د. أحمد عمري: من بناء فرق البحث إلى إشراك المزارع في تحسين الحبوب الخريفية.

د. الحسـن اشباني
مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب، خبير و صحفي مهني
========================
في سطور
في هذه الحلقة، يستعيد د. أحمد عمري مرحلة أساسية من مساره العلمي، حين كان البحث في الحبوب الخريفية يقوم على عمل جماعي يجمع الباحثين والتقنيين والمؤسسات الوطنية. فقد ساهمت المحطة الرئيسية للبحوث الزراعية الخاصة بالحبوب الخريفية، بقيادة السيد عبد الله وأسو، في تكوين نواة لفريق متعدد التخصصات، يضم خبرات في تحسين النباتات وأمراضها وإنتاج البذور وغيرها من المجالات الضرورية لتطوير أصناف ملائمة للزراعة المغربية. ويتوقف د. عمري عند أهمية البرنامج الوطني للحبوب، الذي جعل نتائج البحث تصل إلى حقول المزارعين عبر تجارب ميدانية واسعة. ولم يكن الهدف استنباط أصناف جديدة فحسب، بل تسجيلها، وإكثار بذورها، وتقييم أدائها في الظروف الحقيقية للإنتاج. كما يتحدث عن الجهود المبذولة لحفظ الأصناف المحلية من القمح والشعير والفول والعدس والفصة، من خلال إنشاء نواة لبنك جيني وجمع السلالات المحلية من مناطق مختلفة من المغرب. وقد تعزز هذا العمل بالتعاون مع مؤسسات دولية، مثل «إيكاردا» و«سيميت»، وبالتبادل العلمي مع باحثين من بلدان المغرب العربي وحوض البحر الأبيض المتوسط. وتبرز في هذه الحلقة تجربة التحسين الوراثي التشاركي، التي جعلت المزارع شريكًا في اختيار الصنف. فقد بينت التجارب أن المردودية وحدها لا تكفي؛ إذ يهتم الفلاح كذلك بكمية التبن، ولون الحبوب، وجودتها، وقيمتها في السوق. ومن هنا أصبح تطوير الأصناف يقوم على الاستماع إلى حاجات المزارعين، وربط البحث العلمي بما ينجح فعلًا في الحقل ويخدم الاستقرار الزراعي.
من بناء فرق البحث إلى إشراك المزارع في تحسين الحبوب
من العمل الفردي إلى الفريق المتكامل
أرى أن ما تحقق في مجال تحسين الحبوب الخريفية لم يكن ثمرة جهد فردي، بل نتيجة تعاون واسع بين باحثين وتقنيين ومؤسسات وطنية ودولية. وأستحضر، في هذا السياق، الدور المبكر للسيد عبد الله وأسو، رئيس المحطة الرئيسية للبحوث الزراعية الخاصة بالحبوب الخريفية، الذي كان من أوائل من اهتموا بخلق نواة لفريق بحثي متكامل. وضم هذا الفريق باحثين مختصين في مجالات متعددة، من بينهم السيد مصطفى توفيق، الذي كان يهتم بأمراض النباتات، إلى جانب عدد من الزملاء الذين أسهموا، كل من موقعه، في بناء هذا العمل الجماعي.
البرنامج الوطني للحبوب: حين تصل نتائج البحث إلى الحقول
من المحطات المهمة التي عشتها تقوية البرنامج الوطني للحبوب على مستوى وزارة الفلاحة. وكان الهدف من هذا البرنامج هو إيصال نتائج البحث الزراعي إلى المزارعين في مختلف المناطق، عبر تجارب ميدانية أُنجزت لدى عدد كبير منهم. وكان للسيد حدا، رفقة فريقه بالوزارة، فضل مهم في إنجاح هذا الورش. وأرى، بكل أسف، أن مثل هذه الأنشطة الميدانية، التي كانت تصل البحث العلمي مباشرة بالواقع الزراعي، لم تعد حاضرة اليوم بالمستوى نفسه. وقد ساهم هذا البرنامج في وضع خطة متكاملة لتسجيل الأصناف، وتعزيز قدرات مؤسسات إكثار البذور، وتوسيع دائرة الاستفادة من الأصناف المحسنة.
حفظ الذاكرة الوراثية للحبوب
ضمن هذا العمل المتكامل، اهتممت أيضًا بحفظ الموارد الوراثية المحلية. ففي محطة تجارب الحبوب الخريفية أنشأنا نواة صغيرة لبنك جيني، خُصص لحفظ السلالات والأصناف القديمة من القمح والشعير. ثم تعزز هذا التوجه بعد إنشاء البنك الوراثي بمدينة سطات، حيث كنت من المهتمين بهذا الورش، بدعم من الدكتور كمال محمد والدكتور محمد المريد. وقمت، في هذا الإطار، بعدة رحلات ميدانية إلى مناطق مختلفة من المغرب لجمع الأصناف المحلية، إيمانًا مني بأن هذه الثروة الوراثية ليست مجرد أثر من الماضي، بل مورد علمي يمكن أن يسهم في تحسين الأصناف الزراعية وتكييفها مع الظروف المحلية.
تعاون مغاربي ومتوسطي مع المؤسسات الدولية
شهدت تلك المرحلة كذلك تقوية التعاون مع المؤسسات الدولية، ولا سيما المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة «إيكاردا» (مقره الرئيس حاليًا في بيروت، لبنان، بعد أن كان مقره التاريخي في حلب، سوريا)، والمركز الدولي لتحسين الذرة والقمح «سيميت» في المكسيك. ومن خلال هذا الدعم، أُنشئت فرق بحثية ضمت باحثين من بلدان المغرب العربي ومنطقة حوض البحر الأبيض المتوسط. وقد أتاح هذا التعاون تبادل الخبرات والسلالات النباتية، وتوسيع آفاق البحث في تحسين الحبوب الخريفية، ضمن رؤية مشتركة جمعت المؤسسات الوطنية بالشركاء الدوليين.
حين يصبح المزارع شريكًا في التحسين الوراثي
بعد تنسيقي للبرنامج الوطني إلى حدود سنة 1999، انخرطت في تجربة أخرى ذات أهمية خاصة، تمثلت في إدخال منهج التحسين الوراثي التشاركي. وقد أُنجز هذا العمل بتعاون مع المركز الدولي للموارد الوراثية النباتية، وبمشاركة باحثين من معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة. ركزنا على التعريف بقيمة الأصناف المحلية للقمح الصلب والشعير والفول والعدس والفصة، واشتغلنا في مناطق مختلفة من المغرب مع أعداد كبيرة من المزارعين. وكانت الفكرة الأساسية واضحة: لا يكفي أن يكون الصنف مرتفع الإنتاج في التجارب العلمية، بل ينبغي أن يستجيب أيضًا لحاجات الفلاح وتصوراته العملية.
أصناف تُقاس قيمتها في الحقل لا في المختبر فقط
أفادتنا التجربة بأن بعض أصناف الشعير الأولى، رغم مردوديتها، كانت قصيرة القامة ولا توفر كمية كافية من التبن، وهو ما جعل عددًا من المزارعين يترددون في اعتمادها. ومن هنا اتجهنا، خلال أواخر ثمانينيات القرن الماضي، إلى استنباط أصناف تجمع بين مردودية الحبوب وكميات مناسبة من التبن والقش. وفي القمح الطري، أتذكر مثال صنف «السعادة»، الذي اختير من سلالات جُلبت من الولايات المتحدة. غير أن لون حبوبه الأحمر الداكن حدّ من انتشاره لدى المزارعين. وكان ذلك درسًا إضافيًا لنا في أهمية مراعاة الجودة المرغوبة في السوق، ولون الحبوب، وقبول المستعمل النهائي، إلى جانب الإنتاجية الزراعية.
استراتيجية لحماية الأصناف المحلية وتثمينها
ساهمت كذلك في وضع استراتيجية لحفظ الأصناف المحلية للقمح والشعير والفول والعدس والفصة، بمشاركة باحثين من المعهد الوطني للبحث الزراعي ومعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، من بينهم الدكتور أحمد بيروك والدكتور محمد الصادقي (وزير سابق للفلاحة بالمغرب بين 2021 و2024). ولم يكن الهدف حفظ هذه الأصناف فقط، بل دراسة مدى انتشارها، وتقييم إمكانات تحسينها، ورفع مردوديتها وقيمتها التسويقية، حتى تظل موردًا حيًا في خدمة الفلاحة المغربية.
في هذا الفيديو
يتحدث د. أحمد عمري عن مرحلة مفصلية في تطوير البحث الوطني حول الحبوب الخريفية، من تكوين فرق بحثية متعددة التخصصات إلى تجارب ميدانية واسعة نقلت نتائج المختبر إلى حقول المزارعين. كما يستعرض جهود حفظ الأصناف المحلية وإنشاء نواة لبنك جيني، وأهمية التعاون مع مؤسسات دولية مثل «إيكاردا» و«سيميت». ويتوقف أيضًا عند تجربة التحسين الوراثي التشاركي، التي جعلت المزارع شريكًا في اختيار الصنف المناسب، وأكدت أن نجاح الأصناف لا يُقاس بالمردودية وحدها، بل بقدرتها على الاستجابة لحاجات الفلاح والسوق.
===========================




