المنبر الحر

د. محمد الطلابي يطرح عصر التدوين الإسلامي الثاني: خريطة طريق للنهضة وفضح زيف الحضارة الغربية

مقدمة مدير الموقع

لقد قمتُ بتفريغ هذه الكلمة المؤثرة للدكتور محمد الطلابي من قناة Salaam Studio، ضمن الكلمة الافتتاحية لحفل انطلاق دورة تطوّر الفكر الإسلامي. منذ اللحظة الأولى التي استمعتُ فيها إلى هذه الكلمات، شعرتُ أنّها أكثر من مجرد محاضرة؛ لقد كانت صرخة من القلب، وخريطة طريق حيّة للأجيال الحالية والقادمة، من أجل النهوض بالأمة واستعادة مجدها المفقود. وأنا أكتب هذه السطور، ما زالت أصداء الحرب على غزة وإيران تتردّد في ذهني. لقد كشفت لنا هذه الأحداث وجه الغرب الحقيقي؛ ذلك الغرب الذي صدّع رؤوسنا لعقود بشعارات الحرية وحقوق الإنسان والأنوار الحديثة.


في لحظة واحدة، سقط القناع. رأينا الوحشية بأمّ أعيننا، ورأينا البربرية التي اجتمع فيها الغرب كلّه، ومعه بعض الأنظمة العربية المسلَّطة على شعوبها، لينهالوا على غزة وأهلها العزّل بلا رحمة. عندها أدركتُ أنّ ما يسمّى أفكار التنوير الغربية لم تكن إلا خدعة طويلة لإحكام الهيمنة على العالم الإسلامي، بعد تمزيقه إلى كيانات صغيرة ضعيفة. كلمات الدكتور محمد الطلابي جاءتني في تلك اللحظات كأنّها بوصلة النجاة؛ تذكّرني بأن الأمة لن تنهض إلا من داخلها، وأنّ السنن لا تحابي أحدًا، وأنّ الصفوة المثقفة العالمة والعاملة هي المفتاح لاستئناف الشهود الحضاري من جديد. بالنسبة لي، لم تكن هذه مجرد محاضرة افتتاحية؛ بل وثيقة فكرية حيّة يجب أن تصل إلى شباب الأمة، لتذكّرهم بأنّ طريق العزّة يبدأ من الوعي بالذات، وفهم سنن الله في التاريخ، ثم الشروع في العمل الميداني الصادق لإعادة أمتنا إلى مكانتها بين الأمم.


من هو د. محمد الطلابي لمن لا يعرفه :

حين يُذكر التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر، يقفز إلى الذاكرة اسمٌ يشبه شعلة في ليلٍ طويل: الدكتور محمد الطلابي، أحد القلائل الذين حملوا همَّ هذه الأمة على كاهلهم، وجعلوا من الفكر رسالةً للنهضة ونداءً لإحياء الروح الحضارية.هو رجل بدأ رحلته ماركسيًّا، يفتش عن العدالة والتحرر بين صفحات النظريات الأرضية، ثم عاد، بروح الباحث الصادق، إلى رحاب الإسلام، وكأن القلب وجد أخيرًا شاطئه الطبيعي. لقد سار في الدرب نفسه الذي مشى فيه روجيه جارودي، وليوبولد فايس (محمد أسد)، وموريس بوكاي، وإيتين دينيه (ناصر الدين دينيه)، وغيرهم من العقول الكبيرة التي جابت عوالم الفكر البشري، قبل أن تعود إلى يقين السماء بعد رحلة شاقة مع الأفكار الأرضية. ويمثل الدكتور الطلابي اليوم صوتًا حيًّا متجددًا في الفكر الإسلامي، يزاوج بين صفاء الإيمان ووعي العصر، ويرسم للأمة مشروعًا حضاريًا متكاملًا يعيد بناء وعيها الرسالي في القرن الحادي والعشرين.
وفي سيرته ما يدهش القلوب؛ إذ جمع بين غربة الفكر ودفء العودة إلى الأصل، فصارت كلماته ومحاضراته نابضة بالحياة، تتجاوز التنظير الجامد إلى الدعوة العملية لتكوين صفوة مثقفة عالمة وعاملة قادرة على استئناف الشهود الحضاري للأمة. ينتمي الدكتور الطلابي إلى المغرب العربي الإسلامي، هذه الأرض التي كانت، عبر القرون، مهدًا للتجديد والانبعاث الفكري، من الأندلسإلى فاس وتونس. هناك بزغت أسماء خالدة: ابن حزم وابن خلدون والشاطبي وعلال الفاسي، وغيرهم ممن تركوا بصمات لا تُمحى في تجديد العقل الإسلامي قديمًا وحديثًا. واليوم، يطلّ الدكتور محمد الطلابي امتدادًا حيًّا لتلك السلسلة المضيئة، حاملاً مشعل الفكر المتجدد، رابطًا بين التراث الإسلامي الحيوتحديات العصر، وداعيًا إلى ما يسميه عصر التدوين الإسلامي الثاني، حيث تُعاد صياغة البنية المعرفية للأمة على أسس قرآنية مبصرة، قادرة على صناعة مستقبل يليق بتاريخها العريق.

اني أؤمن بأن الصفوة المثقفة هي قائدة أي نهوض حضاري، سواء في الماضي أو في الحاضر…لا نهضة شاملة بلا صفوة عالمة وعاملة. وهي التي جعلت الامة تتزعم العالم لأكثر من ثمانية قرون متصلة

الدكتور محمد الطلابي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحابته ومن والاه.

أيها الإخوة الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أولًا، أود أن أشكركم على هذه الدعوة الكريمة التي تتيح لي التواصل مع إخواننا الكرام.

وإن كان هؤلاء الإخوة يظهرون من هذه المنصة الإلكترونية، إلا أن واقعهم أنهم منتشرون في أرجاء الأرض: من أمريكا في الغرب، مرورًا بالبحر الأحمر والخليج العربي، وصولًا إلى تركيا. هذه مناسبة عظيمة للتواصل مع هذه الصفوة المفكرة، وأنا دائمًا أشعر بالفرح والسرور حين يكون هناك لقاء يجمع المثقفين والنخب الفكرية؛ لأنني أؤمن بأن الصفوة المثقفة هي قائدة أي نهوض حضاري، سواء في الماضي أو في الحاضر.

ودائمًا ما أكرر قناعتي الراسخة: لا نهضة شاملة بلا صفوة عالمة وعاملة؛ فهذه سنة من سنن حركة التاريخ البشري. فأي أمة أرادت أن تنهض، لا بد أن يتوفر لديها صفوة مثقفة مؤسِّسة. وما كان لأمتنا الإسلامية أن تتزعم العالم لأكثر من ثمانية قرون متصلة، لولا أنها تمكنت من تشكيل تلك الصفوة المثقفة المبصرة بروح الدين وروح العصر، التي وضعت الاستراتيجيات الكبرى للتحول التاريخي العظيم الذي شهدته أمة الإسلام خلال العصر الوسيط. وما كان للغرب اليوم أن يقود العالم، وما كانت للحضارة الغربية أن تصبح الحضارة المهيمنة على كوكب الأرض، لولا أنها استطاعت تشكيل صفوة مثقفة مبصرة بروح العصر الحديث؛ بدأت إرهاصاتها مع الثورة الإنسانية في القرن السادس عشر*، ثم فلسفة الأنوار في القرن الثامن عشر*، وبلغت ذروتها مع الفلسفة الكلاسيكية الألمانية في القرن التاسع عش*، ومع الأدباء الروس الذين أنتجوا قيم التغيير والثورة*. ولولا هذه الصفوة الفكرية الواعية لما تمكن الغرب من إنتاج هذه الحضارة العملاقة. وهنا تتضح خطورة ودور الصفوة المثقفة في أي نهضة تاريخية.

نحن اليوم أمسّ ما نكون إلى إعادة اكتشاف القرآن من جديد، لا تلاوةً فحسب، بل فهمًا وعيشًا وحضورًا في حياتنا وفكرنا ومشاريعنا الحضارية. وللأسف الشديد، كأنّ صرخة النبي صلى الله عليه وسلم التي خلدها القرآن ما زالت تتردد في أسماعنا. ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:30].

وأقدّر أننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى إصلاح طرائق التفكير لدى الصفوة المثقفة المسلمة، سواء أكانوا في الغرب الأوروبي، أو في الشرق الآسيوي، أو في المنطقة العربية. نحن بحاجة إلى إعادة بناء منهجية التفكير لدى هذه النخب، حتى نتمكن من إنتاج ما أسميه: الفيلسوف الفقيه، أو المثقف الاستراتيجي،أو بتعبير المفكر الماركسي الإيطالي المثقف العضوي. فلا بد إذن من إعادة تشكيل هذه الصفوة، لأنه لا نهضة لأمتنا بلا نخبة مثقفة مبصرة، قادرة على إنتاج الأفكار العملاقة القادرة على رفع مستوى النهوض الحضاري في مختلف مجالات الحياة. سواء في تصورنا للوجود (أي العقيدة أو الإيمان)، أو في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وأنا أفرق هنا بين الإيمان والعقيدة: فالإيمان أصله موجود في الوحي، وهو اليقين الروحي، أما العقيدة فهي اجتهاد فكري في الإيمان، صاغه المتكلمون والمفكرون المسلمون عبر التاريخ: المعتزلة، والأشاعرة، والمتصوفة، والسنة، والشيعة، والخوارج. وأقدّر أن الصفوة المثقفة المسلمة اليوم في حاجة ماسّة إلى إعادة تجديد البناء النظري للإيمان والعقيدة؛ لأن كثيرًا من مساحات تصورنا للوجود ما زالت معطّلة، وهذا يتطلب اجتهادًا عميقًا ورؤية مبصرة من المثقف المسلم أينما كان.

ولماذا أبدأ بهذا المدخل؟ لأنني أعلم جيدًا أننا، منذ القرن التاسع عشر، بدأ روادنا ومفكرونا وعلماؤنا يؤسسون لما أسميه عصر الأنوار الإسلامي، الذي حمل لواءه رجال كبار مثل: محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، ورشيد رضا، ومحمد إقبال، وعبد الرحمن الكواكبي، وغيرهم من كبار الدعاة والمفكرين الإسلاميين. لكن – للأسف – هذا عصر الأنوار الإسلامي الذي وُلد في القرن التاسع عشر انكسر في القرن العشرين بظهور ثلاث مدارس كبرى ساهمت بشكل مباشر في تكسيره وإجهاضه، رغم أنه كان يريد التوليف الحي بين مفاهيمنا وقيمنا الموروثة الحية، وبين المفاهيم والقيم القادمة من حضارة الغرب، تحت مظلة النص القرآني. وهذه المدارس الثلاث هي: المدرسة الوهابية النجدية التي انتصرت مع قيام دولة آل سعود عام 1932م. وأنتجت في تقديري كثيرًا من التطرف الفكري والعقدي والفقهي، الذي انتهى في أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين إلى موجات من الإرهاب. ثم المدرسة العربية الاشتراكية القومية التي قادها جمال عبد الناصر في مصر، وحزب البعث في العراق وسوريا، والحزب الاشتراكي في اليمن، ومعه القذافي في ليبيا، وأيضًا التيار الاشتراكي في الجزائر وغيرها. هذا التيار الذي وصل إلى السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية ساهم في انكسار عصر الأنوار الإسلامي في الفقه السياسي الليبرالي. وكانت كارثة كبرى ما زلنا نعاني من آثارها إلى اليوم في بنية الدولة وفي فقهنا السياسي المعاصر. واخيرا مدرسة الثورة الخمينية التي مع انتصارها، التحقت السلفية الشيعية بالسلفية النجدية السنية، لتشكّل مع المدرسة العربية الاشتراكية مثلثًا ساهم في وقف انتشار وتأسيس عصر الأنوار الإسلامي في القرن العشرين. وما زال هذا الانكسار قائمًا حتى اليوم.

واليوم، في تقديري، نحن في حاجة ماسّة إلى استئناف عصر الأنوار الإسلامي من جديد. إن هذا المشروع ليس مجرد متعة فكرية للمثقف المسلم – الذي أسميه أحيانًا الفيلسوف الفقيه أو المثقف الاستراتيجي الإسلامي – بل هو ضرورة تاريخية. نحن نطمح أن يكون لأمتنا مقعد في قيادة الحضارة الإنسانية في القرن الحادي والعشرين. ولا يجوز أن نبقى على هامش مجرى التاريخ العربي والإسلامي. فنحن أمة أصيلة وليست أمة لقيطة في شارع الحضارة؛ لقد قدنا العالم لأكثر من ثمانية قرون، ونحن مطالبون اليوم بالعودة إلى استئناف الشهود الحضاري من جديد. غير أن هذا الهدف العظيم يتطلب إصلاحات مركزية شاملة، أوجزها في أربعة محاور كبرى: اولا، إصلاح معرفي شامل، ثانيا، إصلاح سياسي، ثالثا، إصلاح اقتصادي واجتماعي، ورابعا، إصلاح قيمي وأخلاقي. وهذه المحاور الأربعة هي – في تقديري – مقاصد الربيع الديمقراطي الذي انكسر للأسف، لكنه ترك لنا هذه المقاصد الكبرى التي يجب أن ننطلق منها لبناء معرفتنا وتجديد مشروعنا الحضاري.

أصرح بأنني لا أؤمن بالعلم البارد، بل بالعلم المناضل المقاوم؛ فإن لم يكن العلم مناضلًا فلا قيمة له. اي العلم الذي يشتبك مع قضايا الناس، ويواجه التحديات، ويصنع التغيير.

الدكتور محمد الطلابي

إن المعرفة التي نحتاج إليها اليوم يجب أن تكون مؤسِّسة، قادرة على إنتاج صرح ثقافي ومعرفي إسلامي جديد. ولهذا أدعو إلى الانتقال من عصر التدوين الإسلامي الأول إلى عصر التدوين الإسلامي الثاني. في عصر التدوين الأول، كل تراثنا الإسلامي القديم – في الفقه والعقيدة والأدب والفكر والفلسفة والاقتصاد والتنظيم السياسي والفقه السياسي – إنما هو أجوبة على إشكاليات عصره. أما إشكالية عصرنا الحالي فهي تختلف نوعيًا عن إشكاليات العصور الوسطى الإسلامية.

إن أجدادنا لم يعرفوا الرأسمالية العالمية، ولا ميلاد الطبقات وصراعها (كالبرجوازية والبروليتاريا والطبقة الوسطى)، ولم يعرفوا العولمة، ولا الأنظمة السياسية الديمقراطية، سواء الرئاسية أو البرلمانية أو شبه البرلمانية. لم يعرفوا مشكلات الفن والمرأة والطفل، ولا التسارع التاريخي الذي يمشي بسرعة الضوء، ولا الثورات التكنولوجية المتتالية. هذه الإشكاليات كلها لم يعرفها العصر الوسيط (العصر الذهبي للحضارة الإسلامية؛ أي الفترة التي امتدت من القرن السابع حتى القرن الخامس عشر الميلادي، حيث كانت الدولة الإسلامية في أوج ازدهارها العلمي والفكري والحضاري.)، وبالتالي لم يقدم لها أجوبة. فنحن المطالبون اليوم بإنتاج هذه الأجوبة، لنؤسس عصر التدوين الإسلامي الثاني.

إننا بحاجة إلى دمج الجهاز المفاهيمي الحي القادم من تراثنا الإسلامي مع الجهاز المفاهيمي الحي القادم من الغرب، ولكن تحت مظلة الجهاز المفاهيمي القرآني.

الدكتور محمد الطلابي

وأنا أميز هنا بين الوحي اليقين والتراث الإسلامي: الوحي اليقين عابر للزمان والمكان إلى قيام الساعة و أما التراث فليس عابرًا للزمان والمكان؛ لأنه أجاب على إشكاليات عصره، وكثير منه لم يعد صالحًا لنا في القرن الحادي والعشرين. مثال على ذلك: الفقه السياسي القديم، فهو اليوم عبء علينا؛ لأنه لا يصلح لعصر الثورة الديمقراطية والإصلاح الديمقراطي. نحن نعيش عصر الربيع الديمقراطي – رغم انكساره – لكنه حدد لنا المقاصد الكبرى التي يجب أن نبني عليها استراتيجيات النهوض الحضاري من جديد، سواء في المحور العربي (العروبة) أو في المحور الإسلامي العالمي. من هذه المقاصد، أولا، إنتاج السلطة الديمقراطية وإعادة توزيعها ديمقراطيًا، وهو ضرورة تاريخية. ثانيا، إنتاج الثروة وإعادة توزيعها توزيعًا عادلًا، وهو مطلب نضالي أساسي لكل مثقف عضوي.

وهنا أصرح بأنني لا أؤمن بالعلم البارد، بل بالعلم المناضل المقاوم؛ فإن لم يكن العلم مناضلًا فلا قيمة له. لذلك يجب على الصفوة المثقفة، وعلى المفكر الإسلامي المعاصر، أن ينتج معرفة نضالية مقاومة، قادرة على التحدي والاستجابة للإشكاليات النوعية التي نعيشها اليوم. ولهذا أدعو مجددًا إلى عصر التدوين الإسلامي الثاني (4)، لأن إشكالياتنا تختلف نوعيًا عن إشكاليات العصور السابقة. وكثير من المفاهيم المعرفية التي أنتجها تراثنا الإسلامي لم تعد قادرة على تحليل العلاقات الدولية، ولا البنيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في القرن الحادي والعشرين. وأضرب مثالًا بـ العملاق ابن خلدون – ابن بلدي – الذي كان عبقريًا في عصره، وأنتج نظرية علمية عرفت بـ نظرية العصبية (5)، حلّل بها البنية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في شمال إفريقيا، وكانت نظرية علمية عظيمة. ولكن السؤال اليوم، هل يمكننا بمفاهيم ابن خلدون – كالعصبية – أن نحلل البنية الاقتصادية والاجتماعية لشمال إفريقيا اليوم؟

الطلابي يدعو إلى تصفية التراثين الإسلامي والغربي من مكوناتهما الميتة، ثم دمج الأجزاء الحيّة الفاعلة منهما في مشروع معرفي جديد تحت مرجعية القرآن، لبناء نهضة حضارية معاصرة.

لقد أصبحت هذه البنية رأسمالية عالمية، فيها طبقات وصراع طبقي وعولمة، وهذه مفاهيم جديدة تتطلب نظرية جديدة لعصر التدوين الإسلامي الثاني. بالتأكيد، فإن الجهاز المفاهيمي التقليدي الذي ورثناه لم يعد قادرًا على تحليل البُنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، سواء في أمة الإسلام عمومًا أو على الأقل في بلدان شمال إفريقيا. ولهذا، نحن بحاجة إلى استعارة جهاز مفاهيمي جديد من التراث الغربي، يكون قادرًا على تحليل هذه البُنى المعقدة. وليس عيبًا أن نستعير من المفاهيم الحيّة التي أنتجتها الحداثة الغربية، شريطة أن ندمجها مع تراثنا الإسلامي الحي، وأن تكون خاضعة لتوجيه الجهاز المفاهيمي القرآني حتى لا نضلّ الطريق. أعطي مثالًا واضحًا:

من أراد تحليل الرأسمالية العالمية اليوم، أو حتى منذ القرن التاسع عشر، هل يمكنه أن يقوم بتحليل علمي دقيق دون العودة إلى الجهاز المفاهيمي الذي أنتجه كارل ماركس في كتابه الشهير “رأس المال”؟ لقد قدّم ماركس مفاهيم أساسية لا يمكن لأي اقتصادي – إسلامي أو ليبرالي – أن يتجاوزها: البنية التحتية والبنية الفوقية، وفائض القيمة، ورأس المال الثابت، ورأس المال المتحرك، وغيرها من المفاهيم المحورية. هذه المفاهيم تطلّبت من ماركس دراسة استمرت ثلاثة وعشرين عامًا ليؤسس بها كتابه. وأذكر هنا ماركس – وهو المثال الأكثر رفضًا عند المسلمين – لأوضح أنني أميّز بين ماركس الملحد الذي تبرأت من أفكاره منذ عقود، وماركس العالِم الذي يجب أن نحتضن جهازه المفاهيمي في التحليل الاقتصادي. وأقول إننا بحاجة إلى دمج الجهاز المفاهيمي الحي القادم من تراثنا الإسلامي مع الجهاز المفاهيمي الحي القادم من الغرب، ولكن تحت مظلة الجهاز المفاهيمي القرآني. وأقول ان إصلاح الصفوة المثقفة يبدأ من هنا؛ فهو إصلاح لطرائق التفكير لديهم، أي إعادة تركيب الجهاز المفاهيمي المبصر في عقول هذه الصفوة.

لقد تدبرت النص القرآني فوجدت أن الصبر يعني وضع المخططات، والالتزام بها، والنضال المستمر من أجلها حتى تتحقق، سواء استغرق ذلك عقدًا أو عقدين، نصف قرن، أو حتى إلى نهاية القرن الحادي والعشرين أو بداية القرن الثاني والعشرين. الدكتور محمد الطلابي

وأشبّه ذلك بمن يريد إنتاج سلعة جيدة تنافس في السوق: لا بد أن تكون وسائل الإنتاج جيدة ومتطورة. كذلك المعرفة – سواء كانت معرفة شرعية أو إنسانية أو مادية (في الفيزياء والكيمياء مثلًا) – لا يمكن أن تنتج علمًا مبصرًا إلا بجهاز مفاهيمي دقيق وسليم. ولعلّي أستحضر هنا قول الفيلسوف الألماني العظيم فريدريك هيغل: نحن نفكّر، لكن بوساطة جهاز مفاهيم. فالمفاهيم هي أدوات إنتاج المعرفة؛ إن كان الجهاز المفاهيمي أعوجًا سننتج معرفة عوجاء، وإن كان أعور سننتج معرفة محدودة البصر. ومن هنا أدعو إلى ثورة منهجية في الجهاز المفاهيمي الذي تنتج من خلاله الصفوة المثقفة الإسلامية المعرفة المبصرة؛ أي المعرفة القادرة على إدراك روح الوحي القرآني وخريطته القيمية والتشريعية والتاريخية من جهة و استيعاب روح العصر واتجاهاته وتطوراته من جهة أخرى.

لذلك، نحن بحاجة إلى اكتشاف القرآن من جديد. وللأسف، تنطبق علينا الآية الكريمة بدرجة كبيرة: “وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا” [الفرقان:30]. قد تدبرت القرآن كثيرًا – وأنا لست فقيهًا ولا عالمًا شرعيًا – لكن بما أتيح لي من طرائق تفكير وتأمل، وجدت أننا ما زلنا على هامش هذه القارة الشاسعة التي هي الوحي واليقين: لم نكتشف بعد الخريطة المفاهيمية المركزية للقرآن، ولم نكتشف بدقة خريطة التشريع القرآني، ولم نحلل تمامًا خريطة التاريخ والقصص القرآني، ولم نستوعب خريطة القيم والغايات العليا للنص القرآني، ولم نفكك خريطة الفقه السياسي وغيرها من الخرائط المتراكبة. كل هذا يتطلب إصلاحًا معرفيًا حقيقيًا وراشدًا لدى الصفوة المثقفة، خاصة في طرائق التفكير. فكثير من المفاهيم التي ننتج بها المعرفة اليوم معوجة أو فيها غبش أو خاطئة تمامًا. لذلك، يجب أن نقوم بـ عملية نقد مزدوجة، نقد لتراثنا الإسلامي، ونقد لتراث الحداثة الغربية.

ثم نقوم بـطرح التراث الميت في ثقافتنا إلى الأرشيف، وطرح التراث الميت في الحداثة الغربية كذلك، ثم نركّب تركيبًا حيًّا بين تراثنا الإسلامي الحي، وتراث الغرب الحي، تحت مظلة النص القرآني وجهازه المفاهيمي وخرائطه المتكاملة (6). في تقديري، عندها سنبدأ إنتاج صرح معرفي جديد، وسنحقق ما بشّر به الربيع الديمقراطي الذي جاء بأربع ثورات كبرى وهي أولا، ثورة سياسية: إنتاج السلطة وإعادة توزيعها توزيعًا ديمقراطيًا، وثانيا، ثورة اقتصادية اجتماعية: إنتاج الثروة وإعادة توزيعها توزيعًا عادلًا وثالثا، ثورة قيمية أخلاقية: إنتاج القيم وإعادة توزيعها أخلاقيًا، وأخيرا ثورة فكرية ثقافية: إنتاج المفاهيم الفكرية المبصرة وإعادة توزيعها توزيعًا راشدًا. وهذه الثورات الأربع تمثل جوهر مهام المفكر الإسلامي اليوم، وهي المضمون الحقيقي لعصر الأنوار الإسلامي في القرن الحادي والعشرين. ومن خلالها سنعيد بناء الصرح المعرفي الإسلامي من جديد في أبوابه الثلاثة: العلم الشرعي، والعلم الإنساني (التاريخ، الجغرافيا، علم النفس، الاقتصاد، علم السكان، الأنثروبولوجيا، التنظيم…)، والعلوم المادية (الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء، الفلك وغيرها).

إننا في حاجة إلى إنتاج علم إسلامي جديد، وهذا – في تقديري – لن يتحقق إلا عبر إصلاح جذري لطرائق التفكير لدى الصفوة المثقفة. وهذا عمل زمني طويل المدى؛ فلا أتحدث عن زمن سياسي قصير (عقد أو عقدين)، بل عن زمن تاريخي ممتد قد يصل إلى منتصف القرن الحادي والعشرين أو نهايته. لأن إشكالية العصر المعقدة – من دخولنا إلى العصر الحديث، وإحداث إصلاح ديمقراطي، وإنتاج الثروة وتوزيعها بعدل، وإعادة بناء منظومة القيم الأخلاقية، وإنتاج صرح معرفي وثورة ثقافية – كلها تحتاج إلى هذا الأفق التاريخي العميق.

إن هذا المشروع الحضاري الكبير يتطلب منا عقودًا من الزمان، ويحتاج إلى الكثير من الصبر. ولعلي هنا أؤكد على المفهوم القرآني للصبر؛ فالصبر – في تقديري – هو المقاومة الشرسة، وليس الاستسلام أو الانتظار السلبي. لقد تدبرت النص القرآني فوجدت أن الصبر يعني وضع المخططات، والالتزام بها، والنضال المستمر من أجلها حتى تتحقق، سواء استغرق ذلك عقدًا أو عقدين، نصف قرن، أو حتى إلى نهاية القرن الحادي والعشرين أو بداية القرن الثاني والعشرين.

وأخلص إلى القول بأن عنوان عصر التدوين الإسلامي الثاني هو “تجديد نظرية إعادة البناء النظري“. وأول ما نحتاج إلى تجديده هو البناء النظري للإيمان“:

  • إن مساحة هائلة من عبادة الله معطلة؛
  • نحن نعبد الله في الأغلب بمجال الشعائر فقط،
  • أما عبادة الله بالسنن الكونية والاجتماعية فهي غائبة بنسبة كبيرة.

ولذا، لا يتحقق النصر الحضاري للأمة إلا إذا عبدنا الله بالسنن كما نعبده بالشعائر (7). إن طوفان الأقصى استطاع أن يهزم الكيان المحتل لأنه اعتمد على عبادة الله بالسنن أي التخطيط، الترتيب، الإعداد المادي، التخطيط المخابراتي، البناء العلمي، واللياقة البدنية للمجاهد والمناضل. وكذلك نجاح الثورة السورية مع زعيمها الجديد أحمد الشرعي – على سبيل المثال – لم يكن بالدعاء فقط، بل كان ثمرة عبادة الله بالسنن: التخطيط، إعداد الفرص، وترقب اللحظة المناسبة للانقضاض على العدو. وهذا هو ما أعنيه بضرورة ضمّ عبادة الله بالسنن إلى مفهوم العقيدة، لتصبح جزءًا من نظرية إيمان جديدة قادرة على إنتاج نفير حضاري كبير في القرن الحادي والعشرين. كما أننا مطالبون بـ تجديد البناء النظري في مجالات أربعة محورية:

  1. الإنسان: فنحن نفتقر إلى نظرية متكاملة في الإنسان، تجمع بين قيم الوحي ومعطيات العلوم الحديثة.
  2. السلطان (الدولة): يجب أن ننتج فقهًا سياسيًا جديدًا يربط بين خريطة القيم السياسية في الوحي اليقين وبين الثورة الديمقراطية الحديثة، بعيدًا عن الفقه السياسي القديم (السياسة الشرعية التقليدية) الذي كان – في تقديري – معيقًا للنهضة، لأنه قائم على التنظير للاستبداد والخضوع المطلق للحاكم.
  3. الزمان (التاريخ): نحن بحاجة إلى إعادة البناء النظري للتاريخ؛ فالتاريخ الذي ندرّسه اليوم مليء بالأغاليط والأساطير والأكاذيب، سواء الموروثة من التراث الإسلامي التقليدي الذي لم يميز أحيانًا بين الحقيقة والخيال، أو تلك التي جاءت من روايات الاستشراق (8).
  4. العمران والحضارة: أي إعادة بناء النظرية العمرانية التي تتيح لنا إطلاق مشروع نهضوي حضاري متكامل.

هذه المحاور الأربعة تمثل – في تقديري – عنوان عصر التدوين الإسلامي الثاني. ولن ينتج هذه الأبنية النظرية الجديدة إلا صفوة الصفوة من المثقفين، الذين أسميهم الفلاسفة الفقهاء. لا أقصد شخصًا بعينه، بل أقصد تيارًا معرفيًا مبصرًا، يصبح التيار الجارف للثقافة من جاكرتا إلى طنجة، بل ويصل تأثيره حتى إلى الغرب. عندها سنكون قادرين على المساهمة – ولو بقدر ذرة – في إعادة تأسيس عصر الأنوار الإسلامي، ذلك العصر الذي كُسر وتم إيقاف حركته في القرن العشرين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قام بتفريغ هذه الكلمة المؤثرة للدكتور محمد الطلابي من قناة Salaam Studio، ضمن الكلمة الافتتاحية لحفل انطلاق دورة تطوّر الفكر الإسلامي د. الحسن اشباني

 د. الحسن اشباني، مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي


الهوامش التوضيحية

الهامش التوضيحي 1:

  1. الثورة الإنسانية في القرن السادس عشر
    • يقصد بها النهضة الأوروبية (Renaissance) التي انطلقت من إيطاليا إلى عموم أوروبا، وأعلت شأن الإنسان والعقل بعد قرون من سيطرة الكنيسة على الفكر.
    • من أبرز رموزها:
      • إيراسموس: داعية الإصلاح الفكري والديني.
      • ليوناردو دا فينشي ومايكل أنجلو: في الفنون والتعبير عن إنسانية الإنسان.
      • نيكولو مكيافيلي: في السياسة وكتاب الأمير.
    • أسست هذه الثورة لمرحلة انتقال أوروبا نحو الحداثة الفكرية.
  2. فلسفة الأنوار في القرن الثامن عشر
    • حركة فكرية واسعة في أوروبا تهدف إلى تحرير العقل من القيود التقليدية والدعوة إلى العقلانية والعلم والحرية الفردية.
    • من أبرز رموزها:
      • فولتير: نقد الاستبداد والكنيسة والدعوة إلى التسامح.
      • جان جاك روسو: مؤلف العقد الاجتماعي ومنظر الحرية والسيادة الشعبية.
      • مونتسكيو: صاحب نظرية فصل السلطات في كتاب روح القوانين.
      • ديدرو: محرر الموسوعة التي جمعت معارف عصر الأنوار.
  3. الفلسفة الكلاسيكية الألمانية في القرن التاسع عشر
    • مثلت ذروة النضج الفلسفي الأوروبي، وأهم رموزها:
      • إيمانويل كانط: الفلسفة النقدية ومبدأ الواجب الأخلاقي.
      • هيغل: فلسفة التاريخ والجدل الجدلي (الديالكتيك).
      • فيخته وشلنغ: تطوير المثالية الألمانية وربط الفكر بالتاريخ.
  4. الأدباء الروس الذين أنتجوا قيم التغيير والثورة
    • أدب القرن التاسع عشر الذي عالج الظلم الاجتماعي وصراع الطبقات، ومن أبرز رموزه:
      • ليو تولستوي: الحرب والسلام وآنا كارنينا.
      • فيودور دوستويفسكي: الجريمة والعقاب والإخوة كارامازوف.
      • إيفان تورغينيف: الآباء والبنون وتجسيد التحولات الفكرية.
      • مكسيم غوركي: رائد الواقعية الاجتماعية والدعوة إلى العدالة.

الهامش توضيحي 2:

  • المثقف العضوي: مصطلح صاغه المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، ويقصد به المثقف المرتبط بقضايا مجتمعه، المنخرط في مشروعه الحضاري والاجتماعي، والذي يوظّف فكره ومعرفته لتوجيه الوعي الجمعي نحو الإصلاح والتغيير، بخلاف المثقف التقليدي المنعزل عن هموم الناس.

الهامش توضيحي 3:

  • الفيلسوف الفقيه: تعبير يستخدمه الدكتور محمد الطلابي للدلالة على المثقف المسلم الشامل الذي يجمع بين عمق المعرفة الشرعية والفقه بسنن الوحي، وبين الرؤية الفلسفية الواعية بسنن الكون والتاريخ ومتطلبات العصر؛ أي أنه مفكر قادر على إنتاج معرفة حضارية تجمع بين الإيمان والعقل والعمل الميداني للنهوض بالأمة.

الهامش توضيحي 4:

  • عصر التدوين الإسلامي الثاني: مصطلح طرحه الدكتور محمد الطلابي للدعوة إلى مرحلة معرفية جديدة تعيد صياغة البنية الفكرية والفقهية والحضارية للأمة بما يتناسب مع تحديات العصر الحديث.
    • يقوم على تجديد الإجابات الفكرية والفقهية لإشكاليات القرن 21 المختلفة عن إشكاليات العصور الوسطى،
    • ويمزج بين روح الوحي القرآني والمفاهيم المعاصرة لإنتاج معرفة حضارية قادرة على قيادة النهضة.

الهامش التوضيحي 5:

  • نظرية العصبية عند ابن خلدون: يقصد بها الرابطة القوية التي تجمع أفراد الجماعة أو القبيلة فتمنحهم قوة موحدة للدفاع والتوسع.
    • قوة العصبية هي أساس قيام الدول وازدهارها.
    • ضعف العصبية يؤدي إلى تفكك الدولة وسقوطها مع انتشار الترف والانقسام الداخلي.

الهامش التوضيحي 6:

  • يقصد الدكتور محمد الطلابي بـ طرح التراث الميت وإعادة التركيب الحي:
    1. إيداع العناصر الميتة من التراث الإسلامي والغربي في الأرشيف باعتبارها مواد تاريخية غير صالحة لتوجيه الحاضر.
    2. الاستفادة من العناصر الحيّة الفاعلة من كلا التراثين لبناء معرفة حضارية جديدة.
    3. أن يتم هذا التركيب تحت مظلة النص القرآني ليحافظ المشروع المعرفي على أصالته وهويته القيمية.

هامش توضيحي 7:

  • السنن: يقصد بها سنن الله في الكون والمجتمع والتاريخ، أي القوانين الربانية الثابتة التي تحكم حركة الحياة والأمم. عبادة الله بالسنن تعني الأخذ بالأسباب: التخطيط، الإعداد المادي، العمل العلمي والتنظيمي، واحترام القوانين الكونية والاجتماعية. فلا يكفي أداء الشعائر لتحقيق النصر الحضاري ما لم يُقترن بالعمل وفق هذه السنن.

هامش توضيحي 8:

  • الأغاليط والأساطير التاريخية تشمل:
    1. من التراث الإسلامي التقليدي: المبالغات في بطولات المعارك بلا تخطيط، القصص الشعبية عن كرامات خارقة أو مواجهات أسطورية مع الجن أو الوحوش، وخلط الوعظ بالحقائق التاريخية.
    2. من روايات الاستشراق: تصوير التاريخ الإسلامي كله كعصور استبداد وظلام، التعميم عن اضطهاد المرأة والأقليات بلا سياق، والتقليل من إبداع العلماء المسلمين بنسبة منجزاتهم إلى اليونان أو غيرهم.

مقالات الكاتب ذات الصلة :

https://dr-achbani.com/غياب-التنوع-البيئي-أو-الاجتماعي-اضرار

https://dr-achbani.com/أسئلة-المصير-العربي-في-مرحلة-التشكل-ال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE