Uncategorized

التعليم في المغرب مقارنة بالنموذج الأوروبي: قراءة مقارنة مع إدماج محوري اللغة وخصخصة التعليم

د. الحسن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي

الملخص

يُخصص هذا الجزء الأخير لتحليل موقع التعليم في المغرب مقارنة بعدد من الدول الأوروبية، مع التركيز على مؤشرات جودة التعلم، خاصة القراءة والرياضيات، والفقر التعلمي. وتُظهر المقارنة فجوة واضحة، حيث يسجل المغرب نسبًا مرتفعة من التلاميذ دون الحد الأدنى (تصل إلى 70–85%)، مقابل 20–35% في معظم دول الاتحاد الأوروبي، كما يبلغ الفقر التعلمي نحو 60% مقارنة بأقل من 15% في أوروبا. ويعكس ذلك ضعف اكتساب المهارات الأساسية منذ السنوات الأولى، وتأخر بناء الكفايات التي تُعد أساس التعلم اللاحق. ولا تفسَّر هذه الفجوة فقط بعامل الموارد، بل ترتبط بعوامل بنيوية، في مقدمتها لغة التدريس. إذ يؤدي الانتقال المبكر إلى لغة غير متقنة إلى إضعاف الفهم وتحويل التعلم إلى حفظ، ما ينعكس سلبًا على القراءة والرياضيات. وتُظهر التجارب الأوروبية أن الاعتماد على اللغة الأم في التعليم الأساسي يساهم في بناء قاعدة معرفية صلبة، قبل إدماج اللغات الأجنبية بشكل تدريجي ومدعوم. كما يبرز عامل آخر يتمثل في تراجع دور المدرسة العمومية مقابل توسع التعليم الخصوصي. ففي حين تحافظ الأنظمة الأوروبية الناجحة على مدرسة عمومية قوية تُشكّل العمود الفقري للنظام التعليمي، يساهم انتشار التعليم الخصوصي في السياقات النامية في تعميق الفوارق بدل تحسين الجودة الشاملة، خاصة عندما يكون نتيجة ضعف العرض العمومي. ويخلص التحليل إلى أن تحسين جودة التعليم في المغرب يمر عبر إصلاح متكامل يعيد الاعتبار للمدرسة العمومية، ويُحسن تدبير لغة التدريس، ويركز على اكتساب المهارات الأساسية، باعتبارها الشرط الأول لتحقيق تعليم عادل وفعّال.


في ختام هذا المقال الطويل، وبعد استعراض المقارنات السابقة التي تناولت وضعية التعليم في المغرب مقارنة بالدول العربية، ثم بالدول الإفريقية والآسيوية الصاعدة، وصولًا إلى أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية، يتضح أن الفجوة التعليمية ليست ظرفية أو مرتبطة بمؤشر واحد، بل تعكس اختلالات بنيوية عميقة تمس جودة التعلم واستمراريته. وفي هذا الجزء الأخير، نخصّص التحليل لمقارنة المغرب بعدد من الدول الأوروبية، بما في ذلك بعض الدول التي ارتبطت تاريخيًا بالاستعمار، من أجل فهم أعمق لمسارات التطور التعليمي والفوارق في النتائج.

كما يتناول هذا الجزء محورًا تحليليًا خاصًا يتمثل في لغة التدريس وخصخصة التعليم باعتبارهما عاملين بنيويين مؤثرين في تراجع جودة المدرسة العمومية. إذ يُسهم الانتقال اللغوي غير المتدرج في إضعاف اكتساب المهارات الأساسية، بينما يؤدي توسع التعليم الخصوصي، في سياق تراجع الاستثمار العمومي، إلى تعميق الفوارق وتقليص فرص تكافؤ التعلم. ومن خلال هذه القراءة المركبة، يسعى هذا الجزء إلى تقديم تفسير أشمل لموقع المغرب ضمن السياق الأوروبي، مع إبراز العوامل التي يمكن أن توجه إصلاحًا أكثر فعالية وجودة.

التعليم في المغرب مقارنة بالنموذج الأوروبي

يُظهر الجدول المقارن 7 بين المغرب وعدد من الدول الأوروبية، باعتبارها تمثل في مجموعها ملامح النظام التعليمي داخل الاتحاد الأوروبي، أن الفجوة التعليمية بين الطرفين ليست فجوة جزئية مرتبطة بمؤشر واحد، بل فجوة بنيوية متعددة الأبعاد كالمعتاد. أول ما يبرز من خلال المقارنة هو الفارق في الاستمرار الدراسي. فبينما تتجاوز نسب إتمام التعليم الإعدادي في معظم دول الاتحاد الأوروبي 85 إلى 95 في المائة، لا تتجاوز هذه النسبة في المغرب حوالي 45 إلى 50 في المائة. ويعني ذلك أن جزءًا مهمًا من التلاميذ في المغرب يغادرون المسار الدراسي قبل نهاية التعليم الإلزامي، في حين ينجح الاتحاد الأوروبي في الاحتفاظ بأغلبية التلاميذ حتى نهاية هذه المرحلة. ويؤكد هذا الاتجاه مؤشر إتمام التعليم الثانوي، حيث تتراوح النسبة في دول الاتحاد الأوروبي بين 70 و90 في المائة، بينما لا تتجاوز في المغرب 25 إلى 30 في المائة. ويكشف هذا الفارق أن التحدي الأساسي في المغرب يتمثل في ضعف الانتقال بين المراحل الدراسية، خاصة بين التعليم الإعدادي والثانوي.

جدول 7 : المقارنة في جودة التعليم بالمغرب مقابل دول أوروبية

الدولةالسكان (مليون)إتمام الإعدادي %إتمام الثانوي %تحت المستوى 2 قراءة PISA %تحت المستوى 2 رياضيات %الفقر التعلمي %ملاحظات
المغرب3745–5025–3070–8075–85~60فجوة تعلم مبكرة
فنلندا5.598–9990–9515–2020–25~10نظام عالي الجودة
ألمانيا8395–9785–9020–2525–30~12نظام مزدوج قوي
فرنسا6892–9580–8525–3030–35~15تفاوت اجتماعي
بريطانيا6794–9685–9020–2525–30~12تركيز على القراءة المبكرة
سويسرا8.896–9888–9218–2220–25~10تعليم مهني قوي
إسبانيا4890–9275–8025–3030–35~14تحسن تدريجي
اليونان1085–8865–7035–4040–45~20أداء متوسط
رومانيا1980–8560–6540–4545–50~25قريب نسبيًا
بلغاريا778–8255–6045–5050–55~30الأقرب أوروبيًا
التعليم في فرنسا

غير أن الفارق الأهم يظهر في مؤشرات جودة التعلم، خاصة في القراءة. فالمغرب يسجل نسبًا مرتفعة جدًا من التلاميذ دون الحد الأدنى، تتراوح بين 70 و80 في المائة، بينما تنخفض هذه النسبة في دول الاتحاد الأوروبي إلى مستويات تتراوح بين 15 و30 في المائة في المتوسط. ويعني ذلك أن معظم التلاميذ في أوروبا يمتلكون المهارات الأساسية في القراءة، وهو ما يشكل قاعدة ضرورية لتعلم الرياضيات والعلوم. أما في المغرب، فإن نسبة كبيرة من التلاميذ تصل إلى مستويات دراسية متقدمة دون اكتساب هذه المهارات الأساسية، ما يؤدي إلى تراكم صعوبات التعلم في المراحل اللاحقة.

يسجل المغرب نسبًا مرتفعة دون الحد الأدنى في القراءة والرياضيات (70–85%) مقابل 20–35% في أوروبا.
كما يبلغ الفقر التعلمي نحو 60% مقابل أقل من 15% في الاتحاد الأوروبي. يعكس ذلك ضعف اكتساب القراءة
المبكرة، ما يؤدي إلى تراكم صعوبات التعلم لاحقًا. ولا تقتصر الفجوة على المعارف،
بل تمتد إلى مهارات التفكير والتحليل وجودة التعلم.

ويتأكد هذا الاتجاه عند تحليل مؤشر الرياضيات، حيث يسجل المغرب نسبًا مرتفعة من التلاميذ تحت الحد الأدنى، تقارب 75 إلى 85 في المائة، مقابل حوالي 20 إلى 35 في المائة في معظم دول الاتحاد الأوروبي. ويعكس هذا المعطى أن الفجوة بين المغرب وأوروبا لا تتعلق فقط بالمعارف الأساسية، بل تمتد إلى مهارات التفكير التحليلي وحل المشكلات، وهي مهارات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بجودة التعليم في السنوات الأولى.

التعليم في فلندا

كما يؤكد مؤشر الفقر التعلمي جذور هذه الفجوة. فالمغرب يسجل نسبة تقارب 60 في المائة من الأطفال غير القادرين على قراءة نص بسيط في سن العاشرة، بينما تنخفض هذه النسبة في الاتحاد الأوروبي إلى أقل من 15 في المائة في المتوسط. ويعني ذلك أن التلاميذ في أوروبا يكتسبون مهارات القراءة الأساسية في وقت مبكر، بينما تتأخر هذه المهارات في المغرب، ما يؤدي إلى تراكم صعوبات التعلم لاحقًا. ويُعد هذا المؤشر من أكثر المؤشرات دلالة على جودة التعليم، لأنه يقيس الأساس الذي تُبنى عليه باقي المهارات.

وتقود هذه المقارنة إلى استنتاج مفاده أن الفجوة بين المغرب والاتحاد الأوروبي تبدأ في التعليم الابتدائي، وتتسع في التعليم الإعدادي، وتبلغ ذروتها في التعليم الثانوي. ويعكس ذلك أن المشكلة لا ترتبط بمرحلة واحدة، بل بمسار تعليمي كامل يعاني من ضعف التراكم المعرفي. كما تشير هذه المعطيات إلى أن النظام التعليمي الأوروبي يعتمد على بناء مهارات أساسية قوية في السنوات الأولى، مع متابعة مستمرة للتلاميذ، وتوفير دعم إضافي للمتعثرين، إضافة إلى تنوع المسارات التعليمية التي تشمل التكوين المهني، ما يقلل من الهدر المدرسي.

وتُظهر هذه القراءة أيضًا أن التفوق الأوروبي لا يرتبط فقط بالموارد الاقتصادية، بل باستقرار السياسات التعليمية ووضوحها. فالمناهج التعليمية في معظم دول الاتحاد الأوروبي تتميز بالاستقرار النسبي، كما يخضع المعلمون لتكوين أكاديمي وبيداغوجي متقدم، وتُمنح المؤسسات التعليمية هامشًا من الاستقلالية يسمح بتكييف التعليم مع واقع التلاميذ. كما تعتمد هذه الدول تقييمات دورية للكشف المبكر عن صعوبات التعلم، وهو ما يحد من تراكم الفجوات المعرفية.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن موقع المغرب مقارنة بالاتحاد الأوروبي يتسم بضعف مزدوج يتمثل في انخفاض الاستمرار الدراسي وضعف جودة التعلم. فالمغرب لا يواجه فقط مشكلة الهدر المدرسي، بل أيضًا مشكلة اكتساب المهارات الأساسية، وهو ما يؤدي إلى اتساع الفجوة مع الأنظمة التعليمية الأوروبية. وتشير هذه النتائج إلى أن تحسين جودة التعليم في المغرب يتطلب التركيز على القراءة المبكرة، وتحسين تكوين المعلمين، وتقليص الاكتظاظ، واستقرار المناهج، وتطوير مسارات تعليمية متنوعة تقلل من الضغط على التعليم الأكاديمي. وتؤكد التجربة الأوروبية أن هذه العناصر تشكل أساسًا ضروريًا لبناء نظام تعليمي قادر على تحقيق نتائج مستقرة وعالية الجودة.

نسبة التعليم الخصوصي حسب الدول (جداول 8 الى 12)

شهد التعليم الخصوصي توسعًا ملحوظًا في عدد من دول العالم النامي خلال العقود الأخيرة، ليس بوصفه خيارًا تربويًا مكمّلًا فقط، بل غالبًا كبديل عن نظام عمومي يعاني من اختلالات بنيوية. ويُعزى هذا الانتشار أساسًا إلى تراجع الثقة في جودة المدرسة العمومية، خاصة في ما يتعلق بالاكتظاظ، وعدم استقرار المناهج، وضعف التحكم في اللغات الأساسية، ونقص المتابعة الفردية للتلاميذ. وفي هذا السياق، تلجأ الأسر القادرة ماليًا إلى التعليم الخصوصي باعتباره وسيلة لضمان تحصيل أفضل وفرص أعلى للنجاح، حتى وإن لم تكن جودة جميع المؤسسات الخاصة متجانسة.

تُظهر المقارنات الدولية أن اتساع التعليم الخصوصي لا يضمن تحسن الجودة الوطنية إذا ظل محدودًا اجتماعيًا وغير متجانس. فالأنظمة التعليمية الأكثر نجاحًا تقوم على مدرسة عمومية قوية، لا على تعويضها بالتعليم الخاص.

كما يرتبط توسع التعليم الخصوصي بعوامل ديمغرافية واجتماعية، إذ أدى النمو السريع في عدد التلاميذ في العديد من الدول النامية إلى ضغط كبير على البنية التحتية المدرسية، ما دفع القطاع الخاص إلى ملء هذا الفراغ. ويُضاف إلى ذلك تطور الطبقة المتوسطة الحضرية التي أصبحت أكثر استعدادًا للاستثمار في تعليم أبنائها، إلى جانب سياسات حكومية في بعض الحالات شجعت الشراكة مع القطاع الخاص لتخفيف العبء عن التعليم العمومي.

غير أن انتشار التعليم الخصوصي لا يعني بالضرورة تحسن جودة التعليم على المستوى الوطني، لأن أثره يبقى محدودًا إذا ظل مقتصرًا على فئات اجتماعية معينة. كما أن تعدد نماذجه، بين مؤسسات عالية الجودة وأخرى تجارية ضعيفة، يجعل نتائجه غير متجانسة. لذلك تشير المقارنات الدولية إلى أن الأنظمة التعليمية الأكثر نجاحًا ليست تلك التي يعتمد فيها التعليم الخصوصي بشكل واسع، بل تلك التي تتمتع فيها المدرسة العمومية بجودة مرتفعة، مما يقلل الحاجة إلى اللجوء إلى القطاع الخاص.

جدول 8 : نسبة التعليم الخصوصي ببعض الدول العربية

الدولةنسبة التعليم الخصوصي %ملاحظات
المغرب15–18مرتفع حضريًا
تونس5–7محدود
الجزائر1–3شبه منعدم
مصر10–12واسع حضريًا
السعودية15–20توسع حديث
الإمارات60–70أغلبه خاص
قطر55–65هيمنة الخاص

تُظهر المقارنة الدولية أن موقع التعليم الخصوصي في المغرب (15–18%) يضعه ضمن فئة الانتشار المتوسط، لكنه يحمل دلالة خاصة. فهو أعلى من دول ذات نظام عمومي قوي مثل الجزائر (1–3%) وتونس (5–7%) وكندا (6–8%)، وقريب من دول تعرف توسعًا تدريجيًا مثل السعودية والبرازيل. غير أنه يبقى بعيدًا عن النماذج التي يهيمن فيها التعليم الخاص بشكل كبير مثل الإمارات وقطر وتشيلي، أو التي تشهد انتشارًا واسعًا مرتبطًا بضعف العمومي كما في الهند (35–45%).

جدول 9 : نسبة التعليم الخصوصي ببعض الدول في إفريقيا

الدولةنسبة التعليم الخصوصي %ملاحظات
السنغال20–25مرتفع
رواندا15–20توسع سريع
جنوب إفريقيا7–10عمومي قوي

كما تُظهر المعطيات أن الدول ذات الأداء التعليمي المرتفع عالميًا، مثل فنلندا وسنغافورة وكوريا الجنوبية، تسجل نسبًا منخفضة جدًا من التعليم الخصوصي (أقل من 10%)، ما يعكس قوة المدرسة العمومية. في المقابل، ترتفع هذه النسبة في بعض الدول الإفريقية والآسيوية كاستجابة لضعف العرض العمومي أو ضغط الطلب الاجتماعي.

جدول 10 : نسبة التعليم الخصوصي ببعض الدول في آسيا

الدولةنسبة التعليم الخصوصي %ملاحظات
تركيا8–12توسع تدريجي
ماليزيا10–15محدود
إندونيسيا20–25خاص ديني واسع
الهند35–45انتشار كبير
الصين5–10عمومي قوي
اليابان7–10ثانوي أكثر
كوريا الجنوبية5–8عمومي أساسًا
سنغافورة3–5شبه عمومي

وبناءً على ذلك، فإن وضع المغرب يعكس نموذجًا وسيطًا: التعليم الخصوصي حاضر بقوة في الوسط الحضري، لكنه لا يشكل رافعة لتحسين الجودة على المستوى الوطني، بل يُستخدم غالبًا كبديل جزئي عن المدرسة العمومية. وتؤكد هذه المقارنة أن انتشار التعليم الخصوصي ليس مؤشرًا على جودة النظام التعليمي، بل قد يكون في كثير من الحالات انعكاسًا لاختلالاته.

جدول 11 : نسبة التعليم الخصوصي ببعض الدول في أوروبا

الدولةنسبة التعليم الخصوصي %ملاحظات
فنلندا2–3عمومي بالكامل تقريبًا
ألمانيا8–10محدود
فرنسا17–20خاص مدعوم
إسبانيا25–30شبه خاص واسع
بريطانيا6–8عمومي أساس
سويسرا5–8محدود
اليونان5–7محدود
رومانيا3–5ضعيف
بلغاريا2–4ضعيف

جدول 12 : نسبة التعليم الخصوصي في الولايات المتحدة وكندا وأمريكا اللاتينية

الدولةنسبة التعليم الخصوصي %ملاحظات
الولايات المتحدة9–11عمومي قوي
كندا6–8عمومي قوي جدًا
البرازيل15–20حضري
المكسيك12–15متوسط
الأرجنتين25–30خاص واسع
تشيلي50–55شبه خاص مهيمن

لغة التدريس: عامل حاسم في تفاوت جودة التعليم عالميًا

تُعدّ لغة التدريس من العوامل الحاسمة في تفسير تفاوت جودة التعليم بين الدول، إذ تشير الأدبيات التربوية المقارنة إلى أن التعلم الفعّال في السنوات الأولى يعتمد أساسًا على قدرة التلميذ على فهم المفاهيم وبناء التفكير وتطوير مهارات القراءة. وعندما يُدرَّس المحتوى الدراسي بلغة أجنبية لا يتقنها المتعلم، يتحول جزء كبير من الجهد الذهني إلى محاولة فهم اللغة بدل استيعاب المادة العلمية نفسها. ونتيجة لذلك يتباطأ اكتساب مهارات القراءة، وتزداد صعوبة فهم المسائل الرياضية، ويتراجع التحصيل في العلوم، كما يرتفع خطر التعثر والهدر المدرسي. وبعبارة منهجية، يصبح التلميذ في هذه الحالة مطالبًا بتعلم اللغة أولًا قبل أن يتعلم المعرفة، وهو ما يخلق عبئًا معرفيًا مزدوجًا يضعف جودة التعلم.

ويتضح هذا الأثر بشكل خاص في المواد التي تعتمد على الفهم التحليلي، مثل الرياضيات والعلوم. فإذا قُدمت المسألة الرياضية بلغة غير متقنة، يصبح فهم نص السؤال هو العائق الأساسي، وليس الحل الرياضي نفسه. ويؤدي ذلك إلى نتائج ضعيفة في اختبارات القراءة والرياضيات معًا، لأن ضعف التحكم في اللغة ينعكس مباشرة على القدرة على التفكير المنطقي وتحليل المعطيات. ولهذا تؤكد الدراسات المقارنة أن التحكم في لغة التعلم في المراحل الأولى يمثل شرطًا أساسيًا لبناء الكفايات المعرفية اللاحقة.

وتدعم المقارنات الدولية هذا الاتجاه (جدول 13)، إذ تعتمد دول ذات نتائج تعليمية مرتفعة، مثل فنلندا واليابان وكوريا الجنوبية وتركيا، على التدريس باللغة الأم في التعليم الأساسي، مع إدخال اللغات الأجنبية تدريجيًا دون أن تصبح لغة للمواد العلمية في المراحل المبكرة. ويسمح هذا النموذج ببناء فهم متين للمفاهيم الأساسية قبل الانتقال إلى تعدد اللغات. وفي المقابل، تسجل عدد من الدول التي تعتمد لغة أجنبية مبكرًا في التدريس، خاصة في بعض الأنظمة الإفريقية الفرنكوفونية، صعوبات أكبر في اكتساب القراءة والفهم، ما ينعكس على جودة التعلم في المراحل اللاحقة. وقد دفع ذلك بعض الدول إلى مراجعة سياستها اللغوية، كما حدث في رواندا التي تحولت من الفرنسية إلى الإنجليزية مع تعزيز تعليم اللغة، وفي تجارب أخرى سعت إلى تعزيز اللغات الوطنية في التعليم الأساسي.

جدول 13: لغة التدريس وعلاقتها بجودة التعلم عالميًا

تُظهر المقارنة الدولية أن لغة التدريس تُعد عاملًا حاسمًا في جودة التعلم، حيث تحقق الدول التي تعتمد اللغة الأم في المراحل الأولى أفضل النتائج، بينما تواجه الأنظمة التي تعتمد لغة أجنبية مبكرًا صعوبات كبيرة في اكتساب المهارات الأساسية، ما لم تُدعَّم بسياسات لغوية قوية ومتكاملة.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال جودة التعليم في عامل اللغة وحده، إذ توجد دول تعتمد لغة أجنبية في التدريس وتحقق نتائج جيدة نسبيًا، مثل سنغافورة وبعض الأنظمة التعليمية التي تستخدم الإنجليزية. غير أن نجاح هذه التجارب يرتبط بتوفير شروط داعمة، من بينها تعليم مبكر ومكثف للغة، ودعم لغوي مستمر للتلاميذ، وتكوين قوي للمعلمين، وبيئة مدرسية مستقرة. ويعني ذلك أن اللغة الأجنبية لا تكون عائقًا عندما يمتلك التلميذ الكفاية اللغوية الكافية، لكنها تتحول إلى عامل إضعاف عندما يُفرض الانتقال إليها دون إعداد مناسب.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن التدريس بلغة أجنبية بدل اللغة الأم يُعد عاملًا مؤثرًا بقوة في إضعاف جودة التعلم عندما لا تتوفر الكفايات اللغوية لدى التلاميذ، غير أن تأثيره يتعاظم عندما يقترن بعوامل أخرى مثل ضعف القراءة المبكرة، والاكتظاظ، وعدم استقرار المناهج. ومن ثمّ فإن إشكالية لغة التدريس لا تنفصل عن بقية مكونات النظام التعليمي، بل تشكل جزءًا من منظومة متكاملة تؤثر مجتمعة في جودة التعلم ونتائجه

لغة التدريس وخصخصة التعليم: عاملان بنيويان في تراجع جودة المدرسة العمومية

تُعدّ لغة التدريس وخصخصة التعليم من أبرز العوامل البنيوية التي تفسر تراجع جودة المدرسة العمومية. فاعتماد لغة غير متقنة في تدريس المواد الأساسية يخلق عبئًا معرفيًا مزدوجًا على التلميذ، حيث ينشغل بفهم اللغة بدل استيعاب المفاهيم، ما يؤدي إلى ضعف القراءة وتراجع الأداء في الرياضيات والعلوم. وفي المقابل، يساهم تراجع الاستثمار في التعليم العمومي في توسع التعليم الخصوصي كبديل اضطراري، لا كخيار قائم على التفوق النوعي، وهو ما يعمّق الفوارق الاجتماعية ويحوّل التعليم تدريجيًا إلى خدمة غير متكافئة. وتُظهر المقارنات الدولية أن الأنظمة التعليمية الأكثر نجاحًا لا تقوم على انتشار التعليم الخاص، بل على قوة المدرسة العمومية وجودتها، حيث يشكل القطاع الخاص دورًا تكميليًا محدودًا. ومن ثمّ، فإن الجمع بين اختلال لغة التدريس وتراجع دور المدرسة العمومية يفسر جانبًا مهمًا من ضعف جودة التعلم، ويبرز الحاجة إلى إصلاح متكامل يعيد بناء الأساس اللغوي ويعزز الاستثمار في التعليم العمومي.

الخاتمة

تُظهر المقارنة مع أوروبا أن فجوة التعليم في المغرب عميقة، حيث ترتفع نسب ضعف القراءة والرياضيات والفقر التعلمي مقارنة بالمعدلات الأوروبية. ولا يعود ذلك فقط إلى الموارد، بل إلى عوامل بنيوية، أبرزها إشكالية لغة التدريس وتراجع دور المدرسة العمومية لصالح التعليم الخصوصي. فالتدريس بلغة غير متقنة يضعف الفهم منذ البداية، بينما يؤدي توسع التعليم الخاص إلى تعميق الفوارق بدل تحسين الجودة. وتؤكد التجارب الأوروبية أن الحل يكمن في مدرسة عمومية قوية، ولغة تعليم واضحة، وتركيز مبكر على المهارات الأساسية، باعتبارها الأساس الحقيقي لأي إصلاح تعليمي ناجح.


مقالات الكاتب ذات الصلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى