المنبر الحر

المغرب 2030… بين رهان المشاريع الكبرى واستحقاق الاستثمار في الإنسان -الفصل الاول-

د. الحسـن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني 


تحليل مشاريع المغرب 2030 في ضوء التجارب الدولية ومبادئ التخطيط الاستراتيجي وتقييم الإرث التنموي للأحداث الرياضية الكبرى

ملخص الجزء الأول

تتناول هذه الورقة المرجعية سؤالاً استراتيجياً يفرض نفسه مع اقتراب استضافة المغرب لكأس العالم 2030: كيف يمكن تحويل المشاريع الكبرى المرتبطة بهذا الحدث إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة، بدل أن تظل إنجازات ظرفية تنتهي بانتهاء البطولة؟ وتنطلق الورقة من تحليل تمويل المشاريع العمومية، والرهانات المرتبطة بالاستثمار في البنية التحتية، قبل أن تنتقل إلى دراسة خمس تجارب دولية تمثل نماذج مختلفة في توظيف الأحداث الرياضية الكبرى، هي: برشلونة 1992، وجنوب إفريقيا 2010، والصين 2008، وقطر 2022، ثم تجربة الاستضافة المشتركة لكأس العالم 2026.

وتبرز الدراسة أن نجاح هذه التجارب لم يكن رهيناً بحجم الإنفاق أو جودة المنشآت وحدها، بل بقدرة كل دولة على دمج الحدث ضمن رؤية تنموية طويلة المدى، والتخطيط للإرث منذ مرحلة التصميم، وضمان استدامة الاستثمارات بعد انتهاء المنافسات. كما تكشف أن الإخفاقات ارتبطت غالباً بضعف استغلال بعض المنشآت، أو بغياب تصور واضح لما بعد الحدث.

وتخلص الورقة إلى أن الرهان الحقيقي بالنسبة للمغرب لا يتمثل في تنظيم بطولة ناجحة فحسب، بل في بناء إرث اقتصادي واجتماعي دائم يجعل من استثمارات كأس العالم 2030 فرصة لتطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات العمومية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد، مع وضع الاستثمار في الإنسان في قلب كل قرار استراتيجي. فنجاح البطولة سيقاس، في نهاية المطاف، بما سيبقى للمواطن المغربي بعد إسدال الستار على آخر مباراة.

الكلمات المفتاحية: المغرب 2030- كأس العالم 2030- الاستثمار في الإنسان- Morocco 2030-FIFA World Cup 2030-Investment in Human Capital

Summary

This reference paper examines one of the most important strategic questions facing Morocco as it prepares to co-host the 2030 FIFA World Cup: how can major infrastructure projects become a lasting driver of sustainable development rather than temporary achievements linked to a sporting event? The paper begins by analysing public investment and the financing of major projects before reviewing five international experiences: Barcelona 1992, South Africa 2010, China 2008, Qatar 2022, and the shared hosting model of the 2026 FIFA World Cup.

The analysis demonstrates that the success of these experiences was determined not by the scale of spending or the quality of stadiums alone, but by the ability to integrate sporting events into long-term development strategies, plan for legacy from the earliest design stages, and ensure that investments continue to generate economic and social value after the tournament. Conversely, many shortcomings were associated with underutilised facilities and the absence of a clear post-event vision.

The paper concludes that Morocco’s real challenge is not simply to organise a successful World Cup, but to transform the 2030 tournament into a catalyst for sustainable economic and social development. This requires strengthening infrastructure, improving public services, enhancing national competitiveness, and, above all, placing investment in people—through education, healthcare, skills, and employment—at the centre of every strategic decision. Ultimately, the success of the World Cup will be measured by the lasting benefits it leaves for Moroccan citizens long after the final whistle.


ملاحظة منهجية:
حرصاً على توحيد وحدة المقارنة بين التجارب الدولية، تُذكر جميع المبالغ المالية الواردة في هذه الورقة أولاً بعملتها الأصلية كما وردت في المصادر الرسمية، ثم يُذكر ما يعادلها تقريباً بالدولار الأمريكي، اعتماداً على متوسط سعر الصرف السائد خلال سنة الإعلان عن المشروع أو إنجازه. ويهدف هذا الإجراء إلى تسهيل المقارنة بين الدول والمشاريع، دون المساس بالقيم الأصلية الواردة في الوثائق الرسمية.

المقدمة

منذ الإعلان عن تنظيم المغرب، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، لكأس العالم لكرة القدم 2030، انقسمت الآراء بين من يرى في هذا الحدث فرصة تاريخية لتسريع التنمية، ومن يعتبره مغامرة مالية قد تؤدي إلى تقديم الحجر على الإنسان. غير أن أغلب هذا النقاش ظل أسير المواقف المسبقة والانطباعات العامة، أكثر مما استند إلى تحليل علمي مقارن.

ومن هنا جاءت فكرة هذه الورقة المرجعية. فالغاية ليست الدفاع عن مشاريع 2030 ولا معارضتها، وإنما محاولة فهمها من خلال سؤال بسيط: ماذا تخبرنا التجارب الدولية التي سبقت المغرب؟ وهل توجد معايير علمية تساعدنا على التمييز بين الاستثمار المنتج والاستثمار الذي قد يتحول إلى عبء بعد انتهاء الحدث؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة، لا تكتفي هذه الورقة بتحليل المشاريع المغربية، بل تعود إلى تجارب برشلونة ولندن والبرازيل وجنوب إفريقيا والصين وقطر، لاستخلاص المبادئ التي حكمت نجاح بعضها وتعثر بعضها الآخر، قبل بناء إطار مرجعي يطبق على الحالة المغربية بعيداً عن أي اصطفاف سياسي أو إيديولوجي.

إن ما يطمح إليه هذا العمل هو الإسهام في ترسيخ ثقافة تقييم السياسات العمومية على أساس الوقائع والأرقام والمقارنة الدولية، لأن نجاح المشاريع الكبرى لا يقاس بحجم الإنفاق ولا بسرعة الإنجاز، بل بما تتركه من أثر دائم في حياة المواطنين، وفي الاقتصاد، وفي جودة الرأسمال البشري.

لماذا هذه الورقة؟
السؤال المركزي للدراسة

هل ستتحول مشاريع المغرب 2030 إلى إرث تنموي دائم يخدم الاقتصاد والمجتمع لعقود قادمة، أم سيبقى جزء مهم منها مرتبطاً بمتطلبات تنظيم كأس العالم؟

لا تهدف هذه الورقة إلى:
  • الدفاع عن المشاريع.
  • معارضة المشاريع.
  • تبني موقف سياسي أو إيديولوجي مسبق.
  • إصدار أحكام قبل فحص المعطيات والتجارب المقارنة.
بل تهدف إلى:
  • تقييم المشاريع وفق منهج علمي مستقل.
  • مقارنة التجربة المغربية بست تجارب دولية.
  • تطبيق عشرة مؤشرات تحليلية موحدة.
  • تحديد فرص النجاح والمخاطر المحتملة.
  • استخلاص دروس مفيدة للتخطيط التنموي.
الغاية ليست الحكم على المشاريع، بل تقييم قدرتها على خدمة الإنسان بعد انتهاء الحدث الرياضي.


الفصل الأول : تمويل المشاريع العمومية بين الاستثمار في المستقبل ورهن خيارات الأجيال القادمة

تمهيد

يُعد تمويل المشاريع العمومية من أكثر القضايا حساسية في السياسات الاقتصادية الحديثة، لأن نجاح أي مشروع لا يتوقف على أهميته أو حجمه، بل يبدأ من كيفية تمويله وآثاره بعيدة المدى على المالية العمومية والاقتصاد الوطني. فالدول لا تستثمر فقط بأموالها الحالية، بل تلتزم أيضاً بتعهدات مالية تمتد سنوات طويلة، وقد تتحمل أجيال لاحقة جزءاً من كلفة القرارات المتخذة اليوم.

وفي هذا السياق، يثير الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030 في المغرب سؤالاً مشروعاً يتجاوز قيمة الاستثمارات المعلنة أو سرعة إنجازها، ليمتد إلى طبيعة مصادر تمويلها، ومدى انسجامها مع الأولويات الوطنية، وقدرتها على خلق قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة بعد انتهاء الحدث الرياضي. فالتاريخ الاقتصادي يبين أن بعض الدول استطاعت تحويل الاستثمارات المرتبطة بالأحداث الكبرى إلى محركات للنمو لعقود، بينما وجدت دول أخرى نفسها أمام بنى تحتية مرتفعة الكلفة، محدودة الاستعمال، وديون أثقلت المالية العمومية لسنوات.

ولا يتعلق الأمر هنا بإدانة اللجوء إلى الاقتراض أو تمويل المشاريع الكبرى، فذلك جزء طبيعي من سياسات التنمية في معظم دول العالم، وإنما يتعلق بالسؤال الأهم: متى يصبح الاقتراض استثماراً في المستقبل، ومتى يتحول إلى عبء على المستقبل؟ والإجابة عن هذا السؤال لا تعتمد على حجم الإنفاق وحده، بل على جودة المشاريع، وطريقة تمويلها، والعائد الاقتصادي والاجتماعي الذي تحققه، ومدى اندماجها في رؤية تنموية طويلة الأمد. ومن هذا المنطلق، يحاول هذا الفصل وضع إطار تحليلي لفهم تمويل المشاريع العمومية في سياق المغرب 2030، قبل الانتقال إلى دراسة التجارب الدولية واستخلاص المبادئ التي ميزت التجارب الناجحة عن غيرها.

مبدأ موجّه
«الدَّيْنُ في حدِّ ذاته ليس المشكلة؛ وإنما تكمن المشكلة الحقيقية في ضعف إنتاجية الأصول التي أُنشئت بواسطته، بما قد يجعل الأجيال المقبلة ترث كلفة الدَّيْن دون أن ترث منافعه.»
البنك الدولي
تسويوشي هارا، «لماذا تُعد جودة الاستثمار في البنية التحتية ضرورية لإعادة البناء بصورة أفضل؟»، 8 مارس 2022.
ترجمة بتصرف عن الأصل الإنجليزي

1.1 الاستثمار العمومي: متى يصبح رافعة للتنمية ومتى يتحول إلى عبء مالي؟

يشكل الاستثمار العمومي إحدى أهم الأدوات التي تعتمدها الدول لتوسيع بنياتها التحتية، وتحسين الخدمات الأساسية، ورفع قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتنافس. فالطرق والسكك الحديدية والموانئ والمطارات وشبكات الماء والطاقة والمنشآت الصحية والتعليمية لا تُقاس قيمتها فقط بكلفة إنجازها، بل بما تضيفه إلى حياة المواطنين، وما تخلقه من فرص اقتصادية، وما تختصره من زمن وكلفة، وما تتيحه للمجالات الأقل استفادة من الاندماج في الدورة الاقتصادية الوطنية. ومن ثم، قد يكون اللجوء إلى الاقتراض لتمويل هذه الأصول قراراً اقتصادياً مشروعاً، بل ضرورياً أحياناً، إذا كانت منافعها ستستمر سنوات أو عقوداً وستستفيد منها أجيال متعددة.

غير أن هذا المنطق لا يعني أن كل إنفاق استثماري يُعد، بمجرد تصنيفه محاسبياً، استثماراً منتجاً. فقد تُنجز الدولة منشأة ضخمة في وقت قياسي، لكن استعمالها بعد ذلك يبقى محدوداً، أو تصبح كلفة تشغيلها وصيانتها مرتفعة، أو لا ترتبط بما يكفي ببقية القطاعات الاقتصادية والاجتماعية. وفي هذه الحالة، يظل الأصل قائماً من الناحية المادية، لكنه لا يولد من المنافع ما يبرر تكلفته. وهنا يظهر الفرق بين البنية التحتية باعتبارها مبنى أو تجهيزاً، والبنية التحتية باعتبارها أداة دائمة للتنمية.

لذلك، لا ينبغي تقييم المشروع العمومي انطلاقاً من حجمه أو مظهره أو سرعته وحدها، بل من خلال دورة حياته الكاملة. تبدأ هذه الدورة بتحديد الحاجة الحقيقية التي يستجيب لها المشروع، ثم دراسة البدائل المتاحة، واختيار طريقة التمويل، وضبط كلفة الإنجاز وآجاله، قبل الانتقال إلى الاستغلال والصيانة وقياس النتائج الفعلية. وقد يبدو مشروع ما أقل كلفة عند لحظة البناء، ثم يتحول إلى عبء بسبب مصاريف تشغيله وإصلاحه، بينما قد يتطلب مشروع آخر استثماراً أولياً أكبر، لكنه يحقق وفورات ومنافع متراكمة على المدى الطويل.

الاشغال في ملعب بن سليمان

وفي هذا السياق، يصبح الاقتراض استثماراً في المستقبل عندما يساهم في إنشاء أصول ترفع إنتاجية الاقتصاد، وتحسن جودة الخدمات، وتوسع قاعدة المستفيدين، وتولد موارد أو وفورات تساعد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على تحمل كلفتها. وينطبق ذلك، على سبيل المثال، على خط للسكك الحديدية يربط مراكز الإنتاج بالموانئ والأسواق، أو على مستشفى يعالج خصاصاً مجالياً واضحاً، أو على جامعة ومركز بحث يرفعان قدرة البلد على الابتكار، أو على شبكة ماء وطاقة تدعم الاستقرار الاجتماعي والنشاط الاقتصادي.

أما عندما يُوجَّه الدين إلى مشاريع محدودة الاستخدام، أو مبالغ في حجمها، أو ضعيفة الصلة بالحاجات الفعلية، أو تفتقر إلى خطة واضحة للاستغلال بعد انتهاء المناسبة التي أُنشئت من أجلها، فإن الأجيال القادمة قد تجد نفسها أمام التزام مالي طويل الأمد وأصل منخفض المردودية. ولا يعني ذلك أن العائد يجب أن يكون مالياً بصورة مباشرة في جميع الحالات، لأن المدرسة والمستشفى والنقل العمومي والفضاءات الثقافية تحقق عوائد اجتماعية لا تظهر دائماً في الحسابات التجارية. لكن هذه العوائد يجب أن تكون قابلة للتحديد والقياس، وأن تتناسب مع الكلفة والبدائل التي كان يمكن تمويلها بالموارد نفسها.

وبناءً على ذلك، يمكن التمييز بين المشروع العمومي المنتج والعبء المالي من خلال خمسة أسئلة مترابطة: هل يستجيب المشروع إلى حاجة وطنية أو مجالية مثبتة؟ هل اختير حجمه وتصميمه بعد مقارنة واقعية بالبدائل؟ هل يمكن تشغيله وصيانته دون استنزاف متواصل للميزانية؟ هل يظل نافعاً بعد انتهاء الظرف الذي سرّع إنجازه؟ وهل تفوق منافعه الاقتصادية والاجتماعية كلفته الإجمالية على المدى الطويل؟ إن غياب إجابة واضحة عن هذه الأسئلة لا يعني بالضرورة فشل المشروع، لكنه يرفع مستوى المخاطر التي ينبغي أن تدخل في القرار منذ البداية.

ومن هنا، فإن النقاش حول مشاريع المغرب في أفق 2030 لا ينبغي أن يُختزل في الاختيار بين تأييد الاستثمار أو رفضه، ولا بين قبول الاقتراض أو معارضته. السؤال الأدق هو ما إذا كانت هذه الاستثمارات ستنشئ أصولاً وطنية قابلة للاستعمال المكثف والمستدام، أم أن بعضها سيظل مرتبطاً أساساً بإكراهات حدث رياضي محدد. فنجاح الاستعداد لكأس العالم لا يُقاس فقط بجاهزية المنشآت عند انطلاق المنافسات، بل بقدرتها بعد انتهائها على دعم التنقل والإنتاج والخدمات والتوازن المجالي، دون أن تتحول كلفة تشغيلها وتمويلها إلى ضغط دائم على الميزانية

1.2 كلفة المشروع لا تتوقف عند البناء: التمويل والتشغيل والصيانة


حين يُعلن عن مشروع عمومي جديد، ينصب اهتمام الرأي العام غالباً على قيمة الاستثمار الأولية: كم بلغت كلفة إنجازه؟ وكم استغرق من الوقت؟ غير أن هذه الأرقام لا تمثل سوى الجزء الظاهر من الكلفة الحقيقية للمشروع. فالمنشآت الكبرى لا تنتهي بانتهاء أشغال البناء، بل تبدأ منذ ذلك التاريخ مرحلة جديدة قد تمتد لعشرات السنين، تشمل التشغيل والصيانة والتجديد الدوري، وأحياناً إعادة التأهيل أو التوسعة. ولهذا السبب، أصبح خبراء الاقتصاد يتحدثون اليوم عن «كلفة دورة حياة المشروع» (Life-Cycle Cost)، باعتبارها المعيار الأكثر دقة لتقييم الجدوى الاقتصادية لأي استثمار عمومي.

فقد تبدو كلفة بناء ملعب رياضي، أو مطار، أو خط سككي مرتفعة عند الإعلان عنها، لكنها قد تكون مبررة إذا كانت المنشأة ستُستخدم بكثافة لعقود، وتولد عائداً اقتصادياً أو اجتماعياً يفوق نفقات تشغيلها. وفي المقابل، قد يكون مشروع آخر أقل كلفة عند الإنجاز، لكنه يتحول لاحقاً إلى عبء مالي دائم بسبب ضعف الإقبال عليه، أو ارتفاع نفقات الصيانة والطاقة، أو الحاجة المتكررة إلى الدعم العمومي لضمان استمراره.

مطار محمد الخامس : اضافة مدرج جديد

وتشير تجارب العديد من الدول إلى أن مرحلة التشغيل والصيانة قد تمثل، خلال العمر الكامل للمشروع، ما بين 60 و80 في المائة من إجمالي الكلفة التي تتحملها الدولة، بينما لا تمثل كلفة الإنشاء سوى الجزء المتبقي. ولذلك، فإن الاقتصار على مقارنة المشاريع من خلال ميزانية البناء وحدها قد يؤدي إلى استنتاجات مضللة، لأن المشروع الأقل كلفة عند الانطلاق ليس بالضرورة الأقل كلفة على المدى الطويل، كما أن المشروع الأغلى عند الإنجاز قد يكون الأكثر جدوى إذا كانت نفقات تشغيله محدودة وعوائده مرتفعة.

وينطبق هذا المنطق على مختلف أنواع البنيات التحتية. فالطريق السيارة، على سبيل المثال، تحتاج إلى صيانة دورية، وتجديد طبقات الإسفلت، وصيانة القناطر والأنفاق، وأنظمة الإنارة والمراقبة. كما تتطلب المستشفيات تحديث تجهيزاتها الطبية بشكل منتظم، في حين تحتاج المطارات والموانئ إلى استثمارات متواصلة لمواكبة التطور التقني ومعايير السلامة الدولية. وحتى المنشآت الرياضية الكبرى لا تقتصر كلفتها على البناء، بل تشمل الأمن، والتنظيف، والطاقة، والصيانة التقنية، وتجديد التجهيزات، وتدبير الفضاءات المحيطة بها.

ومن هنا، فإن نجاح أي مشروع عمومي لا يقاس فقط بقدرته على احترام ميزانية الإنجاز وآجاله، بل أيضاً بوجود نموذج واضح ومستدام لتمويل تشغيله وصيانته بعد افتتاحه. فالمشروع الذي لا تُحدد مسبقاً مصادر تمويل نفقاته المستقبلية قد يتحول تدريجياً إلى عبء على الميزانية العامة، حتى وإن كان إنجازه في حد ذاته نجاحاً هندسياً أو تنظيمياً.

ولهذا السبب، أصبحت المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تشدد على ضرورة إدماج كلفة التشغيل والصيانة منذ مرحلة تصميم المشروع، وعدم اعتبارها مصاريف ثانوية يمكن تدبيرها لاحقاً. فالقرار الاستثماري الرشيد لا يقتصر على سؤال: كم سيكلفنا البناء؟ بل يطرح سؤالاً أكثر أهمية: كم سيكلفنا هذا المشروع طوال عمره؟ وهل ستغطي المنافع الاقتصادية والاجتماعية تلك الكلفة؟

وبالنسبة للمغرب، تكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في ظل تعدد المشاريع المرتبطة بالاستعداد لكأس العالم 2030، والتي تشمل ملاعب ومنشآت للنقل واللوجستيك والبنيات الحضرية. فالقضية ليست في حجم الاستثمارات المعلنة وحده، وإنما في مدى استعداد هذه المنشآت للاستمرار في خدمة الاقتصاد الوطني بعد انتهاء الحدث الرياضي، وقدرتها على الحفاظ على مستوى مرتفع من الاستغلال، بما يضمن أن تتحول نفقات اليوم إلى أصول منتجة للأجيال القادمة، لا إلى التزامات مالية دائمة.

قطار البراق

1.3 لماذا نجحت بعض الدول في تحويل الاستثمارات الكبرى إلى إرث تنموي، بينما تعثرت دول أخرى؟

سؤال للتأمل
إذا كانت جميع الدول تستثمر مليارات الدولارات في البنية التحتية، فلماذا تتحول هذه الاستثمارات في بعض البلدان إلى محرك للنمو لعقود، بينما تصبح في بلدان أخرى عبئاً مالياً بعد سنوات قليلة؟

يكشف تاريخ المشاريع الكبرى، سواء ارتبطت بالأحداث الرياضية العالمية أو ببرامج تحديث البنية التحتية، أن حجم الاستثمار ليس العامل الحاسم في نجاحها. فقد خصصت دول عديدة موارد مالية ضخمة لإنجاز مشاريع طموحة، إلا أن النتائج جاءت متفاوتة بصورة لافتة. ففي الوقت الذي استطاعت فيه بعض الدول أن تجعل من هذه المشاريع نقطة انطلاق لتحولات اقتصادية واجتماعية مستدامة، وجدت دول أخرى نفسها بعد سنوات أمام منشآت مرتفعة الكلفة، محدودة الاستغلال، تستنزف الميزانيات العمومية دون أن تحقق الأثر التنموي الذي بررت به إنجازها.

ويعود هذا الاختلاف إلى أن نجاح المشروع لا يُقاس يوم افتتاحه، بل بعد سنوات من تشغيله. فالقيمة الحقيقية لأي استثمار عمومي لا تكمن في حجم الأموال التي أُنفقت عليه، ولا في سرعة إنجازه، وإنما في قدرته على خلق نشاط اقتصادي دائم، وتحسين جودة الخدمات، ورفع الإنتاجية، وجذب الاستثمارات، وتوفير فرص الشغل، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

ولهذا السبب، لم تنظر الدول التي حققت نجاحاً إلى الأحداث الكبرى باعتبارها غاية في حد ذاتها، بل اعتبرتها فرصة لتسريع تنفيذ برامج تنموية كانت جزءاً من رؤية وطنية طويلة المدى. فجاءت مشاريع النقل والمطارات والموانئ والفضاءات الحضرية استجابة لحاجات تنموية قائمة، واستمرت في أداء وظائفها بعد انتهاء الحدث، لتصبح أصولاً منتجة تسهم في خلق قيمة اقتصادية واجتماعية لسنوات طويلة.

في المقابل، أظهرت التجارب الأقل نجاحاً أن التركيز على الإنجاز السريع أو على البعد الرمزي للمشروعات، دون إعداد تصور واضح لاستغلالها بعد انتهاء الحدث، يؤدي في كثير من الأحيان إلى ارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة، وانخفاض معدلات الاستغلال، وتحول بعض المنشآت إلى أعباء مالية مستمرة، رغم ما تمثله من إنجاز هندسي أو معماري.

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه صانع القرار ليس: كم ستكلف هذه المشاريع؟ وإنما: ما القيمة التي ستولدها بعد عشر سنوات أو عشرين سنة؟ فالدول التي طرحت هذا السؤال منذ البداية استطاعت في الغالب أن تحول استثماراتها إلى إرث تنموي، بينما واجهت الدول التي غاب عنها هذا المنظور تحديات كبيرة في تحقيق العائد الاقتصادي والاجتماعي المأمول.

ولهذا، فإن تقييم تجربة المغرب في أفق 2030 لن يقتصر في هذه الورقة على رصد حجم الاستثمارات أو عدد المشاريع المنجزة، بل سينطلق من تحليل العناصر التي أثبتت التجارب الدولية أنها تصنع الفرق بين مشروع ينتهي أثره بانتهاء المناسبة، ومشروع يستمر في خدمة الاقتصاد والمجتمع لعقود.

وانطلاقاً من تحليل أبرز التجارب الدولية، يتبين أن نجاح المشاريع الكبرى لا يرتبط بعامل واحد، بل بمنظومة متكاملة من العناصر التي تعمل بصورة مترابطة. وكلما توفرت هذه العناصر وتعزز التكامل بينها، ارتفعت فرص تحول الاستثمار إلى إرث تنموي مستدام. ويمكن تلخيص أهم هذه العناصر في الشكل التالي.

خلاصة المحور والانتقال إلى التجارب الدولية

لا تعمل هذه العوامل منفردة، ولا يكفي حضور بعضها لضمان نجاح المشروع. فقد تنجز الدولة بنية تحتية ذات جودة عالية، لكنها تفشل في تأمين استغلالها المستدام؛ وقد تختار مشاريع تستجيب لحاجات حقيقية، ثم تتراجع مردوديتها بسبب ضعف الحوكمة أو ارتفاع كلفة التشغيل والصيانة. لذلك، تتحدد قيمة المشروع الكبير بمدى انسجام عناصره داخل رؤية واحدة تمتد من مرحلة التخطيط والتمويل إلى التشغيل وقياس الأثر بعد الإنجاز.

ومن هذا المنظور، لا ينبغي التعامل مع الإرث التنموي بوصفه نتيجة تلقائية لضخامة الاستثمار أو نجاح الحدث الذي أُنجزت المشاريع في سياقه. إنه حصيلة قرارات مترابطة: ما الذي سيُبنى؟ ولأي حاجة؟ وبأي كلفة؟ ومن سيتولى تشغيله وصيانته؟ وكيف ستُقاس مساهمته في الاقتصاد والمجتمع بعد مرور سنوات؟ وكل خلل في إحدى هذه الحلقات قد يقلص العائد المنتظر، حتى عندما يُنجز المشروع في موعده ويحقق نجاحاً تنظيمياً وإعلامياً.

ولفهم كيفية اشتغال هذه العوامل في الواقع، تنتقل الورقة في الفصل الموالي من الإطار التحليلي إلى دراسة مجموعة من التجارب الدولية. ولا تهدف المقارنة إلى استنساخ نماذج جاهزة أو إصدار أحكام نهائية بشأنها، بل إلى تحديد ما نجح منها، وما تعثر، والسياقات التي صنعت تلك النتائج، ثم استخلاص الدروس التي يمكن الاستفادة منها عند قراءة الحالة المغربية في أفق 2030.

في الجزء الثاني…

سنحلل خمس تجارب دولية بارزة: برشلونة، جنوب إفريقيا، الصين، قطر، والاستضافة المشتركة لكأس العالم 2026، لاستخلاص الدروس التي يمكن أن يستفيد منها المغرب وهو يستعد لاستضافة كأس العالم 2030.


مقالات الكاتب ذات الصلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى