المنبر الحر

هل فكرنا يوماً في تفكيك شفرة الملل؟

ذ. هدى بركات

مستشارة نفسية وأسرية

=================================

❝
كان الشيء بالأمس حلماً، واليوم أصبح مألوفاً. الهاتف الذي انتظرناه طويلاً يصبح هاتفاً. والبيت الذي حلمنا به يصبح مكاناً نعيش فيه. والعمل الذي سعينا إليه يصبح جزءاً من روتيننا. ليس لأن الأشياء فقدت قيمتها، بل لأن دهشة الوصول لا تستطيع أن تبقى إلى الأبد
– ذ. هدى بركات

في سطور

يتناول مقال الأستاذة هدى بركات، «ما هو الملل؟»، ذلك الشعور الذي نمرّ به جميعاً حين تكون الأشياء من حولنا حاضرة، لكنّها لا تعود قادرة على لمسنا أو شدّ انتباهنا. فالملل ليس دائماً فراغاً في الوقت، ولا دليلاً على قلة ما نملك أو ما نفعل؛ بل قد يكون انقطاعاً هادئاً في علاقتنا بما نعيشه، حين يتحول الحلم إلى مألوف، والإنجاز إلى عادة، واليوم إلى تكرار بلا معنى. وتأخذنا الكاتبة المقتدرة في قراءة تجمع بين التأمل الفلسفي والمعرفة النفسية: من باسكال وشوبنهاور إلى هايدغر، ومن التكيّف مع ما نصل إليه إلى وظيفة الملل بوصفه إشارة تدعونا إلى التوقف وإعادة النظر. وهي لا تقدّم «الجديد» حلاً سحرياً، بل تقترح أن نصغي إلى ما يقوله لنا هذا الشعور: هل فقدنا المعنى؟ هل استنفدنا التحدي؟ أم أننا نحتاج فقط إلى تغيير طريقتنا في رؤية ما نملك؟ إنه مقال رقيق وعميق، يعيد للملل معناه الإنساني: ليس فراغاً يجب أن نملأه على عجل، بل رسالة قد تساعدنا على الاقتراب من حياة أكثر حضوراً ومعنى.

د. الحسن أشباني

المقدمة

نقول: «مللت» حين يتوقف شيء ما في الداخل عن الاستجابة لما يحدث في الخارج. قد يكون الكتاب مفتوحاً أمامنا، والمكان مألوفاً، والحديث مستمراً، والهاتف بين أيدينا… ومع ذلك نشعر بأن شيئاً ما لا يصل إلينا. لا لأن الحياة خلت من الأشياء، بل لأن الأشياء، ولو مؤقتاً، فقدت قدرتها على استدعاء انتباهنا.

فهل الملل فراغ في الوقت، أم فراغ في علاقتنا بما نعيشه؟ في عالم لا يترك لنا إلا قليلاً من الصمت، نملك دائماً ما يمكن أن ننتقل إليه: شاشة أخرى، خبراً جديداً، رسالة، صورة، شراءً، رحلة، أو مشروعاً نؤجله إلى الغد. ومع ذلك نفاجأ أحياناً بالشعور نفسه: «أشعر بالملل». ربما لا نعاني دائماً من قلة الأشياء، بل من كثرتها وسهولة الانتقال بينها. نغادر شيئاً قبل أن نمنحه الوقت الكافي، ونبحث عن آخر قبل أن نسأل أنفسنا عمّا افتقدناه في الأول. ومن هنا يبدأ هذا المقال: لا ليعامل الملل عدواً ينبغي إسكاتُه فوراً، بل لفهم ما قد يكشفه عن رغباتنا، وعاداتنا، ومعنى الوقت الذي نعيش فيه.

المحور الأول: الملل ليس دائماً فراغاً في الوقت

كان باسكال يرى أن الإنسان لا يحتمل طويلاً أن يبقى بلا انشغال؛ فإذا هدأ كل شيء من حوله، ظهر ذلك القلق الذي يدفعه إلى البحث عما يصرفه عن نفسه.[1] وربما لم يتغير الإنسان كثيراً منذ ذلك الوقت، وإن تغيّرت الأشياء التي نهرب إليها. اليوم، نملك من وسائل التسلية ما يكفي لملء كل لحظة فراغ تقريباً: هاتف في متناول اليد، وشاشة لا تنتهي، ورسائل وأخبار ومقاطع وسفر وتسوق، ومئات الأشياء التي يمكن الانتقال إليها في لحظة واحدة. ومع ذلك، قد نجد أنفسنا فجأة نقول: «أشعر بالملل».

كيف نشعر بالملل في عالم يبدو أنه لا يترك لنا فرصة للشعور بالفراغ؟ ربما لهذا يبدو الملل غريباً. فنحن لا نعاني دائماً من قلة الأشياء، بل قد نعاني من كثرتها ومن سهولة الانتقال بينها. نغادر شيئاً قبل أن نمنحه وقتاً كافياً، ونبحث عن آخر قبل أن نفهم ما الذي كان ينقص الأول. وقد نكون أمام الشيء نفسه الذي أحببناه بالأمس، لكن شيئاً فيه انطفأ. وليس ضرورياً أن يكون الشيء هو الذي تغيّر؛ ربما نحن الذين اعتدناه. فالملل لا يعني دائماً أن الحياة خالية من الأشياء، بل قد يعني أن الأشياء فقدت، ولو مؤقتاً، قدرتها على استدعاء انتباهنا والانخراط فيها.[2]

المحور الثاني : لماذا نملّ مما كنّا نريده؟

ليس كل مألوف مملاً. فقد نعيش مع الشيء نفسه سنوات، ونظل نراه بعين لا تشبه عين الأمس. والمألوف الذي يظل محتفظاً بمعناه لا يكون ممهِّداً للملل بالدرجة نفسها. لكن حين تفقد الأشياء معناها، نستمر في فعلها من دون أن تعود تعنينا بالطريقة نفسها. لذلك لا يكون الملل دائماً نتيجة تكرار الشيء، بل قد يكون نتيجة انقطاع علاقتنا به. يقول شوبنهاور إن الإنسان يعيش في حركة دائمة من الرغبة والسعي؛ فالإرادة، في تصوّره، لا تعرف استقراراً طويلاً، وما نطلبه يظل مشدوداً إلى ما نفتقده.[3]

كأن الوصول لا ينهي الحكاية، بل يغيّر السؤال. كان الشيء بالأمس حلماً، واليوم أصبح مألوفاً. الهاتف الذي انتظرناه طويلاً يصبح هاتفاً. والبيت الذي حلمنا به يصبح مكاناً نعيش فيه. والعمل الذي سعينا إليه يصبح جزءاً من روتيننا. ليس لأن الأشياء فقدت قيمتها، بل لأن دهشة الوصول لا تستطيع أن تبقى إلى الأبد.

ويصف علم النفس جانباً من هذه التجربة بمفهوم التكيّف اللذّي؛ أي أن الأثر الانفعالي لبعض التجارب الإيجابية قد يخف مع الاعتياد عليها. لكن هذا التكيّف ليس كاملاً ولا متشابهاً لدى الجميع، ولا يعني أن كل أثر إيجابي يختفي بالضرورة.[4] ربما لا نمل من الشيء نفسه بقدر ما نمل من علاقتنا به حين تفقد المعنى أو التحدي أو عنصر المشاركة. ومع ذلك، لا يفسَّر كل ملل بالاعتياد وحده. فقد ينشأ أيضاً حين يصبح ما نفعله سهلاً أكثر من اللازم، أو حين نفتقد تحدياً يوقظ انتباهنا، أو حين نعيش وفق روتين لا يترك مساحة للاختيار والمبادرة.

المحور الثالث : حين نبحث عن مخرج سريع

حين يطول الملل، نبحث غالباً عن مخرج سريع: شيء جديد نشتريه، أو مكان نذهب إليه، أو شاشة نفتحها، أو حديث نبدأه، أو رغبة نركض خلفها. كأننا نقول للملل: اصمت، سأشغلك بشيء آخر. لكن الملل لا يختفي دائماً؛ فقد ينتقل معنا من شيء إلى آخر. لذلك ربما لا يكون السؤال: كيف أهرب من مللي؟ بل: إلى أين يريد أن يدفعني؟ تشير أبحاث نفسية إلى أن الملل قد يعمل بوصفه إشارة تنظيمية تدفع الإنسان إلى البحث عن أهداف أو أنشطة بديلة حين يفقد ما يفعله جاذبيته أو معناه.[5] وهذا لا يجعل الملل شعوراً مريحاً أو مرغوباً فيه، لكنه يذكّرنا بأن الضيق الذي نشعر به قد يحمل سؤالاً يحتاج إلى الإصغاء: هل نحتاج إلى تجربة لم نخضها؟ أو مهارة لم نكتشفها؟ أو تحدٍّ تجاوزناه؟ أو مساحة أهملناها طويلاً؟

لكن الجديد ليس دائماً هو الحل. ربما لا نحتاج إلى إضافة شيء إلى حياتنا، بل إلى أن نعود إليها بطريقة مختلفة. فالعمل نفسه قد يستعيد حيويته حين نكتشف فيه معنى جديداً، والعلاقة نفسها قد تتجدد حين نخرج من عاداتها، واليوم العادي قد يصبح أقل ثقلاً حين نراه بعين أكثر حضوراً. ليس كل جديد يخرجنا من الملل، وليس كل مألوف يوقعنا فيه. أحياناً نحتاج إلى تغيير الشيء، وأحياناً نحتاج إلى تغيير نظرتنا إليه.

المحور الرابع : حين يأخذنا الملل إلى سؤال أعمق

ربما اعتدنا أن ننظر إلى الملل بوصفه شيئاً ينبغي التخلص منه سريعاً. نملأ الوقت، ونبحث عن شيء جديد، ونفتح شاشة، ونخطط لخروج، ونبدأ مشروعاً آخر.

لكن ماذا لو لم يكن كل ملل يحتاج إلى هروب؟ يأخذ هايدغر الملل إلى منطقة أبعد[6]. ففي بعض صوره، لا نمل من شيء محدد، بل نمل من كل شيء تقريباً. لا يكون هناك نقص واضح يمكن أن نملأه، بل شعور بأن الأشياء فقدت قدرتها على جذبنا. وهنا يحدث شيء غريب: حين لا يعود شيء يشغلنا، نلتفت إلى الوقت نفسه. تمر الساعات، لكننا لا نعرف ماذا نفعل بها. نبحث عن شيء «يقتل الوقت»، وكأن الوقت هو المشكلة. وربما ليست المشكلة في الوقت، بل في الطريقة التي نحيا بها داخله.

الرغبة تشغلنا بالأشياء، أما الملل العميق فيجعلنا نسأل عن معنى انشغالنا بها. وهذا تصور فلسفي يضيء التجربة الإنسانية، لا تشخيص نفسي ولا قاعدة تنطبق على كل تجربة ملل. لذلك قد يكون بعض الملل فرصة نادرة للتوقف: لا لكي نستسلم له، ولا لكي نحوّله إلى فلسفة عن الحياة، بل لكي نسأل أنفسنا بهدوء: ماذا أفعل بكل هذا الوقت؟ وماذا أريد فعلاً من حياتي؟ ربما حين نصمت قليلاً، نكتشف أن ما كنا نسميه مللاً لم يكن دائماً فراغاً؛ بل كان أحياناً مسافة بين حياة نعيشها وحياة نحتاج إلى الاقتراب منها أكثر.

المحور الخامس : كيف نصغي إلى ما يقوله الملل؟

حين نشعر بالملل، لا نحتاج إلى القفز فوراً نحو مشتت جديد. يمكن أن نبدأ بتحديد نوعه:

  • هل فقدنا معنى ما نفعله؟
  • هل اعتدنا الشيء حتى لم يعد يستدعي انتباهنا؟
  • هل نحتاج إلى تحدٍّ أو تجربة جديدة؟
  • أم أننا نواجه مللاً أعمق يجعلنا نعيد النظر في طريقة عيشنا للوقت؟

ثم يمكن أن نبدأ بثلاث خطوات بسيطة:

  1. أن نمنح الشعور لحظة من الإصغاء بدلاً من إسكاته فوراً.
  2. أن نبحث عن المعنى أو القيمة التي غابت عن نشاط مألوف، أو نغيّر طريقة اقترابنا منه.
  3. أن نختار حركة صغيرة مقصودة: تعلّم مهارة، أو تغيير طريقة أداء العمل، أو استعادة علاقة، أو خوض تجربة جديدة.

لكن حين يتحول فقدان الاهتمام إلى حالة طويلة تؤثر في النوم أو الدراسة أو العمل أو العلاقات، أو يصاحبه حزن مستمر وعزلة ويأس، فقد لا يكون الأمر مللاً عابراً فقط؛ وعندها قد يكون من المفيد التحدث إلى مختص نفسي.

الخاتمة: الملل رسالة مشفرة تدعونا لرؤية الحياة بعدسة مغايرة لما اعتدنا عليه

فليس كل ملل يحتاج إلى هروب، وليس كل جديد قادراً على إنقاذنا منه. أحياناً يكون الحل في تغيير ما نفعله، وأحياناً في تغيير علاقتنا بما نفعله، وأحياناً في التوقف قليلاً لفهم السؤال الذي يحمله الملل. وحين نفهم ما يخبرنا به، يصبح أقل شبهاً بفراغ نحتاج إلى ملئه، وأكثر شبهاً برسالة نحتاج إلى فك شفرتها.

❝
«الملل لا يزور الحياة الفقيرة بالأشياء؛ بل يزور الحياة التي غاب صاحبها عنها.»
– ذ هدى بركات

لا تتحدث هذه العبارة عن لوم الإنسان، ولا تنكر أثر الظروف والضغوط، بل تذكّر بأن كثرة الفرص والمشاغل لا تكفي وحدها لصنع حياة حيّة. فقد نتحرك كثيراً، وننجز كثيراً، ومع ذلك نشعر أننا متفرجون على أيامنا. واستعادة الحيوية تبدأ حين نعود شركاء في ما نعيش: نختار، ونجرب، ونمنح تفاصيل يومنا نصيباً من حضورنا.

ملخص المقال

يتناول هذا المقال الملل بوصفه تجربة لا تختزل في فراغ الوقت أو قلة الأنشطة، بل قد تكشف ضعف اتصالنا بما نعيشه حين يفقد المألوف معناه أو قدرته على جذب الانتباه. ومن خلال الجمع بين التأمل الفلسفي وبعض التفسيرات النفسية، يوضح المقال أن الاعتياد، وغياب التحدي، والروتين، واللجوء السريع إلى المشتتات، كلها قد تعمّق هذا الشعور. ويقترح التعامل مع الملل بوصفه إشارة تستحق الفهم: بالبحث عن المعنى، وتجديد علاقتنا بالأنشطة المألوفة، واختيار حركة صغيرة مقصودة نحو تجربة أو مهارة أو تواصل أكثر حياة.

الكلمات المفتاحية: الملل، المعنى، التكيّف اللذّي، الحضور

English Summary

This article explores boredom as more than a lack of time or activities. It may reveal a weakened connection to what we are living when familiar things lose their meaning or their capacity to hold our attention. Drawing on philosophical reflection and psychological perspectives, the article examines the roles of habituation, routine, lack of challenge, and quick distractions. It invites readers to treat boredom as a signal worth understanding: by reconnecting with meaning, renewing their relationship with familiar activities, and taking one small intentional step toward learning, experience, or human connection.

Keywords: Boredom, Meaning, Hedonic Adaptation, Presence
الهوامش والمراجع الرئيسية

[1] Pascal, Blaise. Pensées. انظر خصوصاً شذرات Divertissement / Misère، ومنها Lafuma 414 و622 بحسب طبعة الإحالة.

[2] American Psychological Association. APA Dictionary of Psychology: Boredom. تعريف الملل بوصفه حالة من الفتور الناتج عن ضعف الانخراط في مثيرات البيئة.

[3] Schopenhauer, Arthur. The World as Will and Representation. وتراجع أيضاً مدخلة شوبنهاور في Stanford Encyclopedia of Philosophy.

[4] Frederick, S., & Loewenstein, G. (1999). Hedonic Adaptation. In D. Kahneman, E. Diener, & N. Schwarz (Eds.), Well-Being: The Foundations of Hedonic Psychology.

[5] Bench, S. W., & Lench, H. C. (2013). On the Function of Boredom. Behavioral Sciences, 3(3), 459–472.

[6] Heidegger, Martin. The Fundamental Concepts of Metaphysics: World, Finitude, Solitude. محاضرات 1929–1930.

[7] Elpidorou, A. (2018). The Bright Side of Boredom. Frontiers in Psychology, 9, 437.

====================

مقالات الكاتبة ذات الصلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى