته، وقال: “هذا ليس تاجرًا!” وغضب وعاتبني. فلما عاتبني، خرجتْ التجارة من قلبي تمامًا.

الصحفي أحمد فال: وماذا فعلت بعد ذلك في ساحل العاج؟

د. محمد المختار الشنقيطي: هجوتُ ساحل العاج بأبياتٍ من الشعر كانت من أوائل ما كتبتُ، أقول فيها: «ساحِلُ العاجِ ما إليهِ معاجي…ومقامي، ولا لدَيهِ رواجِي» أدركتُ أن “رواجي” ليس في التجارة هناك. ثم كانت نعمة عظيمة أن عدتُ إلى أهلي، وذهبتُ إلى المحظرة من جديد لأستكمل دراسة القرآن الكريم، للاتقان والحصول على الإجازة مع الشيخ أحمد خليل.

انتهى الجزء الثاني من الحوار


مقالات ذات الصلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE