Uncategorized

ما لا يخبرك به بائع العناية الذاتية المزيفة

العناية الحقيقية فعل مقاومة وإعادة امتلاك قوة الاختيار


ذ هدى بركات

مستشارة نفسية وأسرية

==============

في سطور

يضعنا مقال الأستاذة المقتدرة هدى بركات أمام سؤال لا تطرحه علينا إعلانات الرفاهية: هل العناية بالذات ما نشتريه عندما نتعب، أم ما نغيّره حتى لا يستمر استنزافنا؟ فجلسة المساج، وكوب الشاي الأخضر، وتطبيقات التأمل قد تمنحنا لحظة جميلة، لكنها لا تعالج وحدها بيئة عمل مجحفة، أو علاقة مؤذية، أو عجزنا عن قول «لا».

ومن خلال أفكار أودري لورد، وبيل هوكس، وإريك فروم، وكارل يونغ، وبوجا لاكشمين، تكشف الكاتبة المسافة بين عناية مزيفة تخدّر التعب مؤقتاً، وعناية حقيقية تعيد إلى الإنسان قوة الاختيار. إنها عناية تقوم على وضع الحدود، والتعاطف مع الذات، والعيش وفق القيم الشخصية، واستعادة ما نملكه من قدرة على الفعل.

ولا يغفل المقال المجال المخفي لصحة الرجال النفسية، كما يبيّئ المفهوم داخل ثقافتنا العربية والإسلامية، حيث لا يكون التعافي فعلاً فردياً منعزلاً دائماً، بل تجربة نتقاسمها مع من نحب. فالعناية الحقيقية لا تقطع صلتنا بالآخرين، وإنما تحمينا من الذوبان في مطالبهم، وتساعدنا على أن نمنحهم من عافيتنا، لا من بقايا أرواحنا المنهكة.

د. الحسن أشباني

الفكرة الأساسية

العناية السطحية مقابل العناية الحقيقية بالذات

العناية السطحية، أو المزيفة، أو السريعة، هي مجموعة من الحلول الجاهزة والأنشطة الاستهلاكية، مثل جلسات المساج للاسترخاء، أو اليوغا السريعة، أو شراء مستلزمات الرفاهية. وهي أساليب ووسائل تلقي باللوم على الفرد، وتطالبه بالتأقلم مع بيئة ونظام مجهدين، من دون إحداث تغيير حقيقي. أما العناية الحقيقية بالذات، فهي عمل داخلي متواصل يتطلب اجتهاداً ووعياً، واتخاذ قرارات صعبة، ووضع حدود واضحة، وتغيير العلاقة مع الذات والآخرين.

الفكرة المركزية العناية المزيفة تمنحك استراحة قصيرة من الحياة التي تستنزفك، أما العناية الحقيقية فتدفعك إلى مواجهة أسباب الاستنزاف، ووضع الحدود، واستعادة قدرتك على الاختيار.

المقدمة

ونحن في موسم الإجازة الصيفية، وفي عالم يزداد تسليعاً واستهلاكاً، تلاحقنا ثقافة الرفاهية بوصفات جاهزة ساحرة وأنيقة، يأخذك بعضها إلى عالم شهريار: خدمة الشخصيات المهمة، والزرابي الحمراء، والزينة، والأفرشة الخلابة، والشموع المعطرة. مرحباً بك! لقد حجزت جلسة استرخاء ومساجاً مريحاً. تفضل مشروبك من الشاي الأخضر.

وما هي إلا ساعة أو ساعتان حتى تخرج من عالمك الجميل، لتجد نفسك من جديد تدور في تلكم الساقية المجهدة، حاملاً الشعور الثقيل نفسه بالإرهاق والذنب، وربما ثقوباً جديدة في حافظة نقودك المهترئة أصلاً.

وفي لحظات، يتبخر وهم الراحة والاسترخاء، وتصبح الرعاية الذاتية مثقلة بالكثير من الاحتياجات الملحّة والمشتريات الجديدة؛ فأنّى لك أن تلبي ذلك كله؟

نعم، لقد كنت ضحية الإعلام المضلل.
نعم، لقد ابتلعت الطُّعم.

أولاً: خديعة الرفاهية السريعة

الرعاية الذاتية ممارسة واعية ومستمرة، يقوم بها الفرد لحماية صحته النفسية والعقلية والجسدية، والحفاظ على توازنه الشخصي في مواجهة ضغوط الحياة.

إذن، كيف تحولت الرعاية الذاتية إلى ماركات تجارية، وعروض سخية مبهرة، ووصفات جاهزة للرفاهية والمتعة السريعة؟

1. التأصيل الفكري للعناية بالذات

لم تكن الرعاية الذاتية في أصلها منتجاً يوضع فوق رفوف المتاجر. فعندما كتبت الشاعرة والناشطة الحقوقية أودري لورد (Audre Lorde) كتابها الشهير A Burst of Light («ومضة من نور»)، منحت مفهوم العناية بالذات بعداً سياسياً ومقاوماً، وكتبت:

«إن اعتنائي بنفسي ليس تدليلاً للذات، بل حفاظٌ عليها، وهذا فعل من أفعال الحرب السياسية.»

كانت الرعاية الذاتية بالنسبة إلى أودري لورد وسيلة بقاء في حربها مع مرض السرطان، وفعل مقاومة يحمي الإنسان، ولا سيما المنتمي إلى الفئات المهمشة، حتى يبقى حياً وقادراً على مواجهة البيئات المجهدة.

