إيران بين التاريخ والجغرافيا والسياسة: حوار مع د. حسن أحمديان-الجزء الاول-

د. الحسـن اشباني
مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني
الملخص
يشكل هذا الحوار مع الدكتور حسن أحمديان قراءة معمقة لمسار الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من جذورها التاريخية إلى تحدياتها الراهنة. ينطلق الحوار من تفسير تركيبة المجتمع الإيراني بوصفه أمة متعددة القوميات والأديان، استطاعت عبر قرون طويلة بناء هوية وطنية جامعة رغم تنوعها الداخلي.
ويستعرض أسباب قيام الثورة الإسلامية عام 1979، باعتبارها نتيجة تراكم طويل من رفض الاستبداد والتدخلات الأجنبية، ولا سيما الانقلاب على حكومة محمد مصدق عام 1953، وصولاً إلى سقوط نظام الشاه وصعود الإمام الخميني. كما يناقش الصراعات الداخلية التي أعقبت الثورة، ثم تأثير الحرب العراقية الإيرانية في توحيد الداخل الإيراني وترسيخ مفهوم الأمن القومي.
ويتناول الحوار تطور السياسة الخارجية الإيرانية، موضحاً كيف انتقلت من خطاب “تصدير الثورة” إلى مفهوم “محور المقاومة”، الذي يقدمه أحمديان باعتباره استراتيجية ردع تهدف إلى موازنة التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي، أكثر من كونه مشروعاً أيديولوجياً. كما يناقش أسباب الدعم الإيراني لحزب الله وحركات المقاومة الفلسطينية، ثم يفسر قرار طهران بدعم النظام السوري من منظور استراتيجي مرتبط بحماية خطوط الإمداد الإقليمية.
وفي الملف النووي، يعرض الحوار مسار المفاوضات التي انتهت باتفاق 2015، ثم تداعيات انسحاب الولايات المتحدة منه، وما ترتب على ذلك من تراجع الثقة الإيرانية بالغرب وتعاظم التوجه نحو الصين وروسيا والتكتلات الشرقية.
ويختتم الحوار برصد التحولات التي أحدثتها حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل، حيث يرى أحمديان أنها عززت القناعة داخل إيران بأن الغرب كان شريكاً مباشراً في المواجهة، الأمر الذي ضيق مساحة الرهان على التقارب معه، مع استمرار الانفتاح على التفاوض من موقع أكثر حذراً، يقوم على تعزيز القدرات الذاتية والشراكات الشرقية.
Abstract
The interview further analyzes the evolution of Iran’s foreign policy, arguing that it shifted from the rhetoric of “exporting the revolution” to the strategic doctrine of the “Axis of Resistance,” which Dr. Ahmadian describes primarily as a deterrence strategy aimed at balancing American and Israeli military superiority rather than as a purely ideological project. It also discusses Iran’s support for Hezbollah, the Palestinian resistance movements, and later the Syrian government from a strategic perspective centered on preserving regional deterrence and supply lines. Regarding the nuclear issue, the interview reviews the negotiations that led to the 2015 nuclear agreement, the consequences of theU.S. withdrawal, and the resulting decline in Iranian trust toward the West, accompanied by a stronger orientation toward China, Russia, and Eastern alliances.
This interview with Dr. Hassan Ahmadian offers an in-depth analysis of the evolution of the Islamic Republic of Iran, tracing its historical roots and examining its contemporary strategic challenges. It begins by exploring the composition of Iranian society as a multi-ethnic and multi-religious nation that has gradually forged a unified national identity despite its internal diversity. The discussion explains the origins of the 1979 Islamic Revolution as the outcome of decades of opposition to authoritarian rule and foreign intervention, particularly the 1953 coup against Prime Minister Mohammad Mossadegh. It also examines the internal struggles that followed the revolution and highlights the decisive role of the Iran–Iraq War in consolidating domestic unity and shaping Iran’s modern concept of national security.
Finally, it concludes that the recent twelve-day war with Israel has further reinforced the Iranian perception that Western powers were direct participants in the confrontation, thereby reducing confidence in rapprochement with the West while encouraging greater reliance on self-sufficiency and strategic partnerships with Eastern powers.
الكلمات المفتاحية : الأمن القومي الإيراني – محور المقاومة – العلاقات الإيرانية الغربية، Iranian National Security – Axis of Resistance – Iran–West Relations
نص الحوار الكامل
الأستاذ محمد الزايد:
قصة العربية يا دكتور، كيف أتقنتها؟ هذا سؤال يأتيني من الجميع. الكل يُصاب بالدهشة حين أقول لهم إن الدكتور إيراني، ثم يسمعون عربيتك بهذه الطلاقة، ما شاء الله.
د. حسن أحمديان:
في الحقيقة، الإيرانيون ليسوا غرباء عن العربية. أولاً، هناك عرب في إيران، وثانياً هناك كثير من المهتمين بالدراسات الإسلامية التقليدية يتعلمون العربية ويتقنونها. ولدي عدد غير قليل من الأصدقاء أتقنوا العربية قبل أن يتقنوا أي لغة أخرى، كما حدث معي تقريباً. لذلك، ليس غريباً أن يتقن الإيراني اللغة العربية. والنقطة الثانية أن العربية، في النهاية، هي لغة الإسلام. وأعتقد أن كل مسلم يريد أن يقرأ كتابه، ينبغي له أن يتعلم شيئاً من العربية.
الأستاذ محمد الزايد:
لكن هل العربية موجودة عندكم في المناهج الدراسية يا دكتور؟
د. حسن أحمديان:
نعم، بالتأكيد. يبدأ تعليم العربية في إيران قبل تعليم الإنجليزية بسنة أو سنتين. ففي المرحلة المتوسطة تُدرَّس العربية كمادة إلى جانب بقية المواد الدراسية. ومن يكون مهتماً باللغات، أو لديه شغف بتعلمها، يبدأ بالانتباه إلى هذه اللغة، ثم تأتي الإنجليزية بعد ذلك. والناس غالباً يفاضلون بين اللغتين؛ فالأكثر ارتباطاً بالتقليد يتجهون نحو العربية باعتبارها لغة الدين والتراث، بينما يميل الحداثيون غالباً إلى الإنجليزية أو إلى لغات أجنبية أخرى. وعلى كل حال، الحمد لله.
الأستاذ محمد الزايد:
ما شاء الله. كان من الصعب فعلاً على بعض من عرضت عليهم مقاطع لك أن يصدقوا ذلك. أقول لهم: انظروا إلى الدكتور، ثم أقول لهم إنه إيراني. لا أدري، ربما كانت لدينا نحن فكرة مغلوطة، لكن إتقانك للعربية لافت جداً.
د. حسن أحمديان:
هذه شهادة أعتز بها، وشكراً لك.


الأستاذ محمد الزايد:
دكتور حسن، حياك الله في هذه الديوانية. بالأمس كنت تحدثني عن الدواوين، وهذه ديوانية قلبناها إلى استوديو. حياك الله في ديوانيتنا. نحن سنتحدث بشكل موسع عن إيران، لكن دعنا نبدأ من الجغرافيا. هل يمكن تقسيم إيران إلى قوميات معينة؟ إذا أخذتنا من الشمال إلى الجنوب، ما القوميات الموجودة هناك؟ نريد فقط نظرة عامة وسريعة على إيران.
د. حسن أحمديان:
طبعاً. إيران، بطبيعتها التاريخية، كانت دولة تجمع شعوباً مختلفة، لأنها كانت في الأزمنة الغابرة دولة إمبراطورية. ولهذا اجتمعت فيها مكوّنات متعددة. إذا ذهبت مثلاً إلى أصفهان، تجد حياً مسيحياً جورجياً، وحياً مسيحياً أرمينياً، وحياً يهودياً، وحياً زرادشتياً، وحياً سنياً، وأحياء شيعية. وقد ارتبط ذلك بكون أصفهان كانت في مرحلة من المراحل عاصمة لتلك الإمبراطورية. والأمر نفسه يمكن أن تجده في شيراز، وكذلك في طهران، وإن كانت طهران لا تضم أحياء محددة بهذا المعنى، لكنها تضم تجمعات لمجموعات مختلفة.
أما إذا نظرت إلى إيران من زاوية جغرافية، فستجد مناطق متعددة تعيش فيها إثنيات ومذاهب وأديان مختلفة. فقبل الإسلام كانت الديانة الغالبة في إيران هي الزرادشتية، وهي اليوم أقلية موجودة في الغالب في يزد ومناطق من وسط إيران تقريباً، وإن كان بعض أتباعها يعيشون أيضاً في مناطق أخرى خارج الوسط.
الزرادشتية: ديانة فارسية قديمة أسسها النبي زرادشت (زَرَثُشْترا)، ويُرجَّح أن ظهورها كان بين الألفية الثانية والقرن السادس قبل الميلاد. كانت الديانة الرسمية للإمبراطوريات الفارسية، ولا سيما الأخمينية والساسانية، قبل دخول الإسلام إلى إيران في القرن السابع الميلادي. تقوم على الإيمان بإله واحد هو أهورا مزدا، وتؤكد الصراع الأخلاقي بين الخير والشر، وتدعو إلى شعارها الشهير: «الفكر الحسن، القول الحسن، العمل الحسن». ولا تزال الزرادشتية قائمة اليوم، وإن كان أتباعها يشكلون أقلية صغيرة في إيران والهند (البارسيون).
وفي شمال غرب إيران توجد الأقلية الأذرية، وهي أقلية تركية أذرية اللهجة، وتتركز خصوصاً في تبريز، وفي محافظتي أذربيجان الشرقية وأذربيجان الغربية. أما التركمان فيعيشون في الشمال الشرقي من إيران، بالقرب من خراسان. وفي شمال إيران توجد أقلية جيلكية، كما توجد الأقلية المازنية، وهي قريبة من الفارسية لكن بلهجة مختلفة. وهناك أيضاً قومية تُعرف باللور، وتوجد في وسط إيران، وهي قريبة كذلك من الفارسية، غير أن الفارسي لا يفهم لهجتهم بسهولة، ولا يدرك ما يقولونه إلا بصعوبة. وإذا اتجهنا إلى الغرب، نجد الأقلية الكردية في محافظة كردستان، وكذلك في محافظة كرمانشاه، وإلى الشمال من محافظة إيلام. وهذه ثلاث محافظات يقطنها كثير من الكرد. كما توجد أقلية كردية أيضاً في أذربيجان الغربية.
أما في الجنوب، وتحديداً في خوزستان، فتوجد أقلية عربية، إلى جانب مكوّنات من اللور، إذ إن هذه المحافظة تضم قوميات متعددة. وإذا ذهبنا شرقاً، نصل إلى سيستان وبلوشستان، حيث الأغلبية بلوشية. وإلى الشمال من تلك المنطقة، في زابل، توجد الأغلبية السيستانية. إذن نحن أمام فسيفساء داخل المجتمع الإيراني؛ شعوب كانت قائمة في السابق، ثم اجتمعت داخل دولة وطنية أسست ما يمكن أن نسميه الأمة الإيرانية. لذلك عندما نتحدث عن الشعب الإيراني، فهذا تعبير مجازي إلى حد ما؛ فالمجتمع الإيراني في حقيقته عبارة عن عدة شعوب تشكل الأمة الإيرانية، وتلتقي في الانتماء إلى الدولة الوطنية في إيران.

وطبعاً، بحسب الموقع الجغرافي وحجم كل جماعة وكثافتها، يختلف حضورها في السلطة والثروة والمجال الاقتصادي والثقافي. وربما تكون الأغلبية الأكبر هي الفارسية، وهي صاحبة اللغة الرسمية والدارجة في البلاد، ولها بطبيعة الحال الحيز الأوسع في الحكم والاقتصاد وغير ذلك. وبعدها تأتي الأقلية الأذرية، ثم ربما الكردية، فالبلوشية، فالعربية، إلى جانب أقليات أخرى مترابطة داخل الدولة الوطنية. ولهذا، حين أحاول أن أتكلم بدقة عن إيران، لا أستخدم دائماً مصطلح “الشعب الإيراني”، بل أفضل مصطلح “الأمة الإيرانية”، لأنها مجموعة من الشعوب المتداخلة داخل الدولة الإيرانية، وقد اجتمعت تاريخياً حول المركز، بوصفها دولة إمبراطورية سابقاً، ثم دولة وطنية في العصر الحديث.
الأستاذ محمد الزايد:
دكتور، ربما نعود إلى هذه النقطة لاحقاً، لكن دعني أطرح فرضية نسمعها كثيراً عند الحديث عن التاريخ الإيراني. يقال دائماً إن هناك وعاءين يوحدان الإيرانيين: وعاءً دينياً، ووعاءً قومياً. لكن غير الفارسي، وغير المسلم، وغير الاثني عشري، أين يتموضع داخل هذا البناء؟ وكيف يُجمع كل هؤلاء، على اختلاف قومياتهم ومذاهبهم وأديانهم، في إطار وعاء واحد؟
د. حسن أحمديان:
هذا هو ما يمكن وصفه بانصهارهم في إطار الأمة الإيرانية. لكنه لم يحدث خلال عقد أو عقدين، ولا حتى خلال قرن أو قرنين، وإنما هو حصيلة مسار تاريخي امتد لآلاف السنين. خلال هذا التاريخ الطويل، مرت إيران بصراعات وخلافات، كما مرت أيضاً بمراحل من التوافق والتسويات. ومن خلال هذه الصدامات والاتفاقات، جرى توزيع الحيزين السياسي والاقتصادي بين مختلف الأطراف والمناطق، وهو ما قاد تدريجياً إلى اندماج هذه المكونات داخل الوطنية الإيرانية.
واليوم، إذا زرت مناطق مختلفة في إيران، ستسمع لغات متعددة، لكن الجميع يتحدث الفارسية أيضاً، ويتواصل بها مع الآخرين. والجميع ينظر إلى إيران بوصفها الإطار الوطني الذي ينتمي إليه، ويعتبر نفسه جزءاً من الأمة الإيرانية. لذلك، فإن هذا الوعاء الوطني الذي نتحدث عنه لم ينشأ بقرار سياسي أو في مرحلة زمنية محددة، بل هو نتيجة صيرورة تاريخية طويلة امتدت آلاف السنين، وأفضت إلى هذه الحالة من التنوع. وقد شهدت بعض المراحل توترات واختلافات، لكن التعايش الممتد عبر القرون جعل النقاش يدور في الغالب حول كيفية تقاسم السلطة والثروة، وليس حول الانتماء إلى الدولة نفسها.
فعلى سبيل المثال، عندما حكمت السلالة الزندية، وهي سلالة تنتمي إلى المنطقة اللورية في إيران، حظيت تلك المنطقة بنصيب أكبر من السلطة، وانعكس ذلك بطبيعة الحال على توزيع الثروة. وفي مرحلة أخرى، أصبحت أصفهان عاصمة الدولة الصفوية، فتحولت إلى مركز الإمبراطورية، وأصبحت صاحبة الحضور الأبرز من حيث السلطة والثروة، رغم أن السلالة الصفوية نفسها كانت أذرية الأصل. فقد كانت تحكم من أصفهان التي يغلب عليها الطابع الفارسي، في حين بقيت تبريز، في المنطقة الأذرية، عاصمةً لولي العهد، حيث كان ولي العهد يقيم فيها، ثم ينتقل إلى العاصمة، أولاً في أصفهان، ثم لاحقاً في طهران، بعد اعتلائه العرش. وهكذا، فإن عملية توزيع السلطة والثروة، بأشكالها المختلفة، استمرت عبر المراحل التاريخية المتعاقبة، وأسهمت في بناء درجة من الترابط بين مكونات المجتمع الإيراني قد يصعب العثور على نظير لها في كثير من دول العالم.
ورغم اعتزاز كل منطقة بلغتها أو مذهبها أو دينها، فإنها في الوقت نفسه ترى نفسها جزءاً من هذه البنية الكبرى التي تسمى الأمة الإيرانية. أما على مستوى التمثيل السياسي، فإن الأقليات المختلفة ممثلة بدرجات متفاوتة. فالأقلية اليهودية، وهي اليوم ثاني أكبر تجمع يهودي في الشرق الأوسط خارج الكيان الصهيوني، تتمتع بمقعد مخصص لها في البرلمان الإيراني. وقد خُصصت لها هذه الكوتا لأن عدد أفرادها، الذي يناهز خمسة عشر ألف نسمة، لا يسمح لها عادة بالحصول على مقعد عبر الانتخابات العامة، ولذلك مُنحت تمثيلاً يضمن حضورها داخل البرلمان، ويمنحها صوتاً في النظام السياسي، وإن كان متناسباً مع حجمها السكاني. والأمر نفسه ينطبق على الأقلية الزرادشتية، التي تتمتع أيضاً بمقعد مخصص لها باعتبارها أقلية دينية. وكذلك الحال بالنسبة لبقية المناطق، إذ تختار كل منطقة ممثليها، وغالباً ما يحمل النواب هموم مناطقهم وقضاياها إلى البرلمان الإيراني، أو على الأقل هكذا صُمم النظام السياسي، وهكذا يُراد له أن يعمل.
وبالطبع، فإن القوميات الأكبر عدداً تحظى بحضور أوسع في السلطة. ولهذا كان الفرس والأذريون، تاريخياً، الأكثر حضوراً في مؤسسات الحكم، بحكم حجمهم السكاني، لكن ذلك لا يعني أن بقية القوميات أو الأقليات مستبعدة من المشاركة في السلطة داخل إيران.
الأستاذ محمد الزايد:
دكتور، أعتقد أن من أكثر الأمور التي دفعتنا إلى إعداد هذه الحلقة ذلك المشهد الذي تحدثنا عنه سابقاً، والمتعلق بتمثال الملك شابور، إن لم تخنّي الذاكرة، وهو أحد ملوك فارس قبل الإسلام. وقد دار كثير من الحديث حول هذا الموضوع، حتى بيني وبينك، إذ يرى بعضهم أن إبراز هذا الرمز التاريخي يمثل استدعاءً للروح القومية الفارسية التي برزت خلال السنوات الأخيرة.
الأستاذ محمد الزايد:
وقد دار بيني وبينك حديث حول هذا الأمر، إذ يرى بعضهم أن استحضار تمثال الملك شابور يمثل استدعاءً للروح القومية الإيرانية، خاصة بعد حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل. وقد أخذني هذا المشهد إلى تساؤلات أبعد من ذلك. لماذا يجري اليوم استدعاء هذه القومية الإيرانية؟ وهل يعني ذلك وجود ضعف في الهوية الدينية؟ وأود، من خلال وجودك معنا، أن نتعرف على المدارس الفكرية والهويات المختلفة داخل إيران: إلى ماذا تنتمي؟ ومتى يُستدعى خطاب هوية معينة دون غيرها؟ لكن قبل ذلك، يحضرني سؤال يتعلق بالثورة الإيرانية وعهد الشاه. فنحن نعرف، أو على الأقل سمعنا، أن الشاه، خصوصاً في السنوات التي سبقت الثورة، كان يقدم إيران بوصفها دولة ذات توجه غربي. ثم جاءت الثورة، ووصلت إلى السلطة قيادة تحمل أفكاراً مختلفة تماماً، بل متناقضة مع أفكار الشاه. كيف تقبل الشارع الإيراني هذا التحول؟ وكيف انسجم معه؟ وكيف استطاع الإمام الخميني، في ذلك الوقت، أن يجد بيئة تتقبل هذه الأفكار، بعد مرحلة طويلة كان الشاه يصنع فيها بيئة مغايرة تماماً؟
د. حسن أحمديان:
فيما يتعلق بالثورة، ينبغي أن نلاحظ أنها لم تكن حدثاً مفاجئاً، وإنما كانت حصيلة مخاض استمر عقوداً طويلة قبل أن يفضي إلى ثورة عام 1979. وفي الحقيقة، كانت تلك الثورة هي الثانية في التاريخ الإيراني الحديث. أما الأولى، فهي الثورة الدستورية التي اندلعت قبل نحو مئةٍ وعشرين عاماً، عندما طالب الإيرانيون بإقامة برلمان، بعد أن بدأت الأفكار الحديثة تتسرب إلى البلاد. وكانت السلالة القاجارية هي التي تحكم إيران آنذاك، وقد اضطرت تحت ضغط الثورة إلى إنشاء أول برلمان إيراني. غير أن السلطة سرعان ما التفّت على التجربة الديمقراطية الناشئة، سواء من خلال الملك أو الحكومات المتعاقبة، ووقعت صدامات بين الثوريين أنفسهم. ويجب ألا ننسى أن مطالب تلك المرحلة كانت بسيطة إذا ما قورنت بمستوى الوعي السياسي السائد آنذاك، سواء داخل إيران أو في العالم. وفي النهاية، أُجهضت تلك الثورة، وانتقلت البلاد إلى مرحلة أكثر سلطوية مع قيام الدولة البهلوية بقيادة رضا شاه، والد الشاه الذي أُسقط عام 1979.
لقد حكم رضا شاه بقبضة من حديد، وكانت فترة حكمه من أكثر الفترات تشدداً في قمع المعارضة وإسكات أي صوت مخالف. فقد أقام نظاماً سلطوياً متكاملاً، واستهدف حتى الشخصيات الوطنية التي كانت تطالب بالإصلاح ولم تكن تدعو إلى إسقاط الدولة. ومن بين تلك الشخصيات آية الله السيد حسن المدرس، أستاذ الإمام الخميني، إلى جانب شخصيات وطنية أخرى كثيرة. وكانت هناك، في الحقيقة، مجموعة محدودة من النخب تسيطر على البلاد. ومن الجدير بالذكر أن رضا شاه نفسه وصل إلى الحكم عبر انقلاب عسكري. فقد كان قائداً في الجيش الإيراني، وتحرك بقواته نحو طهران، وسيطر عليها، ثم تُوّج ملكاً، لتنتهي بذلك السلالة القاجارية وتبدأ السلالة البهلوية. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية دخلت القوات السوفيتية والبريطانية إلى إيران، وأُسقط حكم رضا شاه لأنه كان يُنظر إليه على أنه قريب من ألمانيا.
الأستاذ محمد الزايد:
أي أنه كان متقارباً مع النظام النازي في ذلك الوقت؟
د. حسن أحمديان:
نعم. وهو أيضاً الذي غيّر اسم البلاد من فارس إلى إيران، انطلاقاً من فكرة الانتساب إلى العرق الآري، وهي مسألة ما تزال محل نقاش تاريخي. فقد كانت بعض الأوساط الفكرية في ألمانيا النازية تروج آنذاك لفكرة وجود امتداد للعرق الآري بين ألمانيا وإيران، وأن قبائل آرية هاجرت إلى إيران وأسهمت في تأسيس الدولة هناك، ومن ثم اعتُبرت إيران امتداداً لذلك الإرث.
الأستاذ محمد الزايد:
أي أنه كان يعتز بالانتماء إلى هذا العرق، ويرى أن الإيرانيين أقرب إلى الألمان؟
د. حسن أحمديان:
نعم، كان يعتز بذلك، خصوصاً أن ألمانيا كانت تمثل آنذاك قمة التطور الصناعي والعلمي. وكان يُنظر إلى المفكرين والمهندسين الألمان بوصفهم من أبرز من أسهموا في بناء الدولة الحديثة، ليس في ألمانيا وحدها، بل في دول أخرى أيضاً. لكن المسألة لم تكن مجرد إعجاب بألمانيا، بل كانت مرتبطة أيضاً بحسابات السياسة الخارجية. فإيران، تاريخياً، كانت تبحث دائماً عن قوة ثالثة توازن النفوذ البريطاني والروسي، وهما القوتان اللتان كانتا الأكثر حضوراً وتأثيراً في الشأن الإيراني. ومن هنا وقع الاختيار على ألمانيا، لأنها كانت القوة الوحيدة القادرة على موازنة بريطانيا وروسيا في ذلك الوقت. وبالمناسبة، فإن الألمان تركوا أثراً كبيراً في إيران. فهم الذين أسسوا جامعة طهران التي أعمل فيها اليوم، وما تزال المباني التي شيدوها قائمة حتى الآن بجودة عالية. كما أنهم أنشؤوا خط السكك الحديدية الذي يربط جنوب إيران بشمالها، ولذلك ما تزال صورتهم إيجابية جداً لدى كثير من الإيرانيين.


الأستاذ محمد الزايد:
إذن كان التقارب مع ألمانيا نابعاً من نظرية «القوة الثالثة»؟
د. حسن أحمديان:
بالضبط. كانت الفكرة تقوم على إيجاد قوة ثالثة توازن النفوذ الروسي والبريطاني، خاصة أن هاتين الدولتين احتلتا إيران مرتين خلال الحربين العالميتين؛ فكانت بريطانيا تدخل من الجنوب، وروسيا من الشمال، ثم جاء الاتحاد السوفيتي لاحقاً من الشمال أيضاً. وكانت الدولة الإيرانية آنذاك ضعيفة، لذلك كان رضا شاه يبحث عن قوة توازن هذا النفوذ. غير أن هذا الخيار اصطدم بمصالح بريطانيا والاتحاد السوفيتي، فاحتلتا إيران للمرة الثانية، وأُطيح برضا شاه، ونُصّب ابنه محمد رضا بهلوي شاهنشاه على إيران.
الأستاذ محمد الزايد:
وفي أي عام حدث ذلك؟
د. حسن أحمديان:
كان ذلك في بدايات الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في عام 1941، أي في السنة الثانية من الحرب. أنا عادةً أحفظ التواريخ بالتقويم الفارسي أكثر من الميلادي.
الأستاذ محمد الزايد (ضاحكاً):
يبدو أن عزيز سيخرج لنا التاريخ الآن، فهو أشطر منا في هذه الأمور.
د. حسن أحمديان:
بعد ذلك تنتقل إيران من مرحلة قمعية إلى مرحلة مختلفة، يمكن وصفها بأنها أكثر ديمقراطية إلى حد كبير. فقد كان الشاه شاباً في بداية حكمه، ولم يكن قد اكتسب بعد خبرة إدارة الدولة، كما أنه لم يكن سلطوياً في سنواته الأولى. بل إن العقد الأول من حكمه يوصف لدى كثير من الإيرانيين بأنه أكثر عقود الملكية الإيرانية ديمقراطية. غير أن نهاية ذلك العقد شهدت صعود الدكتور محمد مصدق إلى رئاسة الوزراء، وكان من أبرز شروطه تأميم صناعة النفط الإيرانية، في مواجهة الهيمنة البريطانية على هذا القطاع. وكان مصدق يحمل أيضاً فكرة “القوة الثالثة”. لكن هذه المرة لم تكن ألمانيا هي القوة المقصودة، فقد كانت قد هُزمت وانتهى دورها بعد سنوات من وصول الشاه إلى الحكم، وإنما أصبحت الولايات المتحدة هي القوة الثالثة التي سعى إلى التقارب معها لموازنة النفوذ البريطاني والروسي. لكن المفارقة أن هذه القوة الثالثة نفسها هي التي أطاحت بمصدق.
الأستاذ محمد الزايد:
ولا شك أن ملف تأميم النفط أكسبه تأييداً شعبياً واسعاً.
د. حسن أحمديان:
بالتأكيد. فقد كان مصدق شخصية تحظى بشعبية كبيرة، لأنه كان يُنظر إليه بوصفه زعيماً قومياً يسعى إلى تحقيق مصالح إيران واستقلالها، وهو ما كان مطلباً شعبياً في ذلك الوقت. كما أنه وصل إلى رئاسة الوزراء بطريقة ديمقراطية. ومع ذلك، أُطيح به عبر انقلاب عسكري مشترك نفذته الولايات المتحدة وبريطانيا. ومنذ تلك اللحظة بدأت الولايات المتحدة تتحول، في الوعي الإيراني، إلى “الآخر” الذي تدخل ضد إرادة الشعب الإيراني، بعدما أسقط حكومة منتخبة ديمقراطياً، وأعاد الشاه الذي كان قد فر من البلاد. ومن الطريف أن الانقلاب وقع على مرحلتين. فالانقلاب الأول فشل، وبقي مصدق في السلطة، بينما اضطر الشاه إلى الهروب إلى إيطاليا. وبعد ثلاثة أيام فقط، قاد كيرميت روزفلت، حفيد الرئيس الأمريكي الأسبق، والذي كان يعمل ميدانياً مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، الانقلاب الثاني الذي نجح في إعادة الشاه إلى الحكم. أما مصدق فسُجن، وأُعدم وزير خارجيته الدكتور حسين فاطمي، وعاد الشاه إلى السلطة، لكن هذه المرة لم يعد حاكماً في إطار ديمقراطي.
الأستاذ محمد الزايد:
بل عاد بالنار والحديد.
د. حسن أحمديان:
نعم، وعاد مستنداً إلى جهاز استخبارات أُسس بمساعدة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والموساد الإسرائيلي.
الأستاذ محمد الزايد:
وهو جهاز السافاك.
د. حسن أحمديان:
بالضبط، جهاز السافاك. والصورة السائدة عنه داخل إيران أنه كان جهازاً بالغ القسوة، لم يترك صغيراً ولا كبيراً يقترب من الشأن السياسي أو يوجه أي نقد للنظام إلا تعرض للملاحقة أو السجن أو التعذيب أو حتى القتل. ولذلك ارتبط اسم السافاك، في الذاكرة الإيرانية، بالقمع الشديد. وهو الجهاز الذي مكّن الشاه من البقاء في الحكم نحو خمسٍ وعشرين سنة. وخلال تلك الفترة ارتبط الشاه، في نظر الإيرانيين، ارتباطاً كاملاً بالولايات المتحدة وبإرادتها. ولهذا كان أحد أشهر شعارات الثورة الإيرانية أن الشاه كان “شاه أمريكا“. فقد كان الثوار يرون أنه باع البلاد للولايات المتحدة، وأقام علاقات مع إسرائيل، التي كانوا يعتبرونها بدورها امتداداً للنفوذ الأمريكي، وحكم الشعب بالقوة، مخالفاً لما اختاره الإيرانيون سابقاً عبر حكومتهم المنتخبة.
ولهذا، وعلى امتداد خمسة وعشرين عاماً، كان الإيرانيون كلما نظروا إلى الشاه رأوا خلفه الولايات المتحدة. وكلما شاهدوا القمع، رأوا الأدوات الأمريكية. وكلما رأوا الدعم الأمريكي للنظام، استحضروا ما اعتبروه خيانةً أمريكية لإرادة الشعب الإيراني منذ إسقاط حكومة مصدق. وفي ظل هذا الواقع، وخلال ربع قرن كامل، نمت داخل إيران قوى معارضة متعددة المشارب والأيديولوجيات. بعضها تبنى العمل المسلح، وبعضها الآخر اختار النشاط الفكري والسياسي، وأنشأ شبكات لمواجهة الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للشاه. وكان من أبرز هذه الشخصيات الإمام الخميني، الذي بدأ معارضته العلنية للشاه بعد وفاة المرجع الأعلى السيد البروجردي، أستاذه في الحوزة العلمية. وكما هو معروف، فإن الشخصية الأبرز في الحوزة تكون عادة صاحبة التأثير الأكبر، وبعد وفاة البروجردي، قبل نحو خمسة عشر عاماً من الثورة، بدأ اسم الإمام الخميني يبرز بقوة. فقد ألقى سلسلة من الخطب انتقد فيها الشاه، كما انتقد ما عُرف بـ”الثورة البيضاء”، وهي الإصلاحات التي رأى الإمام الخميني أنها تحمل توجهاً فكرياً غير مقبول.
غير أن المواجهة الكبرى وقعت عندما انتقد منح المستشارين والقوات الأمريكية في إيران حصانةً قضائية، بحيث لا يُحاكم أي أمريكي أمام القضاء الإيراني إذا ارتكب جريمة، وإنما يُنقل إلى الولايات المتحدة لمحاكمته هناك. وقد ألقى الإمام الخميني آنذاك خطاباً نارياً أحدث صدى واسعاً داخل المجتمع الإيراني، ومنذ تلك اللحظة أصبح اسمه رمزاً رئيسياً للمعارضة. وعلى إثر ذلك نُفي إلى مدينة النجف في العراق، حيث بقي يدرّس في الحوزة العلمية، وهناك بلور وطور نظرية ولاية الفقيه بوصفها نظرية متكاملة في الحكم، وطرحها للمرة الأولى في سلسلة من المحاضرات، إلى جانب أفكار سياسية أخرى.
وكانت هذه الأفكار تصل إلى إيران بوسائل الاتصال المتاحة آنذاك، وهو ما أدى تدريجياً إلى تشكل حركة واسعة من المؤيدين الذين رأوا في الإمام الخميني رمزاً لمعارضة الشاه. ومع اقتراب الثورة، ولا سيما خلال عامي 1977 و1978، دخلت الأحداث مرحلة جديدة. ففي تلك الفترة كانت العلاقات بين إيران والعراق جيدة بعد اتفاقية الجزائر عام 1975 الخاصة بشط العرب وترسيم الحدود، ولذلك مارس الشاه ضغوطاً على الحكومة العراقية لإخراج الإمام الخميني من النجف، بحجة أن وجوده أصبح يسبب مشكلات للنظام الإيراني. وهنا يرى أنصار الشاه أنه ارتكب ما يعتبرونه أكبر أخطائه السياسية…
تُعد اتفاقية الجزائر (1975) محطة مفصلية في العلاقات الإيرانية العراقية؛ إذ اعترفت العراق بسيادة مشتركة على شط العرب وفق خط التالوك مقابل وقف إيران دعم التمرد الكردي. وقد ألغى صدام حسين الاتفاقية عام 1980 قبل أيام من اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، ثم عاد البلدان لاحقاً إلى اعتمادها مرجعاً قانونياً لترسيم الحدود.
الأستاذ محمد الزايد:
إذن، عندما غادر الإمام الخميني العراق، ماذا حدث؟
د. حسن أحمديان:
في تلك المرحلة كانت الحكومة العراقية قد أصبحت أكثر تشدداً تجاه نشاطه، فغادر النجف متوجهاً إلى الكويت، إلا أن السلطات الكويتية لم تسمح له بالدخول. كانت ترى أن الصراع الدائر بين الشاه ومعارضيه شأن لا ترغب في التورط فيه، ولذلك فضّلت النأي بنفسها عنه. بعدها انتقل إلى تركيا لفترة قصيرة، ثم اتجه إلى فرنسا. بعض مستشاريه لم يكونوا يفضلون هذا الخيار، لكن الفكرة كانت الاستفادة من هامش الحرية السياسية والإعلامية الذي توفره فرنسا. وهكذا استقر في قرية نوفل لو شاتو بالقرب من باريس، بعدما تكفل تجار السوق الإيراني (البازار) بترتيب إقامته. ومن هناك بدأت مرحلة جديدة. فقد أصبحت وسائل الإعلام العالمية تتوافد إليه باستمرار، من صحف وإذاعات وقنوات تلفزيونية، وتحولت تصريحاته وخطاباته إلى الحدث الأبرز داخل صفوف المعارضة الإيرانية، حتى أصبح صوته هو الأكثر حضوراً وتأثيراً.
الأستاذ محمد الزايد:
لكن ما طبيعة هذا الخطاب؟ هل كان خطاباً دينياً، أم اقتصادياً، أم اجتماعياً؟ ما الذي كان يجذب الإيرانيين إليه في تلك المرحلة؟
د. حسن أحمديان:
كان الخطاب يجمع بين عدة أبعاد، لكنه تمحور حول فكرتين أساسيتين. الأولى أن نظام الشاه نظام استبدادي لا يمثل الشعب الإيراني، وأن إيران تحتاج إلى نظام سياسي أكثر حرية وعدالة. أما الثانية، وهي ربما الأكثر تأثيراً، فكانت اتهام الشاه بالتبعية للولايات المتحدة. كان الإمام الخميني يكرر أن الحاكم الحقيقي يجب أن يمثل مصالح إيران لا مصالح القوى الأجنبية، وأن استقلال القرار الوطني هو أساس أي شرعية سياسية. ومن أشهر الأمثلة التي كان يوردها قضية الامتيازات القضائية التي منحت للأمريكيين في إيران. وكان يقول إن الإيراني إذا اعتدى على كلب أمريكي يُحاكم، بينما إذا اعتدى أمريكي على أعلى مسؤول في البلاد فلن يُحاكم أمام القضاء الإيراني، وإنما يُنقل إلى الولايات المتحدة لمحاكمته هناك. وكان يستخدم هذه الأمثلة ليؤكد أن الشاه أصبح، في نظره، جزءاً من المنظومة الأمريكية، يحكم إيران بالنيابة عنها.
الأستاذ محمد الزايد:
إذن، يمكن القول إن تجربة محمد مصدق لم تغب عن الذاكرة الإيرانية حتى أواخر السبعينيات؟
د. حسن أحمديان:
بالتأكيد. فالشاه حاول، بكل الوسائل، استعادة شرعيته بعد انقلاب عام 1953، لكنه لم ينجح. في البداية اعتمد على القبضة الأمنية لقمع المعارضة وإسكات الأصوات التي كانت تذكر بالانقلاب، لكن ذلك لم ينهِ الاعتراض الشعبي. ثم أطلق ما عُرف بـ “الثورة البيضاء”، وهي سلسلة من الإصلاحات شملت الزراعة والتعليم وتمكين المرأة ومحو الأمية، وكان يأمل من خلالها اكتساب شرعية جديدة، إلا أن المعارضة استمرت في اعتبار حكمه فاقداً للشرعية. ولاحقاً حاول استحضار التاريخ الفارسي القديم، فنظم الاحتفال الشهير بمرور 2500 عام على الملكية الفارسية في موقع تخت جمشيد، وقدّم نفسه بوصفه الامتداد الطبيعي لهذا الإرث التاريخي. بل إنه وقف أمام ضريح أحد ملوك فارس القدماء وقال عبارته الشهيرة: “نم هادئاً… فنحن ساهرون على إرثك.” وكان يقصد أن نظامه امتداد طبيعي لملكية عمرها ألفان وخمسمائة عام. غير أن هذه الخطوة أيضاً لم تحقق هدفها، بل جاءت بنتائج عكسية، إذ تعرضت لانتقادات واسعة بسبب الكلفة الباهظة للاحتفال، في وقت كانت مناطق عديدة من إيران تعاني الفقر والتهميش.

وهكذا أخفقت هذه المحاولة أيضاً في إعادة الشرعية للنظام. لذلك ظل اسم محمد مصدق حاضراً بقوة في الوعي الإيراني، رغم أنه توفي قبل الثورة بنحو عقد من الزمن. وبقيت قصة الانقلاب عليه، وعودة الشاه إلى الحكم بدعم أمريكي وبريطاني، تلاحق النظام وتُضعف شرعيته حتى اندلاع الثورة الإسلامية. وفي النهاية، سقط الشاه نتيجة هذا الحراك المتواصل الذي امتد قرابة خمسة وعشرين عاماً، ولم ينجح طوال تلك الفترة في التخلص من أزمة الشرعية التي لازمته حتى لحظة سقوطه.
الأستاذ محمد الزايد:
اسمح لي بالمقاطعة، دكتور. قبل الثورة، كيف كانت الأجواء الدينية في إيران خلال السنوات التي سبقتها؟
د. حسن أحمديان:
من التركات الثقيلة التي تركها رضا شاه للمجتمع الإيراني أنه فرض نمطاً موحداً للباس. فقد كان الرجل الإيراني ملزماً بارتداء قبعة خاصة عُرفت بـ”القبعة البهلوية”، نسبة إلى السلالة البهلوية. أما النساء، فقد مُنعن من ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، في حين كان المجتمع الإيراني محافظاً بطبيعته. وقد تسبب ذلك في أزمة اجتماعية خانقة، لأن هذه الإجراءات كانت تتعارض مع ثقافة المجتمع. ولكي ندرك حجم المشكلة، ينبغي أن نتذكر أن المنازل آنذاك لم تكن تحتوي على حمامات خاصة، بل كانت هناك حمامات عامة يقصدها الناس للاستحمام، غالباً مرة واحدة في الأسبوع. وكانت المرأة المحافظة تجد نفسها أمام معضلة حقيقية؛ إذ لا تستطيع السير في الطرقات من دون حجاب. ولذلك تروي كثير من الروايات أن النساء كنّ ينتقلن فوق أسطح المنازل، من بيت إلى آخر، حتى يصلن إلى الحمامات العامة دون أن يضطررن إلى خلع الحجاب أو مخالفة قناعاتهن الدينية. وهناك أمثلة أخرى كثيرة تعكس حجم الهوة التي نشأت بين السلطة والمجتمع في تلك المرحلة.
الأستاذ محمد الزايد:
لكن ما السبب؟ هل كان ذلك مجرد عداء للدين، أم أن وراءه أهدافاً سياسية؟
د. حسن أحمديان:
كان رضا شاه ينطلق من فكرتين أساسيتين. الأولى، أنه كان يعتقد أن الإسلام هو أحد أسباب تخلف إيران عن اللحاق بالحضارة الغربية، وكان يؤمن بهذه الرؤية بشكل واضح. أما الثانية، فهي تأثره الكبير بتجربة مصطفى كمال أتاتورك. فزيارته الخارجية الوحيدة كانت إلى تركيا، حيث التقى أتاتورك وتأثر كثيراً بطريقة إدارته للدولة، ورأى فيه نموذجاً لبناء دولة حديثة. ولذلك حاول نقل كثير من الإصلاحات الأتاتوركية إلى إيران، غير أن المجتمع الإيراني لم يتقبلها. وعندما تولى ابنه محمد رضا بهلوي الحكم، بدأ كما ذكرت بفترة اتسمت بقدر من الديمقراطية، وكان في بدايتها ملكاً ضعيفاً، فتراجع عن كثير من هذه السياسات، وعاد المجتمع إلى طبيعته المحافظة. لكن مع مرور الوقت، عاد الابن أيضاً إلى التركيز على البعد الثقافي التغريبي. فالإعلام الإيراني، على سبيل المثال، أصبح مليئاً بمظاهر دعائية وصور وأنماط حياة لا تنسجم مع طبيعة المجتمع المحافظ. وكانت المجلات والصحف والشاشات تعرض نماذج ثقافية أجنبية بعيدة عن الواقع الاجتماعي الإيراني.
وأمام هذا الواقع، وجد المجتمع المحافظ ضالته في الحركة المعارضة للشاه، الذي عاد إلى الحكم مدعوماً من الولايات المتحدة وبريطانيا، وبقبضة أمنية شديدة. ولذلك فإن جذور هذه الحركة لا تبدأ مع الإمام الخميني، وإنما تمتد إلى الثورة الدستورية قبل مئة وعشرين عاماً، حيث شارك علماء الدين فيها، ثم استمرت خلال عهد الشاه، وبعد الانقلاب على حكومة مصدق. وعندما تراجعت الحركة القومية التي كان يقودها مصدق، برزت حركة أكثر محافظة وأكثر ارتباطاً بالقاعدة الشعبية المعارضة للشاه، واستطاعت أن تمثل تلك القاعدة بصورة حقيقية. وكان الناس يرون في الإمام الخميني شخصية أقرب إليهم ثقافياً واجتماعياً بكثير من الشاه، ويرون فيه من يمثل قيمهم وهويتهم، ولذلك أصبح بالنسبة إليهم البديل الذي لم يستطع الشاه أن يكونه بأي حال من الأحوال. ومن هنا انتقل الإيرانيون من الواقع الذي فرض عليهم بعد انقلاب عام 1953 على حكومة مصدق، إلى حالة ثورية تؤيد قيادة رجل دين، لأنه كان أقرب إلى المجتمع المحافظ، الذي رفض الحداثة المفروضة عليه من قبل السلطة.
الأستاذ محمد الزايد:
هل يمكن أن نفهم من كلامك أن مساحة الالتقاء الكبرى بين الإمام الخميني والجمهور، رغم تعدد القضايا التي كان يطرحها، كانت هي المساحة الدينية، بسبب السياسات التي انتهجها الشاه تجاه الدين؟
د. حسن أحمديان:
ليس الأمر مقتصراً على الجانب الديني وحده، وإنما يرتبط أيضاً بطبيعة المؤسسة الدينية الشيعية نفسها. فداخل الحوزة العلمية كان هناك اتجاهان رئيسيان. الأول يضم علماء يمكن وصفهم بأنهم غير مسيسين، يرون أن وظيفة رجل الدين تقتصر على الشأن الديني، وأن عليه الابتعاد عن السياسة. أما الاتجاه الثاني، فيرى أن الدين يشمل جميع مجالات الحياة، بما فيها السياسة، وأن الفصل بينهما غير صحيح. وكان قائد الثورة الإسلامية، الإمام الخميني، من أبرز ممثلي هذا الاتجاه الثاني. وهنا يكمن الفارق بينه وبين المرجع الأعلى السيد البروجردي، الذي سبقه في قيادة الحوزة العلمية، إذ كان البروجردي ينتمي إلى الاتجاه الأول، بينما انتمى الإمام الخميني إلى الاتجاه الثاني، ومن هذا المنطلق بلور نظرية ولاية الفقيه باعتبارها نظرية في الحكم. وهذه النظرية كانت تختلف جذرياً عن رؤية الفريق الآخر داخل الحوزة. ومن المهم الإشارة إلى أن هذه الرؤية لم تكن آنذاك هي الرأي الغالب داخل المؤسسة الدينية، بل كانت تمثل رأي أقلية.
ولاية الفقيه: نظرية في الفقه السياسي الشيعي الاثني عشري، تقوم على أن يتولى الفقيه الجامع للشرائط (العالم بالشريعة والعادل والكفء) قيادة المجتمع الإسلامي في غيبة الإمام المهدي. وقد طوّرها الإمام روح الله الخميني في كتابه «الحكومة الإسلامية: ولاية الفقيه» (1970)، وجعلها أساسًا لنظام الحكم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد ثورة 1979. وبموجب الدستور الإيراني، يتولى المرشد الأعلى، بوصفه الولي الفقيه، الإشراف على السياسات العامة للدولة وقيادة القوات المسلحة، إلى جانب مؤسسات منتخبة مثل رئيس الجمهورية والبرلمان، مما يجعل النظام يجمع بين الشرعية الدينية والشرعية الانتخابية.
الأستاذ محمد الزايد:
لكن ألا يمكن القول إن هذا التحول شكّل مشكلة حقيقية للشاه؟ فقبل الإمام الخميني كان كثير من المراجع الدينية يبتعدون عن السياسة، أما مع هذا التحول فقد دخلت المرجعية الدينية مباشرة إلى المجال السياسي.
د. حسن أحمديان:
بالتأكيد، لكنه لم يكن تحولاً بدأ مع الإمام الخميني. فآية الله السيد حسن المدرس، الذي أعدمه رضا شاه، كان أيضاً من العلماء المسيسين. وكذلك آية الله أبو القاسم الكاشاني، الذي تحالف مع مصدق ثم اختلف معه لاحقاً، كان من هذا الاتجاه أيضاً، كما أن عدداً من أساتذة الإمام الخميني كانوا يؤمنون بالفكرة نفسها.


إذن، كان هذا التيار موجوداً منذ وقت طويل، لكنه بقي محصوراً وتحت السيطرة إلى أن جاءت الثورة الإسلامية، وبرز الإمام الخميني قائداً للحركة المعارضة. وقد اجتمع معظم المعارضين حول شخصيته، لما كان يتمتع به من كاريزما وتأثير واسع في الشارع. وكان المجتمع المحافظ يصغي إليه ويثق بآرائه، ويرى فيه النقيض الكامل للشاه، الذي أصبح مرفوضاً لدى قطاع واسع من الإيرانيين. ولهذا يمكن القول إن انتقال قيادة الحوزة من آية الله البروجردي إلى الإمام الخميني مثّل انتقالاً من الإسلام غير المسيس إلى الإسلام السياسي في الفكر الشيعي، وهو ما خلق تحدياً كبيراً للنظام، وانتهى في النهاية بإسقاط الشاه. لكن ينبغي التأكيد مرة أخرى أن هذه الفكرة لم تكن وليدة تلك اللحظة، بل لها امتدادات تاريخية تعود إلى الثورة الدستورية، التي شارك فيها أيضاً علماء دين مسيسون.
الأستاذ محمد الزايد:
لكن عندما سقط الشاه، هل كان واضحاً منذ البداية أن الإمام الخميني هو من سيقود المرحلة التالية، أم أن هناك كان خلافاً داخل المجتمع الإيراني حول من يتولى قيادة البلاد؟
د. حسن أحمديان:
في الحقيقة، لم يكن أي شيء واضحاً بشكل كامل. فقد كانت هناك قوى متعددة شاركت في الحراك المناهض للشاه، من اليساريين، والقوميين، وغيرهم. كان كثيرون يتصورون أنه بعد سقوط الشاه سيُقام نظام حكم ينسجم مع رؤيتهم الخاصة للثورة، وأن مآلاتها ستكون مختلفة عما انتهت إليه لاحقاً. لكن في نهاية المطاف، كان المد الإسلامي الذي قاده الإمام الخميني، ومن آمنوا بقيادته باعتبارها العمود الفقري للثورة، هو الذي حسم المشهد، بينما خرجت التيارات الأخرى تدريجياً من الساحة. وخلال السنتين الأوليين بعد الثورة، شهدت إيران ما يشبه الحرب الداخلية بين القوى التي اتفقت على إسقاط الشاه، لكنها اختلفت جذرياً حول البديل الذي ينبغي أن يحكم البلاد. وهكذا انتقلت إيران من مرحلة كان الجميع فيها موحداً ضد الشاه، إلى مرحلة من اللايقين، لم يكن أحد يعرف فيها إلى أين تتجه الأمور.
شهدت تلك الفترة تفجيرات واغتيالات استهدفت قيادات الثورة، وظهرت تنظيمات مثل فرقان، إلى جانب حركات يسارية، وفي مقدمتها مجاهدو خلق، التي بدأت نشاطها المسلح. وفي الوقت نفسه، دخل أول رئيس للجمهورية في خلاف مع الإمام الخميني، وانتهى الأمر بعزله من منصبه، ثم أُجريت انتخابات جديدة. وبعد عزله تحالف مع منظمة مجاهدي خلق، التي كانت تنفذ عمليات تفجير في طهران ومدن أخرى، وتستهدف شخصيات تنتمي إلى التيار الإسلامي. كان صراعاً هائلاً على السلطة داخل إيران، لكنه انتهى في النهاية بسيطرة الإمام الخميني والتيار الذي التف حوله على مجمل المشهد السياسي.
الأستاذ محمد الزايد:
هذه نقطة مهمة، دكتور. عندما نتحدث عن ذلك الصراع خلال السنتين الأوليين، هل كان خلافاً دينياً؟ أم قومياً؟ أم عرقياً؟ ما طبيعة الخلاف الذي نشأ حول الإمام الخميني في تلك المرحلة؟
د. حسن أحمديان:
في تقديري، كان البعد الغالب هو البعد الأيديولوجي. فالتيار الذي عارض الجمهورية الإسلامية بالشكل الذي استقرت عليه كان في معظمه تياراً يسارياً، وكان يتبنى تصوراً قريباً من نماذج الدول ذات الحزب الواحد، كما كان الحال في العراق البعثي مثلاً. وفي المقابل، كانت هناك مجموعات ليبرالية، لكنها كانت أقل حضوراً وتأثيراً في ذلك الصراع. أما المواجهة الأساسية، فكانت بين الإسلاميين واليساريين. فالتيارات التي عارضت الشاه وشاركت في الثورة كانت، بصورة عامة، إما يسارية، أو إسلامية، أو قومية. وكان هناك أيضاً ما عُرف بالقوميين الإسلاميين، أو “الملي ـ مذهبي”، الذين جمعوا بين البعد القومي والمرجعية الإسلامية، كما وُجدت تيارات يسارية ذات خلفية إسلامية. بمعنى أن الحضور الإسلامي كان موجوداً بدرجات مختلفة داخل معظم التيارات، بينما كان اليسار الراديكالي هو الأكثر ابتعاداً عن هذا التوجه.
وفي نهاية المطاف وقع الصدام بين هذا اليسار والتيار الإسلامي. ومع صعود الإسلاميين، اقترب التيار القومي من اليسار، وهو ما أدى إلى تراجعهما معاً عن المشهد. ومع ذلك، بقي بعض القوميين في الساحة لأنهم ابتعدوا عن الصراع المسلح، بينما خرج الذين ارتبطوا بمنظمة مجاهدي خلق أو بالتيارات اليسارية من الحياة السياسية. ومع فرار الرئيس آنذاك، أبو الحسن بني صدر، من طهران، وفرار شخصيات بارزة من منظمة مجاهدي خلق، وفي مقدمتهم مسعود رجوي، انتهى ذلك الصراع تدريجياً. وأُلقي القبض على أعداد كبيرة من أتباع تلك التنظيمات، وتراجعت المواجهات المسلحة في الشارع إلى حد كبير، واستقر ميزان القوى لصالح التيار الإسلامي. وربما يشبه ذلك، إلى حد ما، ما حدث في إيران خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل قبل أشهر، حيث توحدت الساحة الداخلية تحت تأثير التهديد الخارجي.
الأستاذ محمد الزايد:
سنأتي إلى هذه النقطة بعد قليل.
د. حسن أحمديان:
هذا تطور مهم جداً في فهم كيفية إدارة الدولة. فعندما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، أصبحت الرسالة الأساسية هي: لدينا عدو خارجي يهاجم البلاد ويسعى إلى اقتطاع أجزاء من أراضيها. وعندها تراجع كثيراً الصراع الأيديولوجي الداخلي، لأن المجتمع كله انصرف إلى مواجهة الحرب. وبدأ التركيز ينصب على العدو الخارجي، فانتهت تلك المرحلة من المواجهة الداخلية، وتوحدت الصفوف إلى حد كبير. ومع ذلك، بقيت داخل التيار الإسلامي نفسه اتجاهات متعددة، وهي التي ستنتج لاحقاً التيارات الإصلاحية والمحافظة وغيرها.
الأستاذ محمد الزايد:
قبل أن ننتقل إلى الحرب العراقية الإيرانية، أود أن أسألك عن نقطة أخرى. قبل الثورة كان الناس يهتفون ضد القمع، ثم بعد عامين فقط بدأت الاعتقالات والإجراءات الأمنية. ألا يثير هذا الأمر جدلاً، حتى اليوم، داخل الذاكرة الإيرانية؟ فالإمام الخميني جاء بشعار رفض القمع، والدفاع عن حرية التعبير، لكن بعد فترة قصيرة فقط ظهرت ممارسات يرى بعضهم أنها تشبه ما كان يجري في عهد الشاه. كيف يناقش الإيرانيون هذه المسألة اليوم؟
د. حسن أحمديان:
في رأيي، هناك فرق جوهري بين المرحلتين. ففي عهد الشاه كان مجرد انتقاد سياساته أمراً ممنوعاً. أما بعد الثورة، فقد انفتح المجال السياسي إلى حد بعيد. الذي كان ممنوعاً هو العمل المسلح، وليس العمل السياسي. فمنظمة مجاهدي خلق كانت تحمل السلاح. كانوا يحاورون الناس، وإذا لم يقتنعوا بآرائهم، أو لم يقتنعوا هم بآراء الآخرين، كانوا ينتقلون إلى استخدام القوة، لأن الصراع كان مؤدلجاً، وهذا ما رفضه التيار الحاكم آنذاك. أما المجال السياسي نفسه، فقد بقي مفتوحاً على نطاق واسع بعد الثورة، وإن كان قد مر بمراحل من الانفتاح والانكماش. ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، تراجع بطبيعة الحال حجم النقاش السياسي، لأن الدولة ركزت كل جهودها على إدارة الحرب، لكن ذلك لم يجعل الوضع مماثلاً لما كان عليه قبل الثورة. فإذا نظرنا اليوم إلى تاريخ الجمهورية الإسلامية، نجد أن مرحلة الحرب كانت مرحلة استثنائية. فقد تركزت كل التعبئة السياسية والإعلامية والشعبية على مواجهة العدوان، وحشد الناس، وإدارة الاقتصاد في ظروف شديدة الصعوبة، خصوصاً أن العقوبات بدأت في الوقت نفسه تقريباً، وكانت الدولة تواجه أعباءً هائلة. ولذلك تقلص النقاش السياسي تلقائياً، ولم تكن السلطة بحاجة إلى قدر كبير من القمع لإسكات المعارضة، لأن الظروف نفسها كانت تدفع المجتمع نحو التركيز على الحرب.
الأستاذ محمد الزايد:
أي أن الظروف نفسها ساعدت السلطة؟
د. حسن أحمديان:
بالضبط. الظروف كانت تدفع في هذا الاتجاه، ولذلك لم تكن الدولة بحاجة إلى اتخاذ إجراءات واسعة لضبط الواقع السياسي. لكن بعد انتهاء الحرب عاد النقاش السياسي تدريجياً، وما زال مستمراً حتى اليوم. ففي بعض الفترات يشتد هذا النقاش، وفي فترات أخرى يهدأ، لكن إذا تابعت الحياة السياسية في إيران اليوم، ستجد أن لا شيء يكاد يكون خارج دائرة النقد. فكل شيء مطروح للنقاش: الاقتصاد، والسياسة، والسياسة الخارجية، والثقافة، وسائر قضايا الدولة. والمجتمع الإيراني بطبيعته يحب النقاش، وقد تجد حوارات لا تنتهي حول مختلف القضايا. وفي بعض الأحيان تنتقل هذه النقاشات إلى الشارع، عندما تصل القوى السياسية أو الاجتماعية أو منظمات المجتمع المدني إلى طريق مسدود، فتخرج التظاهرات للمطالبة بالتغيير، وقد شهدت إيران منذ نهاية الحرب عدداً من الاحتجاجات في ملفات وقضايا مختلفة.
الأستاذ محمد الزايد:
سأعود إلى هذه النقطة لاحقاً، لكن دعني أكرر السؤال الأول بطريقة أخرى.
كيف تقبل المجتمع الإيراني الأفكار الثورية في تلك المرحلة؟ فالمجتمع الذي كان يرفض فرض نزع الحجاب، هو نفسه الذي أصبح بعد الثورة يعيش في ظل تشريعات تفرض الحجاب. كيف تقبل هذا التباين؟ وهل كانت البيئة الإيرانية بالفعل حاضنة لهذه الأفكار التي جاءت بها الثورة؟
د. حسن أحمديان:
بالتأكيد، لأن الثورة لم تأتِ من خارج المجتمع، وإنما خرجت من داخله. كانت ثورة شعبية بكل المقاييس، شاركت فيها شرائح واسعة جداً من الإيرانيين. ويكفي أن ننظر إلى صور ومقاطع استقبال الإمام الخميني عند عودته إلى طهران، لنرى حجم الحشود التي خرجت لاستقبال الرجل الذي أصبح رمزاً لإسقاط الشاه. وهناك تقديرات متعددة لأعداد المشاركين، لكن كثيراً من الباحثين يعدون الثورة الإيرانية واحدة من أكبر الثورات الشعبية من حيث حجم المشاركة الجماهيرية، إذ حظيت بتأييد غالبية الفئات الاجتماعية في إيران. وبطبيعة الحال، لم يكن الجميع ضمن هذا التأييد. فقد بقيت مجموعات خارج الإطار الداعم للثورة، وخاصة أولئك الذين ارتبطوا بالنظام السابق. ولهذا نجد اليوم جالية إيرانية كبيرة في الولايات المتحدة، يقدَّر عددها بنحو مليون ونصف المليون شخص، خرج كثير منهم من إيران بعد الثورة. وكان بعضهم مرتبطاً بنظام الشاه، إما من خلال قناعة سياسية، أو مصلحة، أو انتماء أيديولوجي، ولذلك لم يجدوا أنفسهم في النظام الجديد، بل شعروا بأن الثورة تشكل خطراً عليهم. أما الذين كانوا يشغلون مواقع أساسية في النظام السابق، فقد غادر بعضهم البلاد، وأُلقي القبض على آخرين، بينما أُعدم عدد من كبار المسؤولين، ولا سيما المنتمين إلى جهاز السافاك، الذي كان يمثل الجهاز الأمني الأكثر رفضاً في الوعي الإيراني. وقد جرت تلك الإعدامات بعد محاكمات، وإن كانت هذه المحاكمات نفسها أصبحت لاحقاً محل نقاش، إذ اعتبرها بعضهم غير عادلة أو غير مستوفية للمعايير القانونية، لكن ذلك موضوع آخر. وبصورة عامة، جرى إقصاء الجزء الذي كان يدعم النظام السابق.
أما الكتلة الأكبر من المجتمع، فقد كانت سعيدة بالثورة، ورأت فيها خلاصها من النظام السابق. ولذلك لا يمكن القول إن الثورة فرضت نفسها على المجتمع الإيراني، بل إنها، في مجملها، عبّرت عن إرادة الأغلبية. صحيح أن هناك فئات لم تجد نفسها في الثورة، ولم تكن ترغب في الانتقال من النظام السابق إلى النظام الجديد، لكنها بقيت أقلية مقارنة بالقطاع الأوسع من المجتمع، الذي أيّد الثورة، وظل مؤيداً لها بعد انتصارها، ولم يشعر أن ما جرى قد فُرض عليه، بل تقبله بدرجة كبيرة. وعندما نقارن بين ما قبل الثورة وما بعدها، نجد أن رضا شاه، ثم ابنه محمد رضا شاه، قادا مشروعاً ثقافياً مختلفاً، بلغ حد منع الحجاب في عهد الأب. فجاءت الثورة لتتبنى الاتجاه المقابل، وهو الاتجاه الذي كان المجتمع نفسه ينسجم معه قبل الثورة، ولذلك لم يكن تبني هذه السياسات غريباً بالنسبة إلى أغلبية الإيرانيين. وفي الوقت نفسه، كانت هناك قوى سياسية أخرى تتصور أن النظام الجديد سيكون نظاماً ديمقراطياً بالمعنى الواسع، لأنها كانت تعارض القمع في عهد الشاه. ولهذا دعمت الثورة وأسهمت في إسقاط النظام السابق، ثم كان لها دور في تأسيس النظام الجديد بعد عام 1979.
ومن أبرز إسهامات هذه القوى إدخال البعد الجمهوري إلى النظام السياسي. فالإمام الخميني، بوصفه رجل دين، كان يركز على البعد الإسلامي، أما تسمية “الجمهورية الإسلامية”، وإبراز الطابع الجمهوري للنظام، فقد جاء أيضاً نتيجة مساهمة القوى التي دعمت الثورة، لكنها لم تكن تنتمي بالضرورة إلى التيار الإسلامي.
الأستاذ محمد الزايد:
هل تحضر في ذهنك أمثلة على ذلك؟
د. حسن أحمديان:
يكفي أن ننظر إلى الدستور الإيراني. فقد صُمم النظام بحيث تكون جميع المناصب الأساسية فيه منتخبة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فالمرشد الأعلى يُنتخب من قبل مجلس خبراء القيادة، وأعضاء هذا المجلس ينتخبهم الشعب مباشرة، أي إن اختيار المرشد يتم بطريقة غير مباشرة عبر ممثلي الشعب. ورئيس الجمهورية يُنتخب مباشرة من الشعب، وكذلك أعضاء البرلمان، وسائر المؤسسات الدستورية تقوم على آليات انتخابية بدرجات مختلفة.
الأستاذ محمد الزايد:
لكن هناك نقطة تُطرح كثيراً. فحتى الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية لا يتم بصورة مفتوحة، وإنما يجب أن يمر عبر قنوات معينة، يشرف عليها مجلس صيانة الدستور، وهو ما يجعل البعض يقول إن العملية ليست انتخابية مباشرة بالمعنى المعروف في كثير من الدول التي توصف بالديمقراطية.
د. حسن أحمديان:
صحيح أن مجلس صيانة الدستور يشرف على أهلية المرشحين للمناصب العليا، وهذا المجلس يُختار أعضاؤه وفق الآليات الدستورية التي يشارك فيها المرشد بصورة غير مباشرة. لكن وظيفة المجلس، بحسب الدستور، ليست اختيار الأشخاص الذين يفضلهم المرشد، وإنما التأكد من توافر الشروط المطلوبة في المرشح، مثل الاتزان السياسي، والسمعة الحسنة، والخبرة في إدارة الدولة، وعدم وجود سجل أخلاقي أو قانوني يسيء إليه. ولو أخذنا مثالاً كشخصية مثل دونالد ترامب، فمن الصعب جداً أن يجيز مجلس صيانة الدستور ترشحه للرئاسة في إيران، لأن المجلس يعتمد معايير مختلفة عن المعايير المتبعة في بعض الدول الأخرى.
الأستاذ محمد الزايد:
لكن هل يمكن أن يصل إلى الرئاسة شخص لا ينسجم مع توجهات المرشد؟
د. حسن أحمديان:
بالتأكيد، وهذا ما حدث بالفعل. فمجلس صيانة الدستور لا يعود إلى المرشد في كل اسم ليطلب موافقته أو رفضه. وخير مثال على ذلك الرئيس حسن روحاني. فبحسب ما أصبح يُفهم اليوم داخل إيران، لم يكن المرشد يفضل انتخاب روحاني، ومع ذلك رأى مجلس صيانة الدستور أن الرجل يستوفي الشروط القانونية، فسمح له بالترشح، ثم اختاره الشعب رئيساً للجمهورية. ومن هنا فإن الصورة التي تُقدَّم أحياناً عن إيران، على أنها دولة يحكمها شخص واحد وفق هرم سلطوي مطلق، لا تعكس الواقع بدقة. فعندما نتعمق في تفاصيل النظام، نجد شبكة من المؤسسات الدستورية التي توازن بعضها بعضاً. صحيح أن المرشد يتمتع بصلاحيات واسعة بموجب الدستور، لكن لرئيس الجمهورية أيضاً صلاحيات كبيرة، وللبرلمان صلاحياته، وهناك مؤسسات متعددة تتبادل الأدوار والرقابة. وفي بعض القضايا، قد يتدخل المرشد ويستخدم صلاحياته الدستورية لوضع فيتو على سياسة معينة، وهذا يمثل البعد الإسلامي في النظام. لكن عندما تأتي الانتخابات بنتائج لا تنسجم مع تفضيلاته الشخصية، كما حدث في بعض المحطات، فإنه لا يتدخل لإلغاء إرادة الناخبين، لأن ذلك يعني الاصطدام المباشر برأي الشارع. ولهذا فإن النظام الإيراني نظام معقد، وله خصوصيته. وقد وصفه بعض الباحثين، ومنهم الدكتور إبراهيم محسني من جامعة هارفارد، بأنه نظام هجين، يجمع بين بعدين: بعد جمهوري انتخابي يشمل معظم مؤسسات الدولة، وبعد إسلامي يتمثل في الضوابط التي وضعها واضعو الدستور لضمان عدم خروج التشريعات عن الإطار الديني. والواقع أن هذه الفكرة ليست جديدة؛ فحتى أثناء الثورة الدستورية، اقترح علماء الدين المشاركون فيها إنشاء مجلس من الفقهاء يتولى الإشراف على إسلامية الدستور والقوانين الصادرة عنه.
هذا المقترح تُرك جانباً بعد الثورة الدستورية، ثم انتهت تلك التجربة إلى حالة قمعية أفضت، في النهاية، إلى الثورة الإسلامية. أما بعد الثورة، فقد استُحدث مجلس الفقهاء، وهو ما نعرفه اليوم باسم مجلس صيانة الدستور. ومهمة هذا المجلس أن يراقب التشريعات، بحيث لا تكون مخالفة للشريعة الإسلامية من جهة، ولا مخالفة للدستور من جهة أخرى. ولذلك، فهذه الفكرة ليست جديدة في التاريخ السياسي الإيراني، لكنها دخلت حيز التنفيذ لأول مرة بعد الثورة الإسلامية.
يتبع في الجزء الثاني




