نظرية “الصفر اللغوي” وفهم العربية والقرآن الجزء الثاني

د. الحسن اشباني
مقدمة للحوار من مدير الموقع د. الحسن اشباني :
من غير قصد، وجدت نفسي مأخوذًا بحوار أجراه الإعلامي باسم الجمل ضمن برنامج «مجتمع» مع الدكتورة سناء حميد البياتي من العراق، الباحثة وعالمة اللسانيات ذات الباع الطويل في التدريس والتأليف، حول ما أسمته «نظرية الصفر اللغوي». كان الحوار ثريًّا ومُلهمًا إلى حد جعلني أقول في نفسي: إذا كان لنظام صدام حسين من حسنات تُذكر، فهي مساهمته –رغم كل المآخذ– في تكوين جيل من العلماء المرموقين في مختلف المجالات، تكوينًا متينًا وشاملاً وباللغة العربية.
وقد تذكرت تجربة شخصية حين كنت في فرنسا أحضّر للدكتوراه الأولى، وأهوى في الوقت نفسه متابعة مجال الإلكترونيات الدقيقة. واجهتني بعض الصعوبات في الرقائق المدمجة (Circuits intégrés) والمخططات الكهربائية (Schémas électroniques)، فاستعنت بصديق عراقي في مدينة Clermont-Ferrand. أدهشني حينها بقدرته على تبسيط أعقد المفاهيم، حتى صرت أفهمها بسهولة غير متوقعة. عرفت فيما بعد أنه من المتخصصين الكبار في مجاله، فازددت يقينًا بما للعراق من رصيد علمي أصيل. من هنا جاءت رغبتي في أن أفرغ هذا الحوار الماتع مع الدكتورة سناء إلى نص مكتوب في جزئين، ليكون بين يدي قرّاء منصتنا، علّهم ينهلون من علمها، ويشاركونني متعة اكتشاف هذه الرؤية اللغوية الجديدة. قراءة ماتعة مع الجزء الثاني،
ملخص بالعربية
في الجزء الثاني من الحوار، أوضحت د. سناء البياتي أن الخلل في النحو التقليدي أنه فصل الكلمات عن سياقها، ففقد النص معناه الحي، واختُزل في رفع ونصب وجزم. بينما في القرآن الكريم، الأفعال كـ”كاد” و”كان” و”بدأ” لا تُفهم إلا في ارتباطها بالفعل بعدها. شددت البياتي على أن القرآن نص متكامل: أصوات، نحو، بلاغة، سياق ودلالة، وأن الإعجاز فيه يظهر أولًا من تنغيمه الصوتي الذي بهر العرب قبل معانيه. بيّنت أن نظرية “الصفر اللغوي” تجعل العلامات الإعرابية خلف المعنى لا أمامه، فتستعيد للنص حيويته. لكنها تأسفت أن المؤسسات اللغوية والدينية ما زالت متشبثة بالقديم، بخلاف الغرب الذي يرحب بالأفكار الصحيحة فور إثباتها. وختمت بالتأكيد أن المعرفة تراكمية، وأن مسؤولية الأجيال تطوير الأدوات لفهم القرآن وإبراز إعجازه، بدل الجمود عند قوالب موروثة.
Résumé en Français
Dans cette deuxième partie, la Dr. Biyati explique que la grammaire traditionnelle a fragmenté les phrases et tué leur sens vivant, réduisant la langue aux marques casuelles. Or, dans le Coran, des verbes comme kâda, kâna ou bada’a ne prennent sens qu’avec le verbe qui suit. Elle souligne que le Coran est un texte global : sons, grammaire, rhétorique, contexte et signification. Son miracle apparaît d’abord dans sa musicalité et son intonation, qui ont frappé les Arabes avant même le contenu. Sa “théorie du zéro linguistique” replace les marques grammaticales derrière le sens, révélant la vitalité du texte. Mais les institutions linguistiques et religieuses s’accrochent encore à l’ancien, contrairement à l’Occident qui adopte rapidement les idées validées. Elle conclut que le savoir est cumulatif, et que la mission des générations est de développer de nouveaux outils pour comprendre le Coran.
Abstract in English
In this second part, Dr. Biyati explained that traditional grammar fragmented sentences and stripped them of meaning, reducing language to mere case markings. In the Qur’an, however, verbs like kâda, kâna, or bada’a only make sense when linked to the following verb. She stressed that the Qur’an is an integrated text—sound, grammar, rhetoric, context, and meaning—and that its miracle first appears through its rhythm and intonation, which stunned the Arabs even before its message. Her “Zero Linguistic Theory” places grammatical markers behind meaning rather than in front, restoring vitality to the text. Yet, linguistic and religious institutions still cling to outdated methods, unlike the West, where new, sound ideas are quickly embraced. She concluded that knowledge is cumulative, and that future generations must develop new tools to uncover the Qur’an’s miraculous depth instead of being trapped in inherited molds.
نص الحوار الجزء 2


الإعلامي باسم الجمل : ما الخلل الذي أحدثه المنهج التقليدي؟
د. سناء حميد البياتي : المنهج التقليدي فصل بين الكلمات، فاعتبر “كاد” فعلًا ناقصًا يرفع وينصب، بينما الصحيح أنها لا تُفصل عن الفعل بعدها، لأنها تدل على قرب الحدث من الوقوع. نقول: كاد الطفل يغرق، أي أن الغرق كان وشيكًا. فإذا فصلنا بين “كاد” و”يغرق”، ضاع المعنى. قولنا ايضا : كانت الغيوم تملأ السماء. “كانت” لا يجوز فصلها عن “تملأ”، فهي التي تعطي معنى الزمن الماضي. وكذلك: بدأ المطر ينهمر، لا تفصل “بدأ” عن “ينهمر”، فهي تدل على الشروع. ومثلها: كادت الشوارع تغرق من كثرة المطر. كلها جمل لا تُفهم إلا إذا أُخذت كوحدة واحدة. لكن النحو التقليدي جزّأها، وقسّم الأفعال إلى “أفعال شروع” وأخرى “أفعال مقاربة”، ثم جعل القضية مجرد رفع ونصب.
الإعلامي باسم الجمل : لماذا كان هذا التجزيء مضرًا؟
د. سناء حميد البياتي : لأنه جعل محور النحو هو العلامات الإعرابية فقط: مرفوعات ومنصوبات ومجرورات. فصار تعليم الطالب: “كان فعل ماضٍ ناقص، يرفع المبتدأ وينصب الخبر”. لكن ماذا يفهم الطالب من هذا؟ لا شيء سوى قالب جامد. بينما الأهم أن يُفهم أن “كان” تسحب الفعل المضارع إلى الماضي، فتصبح الجملة: كان يلعب، أي أن اللعب كان في الزمن الماضي. فالزمن هنا هو الأساس، لا مجرد العلامة.
الإعلامي باسم الجمل : وكيف يؤثر هذا على قراءة القرآن؟
د. سناء حميد البياتي : القرآن الكريم يصور الأحداث تصويرًا بديعًا، حتى تشعر أنك تراها رأي العين. الجمل القرآنية أشبه بمشاهد فيديو حية. لكن عندما فصل النحو التقليدي الكلمات عن سياقها، قتل الصورة وقتل المعنى معها. وقد أثر هذا أيضًا على الاستنباط الفقهي، فالاستنباطات العشوائية لبعض الأحكام القرآنية قد يكون سببها الخلل في آلية قراءة النص، الناتج عن نظرية العامل. فهي جعلت العقل يركز على العلامات الإعرابية دون أن يستنبط المعنى الحقيقي الذي أراده النص. فاللغة شبكة متداخلة من أصوات وبلاغة ونحو وسياق ودلالة. مثالًا قرآنيًا يوضح هذا التداخل، قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾*5. هنا نجد أن المفعول به (اليتيم والسائل) قد تقدم على الفعل، وهذا من جهة تركيبية. لكنه في الوقت نفسه أحدث تنغيمًا صوتيًا بديعًا في كلمتي تقهر وتنهر من خلال التكرار الصوتي.
*5 الآية تأمر بلطف المعاملة؛ فلا تذلّ اليتيم ولا تجرح السائل أو تزجره، بل قابلهما بالرحمة واللين
الإعلامي باسم الجمل : ما المقصود بالتنغيم هنا؟ هل هو التجويد؟
د. سناء حميد البياتي : لا، أبدًا. التنغيم شيء، والتجويد شيء آخر. التجويد تدخل بشري في الأداء الصوتي للنص القرآني، بينما التنغيم *6 الذي أقصده هو خاصية أصيلة في البناء اللغوي والصوتي للقرآن نفسه.
*6التنغيم 🎶 هو تغيّر نغمة الصوت وارتفاعه وانخفاضه أثناء الكلام لإبراز معنى أو عاطفة أو توضيح دلالة خفية. لنأخذ مثلاً قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: 8-11]، ستلاحظ أن معظم المقاطع تنتهي بألف مدّ (ناعمة – راضية – عالية – لاغية). هذا الامتداد الصوتي (آ ــ) يعطي إحساسًا بالراحة والانسياب والامتداد، فيحاكي امتداد النعيم في الجنة. وفي المقابل: ﴿فَصُبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: 13]، هنا الأصوات قصيرة ومقفلة (صب – سوط – عذاب). التنغيم مغلق حاد، فيحاكي وقع العذاب الشديد.
الإعلامي باسم الجمل : كيف يظهر ذلك في الواقع؟
د. سناء حميد البياتي : خذ مثلًا كبار المقرئين كعبد الباسط عبد الصمد والمنشاوي. هؤلاء لم يضيفوا موسيقى من عندهم، بل تجلّى جمال الأداء عندهم بفضل البناء الصوتي للنص القرآني نفسه، الذي يمنح القارئ قابلية التنغيم والتأثير دون تكلف.
الإعلامي باسم الجمل : وكيف تلقى العرب هذا التنغيم عند نزول القرآن؟
د. سناء حميد البياتي : التنغيم كان الصدمة الأولى للعرب قبل أن يتأملوا المعاني. فهم أهل شعر وموسيقى لفظية، فلما سمعوا القرآن انبهروا أولًا بجمال إيقاعه وأصواته ونغمه المختلف عن أي كلام بشري. فالكفار مثلا أرسلوا أحد كبار معانديهم من المشركين ليتجسس على المسلمين ويستمع لما يقرؤون. فجاء قريبًا من دار الأرقم حيث كان الصحابة يقرؤون القرآن، ففوجئ بهذا التنغيم والإيقاع المختلف الذي لا يشبه لا الشعر ولا النثر المألوف عند العرب. كما أثر سماع القرآن على العرب الأوائل، فهذا الوليد بن المغيرة، بمجرد ان استمع للقرآن، تغيّر قلبه بعد أن كان قاسيًا عنيدًا، وقال قولته المشهورة: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يُعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته. لقد كانت الأصوات والتنغيم هي الصدمة الأولى التي بهرت العرب، قبل أن يتأملوا المعاني.
الإعلامي باسم الجمل : من أين يأتي هذا التنغيم في القرآن الكريم؟
د. سناء حميد البياتي : بحثت في روافده فوجدته ينبع من جرس الصوت نفسه. مثلًا قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾، لم يقل “يصرخون”، لأن لفظة يصطرخون أدل على شدة الصراخ. وكذلك قوله تعالى: ﴿تَأُزُّهُمْ أَزًّا﴾، فجرس الأصوات هنا يعكس شدة الحركة.
الإعلامي باسم الجمل : وهل يرتبط التنغيم بالسياق؟
د. سناء حميد البياتي : نعم. أحيانًا يأتي السياق بمقاطع مفتوحة توحي بالنعيم الممتد، مثل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ، لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ، لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً، فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾. كلها مقاطع صوتية مفتوحة كأنها ترسم امتداد النعيم. وفي المقابل، عند الحديث عن الكفار تأتي المقاطع مقفلة مشددة: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾. حتى صوت السين هنا يتضخم إلى صاد، فيحمل أثرًا أقوى.
\ الإعلامي باسم الجمل : هل هناك أمثلة على التوازن والتدرج بين المقاطع؟
د. سناء حميد البياتي : نعم. في سورة الزلزلة: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا، وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾. المقاطع هنا موزونة بشكل مدهش، كأنها لو وُضعت في ميزان لكانت متساوية. وبالنسبة للتدرج، مثلًا قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾. تبدأ بمقاطع قصيرة، ثم أطول قليلًا، ثم أطول بكثير. كأنك تشاهد مشهدًا مرئيًا بكاميرا “زوم” تتسع تدريجيًا.
الإعلامي باسم الجمل : هل هناك أمثلة أخرى من سور القرآن؟
د. سناء حميد البياتي : نعم، سورة الفاتحة مليئة بالتنغيم. لاحظ التناوب بين النون والميم:
- بسم الله الرحمن الرحيم (ميم).
- الحمد لله رب العالمين (نون).
- الرحمن الرحيم (ميم).
- مالك يوم الدين (نون).
- إياك نعبد وإياك نستعين (نون).
- اهدنا الصراط المستقيم (ميم).
- صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (نون).
النون والميم صوتان خيشوميان (nasal sounds) لهما نفس الصفة، فتبادلُهما يعطي إيقاعًا متناغمًا.
الإعلامي باسم الجمل : كيف واجه القرآن العرب بهذا الإعجاز الصوتي؟
د. سناء حميد البياتي : القرآن الكريم امتلأ بهذه النغمات والفواصل التي لم يعهدها العرب، لا في الشعر ولا في النثر. لذلك تحداهم أولًا بعشر سور، ثم بسورة واحدة، ثم قال: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾. الإعجاز اللغوي يجعل اللغة تتشكل أولًا في الدماغ ثم تُؤدى باللسان، وفي القرآن نجد تنغيمًا هائلًا على مستوى الأصوات. فكانت الصدمة الأولى للعرب هي هذا البناء الصوتي والنغمي الذي بهرهم وأعجزهم.
الإعلامي باسم الجمل : لماذا يُستعمل الفعل الماضي في القرآن أحيانًا للتعبير عن حدث مستقبلي؟
د. سناء حميد البياتي : لأن النص القرآني يقصد أن يجعل الحدث الآتي وكأنه قد وقع وانتهى وتحقّق يقينًا، مثل قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾. فجاء الفعل بصيغة الماضي رغم أن المعنى مستقبلي. فالأفعال في نظرية الصفر اللغوي، لا تُفصل عن سياقاتها، بل تُسمى بصيغتها، ثم يُفهم معناها من السياق الذي يحمّلها الدلالة. مثل قوله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾، حيث صيغة الفعل تُظهر هيئة المشي مقرونة بالمعنى الذي يفرضه السياق.
الإعلامي باسم الجمل : ما الكلمة التي ظُلمت أكثر في المنهج النحوي التقليدي؟ ولماذا؟
د. سناء حميد البياتي : الفعل، لأنه جُرّد من دلالاته المتعددة في السياقات، وأُلزم بمعانٍ جامدة واعتباطية لا تعكس حقيقته.
الإعلامي باسم الجمل : هل هناك إشكال حتى في المصطلحات النحوية نفسها؟
د. سناء حميد البياتي : نعم، مثل تسمية “الفعل المضارع” لمجرد أنه يشبه الاسم في العلامات الإعرابية، وهذا لا يعكس دلالة الفعل. وكذلك مصطلح “المبتدأ” حيث سُمّي لأنه يبدأ به الكلام، لكن إذا تأخر قيل “مبتدأ مؤخر”! والأولى أن يقال “مسند” و”مسند إليه” بلا هذا التعقيد.
الإعلامي باسم الجمل : وكيف تُبسط الجملة وفق هذا المنهج الجديد؟
د. سناء حميد البياتي : مثلاً: “زيد حضر”. في التحليل التقليدي: زيد مبتدأ، حضر فعل، وفاعله ضمير مستتر، والجملة خبر. بينما في الحقيقة: “زيد حضر” أو “حضر زيد” كلاهما فعل وفاعل، يتقدّم أحدهما حسب المقصود أو التشويق.
الإعلامي باسم الجمل : وماذا عن تفسير بعض الآيات وفق المنهج التقليدي؟
د. سناء حميد البياتي : وقع فيه تكلف. مثلاً: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾، جعلوا “السماء” فاعلًا لفعل محذوف تقديره “انفطرت”، وكأن التقدير: “إذا انفطرت السماء انفطرت”! بينما النص نفسه يدلّ على القاعدة دون تقديرات.
الإعلامي باسم الجمل : هل هناك وجود لحروف زائدة في القرآن كما يقول بعضهم؟
د. سناء حميد البياتي : لا، فكل حرف موضوع لحكمة ودلالة. ولو كان زائدًا لاستغنى عنه النص.
الإعلامي باسم الجمل : ما المشكلة الأساسية في الآلية القديمة إذن؟
د. سناء حميد البياتي : أنها قصرت عن استنباط المعارف المودعة في النص القرآني، لأنها انحصرت في العلامات الإعرابية، وأغفلت المعنى الكلي والسياق.
الإعلامي باسم الجمل : ما البديل الذي تقترحونه؟
د. سناء حميد البياتي : آلية جديدة تُسمى “آلية اللسان العربي المبين” الذي نزل به القرآن، تقوم على تكامل بين الكلمة والجملة والمفهوم، بحيث يكشف النص بنفسه عن دلالاته. فهي قادرة على استخراج معارف جديدة في القرآن الكريم، لأن اللسان العربي المبين يجب أن يُدرس على جميع مستوياته: صوتيًا وتنغيميًا، نحويًا وفق نظرية الصفر، وبلاغيًا.
الإعلامي باسم الجمل : ما الذي يجعل نظرية الصفر مميزة عن غيرها؟
د. سناء حميد البياتي : أنها وحدها تكشف الإعجاز النحوي للقرآن الكريم، بخلاف نظرية العامل أو التوليدية أو الوظيفية. وإذا أُضيف إليها الدرس البلاغي، اجتمعت علوم متعددة لكشف الإعجاز. كما ترى النظرية أن المعرفة تراكمية؛ تبدأ بسيطة ثم تتعمق مع الزمن. والعقل البشري خُلق لينمو ويتطور، لذلك لا نلوم القدامى على ما قدّموا، فهم اجتهدوا بما تيسر لهم. لكن دورنا أن نكمل المسيرة ونكشف بأدواتنا الحديثة ما لم يكن ميسورًا من قبل.
الإعلامي باسم الجمل : أنت الآن تذكر أن القرآن الكريم هو الأساس، والمعاجم مجرد قاموس يساعد ولا تكفي لفهم النص القرآني.
د. سناء حميد البياتي : صحيح. المعاجم مجرد أدوات، لكن الأساس هو النص القرآني ذاته. لأنه شبكة متكاملة: أصوات، نحو، بلاغة، دلالة، سياق. لا يمكن أن تفصل جزءًا عن جزء. ولهذا، فالإعجاز يظهر من خلال هذا التداخل. إنّ النص القرآني يستعمل أحيانًا الصيغة الخبرية المثبتة للماضي في سياقات تتعلّق بالمستقبل، ليجعل الحدث الآتي كأنّه قد وقع وانتهى وتحقّق بالفعل. وهذا الاستعمال يبيّن أنّ الفعل لا ينبغي عزله عن سياقه، بل يُفهم في ضوء ما يضفيه السياق عليه من دلالات إضافية. ولهذا السبب، كان الفعل – في الدراسات النحوية التقليدية – أكثر الألفاظ التي تعرّضت لظلم شديد؛ إذ جُرِّد من كثير من الدلالات التي يحملها في سياقاته، وأُلزِم بمعانٍ مصطلحية جامدة لا تعبّر عن حقيقته. فمثلاً: مصطلح “الفعل المضارع” لا يدلّ على معنى أصيل في صيغة الفعل، بل جُعلت علّته أنّه يشبه الأسماء في العلامات الإعرابية من رفع ونصب وجزم، وكأنّ التشابه الشكلي هو العمدة في التسمية، لا الدلالة. وكذلك مصطلح “المبتدأ”: جعلوه الاسم الذي تبدأ به الجملة، ولو تأخر قالوا “مبتدأ مؤخر”! وهذا تناقض بيّن؛ إذ الأولى أن يُقال “مسند” و”مسند إليه”، سواء تقدّما أو تأخّرا.
الإعلامي باسم الجمل : كلما تراكمت معارف الناس، هل تتعمق قدرتهم أكثر على فهم النصوص؟ وكيف تنظرون إلى جهود القدماء في هذا السياق؟
د. سناء حميد البياتي : بالتأكيد، فالمعارف تراكمية. يبدأ الإنسان من معرفة بسيطة ثم يترقى إلى معرفة أعمق فأعمق، لأن الله وهب الإنسان عقلًا يتطور بمرور الزمن ومع تراكم العلوم. لذلك لا نلوم القدماء؛ فقد قدّموا جهدهم ويُشكرون عليه، وظهرت عندهم لمحات مضيئة. شخصيًا استفدت من “نظرية النظم” لعبد القاهر الجرجاني، وانطلقت منها إلى نظريتي “الصفر اللغوي”. فالعلم حلقات متواصلة، حلقة تكمل أخرى. ودراسة اللسان العربي في القرآن الكريم تشترك فيها علوم الأصوات، والبلاغة، والنحو، والدلالة، لإبراز الإعجاز القرآني.
الإعلامي باسم الجمل : رغم وضوح القيمة المعرفية لهذه الآلية، لماذا لا تُعمم بعدُ في معاجم ومؤسسات اللغة العربية التقليدية؟
د. سناء حميد البياتي : هذه مشكلة قديمة واجهتها منذ الثمانينات. بدأت أفكاري منذ الماجستير سنة 1983، وطبقتها على نظام الجملة العربية، معتبرةً إياه نظامًا صالحًا لكل اللغات. لكن الفكر الجمعي لم يكن مستعدًا لتقبل أفكار جديدة. بل صار هناك تدنٍ في استخدام اللغة، حتى إن الأكاديميين يعانون من ضيق المفردات. المؤسسات ركزت على العلامات الإعرابية وحدها، دون الاهتمام بالسياق. في “نظرية الصفر” لا نلغي العلامات الإعرابية، بل نجعلها خلف المعنى، لتمييزه وتوضيحه، بدل أن تتصدر المشهد كما في النحو التقليدي، وهو ما جعل الطلبة يملّون قواعد النحو وينفرون منها.
الإعلامي باسم الجمل : وما الذي ينبغي على المجامع والمناهج التعليمية فعله تجاه هذه النظرية؟
د. سناء حميد البياتي : لا يصح أن يُترك الأمر لرأي فرد واحد. يجب أن يتدارس العلماء النظرية والأفكار الجديدة، فإذا وجدوها صحيحة فعّلوها في المناهج. لكن هناك إصرار على التمسك بالقديم، ويبدو أن تحالفًا بين المعاجم والمؤسسات الدينية يعزز هذه الجمودية. فكثير من رجال الدين مصرّون على الآليات القديمة في قراءة النص، رغم أنها قد تنتج معارف تناقض الواقع والفطرة، ولا يريدون تطويرها.
الإعلامي باسم الجمل : هل تجدون أن هذه الجمودية تخص العالم العربي فقط؟
د. سناء حميد البياتي : نعم، ففي بلداننا الفكر الحديث يواجه عوائق كثيرة. أما في الغرب، فقد حضرت محاضرات في السويد ورأيت كيف تُناقش الأفكار الجديدة، فإذا ثبتت صحتها تُرحّب بها المؤسسات وتُدرج في المناهج مباشرة، ومن هنا تتطور العلوم. أما إذا بقينا على الجمود ورفض أي فكرة جديدة—وإن كانت صحيحة—فلن نتطور.
الإعلامي باسم الجمل :دكتورة، لقد استمتعت كثيرًا بالحوار معك، واستفدت منك رغم أنني من أنصار “آلية اللسان العربي المبين”، لكن وجدت فيك إضافة جوهرية لهذه الصياغة. شكرًا لك، ونأمل بلقاءات أخرى في “مجتمع”.
د. سناء حميد البياتي : البياتي: شكرًا لكم، وأسأل الله أن يوفقنا جميعًا لما فيه الخير والصواب.
افرغ الحوار مع بعض التعديلات الخفيفة في طرح الاسئلة مدير الموقع د. الحسن اشباني
د. الحسن اشباني، مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي
مقالات ذات الصلة :
https://dr-achbani.com/اللغة-العربية-تستأنف-دورها-في-الريادة
https://dr-achbani.com/ابعاد-اللغة-العربية-في-منظومتنا-التع
https://dr-achbani.com/من-يحارب-العربية-فإنما-يستهدف-الإسلام




