د. احمد عمريرجال ونساء نحو المغيبوجوه لا تغيب

د. أحمد عمري: من البحث الزراعي في المغرب إلى رحاب الدكتوراه بولاية كانساس الامريكية

د. الحسـن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب، خبير و صحفي مهني



في سطور

تضيء الحلقة الرابعة من مسار الدكتور أحمد عمري مرحلة انطلاقه المهنية عقب تخرجه من معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة سنة 1980 والتحاقه بالمعهد الوطني للبحث الزراعي، حيث أُسندت إليه مسؤولية التحسين الوراثي للشعير، ثم التريتيكال. ومن خلال الاستفادة من أعمال الباحثين الذين سبقوه، والعمل ضمن فرق علمية متكاملة، أسهم في تسجيل أصناف جديدة وبناء برنامج وطني للتحسين الوراثي للشعير، مدعومًا بالتعاون مع معهد الحسن الثاني ومركزي «إيكاردا» و«سيميت». كما تولى سنة 1984 مسؤولية المحطة الرئيسية لتحسين الحبوب الخريفية، قبل أن ينتقل سنة 1985 إلى جامعة ولاية كانساس بالولايات المتحدة لمتابعة دراسته العليا. وهناك اتجه بحثه نحو استنباط أصناف من القمح مقاومة لذبابة هِس، وهي آفة كانت تُلحق أضرارًا مهمة بمحاصيل الحبوب في المغرب، ليعود حاملًا سلالات وراثية واعدة أسهمت في تطوير برامج البحث الزراعي الوطنية.

وجوه لا تغيب ـ الحلقة الرابعة

د. أحمد عمري: من البحث الزراعي في المغرب إلى رحاب الدكتوراه بولاية كانساس

الانطلاقة المهنية في المعهد الوطني للبحث الزراعي

تخرّجتُ من معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة في نوفمبر سنة 1980، وبعد شهر واحد فقط من تخرّجي، باشرتُ عملي في المعهد الوطني للبحث الزراعي، بالمحطة الرئيسية لتحسين الحبوب الخريفية. وكانت تلك بداية مرحلة مهنية حاسمة، أتيحت لي خلالها فرصة العمل تحت إشراف الدكتور عبد الله واسو، الذي كان له فضل كبير في دعم الباحثين الشباب وتهيئة الظروف المناسبة لتألقهم. كان الاتجاه السائد آنذاك يقوم، في الغالب، على اشتغال كل باحث داخل مجال تخصصه بصورة منفردة، غير أن الدكتور عبد الله واسو شجّعنا على اعتماد منهج جديد يرتكز على تكوين فرق بحثية متكاملة ومتعددة التخصصات. وهكذا أصبح برنامج تحسين الحبوب يجمع بين التحسين الوراثي والعلوم الزراعية ومكافحة الحشرات ومقاومة الأمراض وغيرها من المجالات المتكاملة. وقد أتاح هذا الأسلوب دراسة المحصول في شموليته، بدل الاقتصار على جانب علمي واحد.

أولى المسؤوليات العلمية في تحسين الشعير والتريتيكال

أُسندت إليّ، في بداية مساري المهني، مسؤولية برنامج التحسين الوراثي للشعير، ثم كُلّفت، بعد نحو سنة، ببرنامج التحسين الوراثي للتريتيكال. وكان أول ما قمت به هو جمع النتائج العلمية والسلالات النباتية التي خلّفها الباحثون الذين سبقوني، ثم تحليلها وتقويمها بعناية، حرصًا على مواصلة العمل من النقطة التي انتهوا إليها، وعدم البدء من الصفر. ومن خلال هذا العمل، أمكن تحديد السلالات الواعدة والعمل على تسجيلها أصنافًا جديدة في السجل الرسمي. ومن بين الأصناف الأولى التي سُجّلت خلال السنوات الممتدة تقريبًا بين 1981 و1983: «أسني» و«تيسة» و«تملالت». وقد مثّلت هذه المرحلة أساسًا ضروريًا لبناء برنامج وطني جديد ومتكامل في مجال التحسين الوراثي للشعير؛ إذ إن أي تقدم علمي حقيقي ينبغي أن يستفيد من النتائج التي حققها الباحثون السابقون وأن يبني عليها.

تعاون علمي يفتح الطريق نحو المراكز الدولية

تطوّر العمل بفضل التعاون مع برنامج التحسين الوراثي في معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، الذي كان يشرف عليه آنذاك باحث أمريكي، إلى جانب المرحوم الدكتور أحمد زهور. ومن خلال هذا التعاون، بدأت العلاقات العلمية تتوطد مع عدد من المراكز الدولية، وفي مقدمتها المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة «إيكاردا»، والمركز الدولي لتحسين الذرة والقمح «سيميت» في المكسيك. وقد مكّنني هذا الانفتاح من الإسهام في إنشاء برنامج متكامل للتحسين الوراثي للشعير في المغرب، أثمر استنباط عدد من الأصناف الجديدة بلغ نحو سبعة عشر صنفًا إلى حدود سنة 1994. وكانت البداية بتسجيل الأصناف الأولى في السجل الرسمي خلال الفترة الممتدة من سنة 1981 إلى سنة 1983، وهي: «أسني» و«تيسا» و«تاملالت». ثم أضيفت إليها، سنة 1984، مجموعة أخرى من الأصناف، من أبرزها: «مسين» و«أوساما» و«تيفا» و«أمالو» و«أدرار». ولم تكن هذه الأصناف مجرد أسماء أضيفت إلى السجل الرسمي، بل كانت حصيلة سنوات من الانتخاب والتجريب والمقارنة، بهدف توفير أصناف أكثر تكيفًا مع الظروف الزراعية والمناخية في المغرب، وأقدر على الاستجابة لحاجات المزارعين ومتطلبات الإنتاج الوطني.

من البحث العلمي إلى رئاسة محطة تحسين الحبوب

في سنة 1984، أُسندت إليّ مسؤولية رئاسة المحطة الرئيسية لتحسين الحبوب الخريفية، بعد انتقال الباحثين الدكتور واسو عبد الله والدكتور جليبن محمد إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمتابعة دراستهما لنيل الدكتوراه. كانت هذه المسؤولية محطة مهمة في مساري؛ إذ انتقلتُ من الاشتغال المباشر في البحث العلمي إلى المساهمة كذلك في تنسيق البرامج ومتابعة أنشطة الفرق البحثية. وخلال الفترة نفسها، شاركت في انتخاب أصناف جديدة من التريتيكال، من بينها صنفا «بيغال» و«برهان» سنة 1984، إلى جانب أصناف أخرى استمر حضورها في الزراعة المغربية لسنوات طويلة.

إلى الولايات المتحدة لمتابعة الدراسة العليا

في يونيو سنة 1985، سنحت لي فرصة السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمتابعة دراستي العليا في مجال التحسين الوراثي بجامعة ولاية كانساس. وأمضيت هناك نحو سنتين وسبعة أشهر، تلقيت خلالها تكوينًا علميًا مكثفًا جمع بين الدروس النظرية والاختبارات الجامعية والعمل المخبري والميداني. كانت العودة إلى مقاعد الدراسة تجربة خاصة بالنسبة إليّ؛ فقد كنت في الثالثة والثلاثين تقريبًا، وأجتاز الامتحانات إلى جانب طلبة أصغر مني سنًا وأكثر اعتيادًا على الأجواء الدراسية. وكان الموقف يبدو طريفًا أحيانًا، لكنه كان محفزًا كذلك؛ إذ كنا نتنافس جميعًا في دراسة موضوعات علمية دقيقة، من بينها علم الوراثة، وعلم الخلية وتطورها، والإحصاء وطرائق تحليل النتائج. لقد تعلمت خلال هذه المرحلة أن الباحث، مهما راكم من الخبرة المهنية، يظل في حاجة مستمرة إلى العودة إلى موقع المتعلم. ولم تكن الدراسة في الولايات المتحدة مجرد تدريب على تطبيق بعض التقنيات، بل كانت تكوينًا أكاديميًا صارمًا أسهم في تطوير أدواتي العلمية وطريقتي في التفكير وتحليل المشكلات البحثية.

ذبابة هِس وتحدي حماية محصول القمح

بعد سنوات من العمل في التحسين الوراثي للشعير، اتجه اهتمامي خلال أبحاث الدكتوراه إلى الإسهام في استنباط أصناف من القمح مقاومة لذبابة هِس. ففي السنوات الأولى من عقد الثمانينيات، تزامنت موجات الجفاف مع تفاقم الأضرار التي كانت تسببها هذه الحشرة لمحصولي القمح والشعير في عدد من المناطق المغربية، وانعكس ذلك بصورة واضحة على المردودية الزراعية. أصبح البحث عن مصادر وراثية للمقاومة ضرورة علمية وزراعية، فساهمت في وضع برنامج متكامل يهدف إلى استنباط أصناف من القمح قادرة على مقاومة هذه الآفة. وقبل عودتي إلى المغرب، أنجزت في الولايات المتحدة مجموعة من التجارب على أعداد كبيرة من السلالات الواعدة، ثم أحضرت معي عددًا منها إلى المغرب. واستُخدمت تلك السلالات لاحقًا مصادرَ وراثية في برامج التحسين، وأسهمت في تطوير أصناف تتميز بقدرة أفضل على مقاومة ذبابة هِس. وقد استمر الاعتماد على بعض هذه المصادر في الأبحاث اللاحقة، مما منح العمل الذي بدأ في تلك المرحلة امتدادًا علميًا تجاوز حدود الدراسة الجامعية، ليصبح جزءًا من الجهود الوطنية الرامية إلى حماية إنتاج القمح.

حين يعود الباحث إلى مقاعد الدراسة

كان للدراسة في الولايات المتحدة أثر عميق في مساري العلمي؛ فقد علمتني أن التكوين المتقدم لا يقتصر على اكتساب التقنيات، بل يقوم أيضًا على فهم أسسها النظرية، والخضوع للتقويم والامتحان، واكتساب أدوات الإحصاء والتحليل، والتدرب على التفكير النقدي والمنهج العلمي. وإذا كانت سنواتي الأولى في المعهد الوطني للبحث الزراعي قد منحتني خبرة العمل الحقلي والتعامل المباشر مع برامج تحسين الحبوب، فإن الدراسة في جامعة ولاية كانساس زودتني بالأدوات العلمية التي مكنتني، بعد العودة إلى المغرب، من الإسهام بفاعلية أكبر في برامج البحث الزراعي، والربط بين حاجات الحقل المغربي وأحدث المناهج المتاحة في مجال التحسين الوراثي.

بصمة المسار

تعلّمتُ من هذه المرحلة أن البحث العلمي لا يبدأ دائمًا من نقطة الصفر، بل يتقدم حين يحفظ الباحث جهود من سبقوه، ويحلل نتائجهم، ثم يبني عليها معرفة جديدة. فمن تسجيل أولى أصناف الشعير والتريتيكال، إلى إنشاء برنامج متكامل للتحسين الوراثي، ثم التخصص في استنباط قمح مقاوم لذبابة هِس، تشكّل مساري من تفاعل ثلاثة عناصر أساسية: العمل الجماعي متعدد التخصصات، والانفتاح على التعاون العلمي الدولي، والاستعداد الدائم للعودة إلى مقاعد التعلم. وهكذا تحولت تجربة بدأت في محطة لتحسين الحبوب بالمغرب إلى مسار بحثي جمع بين خدمة الزراعة الوطنية والاستفادة من التكوين العلمي المتقدم، وأسهم في توفير أصناف وموارد وراثية واصلت حضورها في برامج البحث والإنتاج الزراعي.

د. أحمد عمري
في هذا الفيديو

يستعيد الدكتور أحمد عمري في الحلقة الرابعة بدايات مساره المهني عقب تخرجه من معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة والتحاقه بالمعهد الوطني للبحث الزراعي، حيث أُسندت إليه مسؤولية التحسين الوراثي للشعير، ثم التريتيكال. ويتحدث عن أهمية العمل داخل فرق بحثية متعددة التخصصات، وعن مساهمته في تسجيل أصناف جديدة وبناء برنامج متكامل لتحسين الشعير، مدعومًا بالتعاون مع «إيكاردا» و«سيميت». كما يروي انتقاله سنة 1985 إلى جامعة ولاية كانساس لمتابعة دراسته العليا، واتجاه أبحاثه نحو استنباط أصناف من القمح مقاومة لذبابة هِس، في تجربة جمعت بين خدمة الزراعة المغربية والانفتاح على التكوين والبحث العلميين في الولايات المتحدة.


شاهد الحلقات السابقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى