لماذا تُعَدّ الصين قوّةً عالمية؟ الجزء 1

د. الحسـن اشباني
مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي
تتابعتُ بإمعان حوارًا جيوسياسيًا على قناة “Openbox TV” جمع ألان جويّيه (Alain Juillet) وكلود ميدوري (Claude Medori) بالخبير في الصناعة الصينية جاك ليجي (Jacques Léger)، حيث ناقشوا الاستراتيجية الكبرى التي تقود صعود الصين نحو قمة القوى العالمية، في مقابل ما تعانيه أوروبا من وهنٍ يدفعها إلى الانكفاء والتراجع. ولأهميته ارتأيتُ أن أقدّم للجميع أهم ما ورد في هذا الحوار الشيق، وخاصة ما تضمّنه من مقارنة بين الصين وأوروبا قدّمها خبراء فرنسيون بكل تجرد. أوضح الحوار أنّ تحوّل الصين من بلد كان يُعدّ من أفقر دول العالم إلى قوة دولية صاعدة لم يكن صدفة، بل ثمرة منهج استراتيجي منظم يقوم على ما يسمى بـ”الأعمدة الخمسة للاستراتيجية”، وهي طريقة مستمدة أصلًا من الفكر الغربي لكنها استُثمرت بفاعلية استثنائية داخل الصين. ويشير النقاش إلى أن هذا الصعود لم يكن جهدًا حكوميًا فحسب، بل مسارًا جماعيًا شارك فيه الشعب والقيادة برؤية بعيدة المدى، بينما تتجه دول غربية – وخصوصًا فرنسا – نحو تراجع واضح في مستوى القوة والتأثير منذ عقود. ويرى المتحاورون أن فهم التحولات العالمية يستوجب عدم الاكتفاء بالتركيز على الولايات المتحدة، بل النظر أيضًا إلى الطرف الآخر الذي بات المنافس الأكبر في ميزان القوى. ويؤكد الحوار أن الخطاب السائد في بعض الدول، الذي يصوّر الصين كتهديد، يطمس سؤالًا جوهريًا: كيف استطاع بلد خرج من مرحلة شيوعية مرهقة وانهيار اقتصادي حاد في نهاية عهد ماو أن يتحول في بضعة عقود إلى قوة عالمية أولى أو ثانية؟

يشرح هذا الحوار بداية كيف اعتمدت الصين في نهضتها على منهج استراتيجي صاغه الغرب، وتحديدًا ما يُعرف بـ الأعمدة الخمسة للاستراتيجية، وهي نظرية وضعها مستشار أمريكي في السبعينيات، مؤسس مجموعة BCG. وقد قام هذا المنهج للمرة الأولى بترتيب أسس التفكير الاستراتيجي في الاقتصاد الجزئي (microéconomie)، خلافًا لما اعتاده الغربيون من التركيز على الاقتصاد الكلي.
المبدأ الأول: “منحنى الخبرة” : كلما ارتفع حجم الإنتاج من منتج معين، ينخفض سعر الكلفة بانتظام، لأن الصناعة تكتسب خبرة أكبر. وعند كل مضاعفة في حجم الإنتاج (1000→2000، 2000→4000…) ينخفض سعر الكلفة بنسبة 15% إلى 25%. وهذه قاعدة عالمية تنطبق على معظم الصناعات، مع اختلاف بسيط في معامل الانخفاض.
المبدأ الثاني: قيمة الحصة السوقية : كلما كانت الحصة السوقية للشركة أكبر، كان نزولها على منحنى الخبرة أسرع، مما يمنحها أفضلية تنافسية واضحة.
المبدأ الثالث: أولوية النمو : إذا لم تتوسع الشركة بينما منافسوها يتقدمون بسرعة، فسيتراجع موقعها تلقائيًا على منحنى الخبرة وستفقد القدرة على المنافسة.
المبدأ الرابع: التجزئة الاستراتيجية (segmentation) : تختلف الاستراتيجية بحسب مرحلة المنتج: إطلاق، استقرار، أو تراجع. على سبيل المثال، صناعة السيارات الكهربائية اليوم في مرحلة الانطلاق، تمامًا كما حدث عندما استبدلت السيارة العربات التي تجرها الخيول. ولذلك تحتاج لاستراتيجية مختلفة تمامًا عن الصناعات الناضجة.
المبدأ الخامس: جعل التمويل في خدمة الاستراتيجية : بعكس ما يحدث في الغرب اليوم، حيث تُسخّر الاستراتيجيات لخدمة التمويل، فإن المنهج الصحيح يضع المال في خدمة التوجه الاستراتيجي وليس العكس.
وينتقل الحديث إلى الخلفية التاريخية التي تغذي الدافع الوطني الصيني. فمن سنة 1840، مع حروب الأفيون، وحتى 1980، عانت الصين 140 سنة من الانهيار بفعل الاحتلالات الغربية واليابانية. ويشير المتحدث إلى أنّ كل صيني، حتى في القرى، يعرف هذه الحقبة بتفاصيلها، ما يجعل النهضة الحالية بالنسبة إليهم عودة إلى المكانة الطبيعية التي حُرموا منها.
وبحسب دراسة للبنك الدولي، فقد كانت الصين على مدى 2000 سنة القوة الاقتصادية الأولى عالميًا، تمثل 33% من الناتج الإجمالي العالمي. وما يحدث اليوم يُنظر إليه داخليًا كاستعادة لموقع تاريخي أكثر منه صعودًا جديدًا.

يركّز الحوار على هذه الخلفية التاريخية الطويلة التي سبقت النهضة الصينية الحديثة، مبرزًا حجم الفوارق الحضارية التي كانت قائمة بين الشرق والغرب قبل القرون الأخيرة. يبدأ الحديث بحروب الأفيون، حين كانت بريطانيا التي تحتل الهند تنتج الأفيون هناك وتبحث عن سوق لتصريفه. ولأن الصينيين أعلنوا رفضهم القاطع لدخول الأفيون إليهم، شُنّت ضدهم حرب لفرضه بالقوة، في ما يشبه «نموذجًا مبكرًا من narcotrafic» قبل ظهور مفهوم الاتجار العالمي بالمخدرات. هذه الحروب شكّلت جزءًا أساسيًا من «قرن الإذلال» الذي عاشته الصين بدءًا من 1840.
كلمة narcotrafic هي كلمة فرنسية تعني: الاتجار غير المشروع بالمخدرات وفي السياق : شكلًا مبكرًا من أشكال الاتجار بالمخدرات على مستوى دولي
ويقدّم الحوار مقارنة مهمة تُظهر مدى التقدم الصيني القديم: ففي عام 1492، عندما أبحر كريستوفر كولومبوس بثلاث سفن أشهرها سانتا ماريا التي بلغ طولها 30 مترًا، كان الصينيون قبل ذلك بسبعين عامًا قد صنعوا سفنًا عملاقة يتجاوز طول الواحدة منها 100 متر ومزوّدة بـ تسع أشرعة، بقيادة أحد أعظم قادتهم البحريين. هذه المقارنة تكشف أنّ الصين كانت متقدمة جدًا على الغرب تقنيًا، لكن انعزالها عن العالم حال دون إدراك الغرب لحجم هذا التفوق. ثم يستعرض الحوار الأحداث التي أدت إلى سقوط الصين في القرن العشرين: الحرب الأهلية بين القوميين والشيوعيين، ثم الغزو الياباني، ثم اتحاد الطرفين ضد اليابان، قبل أن تهزم القوى الشيوعية خصومها الذين لجؤوا لاحقًا إلى تايوان. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، وانهيار اليابان، بقيت الصين ممزقة اقتصاديًا واجتماعيًا.


ويأتي التحول الحاسم مع وصول دينغ شياو بينغ إلى السلطة، الذي يوصف بأنه من أعظم القادة في التاريخ الحديث. ورغم أنه احتاج أربع سنوات بعد وفاة ماو لإقصاء القوى المتشددة، فإنه قدّم فكرة ثورية غيّرت مسار الصين: بدل البدء بالتعليم والبحث ثم الابتكار ثم الإنتاج — كما فعلت الدول الغربية — قرر عكس المسار بسبب وجود «مليار شخص بلا مهارة» نتيجة النظام الشيوعي وتدمير النخب في الثورة الثقافية.
كانت فكرته الجوهرية هي إنشاء المناطق الاقتصادية الخاصة: مساحات إنتاجية خارقة الكفاءة، لا مثيل لها في الغرب، تعمل وفق قواعد خاصة تُطلق عجلة التصنيع بسرعة هائلة. بدأ بأربع مناطق فقط، لكن مستثمرين من هونغ كونغ وتايوان أدركوا مبكرًا الفرصة فاندفعوا إليها، لتصبح هذه المناطق لاحقًا محرك النهضة الصينية كله.
النموذج الاقتصادي عبر قلب المسار التقليدي للتنمية. بدل بناء الجامعات ثم الابتكار ثم الإنتاج – كما فعل الغرب – بدأ مباشرة بالإنتاج لجذب الاستثمار الأجنبي وتوفير ملايين الوظائف لمليار شخص بلا مهارات
ثم تناول الحوار كيفية توسّع الصين في نموذج المناطق الاقتصادية الخاصة بعد نجاح التجربة الأولى. فمع الوقت، أصبحت كل مدينة صينية كبرى مُلزَمة بإنشاء منطقتها الخاصة، تتراوح مساحتها بين 200 كلم² و2000 كلم²، ما يكشف أنّ الأمر لا يتعلق بمناطق صغيرة قرب محطة أو ميناء، بل ببُنى تحتية ضخمة وحديثة ومصممة لاستقبال إنتاج صناعي هائل. وكانت الفكرة الجوهرية لهذه المناطق هي التركيز الشديد للإنتاج. فبدل توزيع المصانع على البلاد كما تفعل الدول الغربية، اعتمدت الصين مبدأ «التجميع الإنتاجي الأقصى». ويُضرب المثال بصناعة الأحدية : تصنّع الصين 60٪ من أحذية العالم، وقد اختارت لذلك منطقتين فقط لإنتاج هذه النسبة الضخمة. يُنزل هذا التركيز الصناع الصينيين إلى أسفل «منحنى الخبرة» بعد أربعين سنة من الإنتاج المتواصل، أي إلى أدنى تكلفة وأعلى إنتاجية ممكنة، بينما تبقى الدول الغربية في أعلى المنحنى، ما يجعلها مضطرة للاتجاه نحو الصناعات الفاخرة والغالية فقط.

تصنّع الصين 60٪ من أحذية العالم، و اختارت لذلك منطقتين فقط لإنتاج هذه النسبة الضخمة
أعاد الرئيس الصيني دينغ شياو بينغ تصميم النموذج الاقتصادي عبر قلب المسار التقليدي للتنمية. بدل بناء الجامعات ثم الابتكار ثم الإنتاج – كما فعل الغرب – بدأ مباشرة بالإنتاج لجذب الاستثمار الأجنبي وتوفير ملايين الوظائف لمليار شخص بلا مهارات، نتيجة الإرث الشيوعي وتدمير النخب خلال الثورة الثقافية. وأنّ من يصنع هو من يمتلك المعرفة الحقيقية، بينما من يبتكر ويُسند التصنيع لغيره يفقد مهارته بمرور الوقت. ويُستشهد بالمثال الأوروبي: عندما قررت إحدى الشركات الغربية إسناد تصنيع هاتفها المحمول إلى شركة صينية صغيرة تُدعى هواوي قبل 40 عامًا، انتهى الأمر بأن أصبحت الشركة الصينية عملاقًا عالميًا، بينما انهارت قيمة الشركة الأوروبية الأصلية.
يبرز الحوار أن تجميع المصانع في مناطق محدودة يمنح الصين تفوقًا إضافيًا: نقل العمال بين المصانع بسرعة حسب الحاجة،وتوحيد التكوين والآلات ما يرفع الإنتاجية.، وانتشار الخبرة والتكنولوجيا داخل منطقة واحدة بدل تبعثرها. فهذا المسار يؤدي إلى سلسلة مترابطة: الإنتاج يخلق الوظائف و الوظائف تخلق المهارات و المهارات تقود إلى الابتكار و الابتكار يعيد إطلاق دورة النمو، وهو بالضبط ما مكّن الصين من اللحاق ثم تجاوز النموذج الغربي. ووضح المحاورون كيف قادت الفوارق الضخمة في التكاليف بين الصين والغرب إلى موجة هائلة من نقل الصناعات إلى الصين. ففي تلك المرحلة، كان الفارق بين الأجور في أوروبا والصين يصل إلى 25 مقابل 1؛ ما دفع آلاف الشركات الغربية إلى إيقاف الإنتاج المحلي والانتقال إلى الصين، حيث يمكنها تخفيض أسعار البيع بنسبة 20% مع مضاعفة الأرباح ثلاث مرات. هذا التدفق الهائل للمصانع العالمية منح الصين فرصة تاريخية لالتقاط الخبرات ومعرفة المعايير الدولية المختلفة، فتعرفت على جميع أنظمة الجودة المعمول بها عالميًا، في حين كان كل بلد غربي لا يعرف إلا معاييره الخاصة.
استمرت المناطق الاقتصادية الخاصة في الانتشار، ورافقتها حوافز ضريبية قوية جذبت المستثمرين الأجانب، خصوصًا أن الصين ربطت قدرتها على العودة للقمة بحجم سوقها الداخلي الهائل. فالصين، باعتبارها أكبر سوق في العالم، قادرة دائمًا على النزول في «منحنى الخبرة» أسرع من الجميع, أي “إنتاج أرخص وبجودة أعلى”، وهو ما يُترجم إلى تفوق في أي قطاع تدخله.
فبالرغم من فتح الصين أبوابها في البداية للمستثمرين الأجانب، فإنها تعمل اليوم على استعادة سوقها الداخلي. يظهر ذلك بوضوح في قطاع السيارات؛ حيث تخسر الشركات الألمانية والأمريكية واليابانية مكانها بسرعة أمام الشركات الصينية التي تهيمن على السيارات الكهربائية. ويتوقع أن يحدث الأمر نفسه في قطاع المنتجات الفاخرة خلال سنوات قليلة.

كما ذكر الحوار خروج العديد من الشركات الغربية من الصين، منها شركات توزيع كبرى كانت ناجحة جدًا، قبل أن تُنشئ الصين منافسين محليين تفوقوا عليها مدعومين بثورة التجارة الإلكترونية، ما أدى إلى مغادرة مجموعات كـ «أوشان» و«كارفور» للسوق الصينية بعد فقدان حصصهما.
ويُختتم الجزء الأول من الحوار بمقارنة عميقة بين العقلية الصينية بعيدة المدى والعقلية الأوروبية قصيرة النفس. فالصينيون يُخططون للخمسين سنة المقبلة، بينما ينشغل الأوروبيون بتصحيح أخطاء الماضي. ويظهر ذلك بوضوح في قضية الطاقة المتجددة: الغرب روّج للألواح الشمسية والطاقة الخضراء، لكن الصين هي التي صنعت الألواح والبطاريات والتوربينات. ومثال آخر هو السيارات الكهربائية: أوروبا فرضتها دون أن تمتلك صناعة البطاريات، لتصبح مرة أخرى تحت رحمة المنتجين الصينيين.