أما بيل هوكس (bell hooks)، فقد طورت الفكرة من زاوية أخرى في كتابها All About Love: New Visions («كل شيء عن الحب: رؤى جديدة»)، الصادر سنة 2000، ومنحت حب الذات أبعاداً أعمق من مجرد البحث عن رفاهية مؤقتة. فالتعافي الحقيقي، في نظرها، يتطلب نقداً صادقاً للذات، ومواجهة جروحها، وتغيير العلاقات المؤذية التي تعوق نموها.

وأبدع الفيلسوف وعالم النفس الاجتماعي إريك فروم (Erich Fromm) حين ميّز بين أسلوبين في الحياة: أسلوب التملك، الذي نرى انعكاسه في العناية المزيفة: أنا أملك منتجاً، وأملك جلسة مساج، واشتراكاً في نادٍ، إذن أنا بخير؛ وأسلوب الكينونة، الذي يقوم على النمو، والاتصال بالقيم، والتفاعل الفعّال مع العالم.

ومن زاوية نفسية، رأى كارل غوستاف يونغ (Carl Gustav Jung) أن معرفة الذات لا تكتمل من دون مواجهة منطقة الظل في داخلنا؛ تلك المنطقة الخفية التي نرفض الاعتراف بها، ونحاول إبعادها عن صورتنا الواعية. ومن هنا، لا تكون العناية الحقيقية بالذات هروباً من الأجزاء التي تزعجنا في أنفسنا، بل شجاعة في رؤيتها وفهمها وإعادة بناء علاقتنا بها، مع وضع حدود واضحة أمام الإملاءات المجتمعية التي تعوق تشكل الذات الحقيقية المتفردة.

أما كارل سيدرستروم (Carl Cederström)، إلى جانب أندريه سبايسر (André Spicer)، فقد اتجه إلى نقد ثقافة الرفاهية وتحسين الذات التي حولت العناية بالذات إلى التزام إجباري جديد يولد الشعور بالذنب. فبعض المؤسسات تطالب الأفراد بممارسة اليوغا والتأمل السريع لإعادة شحنهم والعودة بهم إلى العمل مجدداً، بدلاً من إصلاح بيئات العمل وشروطها المجحفة.

وهكذا، تتطلب العناية الحقيقية بالذات مواجهة على واجهتين: مواجهة داخلية مع ما نخفيه ونرفضه في ذواتنا، ومواجهة خارجية مع ثقافة استهلاكية حولت التعافي إلى سلعة، والرفاهية إلى واجب جديد، والإنسان المنهك إلى زبون دائم.

يتضح من هذا المسار أن مفهوم العناية بالذات عرف مخاضاً فكرياً طويلاً، ولا تزال الكتابات تتناسل حوله لارتباطه الوثيق بصحة الإنسان النفسية والجسدية. وأريد هنا أن أتوقف قليلاً عند أحد الكتب التي تروج حالياً على تطبيقات القراءة، وهو كتاب الطبيبة النفسية بوجا لاكشمين. فكيف تنظر بوجا إلى موضوع العناية بالذات؟ وكيف تفسره من خلال منهج العلاج النفسي العملي؟ وأين تكمن الإضافة النوعية في كتابها الأخير «العناية الحقيقية بالذات»؟

العناية المزيفة أم العناية الحقيقية؟
العناية المزيفة أم العناية الحقيقية؟

ثانياً: من التخدير السطحي إلى إعادة امتلاك الخيار

إن قيمة كتاب الدكتورة بوجا لاكشمين (Pooja Lakshmin) Real Self-Care («العناية الحقيقية بالذات») لا تكمن في اختراع الفكرة من الصفر، أو كما يقال: إعادة اختراع العجلة، بل في تقديم ترجمة طبية ونفسية لهذا المفهوم. فقد أعادت صياغة عدد من الأفكار الفلسفية والسياسية، وقدمتها في إطار علاجي نفسي عملي يتناول مشكلات الإرهاق الحديث. كما يتميز الكتاب بلغة ميسرة، وهو في حد ذاته دليل إرشادي يمكنك أن تبدأ تطبيقه على نفسك من الآن.

المبادئ الأربعة للعناية الحقيقية بالذات

تفاعلاً مع ما كتبته الدكتورة بوجا لاكشمين، وتفسيراً وتأكيداً وتبييئاً لما جاء في كتابها، نتوقف عند فكرة عميقة تنطلق منها الكاتبة، وهي أن العناية الذاتية ليست منتجاً استهلاكياً، بل طريقة في التفكير ومساراً في الحياة. وقد كتبت:

«لقد فهمت أن العناية الحقيقية بالذات ليست الحل الأكثر مصداقية واستدامة فحسب، بل هي أيضاً حل ينبع من الداخل.»

وبعد أن خاضت بوجا تجربتها الخاصة في البحث الأكاديمي، والتدريس في مجال الطب، وممارسة الطب النفسي لسنوات طويلة، وعبرت محطات حياتية ملهمة شملت الزواج والطلاق، ومغادرة برنامجها التدريبي في الطب النفسي، والانضمام إلى جماعة متطرفة في مجال الرفاهية والتأمل، ثم اكتشاف الوجه الآخر لهذه الجماعة؛ كتبت هذا الدليل مفعماً بتجربة غنية تستحق الدرس والتأمل.

وقد قادتها تلك الرحلة إلى اكتشاف مهم: أن الخروج من نظام طبي منهك لا يعني بالضرورة العثور على الخلاص داخل صناعة الرفاهية؛ فقد يكون النظامان، على اختلاف مظهرهما، عاجزين عن معالجة الجذور الحقيقية للإنهاك. ومن هذه التجربة صاغت المبادئ الأربعة الموجهة للعناية الحقيقية بالذات.

أولاً: وضع الحدود وتعلّم قول «لا»

الحدود ليست جدراناً نبنيها لإبعاد الناس، بل هي مساحة شخصية آمنة نحدد داخلها ما يمكننا قبوله وما لا يمكننا قبوله، بناءً على قدراتنا الجسدية والنفسية، وحمايةً لصحتنا العقلية وطاقتنا. وانطلاقاً مما تطرحه الدكتورة بوجا لاكشمين، يمكن تنظيم عملية وضع الحدود في أربع خطوات عملية:

الخطوة الأولى: تحديد نقطة الاحتكاك

فالحدود لا تبدأ مع الآخرين، بل تبدأ من وعيك بذاتك. فما يشعرك بالغضب أو الخوف أو الإرهاق تجاه شخص أو طلب معين قد يكون علامة على أن الأمر يفوق طاقتك، أو أنه تجاوز حدّاً من حدودك الشخصية.

مثلاً: عندما يطلب منك شخص أن ترد على اتصالاته أو رسائله بعد الساعة الثامنة مساءً، وتشعر بالتوتر كلما رن هاتفك، ثم تبدأ في الانفعال على ابنك أو زوجك، فذلك يعني أن الأثر لم يعد محصوراً في علاقتك بذلك الشخص، بل امتد إلى بيتك وأسرتك.

والتطبيق الذي تقترحه بوجا، باعتبارها طبيبة نفسية، هو ألا تتجاهل غضبك ولا تسايره، بل أن تتوقف لتفهم الرسالة التي يحملها. اعترف بأن هناك حدّاً قد انتُهك: إنه وقتك الخاص ليلاً بعد العمل، أو الوقت الذي خصصته لنفسك ولأسرتك.

الخطوة الثانية: اتخاذ القرار والتخلي عن إرضاء الآخرين

إن السبب الأساسي الذي يشل قدرتنا على وضع الحدود هو الخوف من إغضاب الآخرين أو الشعور بالذنب تجاههم. وتؤكد الدكتورة بوجا أن وضع الحدود الحقيقية قد يتسبب في عدم رضا الطرف الآخر، وأن عليك تقبّل هذا الانزعاج المؤقت بدلاً من التضحية المستمرة براحتك وطاقتك.

ونضرب مثلاً من واقعنا المعاش: تطلب منك صديقتك أو إحدى قريباتك أن ترافقها لشراء بعض المستلزمات، في يوم عطلتك الوحيد الذي خططت فيه للراحة أو لقضاء وقت خاص مع أسرتك الصغيرة.

التطبيق: تجنبي الرد التلقائي بـ«نعم»، واستخدمي جملة تمنحك بعض الوقت، مثل: «دعيني أتحقق من برنامج اليوم، وسأرد عليك بعد ساعة». سيعطيك هذا التأجيل مساحة للتفكير بعيداً عن ضغط الموقف، ويساعدك على اتخاذ قرار حقيقي بدلاً من تقديم موافقة سريعة تندمين عليها لاحقاً.

وقفة مع النفس
  1. هل أملك الوقت والطاقة لهذا الطلب؟
  2. هل تنبع موافقتي من رغبتي وقيمي، أم من خوفي من غضب الآخرين؟
  3. ما الثمن النفسي الذي سأدفعه إذا تجاهلت حدودي هذه المرة؟

الخطوة الثالثة: الصياغة الواضحة والمباشرة

الحدود الناجحة التي تضعها مع الآخرين لحماية مساحتك الخاصة تكون قصيرة وواضحة، ولا تتضمن إفراطاً في الاعتذار أو تقديم المبررات؛ لأن كثرة الاعتذار تمنح الطرف الآخر مساحة للمساومة والضغط.

مثلاً: إذا دُعيت إلى تجمع عائلي مجهد، يمكن أن تكون إجابتك واضحة وقصيرة: «لن أستطيع الحضور هذه المرة، أتمنى لكم وقتاً ممتعاً»، بدلاً من قولك: «لا أعلم، ربما أمتنع عن الحضور لأنني أشعر بقليل من المرض». الإجابة الأولى واضحة ومباشرة وحاسمة، أما الإجابة الثانية فمشوشة ومربكة، وتفتح للطرف الآخر باب المساومة والضغط عليك أكثر من أجل الحضور.

الخطوة الرابعة: تحمّل التبعات وعدم التراجع

عندما تضع حدودك الخاصة، لا يمكن أن تكون أول من يخرقها؛ فالحدود ليست مجرد إعلان للنوايا، وإنما هي سلوك ومتابعة وممارسة يومية.

مثلاً: خرجت من العمل، فاتصل بك مديرك بعد الساعة الثامنة، ثم أعاد الاتصال عند الساعة التاسعة ليطلب منك تحديثاً سريعاً حول أحد الملفات. التطبيق: لا تجب عن الرسالة حتى الصباح، ما لم يكن الأمر طارئاً بالفعل. فالحفاظ على صمتك في ذلك الوقت هو الممارسة الفعلية لوضع الحدود، أما إعلانها ثم الاستجابة في كل مرة، فيحوّلها إلى كلمات لا أثر لها.

ثانياً: تغيير أسلوب حديثك مع ذاتك

أن تغيّر أسلوب حديثك مع ذاتك يعني أن تحوّل صوت الناقد الداخلي، من صوت يلومك ويجلدك على كل خطأ أو تقصير، إلى صوت أكثر تعاطفاً وتفهماً. فلا تقف أمام نفسك موقف القاضي الذي لا يرى إلا العيوب، بل عاملها كما تعامل شخصاً تحبه: أنصت إلى تعبها، وتفهم ضعفها، وذكّرها بأنها بذلت ما استطاعت بما كان متاحاً لها في تلك اللحظة.

امدح نفسك، وامنحها حضناً كبيراً، واشكر تلك الذات التي صمدت أمام كل الأهوال التي عشتها في حياتك. وامتن لهذا الجسد الجميل الذي يواصل العمل، واشكر هذا القلب الذي لا يزال ينبض، واحتف بإنجازاتك اليومية مهما بدت صغيرة؛ فالإنجاز ليس دائماً ما يراه الآخرون عظيماً، بل قد يكون ما تراه أنت انتصاراً على تعبك وظروفك.

وقد يكون إنجازك اليوم أن تنهض من فراشك، أو تنجز عملاً مؤجلاً، أو تعتذر عن خطأ، أو تطلب المساعدة، أو تقول «لا» لطلب يفوق طاقتك. لا تقارن خطواتك بخطوات الآخرين، ولا تجعل قيمتك معلقة بحجم ما تنجزه أو بسرعة وصولك.

والتعاطف مع الذات لا يعني تبرير الأخطاء أو الهروب من المسؤولية، بل يعني أن ترى خطأك من دون أن تختزل نفسك فيه، وأن تصححه من دون أن تهين ذاتك. يمكنك أن تقول: «لقد أخطأت، وسأحاول إصلاح ما أستطيع»، بدلاً من أن تقول: «أنا فاشل، ولا أحسن فعل شيء».

توقف عن ملاحقة الكمال في كل شؤونك؛ لأن العناية الحقيقية بالذات لا تبدأ عندما تصبح نسخة كاملة بلا عيوب، بل تبدأ عندما تكف عن معاقبة نفسك لأنها بشرية.

ثالثاً: التوافق مع القيم الشخصية

التوافق مع القيم الشخصية يعني أن تحدد ما يهمك بالفعل، لا ما يفرضه عليك المجتمع أو العائلة أو نظرة الآخرين. فالقيم هي المعاني العميقة التي تريد أن تقود حياتك، مثل الصحة، والصدق، والأسرة، والرحمة، والحرية، والتعلم، والعدل، والإيمان.

اسأل نفسك الآن: ما القيم التي تمثلني حقاً؟ لا تختر قائمة طويلة يصعب عليك تذكرها أو تطبيقها. فكر في قيمة أو قيمتين تحتاج إليهما في هذه المرحلة من حياتك، حتى تستطيع التركيز عليهما؛ فهما بوصلتك الحقيقية في يومك وليلك، وكلما كانتا واضحتين، ازدادت قدرتك على اتخاذ قرارات تنسجم معهما.

مثلاً، إذا كانت قيمتي الآن هي صحتي النفسية والجسدية، فإن العناية الحقيقية بذاتي تقتضي أن أنظر إلى قراراتي اليومية من خلال هذه القيمة: هل أقبل عملاً إضافياً يفوق طاقتي؟ هل أواصل علاقة تستنزفني؟ هل أتنازل باستمرار عن وقت نومي وراحتي؟ وهل أوافق على كل ما يطلبه الآخرون مني خوفاً من غضبهم؟

لكن التوافق مع القيم لا يعني أن نعيش دائماً من دون تناقض أو ضعف؛ فقد نعرف ما يهمنا، ثم نتصرف أحياناً على خلافه تحت ضغط الخوف أو الحاجة أو العادة. والعناية الحقيقية لا تطالبنا بجلد أنفسنا بسبب ذلك، بل تدعونا إلى ملاحظة المسافة بين قيمنا وقراراتنا، ثم تضييقها تدريجياً بما تسمح به ظروفنا.

فكر قليلاً: كم قراراً اتخذت هذا الأسبوع نابعاً من قيمك الشخصية الحقيقية؟ وكم قراراً اتخذته فقط لتجنب الشعور بالذنب أمام الآخرين؟

إذا وجدت أن معظم قراراتك تحكمها توقعات الآخرين، فلا تجعل اكتشافك سبباً جديداً للوم نفسك، بل اعتبره بداية لاستعادة بوصلتك. اختر قراراً صغيراً واحداً تستطيع هذا الأسبوع أن تجعله أكثر انسجاماً مع ما تؤمن به؛ فالقيم لا تظهر فيما نقوله عن أنفسنا، بل في الطريقة التي نختار بها أن نعيش.

رابعاً: ممارسة القوة واستعادة القدرة على الاختيار

ونعني بممارسة القوة أن تدرك أن ما تعانيه من قلق أو إنهاك نفسي، أو حتى من اكتئاب أو وسواس، ليس دليلاً على ضعفك أو خطأ شخصي ارتكبته. فالمعاناة النفسية قد تتداخل في نشأتها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، كما قد تسهم فيها أنظمة العمل وضغوط الأسرة والظروف الاقتصادية والإملاءات المجتمعية المحيطة بك.

إن إدراك أثر هذه الضغوط لا يعني الاستسلام لها، ولا يعني أنك قادر وحدك على تغييرها كلها، بل يعني أن تبحث عن المساحة التي لا تزال تملك فيها قدرة على الاختيار. قد لا تستطيع تغيير نظام العمل بأكمله، لكنك تستطيع أن ترفض بعض المطالب التي تتجاوز مسؤوليتك. وقد لا تستطيع التخلص فوراً من علاقة مجهدة، لكنك تستطيع أن تقلل مساحة الأذى داخلها، أو تطلب المساندة، أو تبدأ في التفكير في بدائل تحميك.

استخدم ما لديك من قوة الاختيار لنزع بعض السيطرة من هذه الضغوط، وابدأ بتغييرات صغيرة، لكنها هادفة ومستدامة، تحفظ صحتك العقلية والنفسية. فالقوة ليست دائماً قراراً كبيراً يقلب حياتك في لحظة، بل قد تكون سلسلة من القرارات الصغيرة: أن تطلب المساعدة، أو تحجز موعداً مع مختص، أو تتوقف عن الاعتذار عن حاجتك إلى الراحة، أو ترفض تكليفاً يفوق طاقتك، أو تمنح نفسك حق إعادة النظر في طريق لم يعد يشبهك.

ولا تعني استعادة القوة أنك أصبحت مسؤولاً وحدك عن معالجة كل ما سبّبته الأنظمة والظروف المحيطة بك. فالعناية الحقيقية لا تلقي اللوم على الفرد، بل تساعده على التمييز بين ما يستطيع تغييره، وما يحتاج فيه إلى دعم الآخرين، وما لا يمكن إصلاحه إلا بتغيير جماعي أو مؤسسي.

إن استيعاب هذه المبادئ الأربعة للعناية الحقيقية بالذات يقدم لك دليلاً عملياً يساعدك على الخروج من دائرة الاستهلاك واللوم إلى فعل واعٍ وممارسة يومية لاستعادة عافيتك، وإعادة بناء علاقتك بذاتك، والسعي نحو عناية حقيقية بهذه الذات الأصيلة والمتفردة التي أبدع الله صنعها، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.

لكن هذا لا يمنعك من أن تستمتع، بين الفينة والأخرى، بارتشاف الشاي الأخضر، أو تحضير مشروب أثبتت تجربتك أنه يساعدك على الاسترخاء، أو حجز جلسة مساج بوصفها وسيلة للترويح عن النفس والمتعة. فالمشكلة ليست في هذه الممارسات ذاتها، بل في تسويقها على أنها علاج كامل لأسباب الإنهاك، أو بديل عن القرارات والتغييرات التي تحتاج إليها حياتك.

المبادئ الأربعة للعناية الحقيقية بالذات
المبادئ الأربعة للعناية الحقيقية بالذات

ثالثاً: العناية الذاتية وصحة الرجال النفسية: المجال المخفي

وربما تظن، وأنت تقرأ هذه الأسطر، أنني أتوجه بمقالتي إلى النساء وحدهن، لكن هذا ليس قصدي؛ فالرجل أيضاً في حاجة شديدة إلى ثقافة العناية بالذات، بما يحفظ صحته النفسية والعقلية.

فإذا كانت ثقافة الاهتمام بالذات قد حصرت هذا المفهوم إعلامياً في قالب تسويقي موجّه إلى النساء، فإن الصمت المحيط بصحة الرجال النفسية يمثل الوجه الآخر للمشكلة ذاتها.

يُربّى الرجل غالباً على نموذج الصمود الإجباري، وعلى ربط قيمته الإنسانية بمدى إنتاجيته وقدرته المستمرة على العطاء؛ مما يجعل أخذه قسطاً من الراحة، أو وضعه حدوداً تحميه، يُنظر إليهما على أنهما تقصير أو ضعف.

وتحذر أدبيات الطب النفسي المعاصر من أن الكتمان المستمر، والتضحية بالصحة العقلية استجابةً للتوقعات المجتمعية، ليسا دليلاً على الصلابة، بل قد يكونان طريقاً إلى الاحتراق النفسي والإنهاك الجسدي، وقد يرتبطان بكثير من المشكلات الصحية والسلوكيات المؤذية.

ويؤكد المعالج النفسي والكاتب تيرينس ريال (Terrence Real)، المتخصص في صحة الرجال النفسية والعلاقات، أن العناية الحقيقية بالذات بالنسبة إلى الرجل لا تعني رفاهية شكلية، بل تبدأ من شجاعة الاعتراف بالتعب والتعبير عنه، وفك الارتباط بين قيمة الرجل وضغط العمل المتواصل، واستعادة قدرته على قول «لا» حمايةً لصحته العقلية وعلاقته بأسرته.

وقد بيّن تيرينس ريال، ولا سيما في كتابه I Don’t Want to Talk About It («لا أريد التحدث عن الأمر: التغلب على الإرث الخفي لاكتئاب الرجال»)، أن الألم النفسي لدى الرجال قد يظل خفياً، وأن المعاناة التي لا يُسمح للرجل بالتعبير عنها مباشرة قد تظهر في صور أخرى، مثل الغضب، أو الانسحاب العاطفي، أو الإفراط في العمل، أو بعض السلوكيات الإدمانية.

وهنا أسألك: هل تكمن القوة الحقيقية في التظاهر المستمر بالصلابة، واستنزاف الجسد والنفس حتى الانهيار؟ أم تكمن في الشجاعة الأخلاقية للاعتراف بالتعب، والتعبير عنه، ووضع الحدود التي تحمي الإنسان وتحفظ علاقاته؟

إن العناية الحقيقية بالذات لا تنتقص من رجولة الرجل، بل تحرره من صورة قاسية تفرض عليه أن يكون قوياً طوال الوقت، وصامتاً مهما اشتد ألمه. والاعتراف بالحاجة إلى الراحة أو المساندة أو العلاج ليس إعلاناً للهزيمة، بل قد يكون أكثر القرارات شجاعة ومسؤولية تجاه النفس والأسرة.

الاعتراف بالتعب لا ينتقص من رجولة الرجل، وطلب المساندة ليس إعلاناً للهزيمة. قد تكون الشجاعة الحقيقية هي أن يتوقف الإنسان قبل أن يحوّل ألمه الصامت إلى غضب أو انسحاب أو انهيار.

رابعاً: العناية بالذات بين العالم الأول ودول الجنوب العالمي

لا شك أن هناك اختلافاً كبيراً في فهم العناية بالذات وممارستها بين دول العالم الأول، أي المجتمعات الغربية والمتقدمة، ودول الجنوب العالمي، أي المجتمعات النامية التي تواجه أزمات مركبة. ويرجع هذا الاختلاف إلى التباين الشديد في الظروف الاقتصادية، والتركيبة الاجتماعية والثقافية، وطبيعة التحديات اليومية التي يواجهها الأفراد.

فالعناية بالذات لا تُمارس في فراغ، ولا تحمل المعنى نفسه لدى شخص يحاول مواجهة العزلة وضغط العمل المحموم، وآخر يكافح لتوفير ضروريات الحياة أو يعيش في بيئة تفتقر إلى خدمات الرعاية النفسية. ولذلك لا يمكن نقل وصفات العناية بالذات من مجتمع إلى آخر كما تُنقل المنتجات الجاهزة؛ بل ينبغي فهم السياق الذي يعيش فيه الإنسان، والموارد المتاحة له، والعلاقات التي تمنحه الأمان أو تزيد من إنهاكه.

أولاً: مقارنة سريعة بين المفهومين

في دول العالم الأول، يرتبط الدافع الأساسي إلى تبني مفهوم العناية بالذات، في جانب كبير منه، بالوقاية من الاحتراق النفسي الناتج عن ضغوط العمل، والتنافس المهني، وتسارع نمط الحياة، وعزلة الفرد داخل المجتمعات الحديثة. أما في كثير من دول الجنوب العالمي، فتتصل العناية بالذات بالحفاظ على الصمود في مواجهة ضغوط اقتصادية واجتماعية وسياسية مستمرة، قد تمس أحياناً الحاجات الأساسية للإنسان.

وتختلف كذلك طبيعة العوائق. ففي مجتمعات العالم الأول، يواجه الفرد ضغط الوقت، وشدة التنافس المهني، والشعور بالذنب عندما يتوقف للراحة، إضافة إلى العزلة التي قد تفرضها الفردانية الحديثة. أما إنسان الجنوب، فيواجه، إلى جانب هذه العوائق، ضعف خدمات الرعاية النفسية المؤسسية، والوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاضطرابات النفسية، وندرة الموارد المالية، وأحياناً صعوبة الوصول إلى مختصين مؤهلين.

ولا يعني ذلك أن جميع سكان العالم الأول يعيشون التجربة نفسها، أو أن شعوب الجنوب كتلة متجانسة؛ فالفقر والوصمة والعزلة موجودة داخل المجتمعات الغنية أيضاً، كما توجد داخل المجتمعات النامية فئات ميسورة تمارس الرفاهية على الطريقة الاستهلاكية الغربية. لكن هذا التفاوت لا يلغي الفارق العام بين مجتمع تتوافر فيه، بدرجات متفاوتة، مؤسسات وخدمات يمكن أن تساعد الإنسان، ومجتمع يجد فيه الفرد نفسه مضطراً في كثير من الأحيان إلى مواجهة أزماته النفسية بموارده الشخصية والعائلية المحدودة.

ثانياً: العناية بالذات في العالم الأول بين العزلة والرأسمالية

في دول العالم الأول، تُمارس العناية بالذات غالباً داخل إطار فردي، حيث يُنظر إلى الإنسان بوصفه كياناً مستقلاً تقع عليه المسؤولية الأولى عن حماية صحته العقلية والجسدية. ومع أن هذا المنظور منحه مساحة أوسع للاهتمام بنفسه والتعبير عن احتياجاته، فإنه حمّله أيضاً مسؤولية معالجة إنهاكه منفرداً، حتى عندما تكون أسباب هذا الإنهاك كامنة في بيئة العمل أو في النظام الاجتماعي والاقتصادي المحيط به.

ومع مرور الوقت، تحولت العناية بالذات إلى صناعة رائجة تدر مليارات الدولارات من تطبيقات التأمل، ومنتجات العناية، والنوادي الرياضية، والمنتجعات الصحية، والدورات التي تعد الإنسان بأن يصبح أكثر هدوءاً وسعادة وإنتاجية. وهكذا، لم تعد الرأسمالية تبيع الفرد المنتجات وحدها، بل أصبحت تبيع له أيضاً الوسائل التي يُفترض أن يتعافى بها من الإرهاق الذي يسهم نمط الحياة نفسه في إنتاجه.

وفي هروبه من عزلة الحداثة، يلجأ الفرد إلى الرعاية الذاتية لمواجهة الوحدة داخل المجتمعات الفردانية، والضغط الناتج عن بيئات العمل المجهدة. لكنه قد يجد نفسه أمام مفارقة قاسية: يُطلب منه أن يشتري مزيداً من المنتجات، ويحمّل مزيداً من التطبيقات، ويلتزم مزيداً من البرامج، حتى يتعافى من حياة أصبحت مثقلة أصلاً بكثرة الالتزامات.

وهنا تتحول العناية بالذات من حق إنساني إلى مهمة إضافية، ومن وسيلة للتعافي إلى معيار جديد يقيس به الفرد مدى نجاحه في إدارة نفسه. فإذا فشل في النوم جيداً، أو ممارسة التأمل، أو الالتزام بالنظام الغذائي والرياضي، شعر بأنه مسؤول عن إنهاكه، بدلاً من أن يسأل عن بيئة العمل، والعلاقات، والأنظمة التي تستنزفه.

ثالثاً: العناية بالذات في دول الجنوب العالمي

في دول الجنوب العالمي، تتخذ العناية بالذات طابعاً مختلفاً؛ إذ ترتبط غالباً بالرعاية الجماعية وشبكات الأمان الاجتماعي، مثل الجلسات العائلية، والدعم المتبادل بين الأصدقاء، والمشاركة في التجمعات الدينية أو المجتمعية التي تمنح الفرد مساحة للتعبير والتفريغ الانفعالي، وتخفف عنه وطأة الأزمات اليومية.

فالإنسان هنا لا يواجه أعباءه دائماً بوصفه فرداً منعزلاً، بل يستند، حين تظل هذه الروابط متماسكة، إلى الأسرة الممتدة، والجيران، والأصدقاء، وروابط القرابة والتضامن. وقد لا تسمى هذه الممارسات «عناية بالذات»، لكنها تؤدي جانباً مهماً من وظائفها؛ إذ تمنح الإنسان الإحساس بأنه ليس وحيداً، وأن تعبه يمكن أن يجد من يصغي إليه ويحمل معه بعض ثقله.

لكن لا بد هنا من الانتباه إلى أمر في غاية الخطورة: توجد داخل دول الجنوب العالمي فجوة طبقية يتشكل بسببها «عالم أول مصغر»، تمارس فيه بعض الفئات العناية بالذات بالنظرة الغربية الاستهلاكية نفسها. كما غزت تطبيقات تسليع التعافي كثيراً من البيوت، حاملة معها صوراً مثالية عن الجسد والراحة والنجاح والتوازن، لا يستطيع معظم الناس الوصول إليها.

ويشكل هذا الأمر ضغطاً أكبر على فئات واسعة؛ لأنها لا تعاني الإنهاك وحده، بل يضاف إليه شعورها بأنها عاجزة عن شراء وسائل الراحة التي تُعرض عليها بوصفها شروطاً للتعافي والسعادة. وهكذا قد تتحول العناية بالذات إلى علامة طبقية جديدة: من يستطيع شراء الهدوء يبدو ناجحاً ومتوازناً، ومن يعجز عنه يُترك لمواجهة تعبه وإحساسه بالتقصير.

وهذا يمهّد لمزيد من التمزق النفسي والمالي والاجتماعي، وهو ما ينبغي الانتباه إليه من خلال إعادة بناء وعي مقاوم للتسليع، ورفض اختزال التعافي في الشراء، وتبييء الرعاية النفسية بما يناسب تقاليد المجتمعات المحلية وثقافتها وظروفها الاقتصادية.

إضاءة مفاهيمية التبييء: تكييف المعرفة أو الممارسة النفسية مع ثقافة المجتمع وقيمه وظروفه الاجتماعية والاقتصادية، بدلاً من نقلها حرفياً من بيئة مختلفة.

وأعتقد أن ثقافتنا الإسلامية والعربية تحمل في داخلها بذوراً أكثر عمقاً وإنسانية. فإذا كان الإنسان في المجتمعات الغربية يتعافى غالباً داخل قالب فردي، فإننا نتعافى في مجتمعاتنا بمن نحب ومع من نحب. نحن نرمم ذواتنا ونتعافى، ونعيد تدبير حياتنا من خلال روابط إنسانية صادقة: في جلسة مع العائلة، أو حديث صادق مع صديق أو أخ، أو مشاركة وجدانية مع أخت، أو في تضامن يومي يجعل ثقل التعب الفردي موزعاً على كواهل عدة، لا ملقى على كاهل واحد.

«فإننا نتعافى في مجتمعاتنا بمن نحب ومع من نحب.»

كما تمنحنا ثقافتنا الروحية مساحات للعناية لا تمر بالضرورة عبر السوق: في الصلاة والخلوة، والدعاء والذكر، وصلة الرحم، وعيادة المريض، ومواساة المنكسر، ومجالس الأهل والأصدقاء. ففي هذه الممارسات ما يخفف العزلة، ويعيد للإنسان صلته بمعنى أوسع من ذاته، ويذكره بأنه جزء من جماعة تتقاسم معه الضعف والأمل والمسؤولية.

وهذا، في نظري، عامل قوة ينبغي أن تنبني عليه الخطط العلاجية والوقائية النفسية، بدلاً من استيراد نماذج جاهزة نشأت داخل سياقات اجتماعية وثقافية مختلفة. فالتبييء الحقيقي لا يرفض المعرفة النفسية الحديثة، بل يستفيد منها، ثم يعيد صياغة تطبيقاتها بما يحترم ثقافة الإنسان وعلاقاته وإمكاناته المادية.

ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول الجماعة نفسها إلى مصدر جديد لاستنزاف الفرد؛ فالأسرة التي تحتضن قد تضغط أيضاً، والعلاقات التي تساند قد تتجاوز الحدود أحياناً. لذلك تقوم العناية الحقيقية في مجتمعاتنا على الجمع بين قوتين: حماية المساحة الشخصية، والحفاظ على روابط التضامن الإنساني. فلا استقلال كامل يعزل الإنسان عمّن يحب، ولا ذوبان كامل في الجماعة يحرمه حقه في الراحة والاختيار.

نتعافى بمن نحب ومع من نحب
نتعافى بمن نحب ومع من نحب
خطوتك اليوم

اختر موقفاً واحداً يتكرر فيه شعورك بالغضب أو الخوف أو الاستنزاف، ثم اكتب:

  1. ما الحد الذي يجري تجاوزه؟
  2. ما العبارة القصيرة التي تستطيع قولها؟
  3. ما الشعور الذي يمنعك من قولها؟
  4. ما الخطوة الصغيرة التي ستلتزم بها اليوم؟

ابدأ بحد واحد قابل للتطبيق؛ فالعناية الحقيقية لا تُبنى بقرار مثالي كبير، بل باختيارات صغيرة نحافظ عليها.

خاتمة: خيارك اليومي

إن العناية الحقيقية بالذات ليست جداراً نفصل به أنفسنا عن العالم، ولا منتجاً نشتريه من المتاجر لنعتني بأرواحنا، أياً كانت تسميته؛ بل هي ميزان دقيق نستعيد من خلاله قوتنا الشخصية، فنضع حدوداً واضحة مع ما ينهكنا، من دون أن نفقد جسر التواصل الإنساني والتكافل الجماعي الذي يحمينا جميعاً من الانهيار.

وهي ليست قراراً استثنائياً نتخذه مرة واحدة، ثم ننتهي منه؛ بل خيار يومي يظهر في تفاصيل تبدو صغيرة: في طلب نرفضه لأنه يفوق طاقتنا، وفي ساعة راحة لا نعتذر عنها، وفي كلمة رحيمة نقولها لأنفسنا، وفي علاقة نعيد النظر فيها، وفي مساعدة نملك شجاعة طلبها عندما تعجز قوانا عن حمل كل شيء وحدها.

العناية الحقيقية لا تطلب منك أن تهجر ما تحب، أو أن تتحول إلى إنسان منعزل لا يعنيه إلا نفسه. إنها تعلمك أن تحفظ نفسك من دون أن تقطع جسورك مع الآخرين، وأن تمنح من تحب من طاقة صادقة، لا من بقايا روح أنهكها العطاء المتواصل.

ولذلك، في المرة القادمة التي تشعر فيها بالإنهاك، تذكر كلماتي هذه:

لا تسأل نفسك أولاً: «ماذا يمكنني أن أشتري لأشعر بالراحة؟» بل اسأل: «ما الحد الذي أحتاج إلى وضعه اليوم لأحمي نفسي؟» هناك، فقط، تبدأ العناية الحقيقية بالذات.

الملخص العربي

يناقش المقال التحول الذي أصاب مفهوم العناية بالذات حين انتقل من ممارسة واعية تحمي الإنسان إلى صناعة استهلاكية تبيعه راحة مؤقتة، ثم تعيده إلى البيئة نفسها التي تستنزفه. ويستعرض جذور المفهوم لدى أودري لورد وبيل هوكس وإريك فروم وكارل يونغ، قبل أن يتوقف عند كتاب بوجا لاكشمين «العناية الحقيقية بالذات»، ومبادئه الأربعة: وضع الحدود، والتعاطف مع الذات، والتوافق مع القيم الشخصية، واستعادة القدرة على الاختيار. ويوضح المقال أن العناية الحقيقية لا تعني رفض المساج أو التأمل أو وسائل الترويح، وإنما رفض تقديمها بوصفها علاجاً لأسباب الإنهاك العميقة. كما يفتح المجال المخفي لصحة الرجال النفسية، منتقداً الصمود الإجباري وربط قيمة الرجل بإنتاجيته وكتمانه لألمه. وأخيراً، يبيّئ المفهوم داخل الثقافة العربية والإسلامية، حيث تسهم الأسرة والصداقة والروابط الروحية والتكافل الاجتماعي في التعافي. فالعناية الحقيقية لا تعزل الإنسان عمّن يحب، بل تساعده على حماية ذاته من دون قطع جسور المحبة والتضامن.

الكلمات المفتاحية: العناية الحقيقية بالذات — وضع الحدود — استعادة قوة الاختيار

English Summary

This article examines how self-care has shifted from a conscious practice of self-preservation into a consumer industry offering temporary relief before returning people to the same conditions that exhaust them. It traces the concept through the work of Audre Lorde, bell hooks, Erich Fromm, and Carl Jung, before exploring Pooja Lakshmin’s Real Self-Care and its four guiding principles: setting boundaries, practising self-compassion, aligning choices with personal values, and reclaiming one’s power to act. The article does not reject massage, meditation, or occasional pleasure; rather, it challenges their promotion as complete solutions to burnout and systemic pressure. It also addresses the often-hidden field of men’s mental health, questioning compulsory toughness and the tendency to measure a man’s worth through productivity and emotional silence. Finally, it adapts the concept to Arab and Islamic cultural contexts, where family, friendship, spirituality, and communal solidarity can support healing. Real self-care protects the self without severing the bonds of love and human connection.

Keywords: Real self-care — Setting boundaries — Reclaiming agency


مقالات الكاتبة ذات الصلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى