المنبر الحر

جاك بود – إيران ضد الولايات المتحدة/إسرائيل – طريق إيران نحو النصر الاستراتيجي

د. الحسن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي


حوار تحليلي بين الصحفي وجاك بود منشور على الصفحة الرسمية لدار النشر Max Milo Éditions على يوتيوب www.youtube.com/@MaxMiloEditionsYT

Jacques Baud هو محلل عسكري وأمني سويسري، وضابط سابق في الجيش السويسري، يُعرف بكتاباته وتحليلاته في مجالات الاستخبارات، الحروب الحديثة، والعلاقات الدولية. وهو مؤلف لكتابين مهمين حول الصراع الإسرائيلي–الإيراني، هما: «الحرب الإسرائيلية–الإيرانية تحت حكم الأخبار الزائفة» و*«عملية طوفان الأقصى»*، كما صدر له الأسبوع الماضي كتاب جديد بعنوان «السلام في أوكرانيا» عن دار Max Milo.

Jacques Baud هو محلل عسكري وأمني سويسري، وضابط سابق في الجيش السويسري، يُعرف بكتاباته وتحليلاته في مجالات الاستخبارات، الحروب الحديثة، والعلاقات الدولية. وهو مؤلف لكتابين مهمين حول الصراع الإسرائيلي–الإيراني، هما: «الحرب الإسرائيلية–الإيرانية تحت حكم الأخبار الزائفة» و*«عملية طوفان الأقصى»*، كما صدر له الأسبوع الماضي كتاب جديد بعنوان «السلام في أوكرانيا» عن دار Max Milo.


ملخص الحوار

في صلب هذا التحليل، تبرز فكرة محورية عبّر عنها بوضوح المحلل العسكري جاك بود، ومفادها أن إيران لا تسعى إلى انتصار عسكري تقليدي بقدر ما تعمل على تحقيق انتصار استراتيجي طويل المدى. فهذا النوع من الانتصار لا يُقاس بعدد الضربات أو حجم الدمار، بل بقدرة الدولة على الصمود، واستنزاف خصومها، وفرض قواعد اشتباك جديدة تغيّر سلوك الطرف الآخر. ومن هذا المنظور، تبدو إيران وفق قراءة الحوار في موقع متقدم، إذ نجحت في امتصاص الضربة الأولى، وأفشلت رهان “الحرب الخاطفة”، وحوّلت المواجهة إلى صراع مفتوح يرهق الولايات المتحدة وإسرائيل سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا. كما أن تعدد الجبهات، وتراجع الدعم الدولي، وارتفاع كلفة الحرب، كلها عوامل تصب في مصلحة هذا المسار، حيث تتحول القوة من التفوق الناري إلى القدرة على التحمل وإدارة الزمن. وفي المقابل، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام مأزق استراتيجي حقيقي: حرب لا يمكن حسمها بسرعة، وانخراط لا يمكن الانسحاب منه دون كلفة سياسية. وهنا تحديدًا يتجلى جوهر “الانتصار الاستراتيجي”، إذ يكفي أن تُجبر خصمك على تغيير حساباته، أو التراجع عن أهدافه، أو القبول بشروط ردع جديدة، حتى تكون قد حققت هدفك دون إعلان نصر صريح. وبذلك، فإن ما يجري لا يعكس فقط مواجهة عسكرية، بل إعادة تشكّل عميقة لموازين القوى، حيث لم تعد الهيمنة الغربية قادرة على فرض نتائج حاسمة، في مقابل صعود نماذج جديدة تعتمد على الصبر الاستراتيجي، والمرونة، وتكلفة الاستنزاف.

الكلمات المفتاحية : الانتصار الاستراتيجي – مضيق هرمز – جاك بود – الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران | Strategic Victory – Strait of Hormuz – Jacques Baud – US-Israeli War on Iran


النص الكامل للحوار

الصحفي: مرحبًا جاك، الحرب ما تزال مستعرة في الشرق الأوسط منذ 28 فبراير، ولا يبدو أنها تقترب من نهايتها. ما أبرز التطورات، خاصة على الصعيد العسكري، خلال هذا الأسبوع؟

جاك بود: في الحقيقة، من الصعب تقييم الوضع العسكري بدقة، لأن كلا الطرفين – الإيراني والإسرائيلي – يتعاملان بتحفّظ شديد في نشر المعلومات الحقيقية المتعلقة بنتائج الضربات. فكل طرف يعلن نجاحاته، ويتحدث عن عدد الصواريخ التي أطلقها وحجم الدمار الذي أحدثه، لكن في المقابل، فُرض حظر صارم على تصوير أماكن سقوط الصواريخ أو الأضرار الناجمة عن القصف. وبالتالي، ورغم استمرار تبادل الصواريخ والقذائف بين الجانبين، فإن تقدير حجم الخسائر الفعلية يبقى أمرًا بالغ الصعوبة، وهذه نقطة أساسية ينبغي التأكيد عليها.

ما يتوفر لدينا من صور يأتي في معظمه من الجانب الإسرائيلي، ويُظهر أضرارًا معتبرة خلفتها الصواريخ الإيرانية. أما المعلومات المتعلقة بالأضرار التي طالت القواعد العسكرية الإسرائيلية فهي شحيحة للغاية، كما تم تقييد نشر الصور الفضائية أيضًا، إذ طلب كل من إيران وإسرائيل من بعض وسائل الإعلام والشركات الخاصة الحدّ من تداول هذه الصور. وهذا ما يجعل من الصعب في هذه المرحلة تقييم حجم الخسائر بدقة لدى الطرفين. مع ذلك، يمكن الاستناد إلى بعض الشهادات والمعطيات لاستخلاص مؤشرات عامة. فقد أظهرت المرحلة الأولى من الرد الإيراني إطلاق عدد كبير من الطائرات المسيّرة والصواريخ. أما في الفترة الأخيرة، فيُلاحظ انخفاض نسبي في عدد الصواريخ المُطلقة، غير أن هذا التراجع لا ينبغي تفسيره بشكل خاطئ. فقد شهدنا النمط نفسه في العمليات السابقة، مثل “الوعد الصادق” بأجزائه المختلفة في عامي 2024 و2025.

تعتمد إيران في البداية على موجات كثيفة من الصواريخ بهدف إصابة أهداف عسكرية حاسمة وإغراق منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية. وبعد استنزاف جزء كبير من قدرات الاعتراض لدى إسرائيل، تنتقل إلى مراحل لاحقة تُطلق فيها عددًا أقل من الصواريخ، لكنها تكون أكثر دقة وفعالية، إذ تصبح قدرة إسرائيل على اعتراضها محدودة. ويبدو أننا نشهد اليوم نمطًا مشابهًا، مع تعقيد إضافي يتمثل في أن الصواريخ المستخدمة أصبحت أكثر تطورًا. فالإيرانيون، وإن أطلقوا عددًا أقل، يعتمدون على صواريخ أكبر وأكثر تطورًا، مثل صواريخ “خيبر” أو ما شابهها، التي تحمل رؤوسًا متعددة قد تصل إلى عشرات الشحنات.

هذه الرؤوس لا تُعدّ تقنيًا ذخائر تقليدية متشظية، بل هي أقرب إلى مركبات دخول متعددة مستقلة التوجيه (MIRV)، أي وحدات يمكنها إعادة دخول الغلاف الجوي والتوجه بشكل مستقل نحو أهداف مختلفة. ورغم صغر حجم هذه المقذوفات – إذ توازي تقريبًا حجم قذيفة مدفعية – فإن اعتراضها يُعدّ شديد الصعوبة.

وتكمن المشكلة في أن التصدي لكل واحدة منها يتطلب صاروخ اعتراض باهظ الثمن قد تصل كلفته إلى ملايين الدولارات، في حين أن تكلفة هذه المقذوفات لا تتجاوز بضعة آلاف. ومع تكرار هذا السيناريو يوميًا، يصبح من شبه المستحيل الحفاظ على توازن دفاعي فعال. وعليه، فبالرغم من انخفاض عدد الصواريخ المُطلقة، فإن تأثيرها عند الوصول أصبح أكبر، وضرباتها أكثر إيلامًا واستمرارية.

الصحفي: هل انخفضت وتيرة تبادل الصواريخ بين الطرفين، أم أن الأمر مجرد انطباع؟

جاك بود: يمكن القول إن وتيرة تبادل الصواريخ لم تنخفض فعليًا، رغم التغير الظاهري في عددها، إذ ما تزال مستويات الدمار متقاربة لدى الطرفين. أما في الجانب الإيراني، فالمعلومات المتاحة قليلة جدًا، غير أن المؤشرات تدل على وقوع ضربات متكررة تستهدف المدن، ولا سيما المناطق السكنية. ووفق تقديراتي، فإن نحو 80٪ من الأهداف التي أصيبت داخل إيران هي منشآت مدنية، أي مساكن يقطنها مدنيون، وهو ما يعكس طبيعة الأضرار الحاصلة. ولا تتوفر لدي معطيات مماثلة دقيقة بخصوص الجانب الإسرائيلي.

الصحفي: ماذا عن طبيعة الأهداف التي يستهدفها كل طرف؟

جاك بود: تشير المعطيات إلى تضرر أكثر من ثلاثة عشر مستشفى، فضلًا عن ست عشرة مدرسة داخل إيران، وهو ما يعطي صورة أوضح عن حجم التأثير الإنساني للنزاع. في المقابل، يبدو أن إيران تركّز هجماتها بدرجة أكبر على أهداف عسكرية صرفة، مثل القواعد الجوية ومراكز القيادة المنتشرة في تل أبيب ومحيطها، بما في ذلك مقار جهاز الاستخبارات (الموساد)، وهيئات الأركان، ومراكز القيادة والسيطرة، ووحدات الحرب السيبرانية.

الصحفي: ماذا عن الموقف الأمريكي، وخاصة ما قيل عن استهداف حاملة الطائرات؟

جاك بود: أما على الصعيد الأمريكي، فيُلاحظ نوع من التردد في الموقف. فقد تعرّضت حاملة الطائرات الأمريكية “أبراهام لينكولن” لهجوم في الأسبوع الأول من النزاع، يُعتقد أنه تم بواسطة طائرات مسيّرة، دون توفر معلومات دقيقة عن حجم الأضرار. إلا أن المؤكد هو سحب الحاملة من منطقة العمليات واستبدالها بحاملة “جيرالد فورد”، ما يوحي بأن الهجوم الإيراني نجح – إلى حد ما – في اختراق دفاعاتها وإلحاق ضرر كافٍ لاستدراجها خارج مسرح العمليات، وهو ما يُعد بحد ذاته نجاحًا تكتيكيًا لإيران.

حاملة الطائرات الأمريكية “أبراهام لينكولن” التي استهدفتها ايران واضطرت الى مغادرة المكان

الصحفي: ماذا عن الأخبار المتداولة حول إصابة أو مقتل شخصيات إسرائيلية بارزة؟

جاك بود: في سياق آخر، تداولت بعض الشائعات أخبارًا عن مقتل بنيامين نتنياهو أو إصابته، وكذلك عن إصابة أو مقتل شخصيات عسكرية إسرائيلية بارزة. غير أن التحقق من هذه المعلومات يبقى صعبًا في هذه المرحلة. فقد ظهرت مقاطع مصوّرة لنتنياهو، لكن ثمة شكوك حول مصداقيتها، خاصة بعد تداول تقارير تفيد بأن بعض هذه المقاطع قد تكون مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي. وعليه، لا يمكن الجزم بحقيقة هذه الأخبار، فقد يكون نتنياهو قد أُصيب بالفعل، أو ربما يفضّل البقاء بعيدًا عن الأنظار لأسباب أمنية. والأمر ذاته ينطبق على شخصيات أخرى، إذ يبدو أننا أمام حالة من “ضباب الحرب”.

الصحفي: كيف يمكن فهم دور الدعاية والتضليل في هذه الحرب؟

جاك بود : في هذا السياق، ينبغي فهم أن الدعاية والتضليل في زمن الحرب لا تهدف إلى إرباك الخصم نفسيًا فقط، بل أساسًا إلى إخفاء القدرات الحقيقية والحفاظ على عنصر المفاجأة. فجوهر الحرب الإعلامية هو التمويه، أي إظهار قدرات أقل مما هو متاح فعليًا.

الصحفي: ماذا عن الضربة الأمريكية على جزيرة خرج وأهميتها؟

جاك بود: أما فيما يتعلق بالضربة الأمريكية التي استهدفت جزيرة “خرج” الإيرانية، فهي معلومة صحيحة على الأرجح. وتُعد هذه الجزيرة ذات أهمية استراتيجية كبيرة، لاحتوائها على منشآت نفطية حيوية، خاصة محطة تصدير النفط. وقد استهدفت الضربات الأمريكية – بحسب المعطيات – منشآت عسكرية دون المساس بالبنية النفطية، وهو خيار يبدو منطقيًا، لأن استهداف النفط قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار عالميًا ويضر بالاقتصاد الغربي نفسه.

الصحفي: هل تسعى الولايات المتحدة إلى تعطيل تدفق النفط الإيراني؟

جاك بود: في هذا السياق، يُلاحظ اختلاف في السلوك الأمريكي مقارنة بما حدث في فنزويلا. فاليوم، لا يبدو أن الولايات المتحدة تسعى لاعتراض ناقلات النفط الإيرانية، رغم استمرار مرور بعضها عبر مضيق هرمز. وقد استوعبت إيران هذه المعادلة جيدًا، لذلك تعتمد سياسة “التحكم الانتقائي”، حيث تسمح بمرور ناقلات حلفائها، دون دفع الأمور نحو تصعيد شامل قد يضر بالجميع.

يبدو أن إدارة دونالد ترامب أخطأت في حساباتها، إذ راهنت على ضربة سريعة تُسقط النظام الإيراني وتُحدث تغييرًا داخليًا، غير أن الواقع كشف عن تماسك أكبر للنظام وتضامن شعبي ملحوظ. كما أسهم استهداف المدنيين في تعزيز هذا التماسك بدل إضعافه، ما أضعف فرضية الانتفاضة الداخلية. وهكذا تحوّلت العملية المحدودة إلى نزاع طويل الأمد، في ظل عجز الضربات الجوية وحدها عن تحقيق حسم ميداني.

الصحفي: ما يزال بعض الدول المرتبطة – بشكل أو بآخر – بالتحالف الإسرائيلي–الأمريكي لا تتمتع بحرية الوصول إلى الخليج العربي. كيف تفسّر ذلك؟

جاك بود : بالفعل، إن الدول المنخرطة ضمن هذا التحالف لا تحظى اليوم بنفاذٍ حر إلى الخليج، وهو ما استغلته إيران بذكاء سياسي. فقد لوّحت، على سبيل المثال، بمنح حرية المرور في مضيق هرمز للدول التي تُقدم على طرد الدبلوماسيين الأمريكيين والإسرائيليين من أراضيها. قد يبدو هذا الأسلوب تقليديًا أو حتى متجاوزًا، لكنه في الحقيقة يعكس استخدامًا براغماتيًا لأداة النفط كوسيلة ضغط لتفكيك التحالف الغربي. ولا بد من التذكير بأن معظم الدول الغربية لم تُدن الهجوم على إيران، الأمر الذي يدفع طهران إلى التساؤل: لماذا تُقيّد نفسها في تعاملها مع هذه الدول؟ فهي تمتلك أسواقًا بديلة في آسيا ومناطق أخرى، مما يمنحها هامش مناورة واسعًا ويجعلها أقل اعتمادًا على الزبائن الغربيين.

دمار في شرق طهران

وقد بدأ هذا الواقع ينعكس بالفعل على الأسواق، حيث ارتفع سعر الوقود على سبيل المثال بنحو 20٪ في فرنسا. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن أن ينجح دونالد ترامب في حشد دول أخرى، كالمملكة المتحدة، لضمان أمن مضيق هرمز؟ في الحقيقة، يبدو أن الإدارة الأمريكية – وعلى رأسها ترامب – قد أخطأت في حساباتها. فقد كانت الخطة الأصلية تقوم على تنفيذ ضربة سريعة وحاسمة، تهدف إلى “قطع رأس” النظام الإيراني وخلق دينامية داخلية تؤدي إلى تغيير النظام. غير أن هذا التصور اصطدم بواقع مغاير تمامًا، إذ تبيّن أن النظام الإيراني أكثر تماسكًا مما توقّعه الغرب، كما أن جزءًا كبيرًا من الشعب أبدى تضامنًا معه.

رغم ما تُحدثه الضربات الامريكية “الاسرائلية” من دمار وخسائر بشرية متعمدة، فإنها لا تحقق أهدافًا استراتيجية حاسمة، بل تُفاقم عدم الاستقرار وتوسّع دائرة العزلة الدولية. ومن منظور القانون الدولي، فإن استهداف دولة ذات سيادة أو محاولة اغتيال قيادتها يُعدّ عملًا غير مشروع، بغضّ النظر عن طبيعة نظامها السياسي. فالقانون الدولي يقوم على قواعد ثابتة لا على الانتقائية أو الأهواء.

والمفارقة أن الاستراتيجية الإسرائيلية، التي استهدفت في كثير من الأحيان مناطق مدنية، أسهمت بدلًا من إضعاف النظام في تعزيز هذا التماسك الداخلي. وقد بلغ التضليل حدًّا خطيرًا، حين زُعم في بعض وسائل الإعلام أن الشعب الإيراني “يرحب بالقصف”، وهو ادعاء لا يستند إلى أي واقع، بل يندرج ضمن خطاب خطير يمكن اعتباره تبريرًا لاستهداف المدنيين. بل إن مشاهد ميدانية أظهرت حتى بعض الفئات التي كانت معارضة في السابق بما في ذلك نساء شاركن في احتجاجات سابقة وهي تعلن دعمها للحكومة في ظل التهديد الخارجي. وهذا يُضعف فرضية وجود انتفاضة داخلية وشيكة، ويؤكد فشل الرهان على انهيار النظام من الداخل.

وهكذا، فإن العملية الأمريكية التي كان يُفترض أن تكون قصيرة ومحدودة تحوّلت إلى نزاع طويل الأمد لم تُعدّ له واشنطن العدة. فغياب قوات برية أو قواعد ارتكاز يجعل الضربات الجوية، مهما بلغت شدتها، عاجزة عن تحقيق نتائج حاسمة على الأرض.

تواجه الولايات المتحدة معضلة غير متوقعة في مضيق هرمز، حيث لم يكن في الحسبان أن تلجأ إيران إلى تقييد الملاحة، ليس بالإغلاق الكامل بل عبر رفع كلفة التأمين إلى مستويات عطّلت النقل. ويكشف ذلك خللًا في التقدير الأمريكي القائم على الاكتفاء بالتفوق العسكري لردع الخصوم. في المقابل، تعتمد إيران منطق الصمود وعدم الخضوع، ما جعلها خصمًا أكثر صلابة. وقد زاد ذلك من عزلة واشنطن، بعدما رفضت عدة دول الانخراط في النزاع.

نعم، يمكن لهذه الضربات أن تُحدث دمارًا، وأن تُسفر عن خسائر بشرية وتدمير للبنى التحتية، لكنّها لن تحقق الأهداف الاستراتيجية المرجوة. بل على العكس، تؤدي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي، وإلى توسيع دائرة العزلة الدولية، رغم الدعم الأوروبي الذي ذهب في بعض الحالات إلى حد تبرير الهجوم. ومن منظور القانون الدولي، فإن استهداف دولة ذات سيادة أو محاولة اغتيال قيادتها يُعدّ عملًا غير مشروع، بغضّ النظر عن الموقف من نظامها السياسي. فالقانون الدولي لا يُبنى على الأهواء أو الانطباعات، بل على قواعد واضحة لا تقبل الانتقائية.

في المقابل، تجد الولايات المتحدة نفسها اليوم أمام معضلة لم تكن في الحسبان، وهي مسألة مضيق هرمز. فقد كشفت تقارير إعلامية أمريكية أن واشنطن لم تتوقع أن تلجأ إيران إلى تقييد حركة الملاحة فيه، رغم أن طهران كانت قد لوّحت بذلك سابقًا. والواقع أن ما يقيّد حركة الملاحة اليوم ليس الإغلاق الكامل للمضيق، بل الارتفاع الكبير في تكاليف التأمين، حيث أصبحت كلفة النقل في بعض الحالات تفوق قيمة الشحنة نفسها، مما دفع العديد من الشركات إلى تعليق عملياتها. وهنا يظهر مجددًا الخلل في التقدير الأمريكي، القائم على افتراض أن التفوق العسكري كافٍ لردع الخصوم، في حين أن الواقع يثبت عكس ذلك. فإيران، مثلها مثل العديد من دول المنطقة، تتبنى مفهومًا مختلفًا للنصر، يقوم على الصمود وعدم الخضوع، مهما بلغت التضحيات. وبذلك، تجد الولايات المتحدة نفسها في مواجهة خصم أكثر صلابة مما توقعت، ما يدفعها إلى محاولة إشراك أطراف أخرى في النزاع. وقد تقدمت بالفعل بطلبات إلى عدة دول – منها فرنسا، وأستراليا، واليابان، وبريطانيا، وكوريا الجنوبية، بل وحتى الصين – غير أن جميع هذه الدول رفضت إرسال قواتها إلى المنطقة.

وهذا ما يضع واشنطن في حالة عزلة متزايدة، داخل نزاع بدأته دون أن تمتلك تصورًا واضحًا لكيفية إنهائه. ففي الوقت الذي يعلن فيه دونالد ترامب تحقيق “نصر كامل”، تشير مواقف أخرى داخل الإدارة إلى أن الأهداف لم تتحقق بعد، وأن إيران لم تنهَر كما كان مأمولًا. وهكذا، يبقى الهدف الأمريكي النهائي غامضًا، في ظل تناقض واضح بين الخطاب السياسي والواقع الميداني.

دمار هائل في الكيان الصهيوني

الصحفي: في ضوء هذا المشهد، ما الذي يمكن استخلاصه من المأزق الأمريكي–الإسرائيلي؟ وهل يمكن أن يؤدي ذلك إلى انخراط أوروبي، ولا سيما فرنسي، في النزاع خلال الأسابيع المقبلة؟

جاك بود: النتيجة الأساسية هي أن الولايات المتحدة وإسرائيل ما تزالان عالقتين في هذا النزاع من دون رؤية واضحة لما ينبغي فعله، وتخوضان مواجهة لا تملكان كل الوسائل اللازمة لحسمها. فهما عاجزتان عن إسقاط النظام الإيراني، وهذا ليس استنتاجًا جديدًا، إذ إن تقريرًا حديثًا صادرًا عن أجهزة الاستخبارات الأمريكية بل سبق نشره قبل العملية الأمريكية–الإسرائيلية كان قد أكد أن احتمال انهيار النظام الإيراني تحت وطأة الضربات العسكرية احتمال ضعيف جدًا. وهذا يعني أن المغامرة الأمريكية–الإسرائيلية برمتها بُنيت على سوء تقدير، وعلى استخفاف بقدرات الخصم، وعلى قرارات بدت أقرب إلى الانفعال منها إلى التفكير الاستراتيجي الرصين. بل إن المرء يكاد يقول إن هذه العملية أُطلقت بعقلية مراهقة، لا بعقلية دول تُدير حربًا ذات أبعاد إقليمية ودولية خطيرة.

أما بشأن أوروبا، وخصوصًا فرنسا، فأنا لا أرجّح أن تدخل باريس الحرب بصورة مباشرة إلى جانب الأمريكيين والإسرائيليين. صحيح أن فرنسا ليست بعيدة تمامًا عن المشهد، إذ أُفيد بأن عدداً من العسكريين الفرنسيين تعرّضوا لهجوم في العراق، وقُتل أحدهم، علمًا أن فرنسا ما تزال تحتفظ بعناصر عسكرية تُشرف على تدريب بعض التشكيلات الكردية. وهذه النقطة ترتبط، كما أشرت سابقًا، بفكرة غربية قديمة تقوم على توظيف بعض المجموعات الكردية العراقية لمحاولة التسلل إلى داخل إيران وإثارة اضطرابات هناك. لكن الواقع الميداني يبدو مختلفًا عن هذه التصورات. فالسلطات في إقليم كردستان العراق تواصلت مع إيران وأوضحت بحسب المعطيات المتداولة أنها لا تدعم أي تحرك عسكري ضدها. كما أن بعض الفصائل الكردية الإيرانية نفسها أبلغت الحكومة الإيرانية بأنها لن تنخرط في أي تمرد تقوده أو ترعاه القوى الغربية. ومع ذلك، لا تزال هذه الرهانات حاضرة في بعض الأوساط الغربية، ولا سيما الفرنسية، منذ سنوات.

إذن، نعم، هناك شكل من أشكال الانخراط الفرنسي غير المباشر، لكنه لا يعني بالضرورة إرسال قوات برية إلى إيران، ولا حتى انخراطًا بحريًا واسعًا، لأن مثل هذا الخيار لن تكون له في تقديري سوى نتائج محدودة، في مقابل كلفة سياسية وأمنية كبيرة، إذ قد يضع فرنسا مباشرة في مرمى الرد الإيراني، وربما في مرمى قوى أخرى كذلك، خصوصًا في العراق وسوريا، حيث ما تزال هناك جماعات مسلحة قد تستهدف الوجود الغربي. وليس لدي بالطبع كرة بلورية أتنبأ بها بالمستقبل، لكن انطباعي العام أن فرنسا لا ترغب في الزج بنفسها في حرب جديدة في الشرق الأوسط، حتى وإن كان القرار الفرنسي في بعض الأحيان يبدو مرتبكًا ويفتقر إلى الانسجام الفكري والاستراتيجي.

الصحفي: وماذا عن روسيا والصين؟ ما طبيعة انخراطهما إلى جانب إيران؟

جاك بود: هذا سؤال طُرح كثيرًا في الآونة الأخيرة، ويحتاج إلى شيء من الدقة. أولًا، ينبغي التذكير بأن إيران وقّعت خلال عامي 2024 و2025 عدة اتفاقيات مع روسيا والصين، لكنها ليست اتفاقيات دفاع مشترك، وليست نواة لتحالف عسكري شبيه بحلف الناتو، بل هي اتفاقيات تعاون عسكري تشمل تبادل الخبرات، وبعض أشكال الدعم التقني أو اللوجستي، وربما تبادل المعدات. وقد استغرب كثيرون، منذ العام الماضي، أن روسيا لم ترسل دعمًا عسكريًا أكبر إلى إيران، خاصة مع تصاعد التوقعات بإمكانية شن هجوم أمريكي عليها. لكن ما تبيّن لاحقًا هو أن الإيرانيين لم يطلبوا أصلًا تدخلاً عسكريًا روسيًا مباشرًا. وهذا ينسجم، في تقديري، مع الذهنية الإيرانية التي تميل إلى تحمّل مسؤولية الحرب بنفسها، وترفض الظهور بمظهر الطرف الذي يستجدي تدخل الآخرين في معاركه. بل إن الروس بحسب ما تردد عرضوا على إيران في العام الماضي تزويدها بطائرات، إلا أن الإيرانيين رفضوا ذلك. وهذا يكشف عن نزعة قوية إلى الاستقلال الوطني، وعن رغبة في إدارة المواجهة بأدوات ذاتية، حتى وإن لم يكن الإيرانيون يمانعون في تلقي بعض أشكال المساندة غير المباشرة.

تواصل دونالد ترامب مع فلاديمير بوتين لبحث دور روسي محتمل في الوساطة، في خطوة تعكس تحوّلًا لافتًا في الموقف الأمريكي. فطلب الوساطة يُعدّ مؤشرًا ضمنيًا على صعوبة الحسم العسكري. ويُفهم من ذلك أن واشنطن بدأت تدرك محدودية نتائج عمليتها. ما يعزز فرضية البحث عن مخرج سياسي للأزمة.

ومع ذلك، يبدو أن الروس قدّموا لإيران معلومات استخباراتية، وربما أسهمت هذه المعلومات في تحسين دقة الاستهداف، خصوصًا ضد القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة. بطبيعة الحال، نحن هنا في دائرة الترجيحات المعقولة لا الحقائق المثبتة بصورة نهائية، لكن ثمة مؤشرات قوية على أن موسكو وفّرت لطهران دعماً استخبارياً ذا قيمة.

أما الصين، فيُقال إنها زوّدت إيران بصور فضائية ذات طابع عسكري، غير أن هذا أيضًا لا يزال في نطاق المعلومات غير المؤكدة بالكامل. لكن المؤكد هو أن كلا من روسيا والصين يمكن أن يكون مفيدًا لإيران في مجالات غير مباشرة، وربما أكثر تأثيرًا من التدخل العسكري الصريح. ولعلّ من أبرز المؤشرات على صعود الدور الروسي دبلوماسيًا أن معظم قادة الشرق الأوسط تواصلوا، خلال الأسبوع الماضي، مع فلاديمير بوتين من أجل تسهيل الاتصالات وفتح مسار نحو تسوية للأزمة مع إيران. وهكذا أصبحت موسكو، عمليًا، منصة دبلوماسية مركزية بين دول الخليج وإيران. وليس هذا فحسب، بل إن دونالد ترامب نفسه تواصل مع بوتين لبحث إمكانية اضطلاع روسيا بدور وساطة في هذا النزاع. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن من يطلب الوساطة يكون، ضمنيًا، في موقع العاجز عن الحسم. وهذا يوحي بأن ترامب بدأ يدرك أن العملية التي أطلقها لم تحقق أهدافها، وأنه بات بحاجة إلى مخرج سياسي.

ولا نملك تفاصيل دقيقة عما دار بين الرجلين، لكن من المنطقي افتراض أن بوتين قد يسعى إلى توظيف هذا الظرف للحصول على مقابل سياسي من واشنطن، وخصوصًا في ما يتعلق بالملف الأوكراني. فبعد لقاء أنكوراج في ألاسكا، بدا أن هناك تصورًا أوليًا لتسوية ما، وكان يُفترض بترامب أن يعمل على إقناع الأوروبيين والأوكرانيين به، غير أن ذلك لم يتحقق، وهو ما يفسر بقاء هذا الملف في حالة جمود منذ أغسطس الماضي، رغم كل الحراك الإعلامي والسياسي. ومن هنا، قد يرى بوتين في الأزمة الإيرانية فرصة للضغط على ترامب كي يلتزم بما سبق التفاهم عليه، أو على الأقل لفتح مقايضة سياسية بين الملفين الإيراني والأوكراني. صحيح أننا لا نملك ما يؤكد تفاصيل هذه المساومات، لكن مجرد حصول هذا التواصل يكشف شيئًا واضحًا: روسيا باتت تتمتع بثقل دبلوماسي لا تملكه اليوم مؤسسات مثل الاتحاد الأوروبي. ومن اللافت أن دول الخليج فضّلت الاتصال بموسكو لا ببروكسل، وهو ما يدل على أن الاتحاد الأوروبي لا يحظى بمستوى الثقة والصدقية اللازمين للقيام بدور فعلي في حل النزاعات. وهذا أمر منطقي إلى حد بعيد، لأن الاتحاد الأوروبي، حتى الآن، لم يثبت أنه قوة سلام، بل ظهر في أغلب الأزمات كعنصر تأجيج لا كعنصر تهدئة.

أما الصين، فموقعها مختلف قليلًا. فهي لا ترغب في الانخراط المباشر في هذا النزاع، لكن بإمكانها أن تؤدي دورًا استراتيجيًا بالغ التأثير من زاوية أخرى، وهي مسألة المعادن الأرضية النادرة. فبحسب تقديرات صينية، لا تملك الولايات المتحدة سوى احتياطي يكفي نحو شهرين من هذه المواد الضرورية لصناعاتها العسكرية. وهذه المعادن – وهي مجموعة من المواد ذات الخصائص الفريدة – تدخل في تصنيع معظم أنظمة السلاح الأمريكية المتقدمة. ولإعطاء مثال تقريبي، يحتوي مقاتل مثل F-35 على مئات الكيلوغرامات من هذه المواد، كما تُستخدم أطنان منها في تصنيع الغواصات الأمريكية. وهذا يبيّن مدى حيوية هذه الموارد بالنسبة للصناعة العسكرية الأمريكية. وقد فرضت الصين، في العام الماضي، قيودًا على تصدير هذه المعادن إلى الشركات المنتجة للأسلحة أو للتقنيات ذات الاستخدام المزدوج، أي التي يمكن توظيفها عسكريًا ومدنيًا معًا. كما أخضعت سائر الصادرات من هذه المواد لتراخيص حكومية صارمة، ما جعل حصول الصناعات الغربية، ولا سيما الأمريكية، عليها أكثر صعوبة. وهنا تكمن ورقة ضغط هائلة بيد بكين. فهي لا تحتاج إلى التدخل العسكري كي تؤثر في موازين القوة، بل يكفيها أن تُحكم قبضتها أكثر على سوق هذه المعادن لتُربك الصناعات العسكرية الأمريكية، وتُصعّب عملية إنتاج الصواريخ الاعتراضية وغيرها من الأنظمة الحيوية. وهذا يفسر، جزئيًا، ما نشهده ميدانيًا من تراجع في القدرة على اعتراض بعض الصواريخ الإيرانية. فالمسألة لا تتعلق فقط بتطور الصواريخ الإيرانية أو بصعوبة التصدي لها، بل أيضًا بوجود مؤشرات على نقص في مخزون بعض الصواريخ الاعتراضية لدى إسرائيل، وهو أمر يعود جزئيًا إلى الاستنزاف الذي حدث منذ المواجهات السابقة، ولا سيما خلال حرب الأيام الاثني عشر في العام الماضي، حين استُهلك عدد كبير من صواريخ الاعتراض في التصدي للمسيّرات والصواريخ الإيرانية.

الصحفي: هناك أيضًا جبهة أخرى لا تقل خطورة، وهي الجبهة اللبنانية. فإسرائيل تتحدث عن تعبئة نحو 450 ألف جندي تمهيدًا لعمليات عسكرية واسعة في لبنان بهدف القضاء على حزب الله، بحسب تعبيرها. كما أن مئات الآلاف من اللبنانيين اضطروا إلى النزوح من جنوب البلاد. كيف تقرأ هذا المشهد؟

جاك بود: وقبل الإجابة عن الوضع الراهن، ينبغي التذكير بأن إسرائيل كانت قد شنّت، في نوفمبر 2024، عملية اجتياح لجنوب لبنان، أعقبها اتفاق لوقف إطلاق النار نصّ على انسحاب القوات الإسرائيلية خلال ستين يومًا. غير أن إسرائيل لم تلتزم بهذا الاتفاق قط، وبقيت داخل الأراضي اللبنانية. أما حزب الله، فعلى الرغم من الضربات القاسية التي تلقاها، ومن بينها حادثة أجهزة النداء المفخخة التي أصابت بنيته القيادية والتنظيمية، فقد التزم على مضض بمقتضيات الاتفاق. لكن في المقابل، واصلت إسرائيل احتلال أجزاء من الجنوب، بل وعمدت خلال عام 2025 إلى تدمير قرى كاملة لمنع سكانها من العودة، في ما بدا سياسة متعمدة لإفراغ جنوب لبنان من أهله وفرض أمر واقع جديد. ولم يكن هذا السلوك معزولًا عن خطاب سياسي إسرائيلي يوحي بأن لبنان أو أجزاء منه تقع ضمن نطاق الطموح التوسعي الإسرائيلي. ومن هنا، فإن ما شهدناه في جنوب لبنان يندرج ضمن المنطق نفسه الذي رأيناه في غزة: تدمير البنية السكنية، تهجير السكان، ثم فرض السيطرة على الأرض. لكن حزب الله استعاد، مع مرور الوقت، جزءًا مهمًا من قدراته، ويبدو أنه عاد اليوم إلى مستوى من الفاعلية يقترب من وضعه السابق، بل وبدأ يوجّه ضربات موجعة إلى الجيش الإسرائيلي. وهذا هو ما يفسر حديث إسرائيل الآن عن تعبئة 450 ألف جندي، إذ إن الضغط العسكري المتزايد عليها أصبح واضحًا.

وهكذا، تجد إسرائيل نفسها في مواجهة جبهتين أساسيتين: جبهة إيرانية ذات طابع صاروخي وجوي، وجبهة برية في جنوب لبنان. بل إن الحديث بدأ أيضًا وإن كان لا يزال في دائرة المؤشرات غير المؤكدة عن احتمال تشكّل جبهة ثالثة مرتبطة بالجولان. وأشير هنا إلى أن اسم الجولاني نفسه مشتق من الجولان، ما يعني أن أحمد الشرع، أو محمد الشرع، يرتبط رمزيًا وجغرافيًا بهذه المنطقة. ومن ثم، ليس مستبعدًا على المدى الأبعد أن يكون هناك توجه نحو استعادة الجولان وإعادته إلى السيادة السورية، خصوصًا أن ضم إسرائيل للجولان لا يحظى بأي اعتراف دولي حقيقي، باستثناء الموقف الأمريكي، بينما تعتبره الأمم المتحدة أرضًا سورية محتلة. وفوق ذلك، تبقى جماعة أنصار الله الحوثية عنصرًا حاضرًا في المعادلة، حتى وإن بدت أكثر هدوءًا في الآونة الأخيرة. غير أنه لا يمكن استبعاد عودتها إلى استهداف إسرائيل في أي لحظة، كما فعلت بين عامي 2023 و2024، تحت ما كانت تسميه “مسؤولية الحماية”، أي الضغط على إسرائيل من أجل وقف النار في غزة. وقد توقفت تلك الضربات فقط بعد دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، ما يرجّح أن الجماعة قد تعود إلى الواجهة متى رأت أن الظروف تقتضي ذلك.

أما في ما يخص طبيعة العمليات العسكرية نفسها، فثمة فارق لافت بين أسلوب إيران وأسلوب إسرائيل. ففي الجولات السابقة، ولا سيما خلال عمليات “الوعد الصادق”، أظهرت إيران قدرة على الرد وإلحاق الضرر بإسرائيل مع الحد الأدنى من الخسائر المدنية. أما إسرائيل، فكل تحرك عسكري تقريبًا تقوم به يخلّف مئات الضحايا المدنيين. وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأنها تكشف اختلافًا جوهريًا في فلسفة الحرب لدى الطرفين. فالإيرانيون يبدون أكثر تركيزًا على أهداف محددة، ويعتمدون منطق التصعيد المتدرج، بما يسمح لهم بالاحتفاظ بهوامش تصعيد إضافية في المستقبل. أما إسرائيل، فتبدو أقل اكتراثًا بكلفة الحرب الإنسانية، وتتعامل مع المناطق المدنية وكأنها أهداف مشروعة بحد ذاتها.

وفي جنوب لبنان، يتجلى هذا الأمر بوضوح شديد، إذ إن حجم الدمار الذي خلّفته العمليات الإسرائيلية هائل وممنهج، ويطاول القرى والمناطق المأهولة على نحو يكاد يتكرر بنفس النمط في كل مرة. وهذا من الأسباب التي تجعل عددًا متزايدًا من الدول ينأى بنفسه عن دعم إسرائيل، أو على الأقل يخفف من مستوى هذا الدعم. وقد يأتي وقت لا يبقى فيه لإسرائيل سوى الدعم الأمريكي، لكن حتى هذا الدعم لم يعد مطلقًا كما كان، لأن التكنولوجيا الأمريكية نفسها باتت تواجه تحديات كبيرة أمام تطور تكنولوجيات أخرى، سواء في أوكرانيا أمام الروس، أو في الشرق الأوسط أمام الإيرانيين.

فالولايات المتحدة أمضت سنوات طويلة وهي تخوض حروبًا ضد دول أو جماعات جرى إنهاكها أو تفكيكها مسبقًا، أو ضد خصوم محدودي التسليح والإمكانات، لا يملكون سوى أسلحة خفيفة أو أدوات قتالية بدائية نسبيًا. أما اليوم، فهي تواجه خصمًا لا يساويها بالكامل من حيث الحجم أو القوة الشاملة، لكنه اقترب بدرجة كبيرة من مستواها التكنولوجي في بعض المجالات الحساسة. وهنا تظهر حدود المنظومات الغربية القديمة. فصاروخ باتريوت PAC-3، الذي ما يزال يُستخدم في أوكرانيا وفي دول الخليج، جرى تطويره أساسًا في أعقاب حرب الخليج عام 1991. صحيح أنه خضع لتحسينات متلاحقة، لكنه يبقى في جوهره نظامًا عسكريًا قديم البنية، لم يعد كافيًا لمواجهة تهديدات حديثة مثل الصواريخ فرط الصوتية، أو الصواريخ ذات الرؤوس المتعددة، وهي تهديدات لا تستطيع أي منظومة دفاع جوي حالية اعتراضها بصورة كاملة وموثوقة. ولذلك، تجد الولايات المتحدة نفسها في وضع يزداد حرجًا يومًا بعد يوم. فهي تحظى بدعم أقل، وتواجه حلفاء غربيين لم يعودوا مستعدين لتكرار تجارب الانخراط العسكري السابقة، كما حدث في العراق أو في مراحل لاحقة من الحروب الأمريكية في المنطقة. فقد صار التحالف مع واشنطن، في نظر كثيرين، عبئًا سياسيًا وأمنيًا لا مكسبًا مضمونًا.

وهذا المزاج لا يقتصر على أوروبا، بل يمتد أيضًا إلى بعض دول الخليج، وهو ما ينسجم مع هدف إيراني معلن يتمثل في تقليص الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط إلى أدنى حد ممكن. وتريد طهران أن تُظهر لجيرانها أن التحالف مع الولايات المتحدة لا يجلب الاستقرار، بل يستدعي المخاطر. ومن هذا المنظور، يمكن القول إن الرهان الإيراني النظري ليس بعيدًا عن المنطق: فكلما تراجع التدخل الأمريكي والغربي في المنطقة، ازدادت فرص أن تتولى دولها معالجة خلافاتها بنفسها. وقد رأينا بالفعل مؤشرات على قدرة دول الخليج وإيران على تجاوز بعض خلافاتها والعودة إلى صيغ من التنسيق والحوار، بخلاف ما هو قائم في الغرب، حيث ما تزال السياسات أسيرة عقلية الثأر وتغذية الخصومات وإدامة صورة “العدو الدائم”.

لا تبدو في الوقت الراهن مفاوضات جدية، بل مجرد تصريحات أمريكية تفتقر إلى إطار تفاوضي متماسك، يغلب عليها خطاب استعراضي يعيق التراجع العقلاني. وفي المقابل، ترى إيران أنها لم تبادر بالحرب، وأن ردودها جاءت تدريجية ومحدودة بهدف الردع. غير أن تكرار الهجمات أفقدها الثقة في جدوى التهدئة المؤقتة. ما يجعلها تشترط ضمانات حقيقية قبل أي وقف لإطلاق النار.

وهذه نقطة مهمة للغاية، لأن الاستقرار الحقيقي لا يُفرض من الخارج، بل ينبع من قدرة شعوب المنطقة ودولها على رسم مستقبلها بنفسها. أما التدخلات الغربية، فلم تُنتج في العقود الأخيرة إلا مزيدًا من الحروب والانقسامات والاضطرابات، بل وحتى موجات الهجرة التي تدفقت لاحقًا نحو أوروبا كانت في جزء كبير منها نتيجة مباشرة لسياسات غربية أسهمت في زعزعة استقرار هذه البلدان.

الصحفي: في ضوء ذلك، ما السيناريوهات الممكنة للخروج من الحرب؟ وهل توجد حاليًا مفاوضات بين الأمريكيين والإسرائيليين والإيرانيين لوقف القتال؟

جاك بود: في الوقت الراهن، لا تبدو هناك مفاوضات جدية بالمعنى الحقيقي. ما يوجد هو تصريحات أمريكية، وخصوصًا من دونالد ترامب، لكنها لا تعكس حتى الآن إطارًا تفاوضيًا متماسكًا. والمشكلة، في تقديري، أن جانبًا من إدارة هذا الملف في الغرب تحكمه شخصية انفعالية واستعراضية، أقرب إلى منطق الاستقواء اللفظي منه إلى منطق الحسابات السياسية الرصينة. فالخطاب الصادر عن بعض المسؤولين الأمريكيين، سواء من ترامب أو من وزير الدفاع، يقوم على المبالغة في استعراض القوة، من قبيل: “نحن الأقوى، ونحن الأفضل، وسننتصر بلا شك”. لكن هذا النوع من الخطاب يعيق التراجع العقلاني، ويمنع الاعتراف بالوقوع في مأزق يستدعي وقف الخسائر بدل المضي في تعميقها.

أما من الجانب الإيراني، فالمسألة مختلفة. فإيران ترى نفسها دولة لم تبادر إلى مهاجمة أحد، لكنها تعرضت لهجمات متكررة في 2024 و2025، ثم في 2026. وفي كل مرة، جاءت ردودها محسوبة ومتدرجة، تستهدف أهدافًا محددة، وتحمل رسالة واضحة مفادها: “إذا هاجمتمونا، فهذا بعض ما نستطيع فعله”. وكان الإيرانيون، على ما يبدو، يراهنون في البداية على أن إسرائيل ستفهم الرسالة وتتصرف بعقلانية، لكنهم خلصوا – بعد التجارب المتكررة – إلى أن إسرائيل لا تستوعب منطق الردع المحدود، وأن أي تهدئة لا تمنعها من إعادة الهجوم لاحقًا. ومن ثم، لم تعد طهران ترى في وقف القتال المؤقت ضمانة كافية.

لذلك، يبدو أن الهدف الإيراني الآن ليس “تدمير إسرائيل” كما تروّج الدعاية الغربية، بل فرض هزيمة حاسمة عليها، أي هزيمة تجعلها تدرك أن مهاجمة إيران مرة أخرى سيكون ثمنه باهظًا وغير محتمل. إنها ليست بالضرورة هزيمة وجودية، ولكنها هزيمة سياسية واستراتيجية تفرض على إسرائيل التراجع عن خيار الحرب المتكررة. غير أن المشكلة تكمن في أن إسرائيل، تاريخيًا، لم تُبدِ ميلًا كبيرًا إلى استخلاص هذا النوع من الدروس، لا مع مصر، ولا مع سوريا، ولا مع لبنان، ولا مع الفلسطينيين. ولهذا قد تطول الحرب إذا استمرت إسرائيل في رفض الاعتراف بأن هذا المسار لم يعد مجديًا.

وفي المقابل، يجد دونالد ترامب نفسه مضطرًا على الأرجح إلى البحث عن مخرج تفاوضي، لأن استمرار الحرب يضعه في وضع داخلي حرج، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. وكان يطمح، فيما يبدو، إلى نصر سريع يمنحه صورة “الرئيس الحاسم”، لكن هذا النصر لم يتحقق، بل إن أهداف الحرب نفسها لم تعد واضحة. ومع مرور الوقت، يخسر ترامب سياسيًا، وقد يضطر إلى طلب التفاوض مع إيران. لكن الإيرانيين يردّون بمنطق مختلف: لقد هددتمونا لعقود، وهاجمتمونا مرارًا، واستخدمتم التفاوض نفسه ستارًا للتحضير للهجوم، ولذلك لم تعد توقيعاتكم ولا وعودكم تكفي. إنهم يريدون ضمانات أمنية صلبة، لا مجرد بيانات أو تفاهمات عابرة. ولهذا السبب، فإن أي وقف لإطلاق النار لن يكون ممكنًا – من وجهة النظر الإيرانية – ما لم يترافق مع تعهدات موثوقة بأن الولايات المتحدة وإسرائيل لن تعودا إلى استئناف العدوان لاحقًا. وما دامت هذه الضمانات غير متوفرة، فالحرب مرشحة للاستمرار. وقد صرّح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن بلاده لا تسعى حاليًا إلى التفاوض بالشروط المطروحة. وهذا يعكس فقدان الثقة الكامل في السلوك الأمريكي، لا في النوايا فقط، بل حتى في قيمة التوقيع والالتزام السياسي نفسه، لأن واشنطن من وجهة النظر الإيرانية استخدمت مسارات التفاوض في أكثر من مرة غطاءً للتحضير لهجوم.

وهكذا، وضعت الولايات المتحدة وإسرائيل نفسيهما في مأزق مزدوج: فقدتا المصداقية أمام إيران، كما تراجعت صورتهما لدى كثير من دول العالم. كما أن الدعم الدولي لهما تقلّص بشكل واضح، ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى السلوك السياسي المتقلب، ولا سيما إلى شخصية ترامب ونهجه غير المنضبط في السياسة الخارجية. ومن هنا، يرى الإيرانيون أنهم في موقع أفضل من الناحية الاستراتيجية، ليس لأنهم لا يتكبدون خسائر، بل لأنهم يعتبرون الطرف الذي فرض إيقاع الحرب ونجح في عزل خصميه سياسيًا. وإذا نظرنا إلى المسألة من زاوية النتيجة الاستراتيجية لا من زاوية عدد الضحايا أو حجم الدمار، فإن الكفة – في تقديرهم – تميل اليوم لصالحهم.

الصحفي: أشكركم، جاك بود. وأذكّر بأنكم مؤلف كتابين مهمين حول الصراع الإسرائيلي–الإيراني، هما: «الحرب الإسرائيلية–الإيرانية تحت حكم الأخبار الزائفة» و*«عملية طوفان الأقصى»*، كما صدر لكم هذا الأسبوع كتاب جديد بعنوان «السلام في أوكرانيا» عن دار Max Milo. شكرًا لكم.

جاك بود:شكرًا لكم على هذه الاستضافة، وإلى لقاء قريب.


مقالات دات الصلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى