المنبر الحر

سيكولوجية النكتة: حين يصبح الضحك درعًا للروح في مواجهة الألم

ذ هدى بركات

مستشارة نفسية وأسرية


ملخص 

ليست النكتة ترفًا ولا هروبًا من الواقع، بل هي إحدى أرقى آليات الدفاع النفسي التي وهبها الله للإنسان. فقد أثبتت دراسات علم النفس والأعصاب أن الضحك يحفز إفراز الإندورفينات، مسكنات الألم الطبيعية، ويخفض مستويات هرمون التوتر (الكورتيزول)، وينشط كيمياء السعادة في الدماغ. لذلك، فإن الضحك في وجه الألم ليس إنكارًا للمعاناة، بل فعل شجاعة، وكرامة، ومقاومة للحياة. وكلما تعلمنا أن نحول جراحنا إلى ابتسامة، ومحننا إلى قصة تُروى بابتسامة، ازدادت مناعتنا النفسية وقدرتنا على النهوض من جديد. فالإنسان الذي يضحك من جراحه لا يستخف بها، بل يعلن أنه أكبر منها. وما دامت الروح قادرة على الضحك، فهي قادرة على الشفاء، والنمو، وصناعة الأمل من قلب الألم.

الكلمات المفتاحية : الفكاهة العلاجية، آليات الدفاع النفسي، المرونة النفسية، Therapeutic Humor, Psychological Defense Mechanisms Psychological Resilience.


مقدمة

لماذا نضحك حين يجب أن نبكي؟ في بحر الحياة الصاخب وأمواجه الهادرة نتقلب، لحظات سكون وهدوء تركن النفس إلى الدعة وتهنأ بطيب الحياة، وندخل جنان الأرض ونتمرغ في نعيمها الدائم، الذي يبدو للجاهل أول مرة أنه أبدي وخالد. فجأة، نجد البحر الهادئ والأمواج المنسابة تباغتنا فتصفع وجوهنا وتصير سكينتنا إلى هلع وكرب، ويضطرب القلب  ويرتعد، فتأتمر باقي الأعضاء بأمره وتصيبك وأنت العاقل اليقظ سكرة المخمور. أنداك يحدث شيء غريب ومدهش، نضحك، و نطلق نكتة في جنازة، أو نسخر من مرضنا في غرفة المستشفى، وقد نتبادل الطرف والنكتة وسط الحطام. هذه الظاهرة الإنسانية العميقة ليست تناقضا ولا إنكارا، بل هي واحدة من أذكى الاستراتيجيات النفسية التي طورها العقل البشري. النكتة، ليست مجرد ترفيه عابر، إنها سلاح وجودي ودرع نفسي خلاق ولغة سرية خاصة. يتحدث بها المتألمون، فيما بينهم.

 أولا : الجذور النفسية للفكاهة كآلية دفاعية.

*نظرية فرويد: الفكاهة تفريغ للطاقة المكبوتة. كان سيجموند فرويد من أوائل من تناولوا الفكاهة بجدية علمية. ففي كتابه الشهير النكتة وعلاقتها باللاوعي، والذي أصدره في سنة 1905. يرى فرويد أن النكتة آلية بارعة يتحايل بها العقل على الرقابة الداخلية، فيخرج المشاعر المؤلمة والأفكار المحرمة في قالب مقبول اجتماعيا. بمعنى أن المريض عندما يلقي نكتة عن مرضه فهو لا يستخف بمعاناته، بل إنه يفرغ شحنة القلق المتراكمة بطريقة لا تفضح كبرياءه. الضحك هنا يشتغل صمام أمان للنفس يمنع أو يخفف الانفجار الداخلي.

* الفكاهة، هي هرم آليات الدفاع الناضجة: من خلال دراسته الشهيرة، دراسة جرانت، في جامعة هارفارد، صنف الطبيب النفسي جورج فيلانت الفكاهة ضمن آليات الدفاع الناضجة, إلى جانب الإيثار والتسامي. وهذا يعني أن استخدام الطرفة، والنكتة لمواجهة الألم ليس هروبا طفوليا، بل مهارة نفسية متقدمة تدل على نضج وجداني عميق.

ثانيا : ما الذي يحدث  في الدماغ عندما نضحك وسط الألم؟

 الضحك علاجٌ سحريٌّ للألم. فعندما نضحك، تحدث سلسلة من التغيرات الكيميائية داخل الدماغ والجسم، تنعكس مباشرة على صحتنا النفسية والجسدية، ومن أبرزها:

  • فراز الإندورفينات (Endorphins): وهي مسكنات الألم الطبيعية التي ينتجها الجسم، وقد تكون في بعض الحالات أكثر فعالية من بعض المسكنات الدوائية.
  • انخفاض الكورتيزول (Cortisol): وهو هرمون التوتر الذي يؤدي ارتفاعه إلى استنزاف الجسم والعقل عند التعرض للضغوط المزمنة.
  • تنشيط الدوبامين (Dopamine) والسيروتونين (Serotonin): وهما ناقلان عصبيان يرتبطان بالشعور بالسعادة، والرضا، والاسترخاء، وتحسن المزاج.
  • تحسين تدفق الدم (Blood Flow): مما يخفف التوتر العضلي، ويزيد من وصول الأكسجين والمواد المغذية إلى الأنسجة، ويساعد على تحسين وظائفها.

كما أشارت العديد من الأبحاث أن الضحك يخفض هرمونات التوتر بنسبة تصل إلى ما يناهز  70%، وتعزز الجهاز المناعي عبر زيادة نشاط الخلايا القاتلة الطبيعية.

“ليس الضحك دواءً لكل شيء، لكنه يجعل الجسد والعقل أكثر قدرة على مواجهة كل شيء.”

ثالثا : الفكاهة السوداء لغة الناجحين

“فحين تصبح الحياة عبثية إلى هذا الحد، لا يبقى سوى أن نضحك منها. » تعد الفكاهة السوداء ظاهرة موثقة بين الأطباء والممرضين والجنود ورجال الإطفاء، والصحافيين الميدانيين. هذه الفئات، التي تواجه الموت يوميا. نجدها تطور لغة فكاهية قد تبدو قاسية للغرباء، لكنها تحقق ثلاث أبعاد بين المتواصلين بها :

  1. آلية تباعد عاطفي تخلق مسافة نفسية تسمح بمواصلة العمل دون انهيار
  2. شفرة انتماء تربط أعضاء الفريق برابطة الفهم المشترك للمأساة
  3. استعادة السيطرة، فحين نضحك من شيء مرعب فنحن نعلن أننا أكبر منه.

في كتابه الخالد الإنسان يبحث عن المعنى يروي الطبيب النفسي فيكتور فرانكل كيف كان السجناء في معسكرات الاعتقال النازي يتدربون على اختراع نكتة واحدة على الأقل، وأن الفكاهة سلاح آخر من أسلحة الروح في صراعها من أجل البقاء… إنها قادرة أكثر من أي شيء آخر في التركيب الإنساني على خلق مسافة ووضع المرء فوق الموقف ولو لثوان. هذه الشهادة من قلب الجحيم تثبت أن الفكاهة ليست رفاهية بل ضرورة وجودية قد تصنع الفرق بين  الصمود أو الانهيار

رابعا : متى تصبح النكتة ضارة؟

ليست كل فكاهة صحية بل هناك خيط رفيع بين الفكاهة التكيفية والفكاهة التجنبية. فالفكاهة التكيفية تعزز المناعة النفسية بحيث تعترف بالألم ثم تتجاوزه، وتخلق تضامنا عاطفيا بين من يتشاركون فهم النكتة ومعناها، كما تعيد التوازن للضحية بحيث تسخر من الموقف أو الذات برفق. أما الفكاهة التجنبية أو المضرة فهي تنكر الآلم وتتجنبه وتهين الآخرين وتسخر منهم وهي نابعة أساسا من الخوف والهروب المحموم من المشكل. وهكذا نصل إلى أنه عندما تتحول النكتة إلى قناع دائم يخفي وراءه اكتئابا مزمنا أو صدمة غير معالجة فإنها تتحول من دواء إلى داء.

خامسا كيف نطور فكاهة شافية في حياتنا ؟

 هذه مجموعة من التمارين والفنيات يمكن أن ندخلها في عاداتنا اليومية لنستفيد من سحر الفكاهة كعلاج شافي لجروحنا النفسية.

  1. ابحث عن المواقف لا الأشخاص، السخرية الصحية تستهدف المواقف لا الضحايا خاصة الضعفاء منهم. تخيل موظفًا يدخل اجتماعًا مهمًا وقد ارتدى حذاءين مختلفين دون أن ينتبه. الضحك هنا موجه إلى الموقف الطريف الذي قد يقع فيه أي إنسان. أما السخرية من قصر قامته، أو إعاقته، أو فقره، فهي سخرية من الشخص لا من الموقف، ولذلك تتحول من فكاهة إلى إيذاء.
  2. اضحك على نفسك أولا فالقدرة على السخرية والتنكيد على أخطائنا الشخصية تعد مؤشرا قويا على الصحة النفسية وتقدير الذات.
  3. مارس تقنية إعادة الصياغة الكوميدية مثلا حين تواجه موقفا مؤلما توقف واسأل نفسك كيف سيبدو هذا في فيلم كوميدي بعد عشرة سنوات. تخيل أنك ألقيت كلمة أمام مئات الأشخاص، وفجأة تعثرت في نطق كلمة أو سقطت منك الأوراق. في تلك اللحظة قد تشعر بإحراج شديد، لكن اسأل نفسك: كيف سأحكي هذه القصة بعد عشر سنوات؟ ستجد أنك غالبًا ستقلد نفسك، وتبالغ في وصف الموقف، ويضحك الجميع، وربما تضحك أنت أكثر منهم. ما كان يبدو مأساة في لحظته، أصبح مع الزمن ذكرى طريفة. وهذا بالضبط ما تفعله إعادة الصياغة الكوميدية: إنها تنقلك ذهنيًا إلى المستقبل، حيث يفقد الألم كثيرًا من حدته ويستعيد الموقف طابعه الإنساني.
  4. شارك الضحك مع المتألمين معك فالفكاهة تعزز الانتماء وتعمق الروابط الإنسانية.
  5. لا تستخدم النكتة والسخرية لتجنب المشاعر المزعجة أو المؤلمة واسمح لنفسك بالبكاء أيضا فالصحة النفسية في التوازن بين الضحك والبكاء لا في الضحك الدائم.

النكتة هي تمرد روحك على عواصف الأيام وهي البرهان أن الإنسان كائن لا يهزم بسهولة فحتى حين تتداعى كل الجدران من حوله، يبقى لديه ضحكته الأخيرة.

في الختام، الضحك والسخرية هو فعل مقاومة واع وفعال. السخرية في وجه الألم ليس استخفافا بالمعاناة بل هي أعمق اعتراف بها فحين نضحك من جرحنا فنحن نقول للعالم نعم أنا أتألم لكنني أكبر من ألمي إنها لحظة يسترجع فيها الإنسان كبرياءه أمام الألم والفقد والمصيبة ويعلن ولو بابتسامة مرتعشة أن روحه لا تزال حرة أبية ربما كان الفيلسوف فريدريك نيتش محقا حين قال ربما أعرف لماذا الإنسان وحده يضحك لأنه وحده يعاني عذابا عميقا فاضطر إلى اختراع الضحك…


مقالات الكاتبة ذات الصلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى