خطبة الجمعة لوزير الثقافة السوري في المسجد الأموي بدمشق : ” ربط ثقافة الدولة بروح القرآن ومبادئ العدالة والحرية.”

د. الحسن اشباني
مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي
أنشر هنا نص خطبة الجمعة التي ألقاها وزير الثقافة السوري في العهد الجديد بالمسجد الأموي بدمشق يوم 5 دجنبر 2025 بعنوان: «ذكرى التحرير والحفاظ على الدولة»، لما تحمله من رسائل عميقة في زمن التحوّل والحرية، موجّهة للشعب السوري، وللشعوب الإسلامية أيضًا التي تعاني في بعضها من خطبٍ موحّدة جاهزة تُكتب في مكاتب وزارات الاوقاف وتُلقى على الناس إلقاءً بلا روح ولا أثر. لقد حاول الوزير أن يُعيد للجمعة معناها الأول الذي زرعه رسول الرحمة في منبرها، وأن يحرّرها من طابعها الروتيني الممل ومن رتابة التمجيد والوظيفة الشكلية، لتعود صوتًا للحق وقربًا من أوجاع الناس، في السياسة والمجتمع معًا. يمكن القول أن خطبة المسجد الأموي سنة 2025 للدكتور د. سامر الأيوبي، خريج جامعة السوربون، بباريس (2007)، كانت نقطة تحول بارزة، إذ وجّه فيها رسائل مباشرة للخطباء والمثقفين حول مسؤوليتهم الأخلاقية تجاه الناس، وربط ثقافة الدولة بروح القرآن ومبادئ العدالة والحرية.
الحمدُ لله الذي من شاءَ رفع، ومن شاءَ وضع، ومن شاءَ أعطى، ومن شاءَ منع، والصلاةُ والسلامُ على الصادقِ الأمين الذي قال: «عليكم بالشام، فإنها خِيرةُ الله من أرضه، يجتبي إليها خيرتَه من عباده»، فالحمدُ لله الذي ردَّنا إلى الشام، وردَّ الشامَ إلينا بعد طول غُربةٍ وأسى.

عبادَ الله، يقول الله جلَّ وعلا: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، لقد نسبَ النصرَ إلى نفسه في قوله: ﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾، وما النصرُ إلا من عند الله، وفي آخر الآية حضَّ على مقام الشكر: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، وقد منَّ الله علينا بنصرٍ عزَّ نظيره في هذا التاريخ، أفلا نكون عبادًا شاكرين؟
وكيف نشكر؟ نشكر الله بتقواه، بإتيان أوامره واجتناب نواهيه، نشكره جلَّ وعلا بأن نستخرج رسائل القرآن فنجعلها ثقافةً يومية. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، هذه رسالة نقولها دائمًا، لكن هل نتبيَّن؟ ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ رسالة، فهل أتينا بالبراهين على ما نقول ونسمع؟ لقد قالت العرب قديمًا: «حسْبُك من شرٍّ سماعُه»، فكيف بنقله وترويجه والعَون على انتشاره؟ هل أتينا بالبراهين؟ ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾، وهذه رسالة يا سادة، انظروا حولكم: هذه دمشق، وهذا جامع بني أمية،

وحولكم جيرانكم المسيحيون، وحولكم الكنائس، وهذه دمشق تبدو كما كانت قبل آلاف السنين، عاصمةً للحضارة، عاصمةً للسلم والتعايش، واسمعوا إلى رسالة ربكم في القرآن الكريم: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون. يريدون أن يُحدِّثونا عن التعايش بين الأديان، فنقول لهم: هذه دمشق، وهذا منبر جامع بني أمية الذي وقف عليه المسيحي فارس الخوري يومًا حين كانت هناك ثورة على الاحتلال، وهذا المنبر نفسه الذي وقف عليه عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
وكلكم تذكرون الخطباء الذين كان قولهم مقرونًا بالفعل، وتذكرون الخطباء الذين نافقوا للنظام الساقط، وهذا منبر رسول الله، وحقُّه إذا وقفنا عليه أن نقول كلمة الحق، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو متعلقة بأوجاع الشارع.
الوزير السوري للثقافة وهو يخطب في الناس في مسجد الاموي بدمشق
واليوم ربما تسألون: ما الذي جاء بوزير الثقافة ليصعد المنبر ويلبس شيئًا ليس له؟ وأقول لكم: كنتُ مع أخي معالي وزير الأوقاف، وجمعنا بعض السادة خطباء المساجد، وقلنا لهم: نريد أن يكون الواقف على هذا المنبر متصلًا بأوجاع الشارع، لا يجوز بحالٍ من الأحوال أن تكون القمامة منتشرة في الشوارع ويتوقف الخطيب يومًا عن الحديث عن هذا الأمر، ولا يجوز بحالٍ من الأحوال أن يزعجنا الناس بدراجاتهم النارية الصاخبة، يقلقون المرضى وكبار السن وينشرون الفوضى ثم يصمت الحديث عنهم، ولا يجوز بحالٍ من الأحوال أن يقف رجل بسيارته موقفًا يضيّق على الناس ثم نسكت عن ذلك، فهذه الظواهر الاجتماعية لا يجوز أن تغيب عن المنابر، ولهذا صعد الوزير إلى هنا. لم أرد أن ألبس هذا الثوب تشريفًا، بل أردت أن أكون على طبيعتي كما تعرفونني، أردت أن أحدثكم بلغة عامية لأقول: إن هذا المنبر وُجد ليقول كلمة الحق، وليكون قريبًا من أوجاع الشارع.

لقد عصفت بنا رياح التغيير عام 2011، وكلكم تذكرون الخطباء الذين كان قولهم مقرونًا بالفعل، وتذكرون الخطباء الذين نافقوا للنظام الساقط، وهذا منبر رسول الله، وحقُّه إذا وقفنا عليه أن نقول كلمة الحق، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو متعلقة بأوجاع الشارع.
أيها الناس، إن من أهم الرسائل التي أريد إيصالها أن القرآن كتاب نتبرك به، لكنه أيضًا كتاب نستخلص منه الرسائل كل يوم ونطبقها على أرض الواقع: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ رسالة، ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ رسالة، ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ رسالة. كثيرٌ لديه أفكار، لكن هل أنزلتَ فكرك من فضاء الحلم إلى أرض الواقع؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ رسالة، فأين العدل والإحسان وأنت ترمي القمامة في الشارع؟ أين العدل والإحسان وأنت تسيء إلى جارك؟ ألم يقل نبينا صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»؟ ألم يقل: «ليس منا من لم يأمن جارُه بوائقه»؟ أين العدل والإحسان وهناك

من يأكل ميراث أخته؟ أين العدل والإحسان وهناك من إذا سُمِع صوت مفاتيحه في الباب خافت الزوجة وخاف الأبناء وتحولت المودة إلى خوف؟ كنا نقول: إن منَّ الله علينا بسقوط هذا النظام المجرم فلا نريد شيئًا من الحياة، ثم إذا تمادينا في الحلم قلنا: إن أكرمنا الله بحل هذا الجيش فذاك فضل، ثم بُشِّرنا بتفكيك أجهزة الأمن المجرمة، ثم منَّ الله علينا بنواة دولة حقيقية تصل الليل بالنهار لرفع شأن هذه البلاد، لتعود سوريا حاضرةً للعالم وعاصمةً للقرار. واليوم رأيتم هذا الحدث التاريخي والتفوق الدبلوماسي، رأيتم أن مجلس الأمن الذي كانت تُشدُّ إليه الرحال قد شُدَّت الرحال إليكم، فجاء مندوبون عن خمس عشرة دولة إلى دمشق، زاروا دمشق القديمة، ورأوا كيف تعانق المساجد الكنائس، رأوا أصالتكم وحضارتكم.
أيها الناس، لقد منَّ الله علينا بالحرية، والحرية وسيلة لا غاية، من ظنّ أن الحرية غاية يقف عندها فهو واهم، إنما الحرية وسيلة للعمل والإتقان ورفع السقف عاليًا. وفي وزارة الثقافة نتبنى ثلاثة مفاهيم: حرية الفكر مقابل التلقين، والمعرفة المتجددة، وأن تقترن الثقافة بالقيم والأخلاق، فنحن صادرون عن ثقافة القرآن العظيم، هذا الكتاب الذي نستخلص منه مئات بل آلاف الرسائل الدبلوماسية والثقافية والأخلاقية، فلا يجدر بنا إلا أن نولي هذا الكتاب حق ولايته، وأن نستخلص منه ما يصلح ديننا ودنيانا.
ملحق : من هو الدكتور سامر الأيوبي ؟
المسار العلمي والمهني : الدكتور سامر الأيوبي من مواليد دمشق سنة 1977، حاصل على الدكتوراه في الفكر السياسي العربي من جامعة السوربون بفرنسا، والماجستير في تاريخ الحضارة الإسلامية من جامعة دمشق، والإجازة في الأدب العربي. اشتغل أستاذًا جامعيًا وباحثًا في قضايا الهوية والتحول الثقافي، وأسهم في إدارة عدد من المراكز البحثية المعنية بالسياسات الثقافية وإحياء التراث العمراني. عُرف بمداخلاته الفكرية الجريئة حول علاقة الثقافة بالدولة، وبنقده للخطاب الرسمي الجامد وللوصاية على الفكر.
في المنصب والرؤية : عُيِّن وزيرًا للثقافة في العهد السوري الجديد سنة 2025، باعتباره أحد الوجوه الفكرية التي واكبت مرحلة التحرير والتحول. يقوم مشروعه الثقافي على تحرير الثقافة من التلقين، وترسيخ حرية الفكر، وربط الإبداع بالقيم والأخلاق. من أبرز أولوياته رقمنة التراث السوري، إعادة فتح المراكز الثقافية في المحافظات، دعم الصناعات الإبداعية، وإطلاق برامج وطنية لتشجيع القراءة. كما يدعو إلى إعادة الاعتبار للمنابر بوصفها فضاءً للحق وخدمة الناس، لا أداة للتمجيد والوظيفة الشكلية.




