المقالات العامةالمنبر الحر

الخطبة التي نحتاجها لا التي نسمعها ايها الخطباء الافاضل

 

د. الحسن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي


في زمنٍ تختلط فيه الشعائر بالمظاهر، وتبهت فيه معاني العبادة تحت ضجيج العادات، يصبح لزامًا أن يُعاد توجيه الخطاب الديني نحو جوهره الحقيقي؛ نحو إصلاح السلوك، وإحياء الضمير، وربط المسجد بحياة الناس اليومية ومسؤولياتهم الكبرى. ومن خلال ما يُتداول بين الناس في أحاديثهم، وما يُكتب في المقالات والتغريدات التي تنتقد بشدة مآل خطب الجمعة، تتأكد الحاجة إلى وقفة صادقة تُذكِّر الخطباء برسالتهم وأمانة الكلمة التي يحملونها. استسمحوني ان اذكركم، فالذكرى تنفع المومنين.

أيها الخطباء الأفاضل، ذكِّروا الناس بحزمٍ لا يلين، وبصدقٍ لا يجامل. فليس المنبر زينةً صوتية، ولا كلماتٍ تُقال ثم تمضي مع الهواء، بل هو موضعُ مساءلةٍ للضمير، ومحرابُ مواجهةٍ للنفس قبل أن يكون خطابًا للآخرين.

قولوا لهم: كيف يداوم المرء على المسجد، يسمع المواعظ عامًا بعد عام، ثم لا يتغيّر فيه شيء؟ كيف يقف في الصف الأول، وحقُّ أخيه في ذمّته؟ كيف يسمح لنفسه أن يقتات من حرام، ثم يهرع إلى المسجد ليُقال عنه إنه ملازمٌ للصلاة، ويُشهد له بالإيمان؟ أليس الإيمان أثرًا يُرى في السلوك قبل أن يكون هيئةً تُرى في الصفوف؟

قولوا للتاجر الذي يرفع الأسعار ثم مع اقتراب الأذان يترك متجره مسرعًا إلى الصلاة: أيُّ صيامٍ هذا الذي لم ينهك عن استغلال الناس؟ وأيُّ تقوى هذه التي تفصل بين السوق والمحراب؟ وقولوا للموظف الذي يُماطل في وثيقةٍ هي حقٌّ لمواطنٍ ضعيف: كيف تجمع بين الظلم والسجود؟ كيف تقف بين يدي الله وقد عطّلت مصالح عباده؟

ذكِّروهم أن الدين ليس مظهرًا اجتماعيًا ولا شهادةَ تزكيةٍ يمنحها الناس، بل هو أمانةٌ وعدلٌ ورحمة. وأن من لم يهتمّ بأمر المسلمين، ولم يشعر بآلامهم، ولم يتحرّك لنصرتهم بالكلمة والموقف والعمل، فقد فرّغ عبادته من معناها.

قولوا لهم إن خطبة الجمعة ليست نشرةً موسمية، بل منبرٌ لهموم الناس اليومية: للعدل، للرزق الحلال، للعمل المنتج، لبناء مواطنٍ صالحٍ يسهم في قوةٍ علميةٍ واقتصاديةٍ تجعل الأمة واقفةً لا مستجدية، فالعالم لا مكان فيه للضعيف، بل لمن يملك العلم والعمل والانضباط.

ذكِّروهم أن ما يجري في غزة، وفي فلسطين كلها، ليس شأنًا بعيدًا عن المنبر. إن الظلم والإبادة والعدوان ليست أخبارًا عابرة، بل جراحًا في جسد الأمة. فكيف تخلو الخطب من كلمة حقٍّ صادقة، أو دعاءٍ صريح، أو توجيهٍ نحو موقفٍ موحّدٍ يرفع الضرر عن المظلومين؟ إن المسجد ليس مكانًا لتخدير الشعوب أو تهدئة ضمائرها بكلماتٍ باردة، بل لرفع الهمم، وبعث الوعي، وتحريك المسؤولية.

وذكِّروهم كذلك أن ما يحدث الان في عالمنا ليس معزولًا عن سياقٍ أوسع؛ فكل دولةٍ تحاول أن تتحرر من الهيمنة أو ترفض الإملاءات الخارجية، تجد نفسها في مرمى التقزيم أو الحصار أو التفكيك أو الحرب. هكذا رأينا دولًا أُنهكت بالعقوبات، وأخرى مزّقتها الصراعات، وثالثةً أُغرقت في الفوضى باسم الديمقراطية أو حماية الحقوق. تتبدل الشعارات، لكن النتيجة واحدة: إضعاف كل كيانٍ يطمح إلى استقلال قراره أو امتلاك قوته.

قولوا لهم إن الوعي السياسي ليس خروجًا عن الدين، بل فهمٌ لسنن التاريخ، وإدراكٌ لطبيعة الصراع في عالمٍ لا يرحم الضعفاء. وإن الأمة التي لا تعي ما يُحاك حولها، ولا تستعد بالعلم والعمل والوحدة، تبقى ساحةً مفتوحةً للتجارب والضغوط.

ذكِّروهم أن نصرة المظلوم لا تكون بالشعارات وحدها، بل ببناء قوةٍ أخلاقيةٍ وعلميةٍ واقتصاديةٍ تحمي الأوطان، وتمنع تكرار مآسي الماضي. فالمنبر مسؤول عن صناعة الوعي، وعن غرس روح العزة والكرامة، لا عن بث الخوف أو الاستسلام. هناك يلتقي الإيمان بالمسؤولية، وتتحول الخطبة من كلماتٍ عابرة إلى مشروع وعيٍ يحفظ الأمة من التمزق، ويجعلها يقظةً أمام كل محاولة لإضعافها أو وأدها في مهدها.

قولوا لهم إن الصيام ليس امتلاء الموائد ولا سباق الأطباق، بل امتلاء القلوب رحمةً وعدلًا. وإن العبادة لا تنفصل عن الإصلاح العام، ولا عن مقاومة الفساد، ولا عن توحيد الصفّ.

واذكروا في ختام حديثكم أن توحيد خطبة الجمعة بصيغتها الجامدة، كما تبنته بعض الأقطار، وإن قُدِّم باسم “تسديد التبليغ” كما في المغرب، لا يمكن أن يكون حلًّا دائمًا لمشكلات الوعي. فالخطبة حين تُفرَض نصًّا واحدًا منفصلًا عن واقع الناس، تفقد حرارتها، وتتحول إلى قراءةٍ بلا روح، وكلماتٍ بلا أثر. إن المجتمع متنوّع، وقضاياه متجددة، واحتياجاته تختلف من حيٍّ إلى حيّ، ومن مدينةٍ إلى أخرى. فكيف يُختزل هذا كلّه في نصٍّ واحد لا يتفاعل مع نبض المواطن؟

إن محاربة التنوع والاجتهاد، وكبح زمام العلماء، وتحويل الخطيب إلى مجرّد قارئٍ لمحتوى قد لا يقتنع به، يفرغ المنبر من رسالته، ويجعل الناس تشعر بالغربة عن خطاب المسجد. ومع الزمن، قد يتولد شعورٌ باللاجدوى، أو حتى تمردٌ صامت، لأن الخطاب لا يلامس واقعهم ولا يوقظ هممهم. ولو أُجري تقييمٌ صادقٌ لآثار هذا النهج، لظهرت نتائجه المقلقة على مستوى التفاعل والوعي والثقة. فالمنبر ينبغي أن يبقى حيًّا، نابضًا، مرتبطًا بالواقع، يربي أمةً واعيةً لا موجهة، حرةً في اجتهادها، مسؤولةً في وعيها، قويةً في وحدتها.

ذكِّروهم… ولا تملّوا. فالمنبر أمانة، والكلمة مسؤولية، والمسجد ينبغي أن يكون مشعل يقظةٍ لا أداة تهدئة، وبداية نهضةٍ لا نهاية سؤال.

و ليعلم في الختام كلُّ خطيبٍ أن المنبر أمانة، والكلمة شهادة، والصمت عن الحق موقفٌ يُسأل عنه صاحبه. فمن قصّر في بيان الحق، أو جامل في موضع البيان، أو آثر السلامة على الصدق، فليتذكّر أنه سيقف يومًا بين يدي الله فردًا لا تحميه سلطة ولا يبرره منصب، يُسأل عن علمه ماذا عمل به، وعن كلمته لمن وجّهها ولِمَ كتمها. فطوبى لمن جعل منبره نجاةً له، لا حجةً عليه.



مقالات الكاتب ذات الصلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى