Uncategorized

إيران بين التاريخ والجغرافيا والسياسة: حوار مع د. حسن أحمديان-الجزء الاخير-

د. الحسـن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني 


الملخص

تناول هذا الجزء من الحوار التحولات الكبرى التي شكّلت المجتمع الإيراني وسياسة الجمهورية الإسلامية منذ الحرب العراقية الإيرانية وصولاً إلى المواجهات الإقليمية والملف النووي. فقد تركت حرب السنوات الثماني جروحاً عميقة في الذاكرة الإيرانية، ورسخت قناعة بضرورة الاعتماد على القدرات الذاتية في ظل ما يُوصف بـ«العزلة الاستراتيجية» لإيران. وبعد الحرب، انتقلت البلاد إلى مرحلة إعادة الإعمار والانفتاح النسبي في عهدي هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي، قبل أن تعيد التطورات الإقليمية والسياسات الأمريكية، ولا سيما احتلال أفغانستان والعراق وخطاب «محور الشر»، تغذية انعدام الثقة بالغرب.

ويشرح الحوار تطور الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية من خلال مفهوم «محور المقاومة»، باعتباره، وفق الرؤية الإيرانية التي يعرضها أحمديان، أداةً للموازنة غير المتماثلة في مواجهة التفوق الأمريكي والإسرائيلي. كما يناقش الحضور الإيراني في العراق وسوريا، والجدل الداخلي حول كلفته السياسية والاقتصادية، وتصاعد الانتقادات الشعبية للإنفاق الخارجي.

ويتوقف الحوار عند البرنامج النووي، من تشدد عهد أحمدي نجاد والعقوبات الدولية إلى انتخاب حسن روحاني واتفاق 2015، ثم تداعيات الانسحاب الأمريكي وعودة العقوبات، التي عمّقت الأزمة الاقتصادية وأضعفت الثقة الإيرانية بالغرب. وينتهي إلى أن هذه التطورات عززت توجّه طهران شرقاً نحو الصين وروسيا والتكتلات الآسيوية، مع بقاء باب التفاوض مفتوحاً رسمياً رغم تضاؤل الرهان الإيراني على التقارب مع الغرب.

الكلمات المفتاحية: العزلة الاستراتيجية – محور المقاومة – الملف النووي- Strategic Isolation – Axis of Resistance – Nuclear Program

Abstract

This part of the interview explores the major transformations that have shaped Iranian society and the Islamic Republic’s policies from the Iran–Iraq War to regional confrontations and the nuclear issue. The eight-year war left deep scars on Iran’s collective memory and reinforced a conviction that the country must rely primarily on its own capabilities amid what is described as Iran’s “strategic isolation.” After the war, Iran entered a period of reconstruction and relative openness under Hashemi Rafsanjani and Mohammad Khatami. However, regional developments and U.S. policies—particularly the invasions of Afghanistan and Iraq and the “Axis of Evil” discourse—renewed Iranian distrust of the West.

The interview explains the evolution of Iran’s regional strategy through the concept of the “Axis of Resistance,” presented in Ahmadian’s analysis as an asymmetric balancing mechanism against American and Israeli military superiority. It also examines Iran’s involvement in Iraq and Syria, the domestic debate over its political and economic costs, and growing popular criticism of spending abroad.

The discussion then addresses Iran’s nuclear program, from Ahmadinejad’s confrontational approach and international sanctions to Hassan Rouhani’s election and the 2015 nuclear agreement. The subsequent U.S. withdrawal and renewed sanctions deepened Iran’s economic difficulties and further eroded trust in the West. These developments ultimately strengthened Tehran’s eastward orientation toward China, Russia, and Asian-led organizations, while officially keeping the door open to negotiations despite declining expectations of rapprochement with Western powers.


الأستاذ محمد الزايد:

أريد الآن أن أركز أكثر على الشارع والمجتمع الإيراني. لنأخذ محطة الحرب الإيرانية العراقية. لم تكن حرب سنة أو سنتين، بل امتدت ثماني سنوات. وما يلفتني في حديثك أنها أطفأت خلافاً كان قائماً في الساحة السياسية، لكنها في المقابل جاءت بوفيات وخسائر هائلة. كيف ينظر إليها الشارع الإيراني اليوم؟ وهل تغيّرت النظرة إليها مع مرور الزمن؟ ومن يتحمل، في نظر الناس، مسؤولية الذين قُتلوا واستشهدوا في تلك المرحلة؟

د. حسن أحمديان:

بصورة عامة، ينظر الشارع الإيراني اليوم إلى الحرب الإيرانية العراقية باعتبارها مصيبة كبرى أصابت جميع الإيرانيين، واستنزفت قدرات الدولة اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً، وأخّرت تقدم إيران عقداً كاملاً على الأقل. فطوال ثماني سنوات من الحرب المستمرة، كان الجزء الأكبر من ميزانية الدولة يذهب إلى التجهيز العسكري والجهود الحربية. وكان شباب إيران، بدل أن يتفرغوا للبناء والتنمية، يذهبون إلى الجبهات، إما تطوعاً أو تجنيداً. وقد دُمّرت مدن إيرانية مهمة في غرب البلاد، وبعضها أُخلي تقريباً من السكان، وهو ما ألقى عبئاً كبيراً على مدن أخرى استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين. وهذا بدوره أحدث مشكلات اجتماعية واقتصادية متعددة. كما أن إدارة الاقتصاد كانت إدارة حربية؛ فقد اعتمدت الدولة على نظام التوزيع والبطاقات التموينية. وفي تلك المرحلة، لم تكن الثروة هي التي تحكم. فقد يكون الشخص ثرياً، لكنه إذا لم يكن يملك البطاقة التي توزعها الحكومة، فلن يحصل حتى على كيلوغرام واحد من الأرز. ولهذا كان في تلك المرحلة قدر من المساواة، وهو ما جعل الضغط الاقتصادي والنفسي والاجتماعي لا يتحول إلى نقمة واسعة ضد النظام، لأن الناس كانوا يشعرون بأن الدولة تعامل الجميع باعتبارهم متساوين.

لكن الحرب نفسها، كما قلت، كانت مصيبة كبرى. لقد استنزفت أعظم ما كان لدى إيران من مقدرات، دون أن تأتي بمكاسب حقيقية. ففي نهاية المطاف خرجت إيران من الحرب كما دخلتها تقريباً. ولا نعرف حتى اليوم الرقم الدقيق للضحايا، فهناك أرقام متضاربة؛ بعضها يتحدث عن ثلاثمئة ألف، وبعضها عن نصف مليون من الشباب الإيراني الذين ذهبوا في تلك الحرب. دُمرت مدن، وتراجع الاقتصاد، وترهّل المجتمع.

ولهذا صعدت بعد الحرب حكومة رفعت شعار إعادة الإعمار والتنمية، وكأن الرسالة كانت: انتهت الحرب، وانتهت شعاراتها، وحان وقت بناء ما تهدم. كان المجتمع في نهاية الحرب منهكاً. ويذكر هاشمي رفسنجاني، الذي كان مكلفاً من قبل الإمام الخميني بإدارة الجهود الحربية، أنهم واجهوا مشكلة كبيرة في التعبئة؛ فالشباب تعبوا من الحرب، ولم يعودوا يقبلون على التطوع كما في السابق. كان المجندون يذهبون، أما التطوع فقد بدأ يتراجع بوضوح. وعندما عُرض الأمر على الإمام الخميني، قيل له إن البلاد لم تعد تملك المقدرات للاستمرار، وإن المجتمع تعب، ولا يوجد ما يكفي لتحقيق اختراق عسكري. وكان العراق يتلقى تسليحاً ودعماً دولياً وإقليمياً، ولذلك لم يكن من السهل تغيير مسار الحرب.

كان الرأي المطروح حينها أن استمرار الحرب يجعل إيران تخسر أكثر مما تكسب، ولذلك لا بد من الوصول إلى حل وإنهاء المعركة. وهنا جاء اقتراح رفسنجاني الشهير، كما نعرفه اليوم، إذ قال للإمام الخميني: أُعلن أنا وقف إطلاق النار، وأتفق مع العراقيين، ثم أعود إلى طهران، فتُلقي اللوم عليّ وتُعدمني. أي إنه كان يقترح أن يضحي بنفسه سياسياً، وربما جسدياً، لكي تخرج البلاد من حرب لم يعد لها أفق واضح. لكن الإمام الخميني رفض ذلك، وقال له إن كان الأمر كذلك فسيتحمل هو مسؤولية وقف الحرب. ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة عن تجرّع كأس السم عند قبوله وقف إطلاق النار، دون تحقيق اختراق أو إنجاز عسكري حاسم.

والحقيقة أن إيران خرجت من الحرب وبعض أجزاء صغيرة من أراضيها ما تزال تحت الاحتلال العراقي. ولم ينسحب العراق منها إلا بعد أن غزا الكويت، خوفاً من أن تستغل إيران الموقف وتدخل الحرب لتحرير ما تبقى من أراضيها. لذلك انسحب العراق لاحقاً، واستعادت إيران تلك المناطق من دون حرب. إذن، إذا كان المسؤولون أنفسهم يشعرون بهذا التعب، فهم في النهاية امتداد للمجتمع الذي كان، في أواخر الحرب، يميل إلى القول: إلى متى سنظل نحارب؟ خاصة مع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية المتراكمة. وكل ذلك أدى في النهاية إلى قبول إيران بوقف إطلاق النار.

الأستاذ محمد الزايد:

كيف كانت التعبئة وقتها دكتور؟ طوال الحلقة وأنا أفكر في موضوع التعبئة الدينية مقارنة بالتعبئة القومية الفارسية. هل أخذت الحرب لوناً معيناً؟ وهل أثرت التعبئة الدينية في أفكار المجتمع آنذاك؟

د. حسن أحمديان:

في بداية الحرب، لم تكن الدولة بحاجة إلى جهد كبير لتعبئة الناس؛ فقد شعر الجميع بأن البلاد تتعرض لعدوان خارجي. وأذكر هنا مثالاً مهماً: كان هناك طيارون إيرانيون خدموا في زمن الشاه، وشارك بعضهم في محاولة انقلابية بعد الثورة، وهي محاولة انقلاب نوجه*، التي كانت مدعومة ومخططاً لها أمريكياً، لكنها فشلت. وقد سُجن كثير من هؤلاء الطيارين. وعندما بدأت الحرب، بعث بعضهم برسالة إلى الإمام الخميني قالوا فيها: أخرجونا من السجن، سنقاتل دفاعاً عن إيران، وبعد انتهاء المعركة أعيدونا إلى السجن. هؤلاء لم يكونوا إسلاميين، بل كانوا قوميين، وبعضهم شارك فعلاً في محاولة انقلابية. ومع ذلك أُخرجوا من السجن، وشاركوا في الحرب، واستُشهد كثير منهم، بينما بقي آخرون لاحقاً، وتولوا مناصب قيادية في الجيش الإيراني وفي الحرس الثوري.

* محاولة انقلاب نوجه (1980): هي أول محاولة انقلاب عسكري كبيرة ضد الجمهورية الإسلامية بعد انتصار الثورة عام 1979. سُمّيت بـ”انقلاب نوجه” نسبة إلى قاعدة الشهيد نوجه الجوية قرب مدينة همدان، التي كان من المقرر أن تنطلق منها الطائرات لقصف مقر الإمام الخميني في طهران ومراكز القيادة السياسية والعسكرية، تمهيدًا لإسقاط النظام الجديد. تشير المصادر الإيرانية إلى أن المحاولة كانت تضم ضباطًا من سلاح الجو والجيش الموالين للنظام الملكي السابق، وأنها حظيت بدعم من شخصيات معارضة، فيما اتهمت طهران الولايات المتحدة وأطرافًا إقليمية بالوقوف وراءها. وقد كُشفت الخطة قبل تنفيذها، فأُحبط الانقلاب، واعتُقل المئات من المشاركين، وأُعدم عدد من الضباط بعد محاكمتهم. ويُعدّ هذا الحدث من الأسباب التي عززت شعور القيادة الإيرانية بوجود تهديد دائم لإسقاط النظام، وأسهم في ترسيخ سياسات الحذر الأمني وعدم الثقة بالولايات المتحدة خلال السنوات الأولى للجمهورية الإسلامية.

ولهذا أقول إن التعبئة لم تكن محصورة في قطاع بعينه. غير أن البعد الإسلامي أخذ الطابع الأبرز، بحكم محافظة المجتمع الإيراني، وبحكم نظرته إلى الإمام الخميني بوصفه رمزاً دينياً وسياسياً يدعو إلى التعبئة، ويستجيب له الناس. وهناك أعمال فنية كثيرة تناولت تلك المرحلة، سواء من زاوية الجهود الحربية أو الأبعاد الاجتماعية للحرب. بل توجد أعمال كوميدية إيرانية تناولت موضوع التهرب من التعبئة والخدمة العسكرية، وقدمت الحرب من زوايا مختلفة. وبعد الحرب ظهرت قراءات جديدة كشفت أبعاداً لم تكن واضحة تماماً للمجتمع أثناء الحرب نفسها. لكن ما نعرفه بوضوح أن التعبئة والتطوع للذهاب إلى الجبهات تراجعا كثيراً بعد السنة السادسة والسابعة والثامنة من الحرب، ولم يعد النظام قادراً بسهولة على استقدام أعداد كبيرة من الإيرانيين إلى الجبهات. ثم إن إيران كانت تواجه سلاحاً فتاكاً. فقد استخدم النظام العراقي السلاح الكيماوي ضد القوات الإيرانية، وضد مدن إيرانية أيضاً. ومدينة سردشت، وهي مدينة كردية إيرانية قريبة من الحدود، تعرضت للقصف بالسلاح الكيماوي، وقُتل فيها عدد كبير من المدنيين والعسكريين. ولم يكن لدى إيران حينها ما ترد به على العراق.

وقد قيل في تلك المرحلة إن على إيران أن تمتلك سلاحاً كيماوياً لكي تردع العراق وتمنعه من استخدامه مجدداً، لكن هذا الخيار كان مرفوضاً إلى حد كبير أخلاقياً. صحيح أن بعضهم نظر إليه من زاوية استراتيجية، وقال إن امتلاك الردع ضروري، لكن عندما عُرض الأمر على الإمام الخميني، قال إن ذلك محرّم. وهذا الموقف يرتبط أيضاً بتحريمه للسلاح النووي، وهو موضوع قد نعود إليه لاحقاً. وبصورة عامة، حتى في مجال الصواريخ، فإن الرؤية الشعبية الإيرانية لم تظهر من فراغ. فالعراق كان يستخدم السلاح الكيماوي، وكان مدعوماً بالصواريخ، بينما لم تكن إيران تمتلك صاروخاً واحداً للرد. لقد كانت المدن الإيرانية تُقصف، وطهران وحدها ضُربت أكثر من مئة مرة بصواريخ عراقية، وكانت الصواريخ تستهدف مباني ومناطق مختلفة داخل العاصمة، وتوقع قتلى بين المدنيين. ولم تكن دقيقة بطبيعة الحال. كانت في الغالب صواريخ سكود سوفيتية الصنع.


الحرب الإيرانية العراقية المدمرة التي طالت 2888 يوماً

وقد حاولت إيران، شرقاً وغرباً، أن تحصل على صواريخ، لكنها لم تتمكن من ذلك إلى أن وصلت إلى ليبيا. في ذلك الوقت، منحها معمر القذافي دفعات من صواريخ سكود، وصل عددها تقريباً إلى أربعين صاروخاً، وهي من النوع نفسه الذي كان يستخدمه العراق. لكن القذافي اشترط على إيران أن تستخدم بعض هذه الصواريخ ضد السعودية. فقال الإيرانيون: لماذا السعودية؟ أعطنا الصواريخ، وسنفكر في الأمر. كانوا في حاجة ماسة إلى الصواريخ لإحداث توازن مع العراق: إذا ضرب مدينة إيرانية، تضرب إيران مدينة عراقية. وبالفعل، عندما تسلمت إيران تلك الصواريخ، كانت إذا ضُربت طهران ترد بضرب بغداد، وإذا ضُربت مدينة إيرانية أخرى، ترد بضرب البصرة أو الموصل أو غيرهما. وهكذا تحقق نوع من التوازن. لكن في مرحلة لاحقة علم العراق أن ليبيا هي التي زودت إيران بالصواريخ، فمارس ضغوطاً على ليبيا، فتوقف الدعم الصاروخي.

أما الصاروخان اللذان احتفظت بهما إيران بحجة استخدامهما ضد السعودية، فلم يكن في نية الإيرانيين إطلاقهما على السعودية. كانوا يريدون فقط إبقاء القذافي متحمساً لتقديم المزيد، ولم تكن إيران ترغب في فتح جبهة جديدة، رغم أنها كانت تنظر إلى السعودية آنذاك باعتبارها داعماً للعراق. وقد حدث بالفعل احتكاك أو أكثر بين القوات الجوية الإيرانية والسعودية في منتصف الحرب، لكن إيران لم تكن تريد توسيع دائرة المواجهة.

ومن هذين الصاروخين تحديداً بدأ البرنامج الصاروخي الإيراني. فقد جرى تفكيكهما عبر الهندسة العكسية، وكان ذلك أساساً لبناء البرنامج الصاروخي في نهاية الحرب العراقية الإيرانية. والشهيد حسن طهراني مقدم، الذي اغتالته لاحقاً منظمة مجاهدي خلق في طهران، هو الذي أسس هذا البرنامج، من خلال تفكيك هذين الصاروخين وتطوير الخبرة التقنية حولهما. ومنذ ذلك الحين تطورت الصناعة الصاروخية الإيرانية، إلى أن أصبحت إيران اليوم تمتلك عدداً كبيراً من هذه المنظومات. لذلك، عندما تنظر إلى ما كان متاحاً لإيران، وما كان متاحاً للعراق، وكيف كان العراق يضرب المدن الإيرانية، وكيف كانت إيران عاجزة في البداية عن الرد، تصل كإيراني إلى نتيجة مفادها أن استمرار الحرب لم يكن سيحقق شيئاً حاسماً.

الأستاذ محمد الزايد:

لكن اسمح لي، دكتور، ألم يكن هناك أي داعمين لإيران؟ ذكرنا ليبيا، لكن هل كان هناك طرف آخر يدعم إيران في تلك الحرب؟

د. حسن أحمديان:

العراق كان يتلقى دعماً واسعاً. كان حليفه الرئيسي هو الاتحاد السوفيتي، بحكم أن النظام العراقي كان ذا توجه يساري. كما حصل على دعم أمريكي كبير، ودعم من معظم الدول العربية. حتى الدول الأوروبية كان لها دور. فالسلاح الكيماوي الذي استخدمه العراق، كانت هناك شركات هولندية وألمانية ساهمت في تزويده بمواد أو تقنيات مرتبطة به، مع العلم بأنه كان يُستخدم ضد الإيرانيين. وفي عام 2013 كُشف عن وثائق أمريكية نشرتها مجلة فورين بوليسي، تفيد بأن الولايات المتحدة كانت تزود العراق بإحداثيات مواقع القوات الإيرانية، ليستخدم السلاح الكيماوي ضدها. وهذا يعني أننا نتحدث عن جهد دولي شبه جماعي لدعم العراق في مواجهة إيران.

أما إيران، فقد كان الدعم الذي حصلت عليه محدوداً جداً. الجزء الأهم في إحداث التوازن الصاروخي جاء من ليبيا، بعد أخذ ورد ومحاولات كثيرة، حتى استطاع الإيرانيون الحصول على نحو أربعين صاروخاً. أما سوريا فلم تمنح إيران صواريخ، لكنها درّبت الإيرانيين على استخدام صواريخ سكود التي جاءت من ليبيا. ولذلك، عندما انسحب المهندسون الليبيون دون إطلاق الصواريخ، كان الإيرانيون قادرين على تشغيلها بأنفسهم. وقد أحدث ذلك مفاجأة للعراقيين، لأنهم ظنوا أن انسحاب الليبيين سيجعل إيران عاجزة عن إطلاق الصواريخ، لكنها أطلقت بعضها، رغم أن عددها كان محدوداً، والعراق لم يكن يعرف حجم ما تملكه إيران فعلاً. وكانت كوريا الشمالية من الدول التي قدمت لإيران شيئاً من التقنية الصاروخية، وإن كنا لا نعرف مدى ذلك بدقة، ويبدو أنه كان محدوداً. كما يُقال إن الصين أرسلت شيئاً من السلاح إلى إيران. لكن عموماً، كان العمود الفقري للجهد الحربي الإيراني قائماً على الذخيرة والمعدات التي كانت موجودة قبل الثورة. ومع تراجع هذه المخزونات، بدأ الموقع العسكري الإيراني يتزلزل في مواجهة العراق. كان سماسرة السلاح الإيرانيون يذهبون شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، لكن ما كانوا يعودون به كان قليلاً ومحدوداً. ولذلك كان أحد أسباب قبول إيران وقف إطلاق النار، دون تحقيق مكاسب واضحة، أنها لم تعد تملك الكثير للاستمرار في الحرب.

الأستاذ محمد الزايد:

كنت أريد أن أطرح هذا السؤال لاحقاً، لأنني أريد ربطه أيضاً بما جرى في الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل، وبالمواجهات الأخرى التي تخوضها إيران أو تواجهها. لماذا تجد إيران نفسها دائماً وحيدة؟ أليس هذا سؤالاً يُطرح داخل إيران؟ نحن نتحدث من الحرب العراقية الإيرانية إلى حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل: لماذا لا توجد لايران حلفاء حقيقيون؟

د. حسن أحمديان:

بالتأكيد، هناك تنظير واسع حول هذا الموضوع. يمكن القول إن هناك رؤيتين: رؤية إيجابية ورؤية سلبية لمفهوم عزلة إيران. الرؤية الإيجابية تنطلق من نزعة قومية، أو من تصور قومي، يقول إن إيران حققت فرادتها منذ القدم، بوصفها إمبراطورية كبرى في العالم، وإن على الإيرانيين أن يُظهروا هذا التميز التاريخي. وهذه الرؤية تحمل أحياناً شيئاً من الاستعلاء.

ومن المفكرين الذين تحدثوا عن فرادة الإيرانيين بالمعنى الإيجابي، إسلامي نادوشن، وهو مفكر كبير له إسهامات أدبية وثقافية مهمة. كان يرى أن على الإيرانيين أن يركزوا على هذا الجانب من هويتهم الوطنية من أجل إعادة بناء الدولة وتحقيق التنمية. في المقابل، هناك رؤية أخرى أكثر سلبية، يمثلها مفكرون مثل محيي الدين مصباحي، وهو من الباحثين الكبار المقيمين حالياً في الولايات المتحدة، ويعمل أستاذاً في جامعة فلوريدا. يتحدث مصباحي عن العزلة الاستراتيجية الإيرانية، بمعنى أن خصوصية إيران الوطنية والثقافية تجعلها محاطة ببيئات لا تشبهها تماماً. فإيران تُرى غالباً كدولة فارسية، رغم تعدد اللغات داخلها، ولغتها الرسمية هي الفارسية. كما أن مذهبها الغالب هو التشيع، بينما يحيط بها فضاء سني واسع في الشمال والجنوب. وهي ليست عربية مثل كثير من جيرانها في الجنوب والغرب، وليست تركية مثل بعض جيرانها في الشمال والشمال الغربي.

ومن هنا تأتي عزلة إيران الثقافية واللغوية والمذهبية، التي تتحول بدورها إلى عزلة استراتيجية. فإيران تجد صعوبة في بناء تحالف وثيق ومستقر مع أي من المناطق المحيطة بها؛ لأنها تختلف عنها لغوياً، أو عرقياً، أو مذهبياً، أو دينياً. وهناك خمس مناطق تحيط بإيران، ولا توجد منطقة واحدة ترى نفسها قريبة تماماً من إيران أو جزءاً من فضائها الطبيعي الكامل. فإما أن تختلف معها في اللغة، أو في العرق، أو في الدين والمذهب.

الأستاذ محمد الزايد:

كم جاراً لإيران، دكتور؟

د. حسن أحمديان:

لإيران خمسة عشر جاراً، بين حدود برية وبحرية، وتحيط بها مناطق مختلفة من الشمال إلى الشرق، ومن الجنوب إلى الغرب.

الأستاذ محمد الزايد:

خمسة عشر جاراً؟

د. حسن أحمديان:

نعم، خمسة عشر جاراً. ومع ذلك، فهي معزولة بالمعنى الذي تحدثنا عنه. ولا يعني ذلك أنها معزولة عزلة كاملة؛ فإذا نظرت إلى العراق مثلاً، ستجد أواصر ثقافية مشتركة، وإذا نظرت إلى الكويت أو إلى دول أخرى، ستجد قدراً من القرب. لكن هذا القرب يبقى محدوداً، ولا يتجاوز حيزاً ضيقاً ثقافياً أو لغوياً أو إثنياً. ولهذا، يرى محيي الدين مصباحي أن إيران معزولة بهذا المعنى، وأن هذه العزلة الثقافية تترجم استراتيجياً، بحيث يصعب على إيران بناء تحالفات بسهولة. ومن هنا، وجدت إيران نفسها مضطرة إلى البحث عن عناصر مشتركة تجمعها بدول أو حركات أخرى. ويمكن أن ترى في محور المقاومة تعبيراً عن هذا النهج.

لكن في العمق، تقول هذه الرؤية إن على إيران أن تبني قدراتها الذاتية، وأن تجعل الداخل هو الركيزة الأساسية لسياستها الإقليمية والدولية، لأنها لا تستطيع أن تراهن بسهولة على تحالفات خارجية ثابتة. وهذا ما حدث بالفعل في الحرب الإيرانية العراقية؛ فقد وجدت إيران نفسها معزولة إلى حد كبير، بينما كان العراق مدعوماً من الجميع تقريباً. صحيح أن إيران حصلت على بعض السلاح من دول مختلفة، لكن ذلك لا يقارن بما حصل عليه العراق من دعم.

وفي الحرب الأخيرة أيضاً، أدانت دول كثيرة إسرائيل سياسياً، لكن من حيث السلاح والاستخبارات، كان الدعم الأمريكي والأوروبي، بل وبعض الدعم الإقليمي، حاضراً إلى جانب إسرائيل. أما إيران، فقد تلقت، كما يبدو، بعض أنواع الدعم غير التسليحي، خاصة في المجال الاستخباري، لكنها وجدت نفسها مرة أخرى في وضع قريب مما عاشته أثناء الحرب الإيرانية العراقية: عزلة استراتيجية إلى حد كبير. ولهذا، فإن هذا الموضوع حاضر فعلاً في التنظير السياسي داخل إيران.

الأستاذ محمد الزايد:

سأحاول أن أكون موضوعياً قدر الإمكان في هذا السؤال، وأتمنى أن تبذل ما بوسعك لتكون موضوعياً في الإجابة. إذا عدنا إلى الحرب الإيرانية العراقية، كيف ننظر إليها؟ هل كانت بداية الشرخ بين المجتمع الإيراني والمجتمعات العربية؟ اليوم نسمع من بعض الأوساط الإيرانية أن سبب البعد الموجود بين الإيرانيين والعرب يعود إلى دعم بعض الدول العربية، وخاصة الخليجية، للنظام العراقي. وفي المقابل، ترد بعض المجتمعات العربية بأن السبب يعود إلى خطاب تصدير الثورة وما رافقه. لا أريد أن أخوض كثيراً في السياسة، بقدر ما أريد تحليلك الأكاديمي الموضوعي: هل تعتقد أن تلك الحرب كانت بداية الشرخ، بغض النظر عمّن كان على صواب ومن كان على خطأ؟

د. حسن أحمديان:

في تقديري، كانت هناك عوامل تاريخية أثرت في رؤية كل طرف للآخر، لكن الحرب عمّقت هذا الشرخ بصورة كبيرة. كما قلت، كانت إيران، شعباً وقيادة، تواجه حرباً طويلة. وهذه الحرب لم يكن أثرها ناتجاً فقط عن الطرف الذي هاجمها، بل أيضاً عن الدول التي دعمته، وفي مقدمتها دول مجاورة لإيران. فعندما تنظر إلى الدعم السعودي، أو الكويتي، أو العربي عموماً للعراق، تجد أنه كان دعماً هائلاً، مالياً وعسكرياً وسياسياً. ومن الطبيعي أن تنظر إيران، شعباً وحكومة، إلى ذلك باعتباره عداءً مباشراً، وأن يتشكل في الخطاب الإيراني تصور يقول: هؤلاء لا يريدون لنا الخير. واستمر هذا التصور طوال الثمانينيات. ولذلك رأينا توترات بين إيران والسعودية، كما رأينا دعماً إيرانياً لبعض الحركات في المنطقة ضد أنظمة الحكم، بهدف إحداث حالة إرباك داخل دول كانت تدعم العراق. ومن هنا بدأ قدر من الكراهية ينمو في تلك الفترة بسبب الحرب.

وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن إيران قامت أيضاً بما زاد من المخاوف. فخطاب تصدير الثورة كان له أثر كبير، وإن كنت، بحسب قراءتي، لا أرى أنه تبنّي رسمياً من قيادة النظام على نحو كامل. كانت هناك أطراف داخل إيران تدفع في هذا الاتجاه، لكن جرى إيقافها لاحقاً. على سبيل المثال، كانت هناك مجموعة تُعرف بمجموعة هاشمي، وقد أُعدم قائدها عام 1986، لأنها تحركت خارج صلاحيات الدولة، ويُقال إنها حاولت إرسال سلاح إلى البحرين بقوارب. وقد عوقبت هذه المجموعة لأنها قامت بذلك دون إذن الحكومة أو علمها. ومع ذلك، فإن مجرد خطاب تصدير الثورة كان مخيفاً لدول المنطقة، خاصة الدول التي لم تكن تمتلك قدرات عسكرية وأمنية كبيرة. وكان هذا أحد العوامل التي أدت إلى نشوء مجلس التعاون الخليجي، لتوحيد الجهود في مواجهة إيران آنذاك.

لكن الإيرانيين، بطبيعة الحال، كانوا يرون البعد السلبي القادم من الطرف الآخر أكثر مما كانوا يرون أثر خطابهم هم على الآخرين. وهذا ساعد في صعود الكراهية المتبادلة. ثم جاء احتلال العراق للكويت، فشعر كثير من الإيرانيين أن الدول التي دعمت العراق دفعت الثمن. ومنذ تلك اللحظة بدأت علاقة مختلفة مع الكويت والسعودية وبقية الدول العربية، تختلف عن علاقة الثمانينيات، وإن ظلت تتفاوت في مستوياتها حتى اليوم.

الأستاذ محمد الزايد:

بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، ما الذي كان يشغل إيران في الداخل؟ ما القضايا الكبرى التي طبعت مرحلة التسعينيات وصولاً إلى سقوط نظام صدام في العراق؟

د. حسن أحمديان:

الثمانينيات اتسمت ببعدين أساسيين: البعد الثوري والبعد الحربي. وقد طغى هذان البعدان على السياسة والاقتصاد والثقافة والإنتاج الثقافي والنقاشات المجتمعية، بل وعلى المشكلات التي تراكمت داخل المجتمع الإيراني. لكن مع نهاية الحرب، دخلت إيران مرحلة مختلفة تماماً. أولاً، تغير المرشد. فقد رحل قائد الثورة، الإمام الخميني، وتولى المرشد، آية الله خامنئي، موقع القيادة. وهذا كان تحولاً هائلاً، لأن الشخصية الأولى في النظام الإيراني تغيرت. تغير الخطاب السياسي بصورة شبه كاملة. أصبح الشعار: علينا أن نعيد بناء علاقاتنا مع الجوار والعالم. وهذا كان جوهر خطاب حكومة هاشمي رفسنجاني، وكان في الحقيقة معبراً عن المزاج العام داخل المجتمع الإيراني آنذاك. لقد تعب المجتمع من الحرب ومن الضغط الاقتصادي، وكان يريد أن يفتح صفحة جديدة: لننفتح على العالم، ولنعد بناء بلادنا. هذه كانت العقلية العامة في إيران، وكانت الحكومة تعبّر عنها. ثم جاء احتلال العراق للكويت، ففتح باباً واسعاً أمام علاقات مختلفة بين إيران والدول العربية. فقد بدا واضحاً أن إيران لن تصطف إلى جانب العراق، رغم أن صدام حسين حاول استمالتها وإقناعها بالوقوف معه في مواجهة الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون. بل وقدم لها مقترحات وصفها بالمهمة، تقوم على التعاون وتقاسم المكاسب، فإن إيران نأت بنفسها عن ذلك تماماً. واستثمرت هذا الموقف لإعادة بناء علاقاتها مع الدول العربية، وبالفعل شهدت نهاية التسعينيات تحسناً كبيراً في العلاقات الإيرانية ـ السعودية، تُوِّج بتوقيع اتفاقية أمنية بين البلدين. كما تحسنت العلاقات الإيرانية مع الكويت بصورة ملحوظة، واستعيدت العلاقات مع مصر، وتحسنت كذلك مع الأردن وعدد من الدول العربية الأخرى.

أما على الصعيد الدولي، فقد سعى الرئيس هاشمي رفسنجاني أيضاً إلى تطبيع العلاقات مع المجتمع الدولي، ولا سيما مع الدول الغربية، لأنها كانت الطرف الذي يفرض العقوبات الاقتصادية على إيران. بل إنه قدم أكبر عرض استثماري في تاريخ الجمهورية الإسلامية لشركة كونوكو الأمريكية العاملة في قطاع النفط، بلغت قيمته آنذاك نحو مليار دولار، للاستثمار في جنوب إيران. وكانت الشركة متحمسة بالفعل للدخول إلى السوق الإيرانية. غير أن عضو الكونغرس الأمريكي داماتو تقدم بمشروع قانون يجرّم استثمار أي شركة أمريكية أكثر من 45 مليون دولار في أي قطاع داخل إيران. وما زال هذا التشريع قائماً حتى اليوم، باستثناء فترة قصيرة خلال الاتفاق النووي، إذ جرى تعليق العمل به مؤقتاً، ثم أعيد فرضه لاحقاً. وبذلك أصبح من المستحيل عملياً أن تعمل الشركات الأمريكية في إيران. ومع ذلك، واصلت إيران محاولاتها لبناء علاقات جيدة مع الدول الأوروبية، والصين، وروسيا، والهند، وغيرها من الدول. وقد نجحت في بعض المجالات، ولم تنجح في مجالات أخرى. لكن سياسة إعادة الإعمار أثمرت بالفعل تحسناً في الوضع الاقتصادي، وغيّرت كثيراً من الظروف التي عاشها المجتمع الإيراني خلال الثمانينيات، حين كانت الحرب وما رافقها من ضغوط تهيمن على كل شيء. كما أحدثت هذه المرحلة تحولاً في المنظومة القيمية داخل المجتمع الإيراني. ففي الثمانينيات كانت المساواة هي السمة الغالبة؛ فالسيارات تكاد تكون متشابهة، والثروة لم تكن تحدد مكانة الفرد. سواء كنت غنياً أو فقيراً، كنت تحصل على الدعم الحكومي نفسه، ولم يكن في وسع الثري، مهما بلغت ثروته، أن يقتني أكثر مما يقتنيه الفقير، وإن كانت السوق السوداء تشكل استثناءً محدوداً. أما في التسعينيات، فقد تغيرت القناعات، وتغيرت الصورة التي تحكم المجتمع، وبدأت الثروة لأول مرة تؤثر في المكانة الاجتماعية للفرد.

الأستاذ محمد الزايد:

ما الذي تغير تحديداً؟

د. حسن أحمديان:

الحكومة التي جعلت إعادة الإعمار أولويتها فتحت الباب أمام كثير من المظاهر الجديدة. فدخلت إلى إيران، على سبيل المثال، السيارات الألمانية الفاخرة، وأصبح الشخص الثري يقتنيها، وهو ما منحه مكانة اجتماعية مختلفة. كما استثمرت الدولة بقوة في التعليم العالي، فأنشأت جامعات في معظم المدن الإيرانية، مثل جامعة آزاد، وجامعة بيام نور، إلى جانب الجامعات الحكومية وغيرها. وهذا بدوره غيّر المنظومة القيمية. فأصبح الحصول على شهادة الدكتوراه، مثلاً، يمنح صاحبه مكانة وراتباً أعلى ممن يحمل شهادة الماجستير، حتى وإن كان الأخير أكثر علماً أو كفاءة أو إنتاجاً في البحث والتدريس. وبالتالي أصبحت الشهادة العلمية، هي الأخرى، عاملاً يحدد مكانة الأفراد في المجتمع أكثر مما كان عليه الحال في السابق، وهو أمر ما زال مستمراً، بل ربما بصورة أكبر حتى اليوم. وهكذا تغيّرت المنظومة القيمية نتيجة الانتقال نحو اقتصاد مختلف، أقرب إلى الاقتصاد الرأسمالي الذي تقوده الدولة، ويمكن تشبيهه إلى حد كبير بالنموذج الصيني. فالدولة بقيت تقود الاقتصاد، لكنها دفعت في اتجاه خصخصة القطاع العام. ولو جرت هذه الخصخصة بإيقاع متوازن، ربما كانت النتائج مختلفة، إلا أنها رافقتها إشكالات عديدة، أبرزها الفساد، حيث اتُّهمت شخصيات باستغلال هذه المرحلة للإثراء الشخصي وإثراء عائلاتها والمقربين منها. لكن، على أي حال، فقد تغيّرت إيران بالفعل: تغير الاقتصاد، وقطاع الأعمال، والمنظومة القيمية، وهو ما أدى أيضاً إلى صعود خطاب سياسي مختلف تماماً عن خطاب الثمانينيات. فإذا كانت الحرب قد جمّدت النقاش السياسي، فإن مرحلة إعادة الإعمار فتحت الباب أمام خطاب جديد داخل المجتمع الإيراني. ومن رحم هذا المناخ برزت شخصية تختلف جذرياً، في أفكارها وقناعاتها وأسلوبها، عن شخصيات الثمانينيات، وهي شخصية الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي الذي يتحدث عن حوار الحضارات، ويؤكد أن إيران لا تعادي أحداً، وأنها ليست في خصومة مع الشعب الأمريكي، بل كان يقول: لن نكون أكثر كاثوليكية من الفلسطينيين؛ فإذا قبل الفلسطينيون بحل معين، فسوف نقبل به. كان هذا خطاباً جديداً تماماً على الجمهورية الإسلامية. وقد فاز محمد خاتمي بأغلبية ساحقة، إذ حصل على ما يقارب ضعف الأصوات التي نالها منافسه علي أكبر ناطق نوري، مرشح التيار المحافظ.

الأستاذ محمد الزايد:

وهذا يبدو غريباً، لأننا نتحدث عن شعب كان، قبل سنوات قليلة فقط، ينظر بريبة إلى أي قوة خارجية، وخاصة القوى الغربية، ويرى أن أي تقارب معها يمثل نوعاً من الطعن في الظهر. بل ويمكن تعميم هذا السؤال على مرحلة لاحقة أيضاً، مثل مرحلة الرئيس حسن روحاني عام 2015. كيف انتقل المجتمع الإيراني من حالة تعبئة تعتبر كل ما يأتي من الغرب شراً لإيران، إلى خطاب يقول: لنجلس ونتحاور مع الغرب ومع القوى الخارجية؟ كيف يتعامل الشارع الإيراني مع مثل هذا التحول؟

د. حسن أحمديان:

لفهم هذا التحول، لا بد من التوقف عند بعض التفاصيل المهمة. في بداية الثورة كان هناك خوف حقيقي من وقوع انقلاب أمريكي داخل إيران. وبالفعل، كشفت الأحداث لاحقاً عن انقلاب نوجه، وهو كما ذكرنا سابقا محاولة انقلابية دعمتها الاستخبارات الأمريكية، لكنها فشلت. وكان الهدف منها أن تقوم الطائرات الإيرانية المشاركة في الانقلاب بقصف منزل الإمام الخميني وعدد من قيادات الثورة، بما يؤدي إلى إنهاء النظام الجديد، ويمهد لعودة الشاه، أو على الأقل لوصول شخصية قريبة من الولايات المتحدة تتولى الحكم. ولهذا السبب دخل الطلاب الإيرانيون السفارة الأمريكية في طهران. صحيح أن الساحة الإيرانية في بدايات الثورة كانت تشهد خلافات سياسية داخلية حول شكل النظام الجديد والاتجاه الذي ينبغي أن تسلكه الدولة، لكن قرار قطع العلاقات مع الولايات المتحدة عكس حجم انعدام الثقة المتراكم منذ إسقاط حكومة مصدق وحتى قيام الثورة.

وكان الإيرانيون يرون أن الأشخاص الموجودين داخل السفارة كانوا يخططون لإسقاط الثورة، بل إن الوثائق التي استخرجت من السفارة، ونُشرت لاحقاً، اعتُبرت دليلاً، في نظر الإيرانيين، على وجود مخططات للانقلاب على الثورة واغتيال قادتها. وظل هذا الإرث حاضراً حتى في عهد الرئيس محمد خاتمي. فعندما كان يتحدث عن تطبيع العلاقات مع العالم، لم يكن يقصد العودة إلى التحالف مع الولايات المتحدة أو إقامة علاقة استراتيجية معها. فالتحالف مع الولايات المتحدة ظل مرفوضاً إلى حد كبير داخل إيران، بسبب انعدام الثقة التاريخي. ولعل أفضل ما يعبّر عن هذه النظرة نكتة تداولها الإيرانيون بعد أحداث السادس من يناير 2021، عندما اقتحم أنصار الرئيس ترامب مبنى الكابيتول. فقد كانوا يقولون مازحين: “لو كانت هناك سفارة أمريكية في واشنطن لوقع انقلاب.” ورغم طابعها الساخر، فإن هذه النكتة تعبّر عن المخيال الجماعي الإيراني تجاه الولايات المتحدة، وهو مخيال تشكل عبر تراكمات تاريخية طويلة.

لذلك لم يكن خطاب خاتمي قطيعة مع خطاب الثورة، وإنما كان محاولة لإضافة عناصر جديدة تحدّ من آثار تلك المرحلة على مستقبل التنمية في إيران، مع الاستمرار في النهج الذي بدأه هاشمي رفسنجاني، والقائم على تنمية الاقتصاد الإيراني. ولهذا ركز خاتمي على سياسة تخفيف التوتر مع العالم، أو ما يعرف بسياسة عدم التصعيد. فواصل الانفتاح على المنطقة العربية، حتى وصلت العلاقات مع السعودية إلى توقيع اتفاقية أمنية، كما تحسنت العلاقات مع عدد من الدول العربية الأخرى. وعلى المستوى الدولي، تبنى خطاب حوار الحضارات، حتى إن الأمم المتحدة أعلنت عام 2001 عاماً لحوار الحضارات. وذهب الرئيس خاتمي إلى الأمم المتحدة، وألقى خطاباً دعا فيه إلى أن يتحاور العالم بدلاً من أن يتحارب. وكانت صورة إيران آنذاك تتغير تدريجياً. لكن حدثاً خارجياً قلب المعادلة بالكامل، ولم يكن لا خاتمي ولا الإيرانيون ولا حتى الأمريكيون يتوقعونه، وهو هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

فبعد تلك الهجمات احتلت الولايات المتحدة أفغانستان، ثم العراق خلال أقل من ثلاث سنوات، لتجد إيران نفسها فجأة مجاورة لأقوى قوة عسكرية في العالم، وهي قوة تنظر إليها باعتبارها عدواً. بل إن الإدارة الأمريكية تبنت خطاب محور الشر، ووضعت إيران ضمن هذا المحور، وأصبح عدد من أعضاء الكونغرس يتحدثون عن ضرورة استخدام العراق وأفغانستان كمنصات انطلاق ضد أعداء الولايات المتحدة، وفي مقدمتهم إيران، وكذلك سوريا، التي كانت آنذاك الحليف العربي الأبرز لإيران. وهكذا اصطدمت التغييرات التي كان يسعى إليها خاتمي بواقع جديد، إذ بدت الولايات المتحدة، من وجهة نظر الإيرانيين، غير معنية بالتحولات التي تشهدها إيران، بل استمرت في تقديمها باعتبارها جزءاً من محور الشر.

والمفارقة أن إيران كانت قد تعاونت مع الولايات المتحدة في الملف الأفغاني. فقد قدمت دعماً استخبارياً، وساعدت في التنسيق مع ائتلاف الشمال، الذي كان يقاتل حركة طالبان، لأن طالبان كانت بدورها عدواً لإيران، وكانت قد قتلت دبلوماسيين إيرانيين في القنصلية الإيرانية بمدينة مزار شريف. ولهذا دعمت إيران ائتلاف الشمال، وشجعته على التنسيق مع الولايات المتحدة، بما أدى في النهاية إلى إسقاط نظام طالبان.

الأستاذ محمد الزايد:

برأيك، هل كان خطاب الإدارة الأمريكية في ذلك الوقت مفاجئاً للقيادة الإيرانية؟

د. حسن أحمديان:

بلا شك. أنت تتعاون معهم، وتساعدهم على تحقيق هدف مشترك، لأن إسقاط طالبان كان يخدم أيضاً المصالح الإيرانية، ثم بعد عام واحد فقط تُصنف إيران ضمن محور الشر، إلى جانب العراق وكوريا الشمالية. ولا يوجد في الواقع رابط واضح يجمع هذه الدول الثلاث. ولهذا ظهرت تفسيرات متعددة. فبعضهم قال إن إدراج إيران كان مجرد مصادفة، بينما يرى آخرون أن القائمة كانت تضم دولتين فقط، ثم أضاف الرئيس جورج بوش إيران في اللحظة الأخيرة، لأن الثلاثية بدت أكثر ملاءمة من الناحية الخطابية. وهناك من يرى أن الإدارة الأمريكية كانت مقتنعة أصلاً بأن إيران دولة معادية.

الأستاذ محمد الزايد:

لكن في تلك الفترة، ألم يكن الحديث قد بدأ حول البرنامج النووي الإيراني؟

د. حسن أحمديان:

لا، لم يكن البرنامج النووي مطروحاً آنذاك. في عام 2003 لم يكن الملف النووي الإيراني قد أصبح محوراً للخلاف. فقد بدأ الكشف عنه في ذلك العام، ومن ثم بدأت المفاوضات مع أوروبا، ثم مع الولايات المتحدة لاحقاً، وهي العملية التي انتهت في النهاية إلى الاتفاق النووي. أما قبل ذلك، فلم يكن البرنامج النووي جزءاً من الأزمة. وفي تلك المرحلة، لم تكن إيران تمثل تهديداً عسكرياً حقيقياً للولايات المتحدة أو لحلفائها. فبرنامجها الصاروخي كان لا يزال في بداياته، ولم تكن قد قطعت فيه أشواطاً كبيرة. وكانت إيران قد خرجت للتو من حرب مرهقة، وتحاول استعادة أنفاسها، وإعادة بناء اقتصادها، وتحسين أوضاعها الداخلية، وإقامة علاقات جيدة مع جيرانها ومع العالم. ولهذا لم تكن تشكل، في نظر كثيرين، تهديداً مباشراً. لكن الخطاب الأمريكي أوصل إلى الإيرانيين رسالة مختلفة، مفادها أن لدى واشنطن نوايا عدائية تجاه إيران.

الأستاذ محمد الزايد:

أليس هذا، في النهاية، بمثابة هدية لكل طرف داخل إيران كان يدعو إلى مقاطعة الغرب؟

د. حسن أحمديان:

بالتأكيد. وهذا ما أضعف خطاب الرئيس خاتمي بصورة كبيرة. فإذا تأملنا التاريخ، نجد أن دعاة التقارب مع الغرب داخل إيران كثيراً ما تعرضوا لانتكاسات بسبب السياسات الأمريكية نفسها. لقد تحدثوا عن حوار الحضارات، وسعوا إلى بناء علاقات جديدة، وتعاونوا مع الولايات المتحدة في أفغانستان، ثم جاءت مكافأتهم بإدراج إيران ضمن محور الشر. بل إن إيران، كما تكشف الوثائق المنشورة اليوم، قدمت في تلك الفترة ما عُرف بـالصفقة الكبرى، واقترحت على الولايات المتحدة أن تُناقش جميع القضايا الخلافية دفعة واحدة: القضايا الإقليمية، والملفات الأمنية، والبرنامج النووي، والاقتصاد، والأموال المجمدة، وسائر الملفات العالقة، للوصول إلى تسوية شاملة. لكن الولايات المتحدة لم ترد على هذا المقترح. ويُقال إن ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي آنذاك، غضب عندما وصله الاقتراح، وقال: من يظن الإيرانيون أنفسهم حتى يقدموا لنا مثل هذا العرض؟ وقد اطلعت شخصياً على نص هذا المقترح بعد نشره، ولم أجد فيه شيئاً غير طبيعي. كانت دولة تقول ببساطة: هذه هي ملفات الخلاف، فلنجلس ونتفاوض حولها. لكن الولايات المتحدة، في تلك اللحظة، كانت قد احتلت أفغانستان والعراق، وكانت تشعر بأنها قادرة على إسقاط الأنظمة بالقوة، ولذلك لم تكن ترى حاجة للدخول في مفاوضات شاملة مع إيران.

انتهت مرحلة الرئيس محمد خاتمي، وجاء بعده الرئيس محمود أحمدي نجاد بخطاب مختلف تماماً. كان شعاره في الانتخابات: “نحن نستطيع”، وهو شعار يقوم على التركيز على الداخل، وعدم الرهان على التقارب الدبلوماسي مع الدول الغربية. فمن وجهة نظره، كانت تلك الدول تعادي إيران، وخطاب “محور الشر” خير دليل على ذلك. وكان يسأل: لقد قدمنا لهم مقترحات للحوار، فكيف كانت استجابتهم؟ كل ذلك يؤكد أنهم لم يعودوا يخفون ما كانوا يضمرونه. بل أصبحوا يعلنون صراحة أنهم يريدون استخدام العراق منصةً للانطلاق ضد إيران، ولذلك كان لا بد، في رأيه، من الوقوف في وجههم. وهكذا أصبح هذا الخطاب هو السائد خلال تلك المرحلة. ثم جاء الرئيس حسن روحاني، وعاد مرة أخرى إلى نهج التقارب، وتمكن من التوصل إلى الاتفاق النووي. لكن هذه المحاولة تعرضت بدورها لضربة، لا من الداخل الإيراني، ولا من التيار المعارض للتقارب، وإنما من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي انسحب من الاتفاق.

الأستاذ محمد الزايد:

لكن، اسمح لي دكتور، يبدو أن هذه الحالة تتكرر باستمرار في إيران. يصل رئيس يدعو إلى التقارب، ثم يأتي بعده رئيس يدعو إلى التشدد أو إلى تقليص العلاقات مع الغرب. فهل هي مجرد مصادفة مرتبطة بالمرحلة التي نتحدث عنها، أم أن ذلك يعكس المزاج السياسي الإيراني؟ وهل يمكن القول إن قضية التقارب أو عدم التقارب مع الغرب هي القضية التي تستحوذ على الحيز الأكبر في السياسة الإيرانية؟ فعندما ننظر من الخارج، نصف أحمدي نجاد بأنه رئيس يميل إلى المواجهة، بينما نصف روحاني بأنه رئيس يميل إلى الحوار. فهل هذا الوصف صحيح؟

د. حسن أحمديان:

في هذا الوصف جانب من الحقيقة، لكن هناك عوامل أخرى ينبغي الانتباه إليها. فعادةً ما تُفرز الانتخابات الإيرانية رئيساً يختلف عن سلفه. فالرئيس خاتمي حكم فترتين رئاسيتين، أي ثماني سنوات، وحقق بعض ما وعد به، لكنه لم يحقق كل ما كان يأمله المجتمع. وفي نهاية ولايته ظهرت حالة من التذمر، وخرجت احتجاجات طلابية، بل إن بعض الطلاب الإصلاحيين أنفسهم طالبوه بالاستقالة، كما تعرض لانتقادات من نواب في البرلمان. والأمر نفسه تكرر مع نهاية عهد أحمدي نجاد، حيث جاء بعده حسن روحاني. وكذلك حدث من قبل مع نهاية عهد هاشمي رفسنجاني، حين تصاعدت الاحتجاجات والإضرابات، ثم جاء خاتمي. إذن، هناك تقلبات طبيعية داخل المجتمع الإيراني، وغالباً ما ترتفع وتيرة النقد الشعبي في نهاية الولاية الثانية لأي رئيس، فيميل الناخبون إلى انتخاب شخصية تمثل التيار المقابل.

وهذا جزء من الدينامية الداخلية للمجتمع والسياسة في إيران. لكن هناك جانباً آخر يتعلق بكيفية التعامل مع العالم الخارجي. في الحقيقة، لا يوجد في إيران تيار يدعو إلى القطيعة الكاملة مع العالم. فالجميع متفقون على ضرورة إقامة علاقات إيجابية، أو على الأقل تجنب الصدامات غير الضرورية. إنما يكمن الخلاف في الوسيلة. فخاتمي كان يقول إن الطريق هو الحوار، بينما كان أحمدي نجاد يرى أن الحوار الحقيقي لا يكون إلا من موقع القوة. وكان يقول: إذا امتلكنا عناصر القوة، فسوف يتحاور معنا الآخرون بطريقة مختلفة، وسنتعامل معهم بندية، لا من موقع الضعيف أمام القوي. إذن، الاختلاف كان في المنهج، لا في المبدأ. ولم أسمع، في تقديري، رئيساً إيرانياً يرفض من حيث المبدأ إقامة علاقات مع دولة كبرى، حتى مع الولايات المتحدة.

الأستاذ محمد الزايد:

أريد أن أعود إلى أفغانستان ثم إلى العراق. ذكرت أن إيران تعاونت مع الولايات المتحدة في أفغانستان، لكننا رأينا لاحقاً، خاصة في العراق، موقفاً مختلفاً تجاه الوجود الأمريكي. وأود أن أركز على العراق تحديداً. منذ اللحظة التي علمت فيها إيران أن النظام العراقي سيسقط وأن الوجود الأمريكي سيكون واسعاً، كيف تعاملت مع هذا الواقع؟ وهل يمكن مقارنة الحالة العراقية بالحالة الأفغانية، أم أن لكل منهما خصوصيته؟

د. حسن أحمديان:

هناك فرق مهم بين الحالتين. فأفغانستان جاءت قبل خطاب “محور الشر”. ولذلك كانت إيران تنظر إلى التعاون مع الولايات المتحدة بوصفه فرصة للخروج من حالة العداء وفتح صفحة جديدة، وسارت بالفعل في هذا الاتجاه، لكنه لم يحقق النتائج التي كانت تطمح إليها. أما في عام 2003، فقد كان واضحاً أن الولايات المتحدة ستحتل العراق. وفي ذلك الوقت، لم يكن في الاستراتيجية الإيرانية أي توجه لمواجهة الولايات المتحدة عسكرياً. بل إن إيران كانت تنظر بإيجابية إلى إسقاط نظام البعث، لأنه كان نظاماً معادياً لها، وخاض معها حرباً استمرت ثماني سنوات. لكن سقوط النظام حمل معه نتائج ثقيلة، أهمها الوجود العسكري الأمريكي. ولذلك لم تتعاون إيران مع الولايات المتحدة في العراق إلا في حدود ضيقة جداً، هدفها منع وقوع صدام مباشر. وكانت إيران تنظر إلى الوضع من زاويتين.

الأولى: من سيتولى الحكم بعد سقوط نظام البعث؟ فمعظم قيادات القوى السياسية الشيعية العراقية كانت موجودة في إيران، أو تربطها بها علاقات وثيقة. والثانية: أن إيران لا تستطيع منع الاحتلال الأمريكي، لكنها تستطيع العمل على ألا يستقر هذا الاحتلال. ومن هنا جاءت استراتيجيتها القائمة على دعم حلفائها داخل العراق، بحكم أنهم يمثلون الأغلبية، وفي الوقت نفسه دعم المقاومة العراقية التي كان من الطبيعي أن تنشأ في ظل وجود احتلال أجنبي. والسياسة نفسها اتبعتها في أفغانستان، وإن اختلفت التفاصيل. فالهدف الاستراتيجي في الحالتين كان واحداً: ألا يستقر الوجود الأمريكي، وأن يبقى تحت الضغط، حتى يضطر في النهاية إلى الانسحاب، أو على الأقل يبقى منشغلاً في العراق وأفغانستان، فلا ينتقل إلى ساحات أخرى. ولهذا وجدت إيران حلفاءها بين القوى التي كانت تقاوم الوجود الأمريكي في البلدين. والمفارقة أن إيران والولايات المتحدة كانتا، في الوقت نفسه، تدعمان النظامين الجديدين في العراق وأفغانستان، لكنهما كانتا على طرفي نقيض فيما يتعلق بمستقبل الوجود الأمريكي، وبطبيعة علاقة هذين النظامين بإيران. ومن هنا بدأت التناقضات تظهر بوضوح.

فإيران كانت تعمل على دعم النظام السياسي العراقي، باعتباره نظاماً قريباً منها، لكنها في الوقت نفسه كانت تريد إخراج الولايات المتحدة من العراق. ولهذا فصلت بين الملفين: دعم الدولة العراقية من جهة، والعمل على دفع القوات الأمريكية إلى الانسحاب من جهة أخرى. وفي الحالتين، اعتمدت على القوى العراقية الحليفة لها، وبعض هذه القوى كانت تشارك في العملية السياسية، وفي الوقت نفسه تمتلك أجنحة تقاتل القوات الأمريكية. وكانت هذه القوى تحظى بتأييد إيران ودعمها. وهكذا، ومع الانتقال من أفغانستان إلى العراق، وبعد خطاب “محور الشر” وما رافقه من تصعيد، خلصت إيران إلى أن الظروف لم تنضج بعد لتغيير طبيعة علاقتها مع الولايات المتحدة، لكنها، في الوقت نفسه، لم تكن قد فقدت الأمل بالكامل. ولهذا، كما ذكرت سابقاً، طرحت ما عُرف بـ “الصفقة الكبرى”، وهي مبادرة تهدف إلى معالجة جميع الملفات الخلافية بين البلدين ضمن إطار تفاوضي واحد. لكن إيران لم تتلقَّ أي رد. وفي الوقت نفسه، بدأت السياسة الداخلية الإيرانية تميل تدريجياً نحو التشدد، بالتزامن مع بروز ملف البرنامج النووي الإيراني عام 2003، الذي قُدِّم بوصفه تهديداً، واتُّهمت إيران بالسعي إلى امتلاك سلاح نووي. ومنذ تلك اللحظة أصبح الملف النووي ساحة جديدة للخلاف بين إيران والولايات المتحدة. كل ذلك دفع إيران، شيئاً فشيئاً، إلى تبني نهج سياسي مختلف تماماً عما كان سائداً في عهد الرئيس محمد خاتمي، وهو ما تجسد مع وصول الرئيس محمود أحمدي نجاد إلى السلطة. كان أحمدي نجاد مختلفاً عن خاتمي شكلاً ومضموناً؛ سواء في نظرته إلى الملف النووي، أو في طريقة إدارة الصراع مع الولايات المتحدة في المنطقة، أو في خطابه السياسي، أو في توجهاته في السياسة الخارجية والداخلية. ولم يكن هذا التحول نتيجة شخصية أحمدي نجاد وحدها، وإنما جاء أيضاً نتيجة تغير المزاج داخل المجتمع الإيراني، الذي أوصله إلى الرئاسة، وكذلك نتيجة الخطاب الأمريكي الذي اتخذ منحى أكثر عدائية تجاه إيران. وبالتالي، نشأ واقع سياسي جديد، ربما لم يكن ليظهر بهذه الصورة لو أن العلاقات الإيرانية الأمريكية سارت في اتجاه مختلف. فلو خُففت العقوبات، وتحسن الوضع الاقتصادي، ربما كان المجتمع الإيراني سيواصل انتخاب شخصيات أقرب إلى نهج خاتمي. لكن ذلك النهج، في نظر كثير من الإيرانيين، لم يحقق النتائج المرجوة. فلم يؤدِّ إلى تحسين العلاقات مع الغرب، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، كما لم يحقق المكاسب الاقتصادية التي كان المجتمع ينتظرها، بل على العكس، جاءت عقوبات جديدة مع تصاعد أزمة البرنامج النووي. ولهذا، فإن الملفين كانا مترابطين إلى حد كبير.

الأستاذ محمد الزايد:

إذا انتقلنا إلى العراق، دكتور، وإلى الحضور الإيراني فيه منذ عام 2003 وحتى اليوم، هل خلق ذلك حالة من التذمر داخل الشارع الإيراني، أو حتى خلافاً داخل الأوساط السياسية؟ أقصد أن البعض قد يقول: نحن نعاني أزمات اقتصادية داخلية، فلماذا ننخرط في ملفات خارجية قد تجر علينا مزيداً من المشكلات مع دول الجوار؟ أم كان هناك إجماع داخل إيران على ضرورة استمرار الحضور في العراق؟

د. حسن أحمديان:

إذا كنا نتحدث عن المستوى الشعبي، فالصورة مختلفة. كان هناك، أولاً، ارتياح واسع لسقوط نظام صدام حسين، لأنه كان نظاماً مكروهاً إلى أبعد الحدود لدى الإيرانيين بسبب الحرب وما خلفته، وبسبب خطابه العدائي تجاه إيران. ولهذا استُقبل سقوطه بفرح واضح، حتى إن الحلوى وُزعت في شوارع طهران ومدن أخرى، وفي المساجد والأحياء، احتفالاً بانتهاء حكم البعث. لكن مجيء الولايات المتحدة إلى العراق أثار في المقابل حالة من القلق، سواء داخل المجتمع أو داخل النظام، وإن كان هذا القلق أكبر على مستوى الدولة. فالإيرانيون، بعد تجربة الحرب العراقية الإيرانية، أصبحوا بطبيعتهم يتجنبون أي صدام خارجي، لأنهم عاشوا كلفة الحرب مع العراق، فكيف إذا كان الطرف الآخر هو الولايات المتحدة، القوة العسكرية الأكبر في العالم؟ لذلك كان هناك تخوف حقيقي. ومع ذلك، لم تظهر انتقادات واسعة أو مؤثرة للطريقة التي أدارت بها إيران الملف العراقي.

الأستاذ محمد الزايد:

أي أننا لم نسمع اعتراضات كبيرة؟

د. حسن أحمديان:

على الأقل، لم تكن هناك اعتراضات ذات تأثير أو صدى واسع داخل المجتمع الإيراني. ويبدو أن قطاعاً كبيراً من الإيرانيين كان يتفهم السياسة التي انتهجتها الدولة، والتي كانت تقوم على محاولة إبعاد إيران عن أي مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، سواء من خلال إشغال القوات الأمريكية داخل العراق، أو عبر أي وسيلة تمنع تحول الوجود الأمريكي إلى تهديد مباشر لإيران، بحكم الجوار الجغرافي. ولهذا لم نشهد اعتراضات مؤثرة على هذا النهج. وفي هذا السياق، ينبغي التذكير بأن فيلق القدس أُسس خلال الحرب العراقية الإيرانية، باعتباره جزءاً من الحرس الثوري، وكانت مهمته الأساسية آنذاك منع العراق من مهاجمة إيران، وإشغاله خارج حدودها. لكن بعد سقوط نظام البعث، اتسعت مهامه بصورة كبيرة، لأنه كان الجهة التي تولت عملياً التدريب والتنسيق والتسليح والتواصل مع قوى المعارضة العراقية، التي كانت تربطه بها علاقات وثيقة منذ سنوات. وبعد عام 2003، فتح سقوط النظام العراقي مجالاً أوسع لعمل فيلق القدس في مواجهة الوجود الأمريكي، بالتعاون مع القوى العراقية الحليفة. كما أن الكلفة لم تكن مرتفعة. ولو كانت باهظة، لربما ظهرت انتقادات أكبر داخل إيران. والحقيقة أن الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية تقوم، في الأساس، على مبدأ عدم التماثل. فإيران تدرك أنها لا تمتلك القدرات الاقتصادية والعسكرية التي تمتلكها الولايات المتحدة، ولذلك تحاول موازنة هذه القوة عبر أدوات غير متماثلة، مثل دعم حركات صغيرة أو تقديم دعم محدود لقوى محلية، بحيث تتمكن من استنزاف القوة الكبرى بكلفة منخفضة. والأمريكيون أنفسهم تحدثوا عن إنفاق تريليونات الدولارات في العراق. وأذكر هنا أن وزارة الخارجية الأمريكية، خلال الولاية الأولى للرئيس ترامب، نشرت تقريراً عن السياسة الإقليمية الإيرانية، في عهد وزير الخارجية مايك بومبيو. ولا أستند هنا إلى مصادر إيرانية، بل إلى التقرير الأمريكي نفسه. وقد ذكر التقرير أن إيران أنفقت خلال ثماني سنوات، حتى عام 2018 تقريباً، نحو 16 مليار دولار على مجمل سياستها الإقليمية. ولو قارنا هذا الرقم بما تنفقه بعض دول المنطقة على شراء السلاح، والتي قد تصل مشترياتها السنوية إلى ثلاثين أو أربعين أو خمسين مليار دولار، لوجدنا أن الرقم ليس كبيراً. أما الخارجية الإيرانية، فقد اعتبرت هذه الأرقام مبالغاً فيها، بل إن مسؤولاً إيرانياً قال إن الرقم الحقيقي لا يتجاوز 12 مليار دولار. لكن حتى إذا أخذنا بالأرقام الأمريكية، فإنها تعني أن السياسة الإقليمية الإيرانية، بما فيها مواجهة الوجود الأمريكي في العراق وأفغانستان، ومواجهة إسرائيل، ودعم الحركات الحليفة، كانت، من وجهة النظر الإيرانية، قليلة الكلفة مقارنة بحجم تأثيرها. ولهذا لم تُحدث هذه السياسة حالة تذمر واسعة داخل إيران. صحيح أنه في بعض المراحل، وخاصة خلال احتجاجات اقتصادية، طُرحت شعارات تنتقد الإنفاق الخارجي، وتساءلت: لماذا يُنفق كل هذا المال على حزب الله، أو على غزة، أو على حركة حماس، بينما نحن أولى بهذه الأموال؟

الأستاذ محمد الزايد:

هل تقصد الشعارات المعروفة من قبيل: «لا غزة ولا لبنان…»؟

د. حسن أحمديان:

نعم، الشعار بالفارسية هو: «نه غزه، نه لبنان، جانم فدای ایران»، وترجمته: «لا غزة ولا لبنان… روحي فداء لإيران».

الأستاذ محمد الزايد:

وهل يمكن ربط ظهور هذه الشعارات بفترة زمنية محددة؟

د. حسن أحمديان:

ظهرت هذه الشعارات لأول مرة بشكل واضح خلال احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009، ثم تكررت في احتجاجات لاحقة اندلعت لأسباب مختلفة. كما أن المعارضة الإيرانية في الخارج عملت على تضخيم هذا الخطاب وتوسيعه.

الأستاذ محمد الزايد:

هل يوجد داخل إيران حزب أو تيار سياسي يتبنى هذه الآراء ويتمسك بها مع مرور الزمن؟

د. حسن أحمديان:

أبداً. لا توجد معارضة سياسية داخلية تتبنى هذا الطرح بصورة منظمة. والسبب أن الخلافات داخل إيران، عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية، تتقلص إلى حد كبير.

الأستاذ محمد الزايد:

بمعنى؟

د. حسن أحمديان:

بمعنى أن الأولويات الوطنية المرتبطة بالأمن القومي الإيراني تحظى بإجماع واسع. لا يوجد خلاف كبير حول طبيعة التهديد الذي تمثله الولايات المتحدة لإيران. وقد ذكرنا أمثلة عديدة؛ فكل من حكومتي محمد خاتمي ومحمود أحمدي نجاد، على الرغم من اختلافهما الجذري، تعرضتا للسياسة الأمريكية نفسها. خاتمي تبنى الحوار، ومع ذلك تعرضت إيران في عهده لخطاب “محور الشر”. وروحاني وقّع الاتفاق النووي، ثم انسحبت منه الولايات المتحدة لاحقاً. وبالتالي، فإن السياسة الأمريكية نفسها دفعت كثيراً من التيارات الإيرانية إلى التقارب في تقييمها لمصادر التهديد، وللأولويات المتعلقة بالأمن القومي. أما الخلاف، فهو يدور حول كيفية التعامل مع هذه التهديدات، وليس حول وجودها. ولهذا، فإن فكرة بناء عناصر توازن في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل تحظى، إلى حد كبير، بتوافق داخل النظام، وحتى بين كثير من قوى المعارضة الداخلية، سواء كانت إصلاحية أو محافظة أو غيرها. أما شعار «لا غزة ولا لبنان…» فقد كان تعبيراً عن الشارع، وظهر في احتجاجات عام 2009، ثم استثمرته المعارضة الإيرانية في الخارج بكثافة. وكانت رسالتها تقول للإيرانيين: إن أموالكم تُنفق في الخارج، بينما أنتم أولى بها، وإن الجمهورية الإسلامية منشغلة بدعم أطراف خارجية بدلاً من التركيز على الاقتصاد والتنمية داخل إيران. وقد لاقى هذا الخطاب صدىً لدى بعض فئات المجتمع، لكنه لم يتحول داخل النخبة السياسية إلى مشروع أو برنامج تتبناه الأحزاب والتيارات الرئيسية.

الأستاذ محمد الزايد:

لكن ما يهمني هو الشارع. هل أصبحت هذه الرسائل تلقى قبولاً أكبر مع مرور الوقت، خصوصاً بعد خروج الولايات المتحدة من العراق، وتفاقم العقوبات، وتدهور الوضع الاقتصادي؟ أم أنها بقيت محصورة في نطاق معين؟

د. حسن أحمديان:

نعم، لا شك أن هذا الخطاب أخذ يتصاعد داخل الشارع الإيراني. فكلما اشتدت الأزمة الاقتصادية، ازداد النقد للسياسة الإقليمية والخارجية للجمهورية الإسلامية. واستمر هذا التصاعد حتى اندلاع الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأخيرة، التي كان لها تأثير كبير، سواء على المجتمع الإيراني أو على مؤسسات الدولة.

الأستاذ محمد الزايد:

سأعود إلى هذه الحرب لاحقاً. لكنني الآن فهمت وجهة نظر النظام الإيراني في الملف العراقي. أما الملف السوري، فهو مختلف، لأنه لا توجد فيه حدود مشتركة أو إحساس مباشر بالخطر الجغرافي كما هو الحال في العراق. فكيف نظرت إيران إلى سوريا؟ ولماذا اتخذت قرار التدخل هناك؟

د. حسن أحمديان:

لفهم الموقف الإيراني من سوريا، ينبغي أولاً التمييز بين مفهومين يختلطان كثيراً في النقاشات، وهما: تصدير الثورة ومحور المقاومة. فهذان مفهومان مختلفان تماماً، سواء من حيث الزمن أو من حيث الاستراتيجية. فخطاب تصدير الثورة ارتبط بمرحلة الثمانينيات، وبالتحديد بالنصف الأول منها، ثم تراجع عملياً مع نهاية الحرب العراقية الإيرانية، وصعود حكومة ركزت على إعادة الإعمار وتحسين العلاقات مع دول الجوار. ومع انتهاء الثمانينيات، تراجع هذا الخطاب، كما تراجعت الأولوية التي كان يمثلها. وبصراحة، ومن خلال قراءتي، لا أرى أن النظام الإيراني، حتى في تلك المرحلة، كان يتبنى بصورة واسعة مشروعاً منظماً لتصدير الثورة بالسلاح، وإن كانت هناك بعض الحالات المحدودة والاستثنائية. لكن عام 2003 غيّر المعادلة. فالولايات المتحدة أصبحت على حدود إيران من جهة العراق، وإسرائيل، المدعومة أمريكياً، بقيت تمثل التهديد الآخر. وكانت إيران ترى نفسها أمام قوتين نوويتين: الولايات المتحدة وإسرائيل. إسرائيل تمتلك قدرات عسكرية واستخبارية وتسليحية هائلة، لا تستطيع إيران امتلاك مثلها، لا تصنيعاً ولا استيراداً، بسبب الحظر المفروض عليها.فكيف يمكن موازنة هذا التهديد؟

في سلم التهديدات الإيراني، تأتي الولايات المتحدة أولاً، لأنها ـ من وجهة النظر الإيرانية ـ حاولت إسقاط النظام منذ قيام الثورة، وما زالت تتحدث حتى اليوم عن تغيير النظام. أما إسرائيل، فهي تمثل الامتداد المباشر لهذا التهديد. ولذلك كان على إيران أن تبحث عن وسيلة غير تقليدية لتحقيق التوازن. في ذلك الوقت، لم تكن تمتلك سلاحاً نووياً، ولم تكن صواريخها قادرة حتى على الوصول إلى إسرائيل؛ إذ كانت مداها لا يتجاوز نحو 300 كيلومتر، وكانت الصناعة الصاروخية الإيرانية ما تزال في بداياتها. ومن هنا جاءت فكرة الموازنة غير المتماثلة. أي دعم القوى التي تواجه إسرائيل على الأرض. ولم يكن معيار إيران في ذلك هو الانتماء الأيديولوجي أو المذهبي. فلم يكن يهمها إن كانت الحركة إسلامية أو يسارية، شيعية أو سنية. المعيار كان واحداً: هل تقف في مواجهة إسرائيل؟ وهل تستطيع استنزافها وتحقيق هدف مشترك مع إيران؟ إذا كان الجواب نعم، فإنها كانت تحظى بالدعم الإيراني. ومن هنا بدأ يتبلور مفهوم محور المقاومة، الذي برز بصورة واضحة بعد تلك المرحلة.

فقد أصبحت هذه الأطراف مترابطة من خلال التدريب والتسليح والدعم الإيراني. ورغم أن الموارد المالية الإيرانية كانت محدودة نسبياً، فإنها كانت، من وجهة النظر الإيرانية، ذات أثر كبير في تعزيز قدرة هذه القوى على مواجهة إسرائيل، وبالتالي تحقيق نوع من موازنة التهديد الإسرائيلي. وكانت الرسالة الإيرانية إلى إسرائيل، وإن لم تُقل صراحة، هي: إذا تعرضنا لهجوم، فهناك من سيقف في مواجهتكم إلى جانبنا. وهذا هو مفهوم محور المقاومة في الفهم الاستراتيجي الإيراني. صحيح أن هناك أيضاً أبعاداً أيديولوجية، فبعضهم يرى أن دعم هذه القوى يأتي انطلاقاً من واجب نصرة المستضعفين في مواجهة إسرائيل، لكنني أرى أن البعد الاستراتيجي ظل هو العامل الغالب في السياسة الإيرانية، وإن كان آخرون قد يختلفون مع هذا التقدير. ثم نصل إلى عام 2011، مع اندلاع الانتفاضة السورية في فبراير ومارس من ذلك العام.

الأستاذ محمد الزايد:

اسمح لي أن أقاطعك هنا. ففكرة أن تدعم إيران أي جماعة لأنها تعادي إسرائيل تبدو، من الناحية النظرية، قابلة للتطبيق على أي تنظيم في العالم العربي، لأن الجميع تقريباً يرفع شعار مقاومة إسرائيل. لكن الواقع مختلف. ففي مراحل معينة، كان حزب الله يسبب مشكلات للحكومة اللبنانية أكثر مما كان يسببها لإسرائيل، كما أن أنصار الله في اليمن كانوا في مواجهة مع السعودية أكثر من مواجهتهم لإسرائيل. لذلك يبدو هذا التبرير، بالنسبة للبعض، غير كافٍ، لأن دعم هذه الجماعات يعني عملياً أيضاً الدخول في صراعات مع دول عربية أخرى.

د. حسن أحمديان:

بالتأكيد، هناك من يقدم هذه القراءة، وأنا هنا لا أمارس دور التبرير، وإنما أحاول شرح كيفية النظر إلى الموضوع من داخل إيران. إذا عدنا إلى عام 1982، عندما اجتاحت إسرائيل لبنان، لم يكن حزب الله موجوداً أصلاً. لقد نشأ حزب الله نتيجة لذلك الاجتياح، وكذلك نتيجة الحرب الأهلية اللبنانية. فبعد احتلال جنوب لبنان ووصول القوات الإسرائيلية إلى بيروت، جاءت مجموعة من أبناء الجنوب اللبناني إلى إيران، وطلبت الدعم. وكانت حجتهم واضحة: جميع القوى في لبنان تتلقى دعماً من أطراف مختلفة، وهناك احتلال إسرائيلي، فهل يمكن أن تساعدونا في تنظيم أنفسنا لمقاومته؟ فأرسلت إيران مجموعة محدودة إلى لبنان، ساعدت في التنظيم والتدريب، أما التسليح فقد جاء في مراحل لاحقة. ومن وجهة النظر الإيرانية، لم يكن الهدف الاستراتيجي هو الداخل اللبناني، بل إسرائيل. فالمسيحيون اللبنانيون، أو بقية القوى اللبنانية، لم يكونوا يمثلون قضية أو تهديداً بالنسبة لإيران. القضية الأساسية كانت إسرائيل. ويجب ألا ننسى أن إيران، في تلك الفترة، كانت تخوض حرباً مع العراق. وعندما علم الإمام الخميني بإرسال تلك المجموعة، وهي كانت تضم قيادات مؤثرة في الحرب العراقية الإيرانية، قال عبارته الشهيرة: «طريق القدس يمر عبر كربلاء.» أي أن تحرير القدس يبقى هدفاً، لكن الأولوية الوطنية في تلك اللحظة كانت الدفاع عن إيران في الحرب مع العراق. ولذلك طلب عودة تلك القيادات. وبالفعل عاد معظمهم، بينما اختُطف أربعة من القيادات هناك، ويُعتقد أنهم اعتُقلوا من قبل القوات اللبنانية التابعة للكتائب، ثم سُلِّموا إلى إسرائيل، ولا يزال مصيرهم مجهولاً حتى اليوم. وهذه كانت النواة الأولى لحزب الله. ثم تطور الحزب في السنوات اللاحقة، وأصبح قوة بارزة، خصوصاً بعد تحرير جنوب لبنان عام 2000، ثم بعد حرب عام 2006. ومن وجهة النظر الإيرانية، لم يكن الهدف هو الداخل اللبناني، وإنما موازنة إسرائيل. وقد يرى منتقدو إيران أن هذا مجرد تبرير لسياستها، لكن، بحسب الفهم الإيراني، لم تكن للبنان، في حد ذاته، أهمية استراتيجية مستقلة، باستثناء موقعه في معادلة الصراع مع إسرائيل. فإذا فصلت مشروع حزب الله عن معادلة موازنة إسرائيل، سيبدو الأمر وكأنه مجرد إنفاق للأموال دون مقابل واضح.

أما أنصار الله في اليمن، فهذه قضية مختلفة، ويمكن مناقشتها بصورة مستقلة، لأنها برزت بعد عامي 2014 و2015، وليست جزءاً من المرحلة التي نتحدث عنها. أما حزب الله، فهو أقدم بكثير. وكذلك حركة حماس، التي أعلنت عن نفسها خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، ثم أثبتت فاعليتها بصورة أكبر خلال الانتفاضة الثانية، وخاصة بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005، وهو ما اعتبرته إيران نموذجاً ناجحاً للمقاومة المسلحة، ولذلك انخرطت في دعم الحركة. وهنا لا بد من الإشارة إلى تطور مهم سبق ذلك. فعندما انتهت حرب تحرير الكويت عام 1991، انتهت معها أيضاً المكانة العسكرية التي كان يتمتع بها العراق. فالعراق خرج من حربه مع إيران قوةً عسكرية كبيرة، وكان يسعى إلى لعب دور القيادة في المنطقة العربية، وفرض شروطه على الكويت والسعودية ودول أخرى، بل وحتى على إيران. لكن بعد هزيمته في حرب الكويت، تراجعت هذه القوة بصورة كبيرة. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد إسرائيل تنظر إلى العراق باعتباره عدوها الرئيسي في المنطقة. بل أصبح التركيز يتجه نحو إيران، لأنها كانت الدولة التي تدعم قوى المقاومة في المنطقة. ولهذا، بينما كانت إسرائيل في الثمانينيات تعتبر العراق خصمها الرئيسي أكثر من إيران، تغيرت أولوياتها في التسعينيات، وأصبحت إيران هي الخصم الأساسي. وفي هذا السياق، كانت إيران الدولة الوحيدة تقريباً في المنطقة التي لم تُدعَ إلى مؤتمر مدريد للسلام عام 1991. فقد دُعيت تركيا ومعظم الدول العربية، أما العراق فكان وضعه مختلفاً، لكن إيران أيضاً لم تُدعَ، رغم أنها لم تشارك في حرب تحرير الكويت، ولم تتحالف مع العراق، بل إن بعض الشخصيات الإيرانية كانت تدعو آنذاك إلى التحالف مع العراق ضد الولايات المتحدة، إلا أن الحكومة الإيرانية بقيادة هاشمي رفسنجاني اختارت الوقوف على الحياد. وكانت تتوقع أن تتم دعوتها إلى مؤتمر مدريد، لكن ذلك لم يحدث. وردّاً على ذلك، نظمت إيران مؤتمراً موازياً في طهران تحت عنوان مؤتمر المقاومة الإسلامية. وللمرة الأولى، اجتمعت في طهران قيادات من حركة حماس، وقيادات من حركة الجهاد الإسلامي، والتقت أيضاً بقيادات حزب الله، إلى جانب ممثلين عن معظم الحركات الإسلامية التي كانت تقاوم إسرائيل. وكان هذا المؤتمر نقطة مهمة في تشكل العلاقات التي عُرفت لاحقاً بمحور المقاومة.

فمن وجهة النظر الإيرانية، هناك كيان معادٍ، هو إسرائيل، يحظى بدعم أمريكي كامل، ويسعى إلى استهداف إيران وحلفائها في المنطقة، ولذلك ينبغي إيجاد أدوات توازن وردع في مواجهته. لهذا استمر دعم حزب الله، وتعززت العلاقة مع حركة حماس، وكذلك مع حركة الجهاد الإسلامي، وغيرها من القوى المرتبطة مباشرة بمواجهة إسرائيل. وخلال التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، لم تكن إيران تدعم حركات في مناطق أخرى، باستثناء العراق وأفغانستان بعد الاحتلال الأمريكي. وهكذا انتقلت السياسة الإيرانية من محاولة التطبيع مع الولايات المتحدة إلى التركيز على مواجهة إسرائيل، باعتبارها الامتداد الإقليمي للقوة الأمريكية التي تسعى، من وجهة النظر الإيرانية، إلى عزل إيران وإضعافها، بل وإسقاط نظامها. وبعيداً عن الجدل المتعلق بتبرير هذه السياسة أو نقدها، فإن المفهوم الاستراتيجي للمقاومة بالنسبة لإيران كان يقوم على موازنة التهديد الذي تراه الدولة الإيرانية. وكان فيلق القدس هو الجهة التي تولت، عملياً وهيكلياً، معظم عمليات التدريب والتنسيق والدعم، خاصة في لبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية.

أما بالنسبة إلى سوريا، وإجابة عن سؤالك: لماذا اهتم الإيرانيون بالانتفاضة السورية؟ في الحقيقة، كان الإيرانيون سعداء بما سُمّي بالربيع العربي. ما جرى في تونس كان محل ترحيب، وكذلك في مصر، وكان يُنظر إليه على أنه يصب في مصلحة إيران. وحتى في اليمن، وإن بدرجة أقل، كان يُنظر إليه بإيجابية. بوجه عام، كانت إيران تنظر بإيجابية إلى التحولات التي تجري في الدول القريبة من الولايات المتحدة. لكن الاستثناء كان سوريا. فهناك نظام حليف لإيران، ويمثل خط الإمداد الأساسي لحزب الله، وللمقاومة الفلسطينية، وبالتالي يشكل ركناً أساسياً في معادلة موازنة إسرائيل. وهنا بدأ داخل إيران نقاش طويل وحاد حول كيفية التعامل مع ما يجري في سوريا. فالرئيس آنذاك محمود أحمدي نجاد انتقد الرئيس بشار الأسد، واعتبره رئيساً يقمع شعبه، ولم يكن يرى ضرورة دعمه. كما أن الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني ألقى خطباً قال فيها إن الوقوف إلى جانب نظام يقمع شعبه يجعل إيران شريكة في هذا القمع. وكذلك عبّر مهدي كروبي، وشخصيات أخرى عديدة، عن معارضتهم لدعم النظام السوري. وقد أسمي هذه المجموعة بـ مجموعة الربيع العربي، لأنها كانت ترى أن ما يجري ثورة شعبية ينبغي دعمها، وأن إيران يجب أن تقف مع الشعوب لا مع الأنظمة. في المقابل، ظهرت مجموعة أخرى يمكن تسميتها بـ المجموعة الاستراتيجية. وكان من أبرز رموزها علي لاريجاني، وعلي شمخاني، وقاسم سليماني، الذي كان يتمتع بتأثير كبير في رسم السياسة الإقليمية الإيرانية. وكان هؤلاء يقولون: إذا سقط نظام الأسد، فإن الهدف التالي سيكون حزب الله، ثم المقاومة الفلسطينية. إذن، القضية ليست حباً في بشار الأسد، وإنما خشيةً من النتائج الاستراتيجية المترتبة على سقوطه. وظل هذا الجدل قائماً حتى أغسطس/آب 2011. ثم وقع ما غيّر موازين النقاش داخل إيران. ففي ذلك الشهر أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أن على الأسد أن يرحل، وهو تصريح نعلم اليوم أنه لم يكن مجرد عبارة عابرة. وفي الوقت نفسه سحبت تركيا سفيرها من دمشق، وأعلنت أنها فقدت الأمل في النظام السوري، كما سحبت السعودية وقطر وعدد من الدول العربية سفراءها، ثم جرى تعليق عضوية سوريا في جامعة الدول العربية. وبالتوازي مع ذلك، بدأت التنظيمات المتشددة تظهر على الساحة. ورغم استمرار الجدل داخل إيران، فإن القرار النهائي اتُّخذ داخل المجلس الأعلى للأمن القومي، وهو الجهة التي تحدد السياسات الاستراتيجية للدولة. ويضم هذا المجلس القيادات العسكرية والأمنية والسياسية، إضافة إلى ممثلين عن المرشد، ويرأسه رئيس الجمهورية نيابةً عن المرشد. وبعد أشهر من النقاش، طُرح الموضوع للتصويت. فانقسم المجلس إلى ستة أصوات مقابل ستة. وكان أحد الأعضاء غائباً عن الجلسة. وطلب رئيس البرلمان آنذاك، علي لاريجاني، أن يُدلي بصوته، فانحاز إلى الفريق الاستراتيجي، مؤيداً دعم النظام السوري، انطلاقاً من اعتقاده بأن الحفاظ على خطوط إمداد حزب الله والمقاومة الفلسطينية هو الأولوية. ولا شك أن هذه كانت قضية شائكة أخلاقياً. فالإيرانيون كانوا يدركون أنهم يقفون إلى جانب نظام يواجه انتفاضة شعبية ضد حكم قمعي. لكن مع صعود التنظيمات المتشددة، وما ظهر من مشاهد الذبح والتمثيل بالجثث، تغيّرت صورة الأحداث داخل المجتمع الإيراني. وقد شاع آنذاك في إيران تعبير “تكفير الحراك”، أي تحول الانتفاضة، في نظر كثيرين، إلى حركة تهيمن عليها الجماعات التكفيرية. وهذا غيّر المزاج الشعبي، إذ بدأ كثيرون يقولون: إن هؤلاء أسوأ من النظام نفسه. كما استُثمر هذا التحول إعلامياً داخل إيران لتبرير السياسة الرسمية. وبرأيي، دخلت إيران في معركة كان يمكن تجنبها. فكان بإمكانها أن تفتح حواراً مع المعارضة السورية، وقد بدأ بالفعل نوع من التواصل معها، لكنه توقف سريعاً بعد اتخاذ قرار دعم النظام. وكان من الممكن، في تقديري، التوصل إلى تفاهم مع المعارضة يضمن استمرار خطوط الإمداد إلى حزب الله والمقاومة الفلسطينية، من دون الارتباط الكامل بالنظام السوري. وربما يبدو هذا اليوم وكأنه تبرير أو إعادة قراءة للتاريخ، لكن الواقع أن نظام البعث في سوريا لم يكن، لا من حيث بنيته السياسية، ولا من حيث أيديولوجيته، ولا من حيث أسلوب حكمه، قريباً من النموذج الذي تمثله الجمهورية الإسلامية في إيران. لا في هيكلية الحكم، ولا في الفكر السياسي، ولا حتى في تعامله مع حركات المقاومة، التي كان يستخدمها أحياناً كورقة ضغط. ومع ذلك، رأت أغلبية المجلس الأعلى للأمن القومي، بأغلبية سبعة أصوات مقابل ستة، أن دعم النظام هو الخيار الاستراتيجي الأنسب. ومع تغير المزاج الشعبي نتيجة صعود التنظيمات المتشددة، تراجع أيضاً حجم الاعتراض داخل المجتمع الإيراني على هذه السياسة. لكن سوريا تحولت، في الخطاب الإيراني، إلى ما يشبه “البئر العميق”؛ كلما أُلقيت فيه الأموال والموارد لم يشبع، واستنزف كثيراً من الاستثمارات الإيرانية، من دون عائد واضح، باستثناء الحفاظ على خط الإمداد إلى أن سقط نظام الأسد.

الأستاذ محمد الزايد:

بعد سقوط النظام السوري، وخروج المشاهد من سجن صيدنايا وغيرها، ألا شكّل ذلك حرجاً كبيراً للسلطة الإيرانية أمام شعبها، باعتبار أنها كانت تدعم هذا النظام؟

د. حسن أحمديان:

بالتأكيد. كان الحرج كبيراً. وخرجت أصوات داخل إيران تقول: لم نكن نعلم بحجم هذه الفظائع. وقد يكون في هذا شيء من التبرير، لكن لا شك أن طبيعة النظام السوري كانت، منذ السبعينيات والثمانينيات، ذات طابع قمعي واضح إلى حد بعيد. حتى إن المرشد الأعلى خرج بخطاب تناول فيه هذه التساؤلات، وتحدث عن أسباب دعم إيران للنظام السوري، محاولاً الرد على ما كان يُطرح، سواء من قبل المعارضة أو داخل المجتمع الإيراني. ومن المهم أيضاً الإشارة إلى أن بشار الأسد، في السنوات الأخيرة من حكمه، بدأ يبتعد تدريجياً عن إيران. فالانفتاح العربي عليه، الذي بدأ من الإمارات ثم امتد إلى دول عربية أخرى، وعودته إلى جامعة الدول العربية، وزيارته إلى السعودية، كلها عوامل دفعته إلى محاولة فتح صفحة جديدة مع العالم العربي، ربما أملاً في الحصول على دعم لإعادة الإعمار وغيرها من الاعتبارات. ومن بين حساباته أيضاً أنه، بعد السابع من أكتوبر، رفض السماح باستخدام الأراضي السورية في أي تصعيد، وقال للإيرانيين بوضوح: لن نخوض في هذا المسار. وهذا كان عاملاً مهماً في تغيير النظرة الإيرانية إليه. فمن وجهة النظر الإيرانية، الرجل الذي بقي في الحكم بفضل الدعم الإيراني والروسي، أصبح لاحقاً يمنع إيران من استخدام الساحة السورية. وأعتقد أن هذا كان أحد الأسباب التي جعلت الإيرانيين لا يندفعون بقوة للدفاع عنه عندما بدأت قوات المعارضة تتحرك من الشمال باتجاه دمشق. فالانطباع داخل إيران كان أن الأسد لم يعد يستحق ذلك الحجم من الدعم، بعد ثلاثة عشر أو أربعة عشر عاماً من الوقوف إلى جانبه.

الأستاذ محمد الزايد:

وهل تعتقد أن هذا كان أيضاً سبباً في عدم استقباله في إيران؟

د. حسن أحمديان:

أعتقد أنه لم يكن يرغب أصلاً في الذهاب إلى إيران. كما أن إيران، في تقديري، لم تكن لترحب باستقباله. فالقيادة الإيرانية ما زالت تستحضر تجربتها مع الولايات المتحدة عندما استقبلت الشاه بعد الثورة، إذ اعتقد الإيرانيون آنذاك أن واشنطن كانت تمهد لانقلاب جديد شبيه بانقلاب عام 1953 ضد حكومة مصدق لإعادة الشاه إلى الحكم. ولهذا احتُلت السفارة الأمريكية في طهران، واحتُجز الدبلوماسيون الأمريكيون. وهذه التجربة التاريخية حاضرة في الذهنية الإيرانية. ومن ثم، فإن استقبال بشار الأسد لم يكن ليحقق مصلحة لإيران، وربما كان سيعقّد أي علاقة مستقبلية يمكن أن تُبنى مع سوريا. وفوق ذلك، فإن المعلومات المتوافرة تشير إلى أن الأسد، منذ البداية، اختار التوجه إلى روسيا، ولم يضع إيران ضمن خياراته، وربما كان الإيرانيون مرتاحين لهذا القرار.

الأستاذ محمد الزايد:

دعنا ننتقل إلى محطة عام 2015، أي العودة إلى طاولة المفاوضات في عهد الرئيس حسن روحاني. أود أن أفهم طبيعة النقاش داخل إيران آنذاك. هل كانت هناك وجهتا نظر متعارضتان: واحدة تؤيد التفاوض وأخرى ترفضه؟ خصوصاً إذا استحضرنا ما تحدثنا عنه في بداية الحلقة، من أن الذاكرة الإيرانية تربط الغرب دائماً بالغدر، بسبب أحداث متكررة في تاريخ العلاقة بين الطرفين. كيف كان النقاش عام 2015؟ وكيف استطاع روحاني العودة إلى المفاوضات؟

د. حسن أحمديان:

في الواقع، ينبغي أن نعود قليلاً إلى عام 2003، حين بدأ ملف البرنامج النووي الإيراني. في ذلك العام، وُجهت إلى إيران اتهامات بأنها تدير برنامجاً سرياً يهدف إلى إنتاج سلاح نووي. أما إيران، فكانت تؤكد أن برنامجها سلمي بالكامل، وأنه لا يوجد أي مشروع عسكري، بل إنها أعلنت استعدادها لفتح منشآتها للتفتيش والتفاوض. ومن المثير أن الجهة التي كشفت هذه المعلومات كانت منظمة مجاهدي خلق، وهي من قوى المعارضة الإيرانية في الخارج. ويبدو أنها حصلت على معلومات من داخل إيران، ثم نشرتها، لتلتقطها الولايات المتحدة وإسرائيل والدول الأوروبية، وتتحول إلى وسيلة للضغط على طهران. ومن هنا بدأت المفاوضات بين إيران والدول الأوروبية الثلاث: ألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا. في تلك المرحلة، لم تكن إيران راغبة في التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة. فبعد تجاهل واشنطن لمبادرة “الصفقة الكبرى”، فضلت طهران أن تجعل الأوروبيين قناةً للتفاوض غير المباشر مع الأمريكيين، وكانت تعتقد أن الخلاف بين أوروبا والولايات المتحدة يمكن أن يشكل فرصة لتحقيق تقدم. لكن التجربة أثبتت لاحقاً أن هذا الرهان لم يكن ناجحاً. وخلال العامين الأخيرين من رئاسة محمد خاتمي، أي بين عامي 2003 و2005، وافقت إيران طوعاً على تعليق تخصيب اليورانيوم. وكانت تقول: إن التخصيب حق قانوني لكل دولة، لكننا سنعلقه مؤقتاً حتى تنتهي المفاوضات. في المقابل، كانت الولايات المتحدة تطالب بوقف التخصيب إلى أجل غير مسمى، مع التعهد بتزويد إيران بما تحتاج إليه من الوقود النووي. لكن الإيرانيين لم يثقوا بهذا الطرح. ثم جاء محمود أحمدي نجاد، وقال: لماذا أوقفتم التخصيب؟ إنه حق لنا. ورفع شعاره الشهير: «الطاقة النووية حقٌّ مسلم لنا.» وبمجرد وصوله إلى الرئاسة أعلن استئناف التخصيب، وإنشاء منشآت جديدة، وتسريع تطوير البرنامج النووي، كما رفض أي تفاوض يقوم على وقف التخصيب. وهذا أدخل إيران في مرحلة جديدة من المواجهة مع الغرب. وفي النهاية تشكل إجماع دولي ضد إيران، ونُقل الملف النووي إلى مجلس الأمن الدولي. وبدأت تصدر قرارات تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. صحيح أن القرارات لم تصدر تحت البند الذي يجيز استخدام القوة مباشرة، لكنها كانت ضمن الفصل السابع، وهو ما جعل الوضع شديد الحساسية، لأن الانتقال إلى إجراءات أكثر صرامة كان ممكناً في أي وقت. وخلال نحو ست سنوات، صدرت ستة قرارات من مجلس الأمن ضد إيران. لكن الرئيس أحمدي نجاد كان، إلى حد ما، محظوظاً، لأن أسعار النفط العالمية كانت مرتفعة، وكانت الإيرادات النفطية الإيرانية كبيرة جداً. ولهذا لم يكن يشعر بأن العقوبات تمثل ضغطاً حقيقياً. وكان يقول باستمرار: «ليصدروا ما يشاؤون من قرارات.» وما زال الإيرانيون يتداولون هذه العبارة حتى اليوم. وبالفعل صدرت ستة قرارات، شملت البرنامج النووي، والقطاع العسكري، والقطاعات الاقتصادية والمالية المرتبطة به. ثم جاء حسن روحاني. ومنذ حملته الانتخابية عام 2013 طرح رؤية مختلفة، فقال عبارته الشهيرة: «من الجيد أن تدور عجلة البرنامج النووي، لكن يجب أيضاً أن تدور عجلة الاقتصاد.»

الأستاذ محمد الزايد:

بدأ الاقتصاد الإيراني يشعر بالخناق في تلك المرحلة؟

د. حسن أحمديان:

بالفعل. فالاقتصاد الإيراني بدأ يتأثر تدريجياً بوقع العقوبات، ولم تعد عائدات النفط، التي وفّرت متنفساً واسعاً خلال عهد الرئيس أحمدي نجاد، كافية لتعويض آثارها. ولهذا، في السنوات الأخيرة من رئاسته، بدأ يتصاعد التذمر من السياسات التي أوصلت الملف النووي إلى مجلس الأمن، وأدت إلى صدور قرارات دولية ضد إيران. ومن هنا جاء حسن روحاني بخطاب مختلف. كان يقول إن المشكلة ليست في امتلاك برنامج نووي، وإنما في طريقة إدارة الملف. وكان ينتقد أحمدي نجاد قائلاً إنه لم يُحسن إدارة العلاقات الدولية، فنقل ملف إيران إلى مجلس الأمن، وأدخل البلاد في مواجهة مع المجتمع الدولي. وأضاف أن من الجيد أن تستمر عجلة البرنامج النووي، لكن عجلة الاقتصاد يجب أن تدور أيضاً، لأن المواطن يريد أن يرى تحسناً في مستوى معيشته. وهذا كان جوهر خطابه الانتخابي، وهو ما منحه الفوز في انتخابات عام 2013. وأول ما قام به بعد وصوله إلى الرئاسة هو إطلاق مفاوضات مع مجموعة (5+1)، أي الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، إضافة إلى ألمانيا التي كانت تشارك في المفاوضات منذ عام 2003. وانتهت هذه المفاوضات أولاً إلى اتفاق مرحلي، ثم إلى الاتفاق النووي الشامل عام 2015. جوهر الاتفاق كان بسيطاً: إيران تقدم أعلى درجات الشفافية بشأن برنامجها النووي، وفي المقابل تُرفع عنها العقوبات. لكن هناك نقطة مهمة. روحاني لم يذهب إلى التفاوض وهو مستعد للتخلي عن التخصيب. بل على العكس، كان قد بنى حملته الانتخابية على أن التخصيب حق سيادي لإيران.

الأستاذ محمد الزايد:

ولماذا؟

د. حسن أحمديان:

لأن هذه القضية لم تعد محل خلاف داخل المجتمع الإيراني. أحمدي نجاد، رغم كل الانتقادات الموجهة إليه، نجح في ترسيخ فكرة أن تخصيب اليورانيوم حق قانوني لكل دولة، وأن إيران لن تتنازل عنه. وأصبحت عبارته الشهيرة: «الطاقة النووية حقٌّ مسلم لنا.» شعاراً يتبناه قطاع واسع من المجتمع. بل خرجت مظاهرات تردد هذا الشعار، وتطالب بالحفاظ على حق إيران في التخصيب. ومنذ ذلك الحين أصبح من الصعب على أي سياسي إيراني أن يقترح التخلي عن هذا الحق. ولهذا، عندما جاء باراك أوباما، تغيّر منطق التفاوض. فبدلاً من المطالبة بوقف التخصيب، قال للأطراف الإيرانيين: التخصيب حق لكم، لكن الشفافية حق لنا، إذا كنتم تؤكدون أن برنامجكم ليس عسكرياً. وهذا شكّل أساس الاتفاق النووي. فحصلت إيران على اعتراف بحقها في التخصيب، لكن تحت رقابة كاملة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية. غير أن هذا الاتفاق لم يعش سوى ثلاث سنوات تقريباً. فمع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق، وأعادت فرض عقوبات أحادية كانت أشد قسوة بكثير من العقوبات السابقة. وشملت هذه العقوبات تقريباً كل القطاعات الاقتصادية والمالية والتجارية، إضافة إلى قطاعات مرتبطة بالصناعة والمال وحتى بعض المجالات العسكرية.

الأستاذ محمد الزايد:

دكتور، نحن نسمع كثيراً كلمة “العقوبات”، لكن أود أن نستغل هذه الفرصة لتوضيح معناها. ما المقصود بالعقوبات عملياً؟ والأهم: كيف تنعكس على حياة المواطن الإيراني العادي؟

د. حسن أحمديان: العقوبات مرت بعدة مراحل. المرحلة الأولى بدأت بعد الثورة الإسلامية، وكانت مرتبطة بحقوق الإنسان، حيث اتهمت الولايات المتحدة النظام الإيراني بانتهاكها. والمفارقة أن واشنطن كانت قبل الثورة تدعم نظام الشاه، رغم أن سجله في هذا المجال كان معروفاً. لكن تلك العقوبات الأولى لم تكن ذات أثر اقتصادي حقيقي، ولذلك لم يشعر بها المواطن الإيراني كثيراً. أما العقوبات التي صدرت لاحقاً عن مجلس الأمن، فهي كانت مختلفة تماماً. فهذه عقوبات دولية، وليست أمريكية أو أوروبية فقط، ولذلك تصبح جميع الدول ملزمة باحترامها. في البداية استهدفت القطاعات المرتبطة بالبرنامج النووي والصاروخي، مثل بعض البنوك والشركات التي تمول هذه البرامج. لكن بالنسبة لإيران، لم يكن الهدف من الاتفاق النووي اقتصادياً فقط. بل كان الهدف الأهم أمنياً.

فإيران كانت خاضعة للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو وضع بالغ الخطورة، لأنه يتيح لمجلس الأمن، إذا توفرت الإرادة السياسية، الانتقال إلى إجراءات قد تصل إلى استخدام القوة العسكرية. ولهذا كان روحاني يرى أن إخراج إيران من الفصل السابع يمثل أولوية استراتيجية. وبالفعل، نجحت إيران في ذلك عبر الاتفاق النووي. وهذا يُعد من الحالات النادرة التي خرجت فيها دولة من الفصل السابع دون حرب. فالعراق بقي سنوات طويلة تحت الفصل السابع، وكذلك ليبيا في عهد القذافي، بينما خرجت إيران عبر اتفاق تفاوضي. وبعد الاتفاق، فتحت إيران منشآتها النووية أمام رقابة واسعة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وأغلقت بعض المنشآت، وقلّصت نشاط بعضها الآخر، لكنها أصرت على الإبقاء على التخصيب ولو بمستوى رمزي، باعتباره حقاً سيادياً لا يمكن التنازل عنه. ثم جاء ترامب، وانسحب من الاتفاق. العقوبات الدولية لم تعد، لكن حلت محلها عقوبات أمريكية أحادية، تبعتها إجراءات أوروبية في بعض المجالات. والمفارقة أن هذه العقوبات كانت أشد تأثيراً من العقوبات الأممية.

الأستاذ محمد الزايد:

لكن لو أردت أن تشرحها لي بطريقة بسيطة… كيف أثرت العقوبات على حياتكم اليومية؟ هل اختفت المنتجات من الأسواق مثلاً؟ أريد صورة واقعية، لا شرحاً أكاديمياً.

د. حسن أحمديان:

لا، الصورة ليست كما يتخيلها كثيرون. إذا زرت إيران اليوم، رغم كل العقوبات، ستجد معظم السلع متوافرة. قد تواجه صعوبة في الحصول على بعض الأدوية المتخصصة، أو بعض قطع الغيار الخاصة، لكن الأسواق تعمل بشكل طبيعي. الأثر الحقيقي للعقوبات لا يظهر في اختفاء البضائع، بل في التضخم. فالعقوبات أدت إلى ارتفاع الأسعار، وانخفاض القوة الشرائية للمواطن، وتراجع قيمة العملة الوطنية أمام الدولار. وبالتالي، حتى لو زادت الرواتب سنوياً، فإن هذه الزيادة لا تواكب معدل التضخم. بمعنى آخر، ما كان الموظف يستطيع شراءه براتبه قبل عام، لم يعد قادراً على شرائه اليوم، رغم أن راتبه ارتفع اسماً. وهذا هو التأثير المباشر الذي يشعر به المواطن الإيراني في حياته اليومية.

الأستاذ محمد الزايد:

بمعنى أن أكبر أثر للعقوبات على المجتمع الإيراني كان التضخم؟

د. حسن أحمديان:

بالتأكيد. فالأثر الأكبر تمثل في التضخم وتراجع القوة الشرائية للمواطن. وبشكل تدريجي، أدت العقوبات الأحادية إلى إفقار شرائح واسعة من الإيرانيين. لكن في المقابل، لم يستطع الرئيس دونالد ترامب إعادة الملف الإيراني إلى البعد الأمني الذي كان قائماً قبل الاتفاق النووي. ومن حسن حظ إيران، إذا صح التعبير، أن ترامب انسحب من الاتفاق بدلاً من استخدام ما يُعرف بـ “آلية الزناد” (Snapback Mechanism).

الأستاذ محمد الزايد:

وما المقصود بآلية الزناد؟

د. حسن أحمديان:

هذه الآلية أُدرجت داخل الاتفاق النووي باعتبارها وسيلة لضمان التزام إيران. فإذا رأت أي دولة من الدول المشاركة في الاتفاق أن إيران أخلّت بالتزاماتها، تبدأ أولاً بتقديم شكوى إلى اللجنة المشتركة المشرفة على تنفيذ الاتفاق. وإذا لم تُحل المشكلة، يمكنها تفعيل “آلية الزناد”، التي تعني إعادة جميع العقوبات الأممية تلقائياً، وإعادة إيران إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. لكن الولايات المتحدة لم تسلك هذا الطريق. بل انسحبت من الاتفاق من جانب واحد، وأعلنت أنها لم تعد طرفاً فيه، ثم فرضت عقوبات أمريكية أحادية استمرت حتى عام 2025. وكان من المفترض، وفق نص الاتفاق، أن ينتهي العمل به في أكتوبر 2025، فتُرفع العقوبات نهائياً، بينما تستمر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مراقبة البرنامج النووي الإيراني، باعتباره برنامجاً سلمياً. أي أن إيران كانت ستستمر في تقديم الضمانات للمجتمع الدولي، وفي المقابل تنتهي العقوبات، وتنتهي أيضاً صلاحية “آلية الزناد”، فلا يعود بإمكان أي طرف إعادة العقوبات الأممية. لكن ذلك لم يحدث. فالدول الأوروبية حاولت لاحقاً تفعيل آلية الزناد، بينما رفضت كل من روسيا والصين وإيران ذلك، معتبرة أن الأوروبيين أنفسهم أخلّوا بالتزاماتهم، وبالتالي فقدوا حقهم القانوني في استخدام هذه الآلية. وهذه حالة تكاد تكون فريدة داخل مجلس الأمن. فروسيا والصين تعتبران أن الملف الإيراني لم يعد مطروحاً أمام مجلس الأمن، وبالتالي لا توجد عقوبات أممية سارية على إيران. وهذا الموقف مهم، لأنه يمنع عملياً صدور قرارات جديدة ضد إيران داخل مجلس الأمن، بحكم امتلاك موسكو وبكين حق النقض (الفيتو). كما أنه يتيح لهما مواصلة التعاون الاقتصادي مع إيران. ولهذا شهدنا، بعد انتهاء الاتفاق النووي، ارتفاعاً كبيراً في صادرات النفط الإيراني إلى الصين، واتساعاً في حجم التبادل التجاري بين البلدين. أما روسيا، فرغم انشغالها بحربها الخاصة، فإن علاقاتها الاقتصادية مع إيران استمرت أيضاً.

الأستاذ محمد الزايد:

إذن، هل يمكن القول إن الملف النووي زاد من مستوى انعدام الثقة بين إيران والغرب؟

د. حسن أحمديان:

بلا شك. ففي الرؤية الإيرانية، قدمت طهران تنازلات كبيرة. وافقت على رقابة غير مسبوقة على منشآتها النووية، وقبلت بقيود لم تقبل بها دول أخرى. بل إن حكومة حسن روحاني تعرضت لانتقادات شديدة من خصومها المحافظين بسبب هذه التنازلات. لكن النتيجة، في نظر الإيرانيين، كانت إعادة فرض العقوبات، بل وفرض عقوبات أمريكية وأوروبية أشد من السابق. ولهذا ارتفع مستوى انعدام الثقة بالغرب إلى درجة غير مسبوقة. ومن هنا بدأ يتعزز داخل إيران خطاب “التوجه شرقاً”. ففي العقدين الماضيين، برز في السياسة الخارجية الإيرانية اتجاهان رئيسيان. الاتجاه الأول مثّله الرئيس حسن روحاني، وكان يستلهم التجربة الصينية. فالصين طبّعت علاقاتها مع الولايات المتحدة، ثم ركزت على التنمية الداخلية، وتحولت إلى قوة اقتصادية كبرى. وكان روحاني يطمح إلى أن تسلك إيران المسار نفسه: تخفيف التوتر مع الغرب، والتركيز على الاقتصاد والتنمية، وهو ما كان يتوافق أيضاً مع تطلعات جزء كبير من المجتمع الإيراني. لكن، بعد عودة العقوبات، برز الاتجاه المقابل، وهو التوجه شرقاً.ومفاده أن الغرب أثبت أنه غير موثوق، ولذلك ينبغي تعزيز العلاقات مع الصين وروسيا والهند، والانخراط في تكتلات مثل بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، وهو ما فعلته إيران بالفعل.

الأستاذ محمد الزايد:

وهل تعزز هذا التوجه أكثر بعد حرب السابع من أكتوبر، ثم حرب الأيام الاثني عشر؟

د. حسن أحمديان:

بالتأكيد. فخلال الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل، وبعد أقل من أربعٍ وعشرين ساعة من الرد الإيراني، سارعت مجموعة السبع إلى إدانة إيران، لا إسرائيل. ومن وجهة النظر الإيرانية، لم يكن الغرب مجرد داعم لإسرائيل، بل كان شريكاً فعلياً في الحرب. فالمسؤولون الإيرانيون يتحدثون عن دعم استخباراتي وعسكري ولوجستي واسع قدمته الولايات المتحدة ودول حلف شمال الأطلسي لإسرائيل. بل إن الولايات المتحدة نفسها شاركت مباشرة في توجيه ضربات لإيران. ولذلك لم أشهد، على المستوى الشعبي أو النخبوي، هذا الحجم من انعدام الثقة بالغرب كما هو اليوم.حتى التيارات الإصلاحية، التي كانت تدعو سابقاً إلى الانفتاح على الغرب، لم تعد تطرح هذا الخطاب بالزخم نفسه، بل أصبحت تتعرض لانتقادات واسعة داخل المجتمع. بعد الحرب العراقية الإيرانية كان النقاش حول التقارب مع الغرب قائماً. أما بعد حرب الأيام الاثني عشر، فقد ضاق هذا الهامش كثيراً. ومع ذلك، على المستوى الرسمي، لا تزال إيران تؤكد أنها لا تغلق باب التفاوض. فلا يوجد مسؤول إيراني يقول إن بلاده لن تتفاوض. لكن الفارق أن التفاوض، في الرؤية الإيرانية الحالية، لم يعد يعني الثقة بالغرب، وإنما إدارة الخلاف معه من موقع أكثر حذراً، وفي ظل قناعة أعمق بأن الاعتماد الأساسي يجب أن يكون على القدرات الذاتية، وعلى الشراكات مع الشرق.

انتهي الحوار


مقالات ذات الصلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى