الصحةالمنبر الحر

كيف ننجو؟ – خريطة عبور آمن

ذ. هدى بركات

مستشارة نفسية وأسرية

❝
قد لا يكون السؤال الأصعب بعد الألم هو: لماذا حدث هذا لي؟ بل: كيف أواصل الحياة بعد ما حدث؟

في سطور

كيف نواصل الحياة حين تنتهي التجربة المؤلمة وتبقى آثارها فينا؟ في مقالها «كيف ننجو؟ – خريطة عبور آمن»، تتناول الأستاذة هدى بركات هذا السؤال من خلال خريطتين متداخلتين: خريطة نفسية تشمل تصوراتنا عن أنفسنا والعالم، وخريطة واقعية تضم ظروفنا وعلاقاتنا ومواردنا ومسؤولياتنا. فقدان العمل، مثلًا، قد يهدد دخل الإنسان، لكنه قد يهزّ أيضًا إحساسه بالكفاءة والقيمة؛ لذلك يحتاج التعامل معه إلى الانتباه إلى الجانبين معًا. ومن هذا الفهم، تقترح الكاتبة خطوات مرنة تبدأ بتحديد ما نعيشه واستعادة قدر من الأمان، وتمتد إلى مراجعة الأفكار، والاستعانة بالدعم، وتجربة أفعال صغيرة ممكنة. وتؤكد أن التعافي يختلف باختلاف الأشخاص والظروف، وأن التعثر لا يلغي التقدم. فالنجاة قد تبدأ حين نفهم ما تغير، ونرى ما بقي متاحًا، ونمنح أنفسنا فرصة لاستعادة القدرة على الاختيار وبناء المعنى.

د. الحسن أشباني

مقدمة

قد لا يكون السؤال الأصعب بعد الألم هو: لماذا حدث هذا لي؟ بل: كيف أواصل الحياة بعد ما حدث؟ فبعض التجارب لا تنتهي بانتهاء الحدث؛ تظل آثارها حاضرة في نظرتنا إلى أنفسنا، وفي ثقتنا بالآخرين، وفي الطريقة التي نتوقع بها ما سيأتي. وقد نجد أنفسنا أمام حياة نعرف تفاصيلها، لكننا لم نعد نعرف كيف نعيشها كما كنا من قبل. وحين يحدث ذلك، قد نبحث عن إجابة واحدة، أو نصيحة تختصر الطريق، أو وصفة تعيد إلينا ما فقدناه. غير أن التعافي لا يسير على طريق واحد، ولا يستجيب لموعد نحدده له. فما يساعد شخصًا على العبور قد لا يناسب آخر، وما يحتاجه الإنسان في بداية رحلته قد يتغير مع الوقت.

فربما لا تكون النجاة في أن نعود كما كنا، بل في أن نتمكن، بعد ما حدث، من اختيار ما نحتفظ به من ذواتنا، وما نعيد النظر فيه، وما نمنح أنفسنا فرصة لبنائه من جديد. ولعل هذا يلتقي مع ما تناوله فيكتور فرانكل بشأن إمكان اتخاذ موقف من ظروف يتعذر تغييرها، والبحث عمّا يبقى متاحًا من معنى وفعل واختيار. وهذه الإمكانية لا تمحو الألم، ولا تعني أن الإنسان يستطيع دائمًا استعادتها بإرادته وحدها؛ فقد يحتاج إلى الأمان والوقت والمساندة حتى يتبين ما بقي له من مساحة للحركة [1]. وقد تضيق مساحة الاختيار تحت وطأة الألم والظروف القاسية، فيحتاج الإنسان إلى الوقت والأمان والمساندة حتى يستعيد بعض قدرته على الفعل.

ومن هنا، لا تهدف هذه المقالة إلى رسم طريق جاهز للنجاة، ولا إلى مطالبة الإنسان بأن يتجاوز ألمه أو يستعيد ذاته القديمة. إنها محاولة لتقديم «خريطة عبور آمن»؛ خريطة تساعدنا على فهم ما نعيشه، والانتباه إلى ما نحتاجه، واكتشاف الخطوات الممكنة لاستعادة قدرتنا على توجيه حياتنا. وتنقسم إلى قسمين: يقرأ الأول التجربة في ضوء خريطتين، نفسية وواقعية؛ ويقترح الثاني خطوات مرنة تنقلنا من الفهم إلى الفعل.

أولًا: فهم التجربة – الخريطتان النفسية والواقعية

نستخدم «الخريطتين» هنا بوصفهما استعارة تساعد على قراءة التجربة: إحداهما تتعلق بالطريقة التي نفهم بها أنفسنا والعالم، والأخرى بالظروف الفعلية التي نعيش فيها. وهما متداخلتان؛ فما يحدث حولنا يؤثر في داخلنا، وما نحمله من تصورات وتوقعات يؤثر في كيفية فهمنا لما يحدث والتعامل معه.

1. الخريطة النفسية – كيف نفهم أنفسنا والعالم؟

نحمل في داخلنا خريطة نفسية نهتدي بها في فهم أنفسنا والعالم من حولنا. تتشكل هذه الخريطة عبر تجاربنا السابقة، وعلاقاتنا بالآخرين، وما نتعلمه من الأسرة والمجتمع، وما نكوّنه من معتقدات وتوقعات وقيم. وهي التي تسهم في تحديد ما نراه آمنًا أو مهددًا، وما ننتظره من الآخرين، وكيف نفسّر ما يحدث لنا، وما نعتقد أننا قادرون على فعله أو تغييره. وليست هذه الخريطة صورة مطابقة للواقع، ولا بناءً ثابتًا نعيه بكل تفاصيله؛ إنها طريقة ننظم بها خبراتنا ونمنحها معنى، ونستعين بها لتوجيه قراراتنا وتصرفاتنا. وقد تساعدنا على فهم الحياة والتعامل مع تحدياتها، لكنها قد تحتاج أيضًا إلى المراجعة حين تتغير تجاربنا أو تتبدل ظروفنا.

وتظهر أهمية هذه الخريطة بوضوح حين نتعرض لتجربة مؤلمة؛ إذ قد تهزّ بعض التصورات التي كنا نستند إليها، أو تدفعنا إلى إعادة تفسير أنفسنا والعالم على ضوء ما حدث. ومن هنا، لا يكفي أن نسأل: ماذا حدث للإنسان؟ بل نحتاج أيضًا إلى أن نفهم: كيف أثّر ما حدث في الطريقة التي يرى بها نفسه، ويفهم بها العالم، ويتوقع بها المستقبل؟

لنتأمل بعض التجارب التي قد تكشف لنا كيف تعمل هذه الخريطة. قد يفقد شخص عمله بعد سنوات من الاجتهاد، فلا يرى في ما حدث خسارةً مهنية فحسب، بل يبدأ في التشكيك في كفاءته وقيمته، وكأن فقدان الوظيفة دليل على فشله بوصفه إنسانًا. وقد يمر شخص آخر بمرض يغيّر تفاصيل حياته، فيكتشف أن تصوره السابق عن قدرته على التحكم في المستقبل لم يكن راسخًا كما اعتقد. وقد يفقد إنسان عزيزًا، فلا يواجه ألم الغياب وحده، بل يجد نفسه أمام أسئلة تمسّ معنى الحياة، وعدالتها، وإمكان الشعور بالأمان فيها.

هذه أمثلة محتملة، وليست استجابات حتمية؛ فقد يرى شخص في فقدان العمل فرصةً لإعادة النظر في مساره، بينما يراه آخر تهديدًا لهويته واستقراره. وقد يمر شخصان بالتجربة نفسها، لكن اختلاف ظروفهما وتاريخهما النفسي يجعل استجابتهما مختلفة.

وهنا تلتقي هذه الملاحظة مع ما تناولته عالمة النفس روني جانوف-بولمان في نظريتها حول تحطّم الافتراضات الأساسية؛ إذ بيّنت كيف يمكن للتجارب الصادمة أن تهزّ افتراضات أساسية تتعلق بخيرية العالم، ووجود قدر من المعنى والانتظام فيه، وقيمة الذات. غير أن هذه النظرية تقدم إطارًا لفهم بعض الاستجابات، ولا تفسر وحدها كل تجربة أو استجابة نفسية. وما يهمنا هنا ليس تصنيف الناس وفق الطريقة التي يستجيبون بها للألم، بل الانتباه إلى أن التجربة قد تغيّر الطريقة التي يفهم بها الإنسان نفسه وحياته. فقد يتحول حدث محدد إلى حكم عام على الذات، أو تتحول تجربة مخيفة إلى توقع دائم للخطر، أو يصبح فقدان شيء مهم دليلًا في نظر الإنسان على أن المستقبل لم يعد يحمل إمكانات تستحق الانتظار.

2. الخريطة الواقعية – ما الذي يحيط بالإنسان؟

لا يعيش الإنسان داخل خريطته النفسية وحدها، بل يتحرك في واقع له شروطه وإمكاناته وقيوده. وهذا الواقع يشمل ظروفه المادية والاجتماعية والمهنية والصحية، وطبيعة علاقاته، ومدى توافر الأمان والدعم، وما إذا كانت لديه مساحة فعلية لاتخاذ قراراته أم أن خياراته محدودة بما يحيط به. فالخريطة الواقعية ليست مجرد خلفية تقع فيها الأحداث؛ إنها جزء من التجربة نفسها، وقد تؤثر في كيفية عيش الألم وفي القدرة على التعامل مع آثاره. فقد يواجه شخصان تجربة مؤلمة واحدة، لكن أحدهما يجد حوله من يسانده ويخفف عنه أعباء الحياة اليومية، بينما يواجه الآخر التجربة وحيدًا، مع مسؤوليات لا يستطيع تأجيلها أو موارد لا تكفي احتياجاته.

ولنأخذ تجربة الفقد. حين يفقد الإنسان شخصًا عزيزًا، لا يفقد حضوره فحسب، بل قد يفقد معه جزءًا من إيقاع حياته المعتاد، ومن شبكة العلاقات التي كانت تمنحه الدعم، وقد تتغير أيضًا بعض الأدوار التي كان الشخص المفجوع يؤديها في حياته اليومية. وقد يجد نفسه أمام مسؤوليات جديدة، أو تغيرات مادية واجتماعية لم يكن مستعدًا لها. وفي الوقت نفسه، قد يهتزّ إحساسه بالأمان، وتتغير نظرته إلى الحياة والمستقبل، ويصبح ما كان يبدو مألوفًا من قبل غريبًا أو بعيدًا. وقد تتفاوت آثار الفقد بحسب طبيعة العلاقة، وظروف الوفاة، وما يحيط بالشخص من دعم، وما يواجهه من مسؤوليات.

وهكذا، لا يمكن فهم تجربة الفقد بالحزن وحده، ولا بالظروف التي أعقبت الغياب وحدها؛ إنها تجربة يتداخل فيها ما يحدث في العالم الخارجي مع ما يتغير في العالم الداخلي للإنسان. إن فهم الواقع يحمينا من اختزال المعاناة في طريقة تفكير الإنسان، كما أن فهم الخريطة النفسية يحمينا من الاعتقاد بأن تغيير الظروف وحده كافٍ دائمًا لإنهاء آثار التجربة. فالبعد النفسي والبعد الواقعي يتفاعلان فيما بينهما، ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر فصلًا تامًا. لذلك، فإن فهم ما يعيشه الإنسان يقتضي أن ننظر إلى ما يحمله في داخله، وما يواجهه في واقعه، وما ينشأ عن التفاعل بينهما. فليس كل ما يؤلمه فكرة تحتاج إلى تعديل، وليس كل ما يثقل حياته ظرفًا يمكن تغييره بسهولة.

3. الصدمة النفسية -حين تتباعد الخريطتان

يكتسب هذا التمييز أهمية خاصة حين نتناول الصدمة النفسية؛ إذ قد تتجاوز آثارها الحدث نفسه، فتطال إحساس الإنسان بالأمان، وصورته عن ذاته، وعلاقته بالعالم من حوله. فالصدمة لا تتمثل فقط فيما وقع، بل قد تتصل أيضًا بما أحدثه الحدث من اضطراب في المعاني والتوقعات التي كان الإنسان يستند إليها. قد تكون الخريطة النفسية بنت تصورًا عن العالم بوصفه مكانًا يمكن الوثوق به، وعن الذات بوصفها قادرة على الفهم والتدبير، ثم تأتي تجربة قاسية لتضع هذه التصورات موضع سؤال. وفي المقابل، قد يفرض الواقع الجديد شروطًا لم تكن حاضرة في الحسابات السابقة: غياب شخص، أو تغير في الصحة، أو فقدان مورد، أو تبدل في علاقة أو دور اجتماعي.

هنا تظهر المسافة بين ما اعتدنا أن نتوقعه ونفهمه، وبين ما أصبح واقعًا نعيشه. وقد يحاول الإنسان أحيانًا أن يفسر الواقع الجديد بأدواته القديمة، أو أن يفرض على نفسه استعادة توازنه بسرعة، بينما تحتاج التجربة إلى وقت لفهمها، وإلى موارد ومساندة قد لا تكون متاحة كلها منذ البداية. ونستخدم «تباعد الخريطتين» هنا بوصفه استعارة لتقريب أحد جوانب التجربة، لا تعريفًا تشخيصيًا للصدمة النفسية؛ إذ قد تشمل آثارها أيضًا استجابات انفعالية وجسدية وسلوكية لا تختزلها هذه الصورة. ولا يعني ذلك أن كل تجربة مؤلمة تُحدث صدمة نفسية، أو أن الناس يستجيبون بالطريقة نفسها. فالأثر يختلف باختلاف طبيعة الحدث، وتاريخ الشخص، ومعنى ما حدث له، وما يحيط به من ظروف وعلاقات ودعم. كما أن التعافي لا يعني محو الذاكرة أو إنكار ما حدث، بل قد يعني بناء علاقة مع التجربة وآثارها يمكن العيش معها. ومن هنا، يصبح السؤال العملي: كيف نساعد الإنسان على فهم المسافة بين خريطته النفسية والواقع الذي يعيشه؟ وما الذي يمكن أن يسنده في هذه المسافة؟ وأي خطوات، مهما بدت صغيرة، قد تعيد إليه بعض القدرة على الفعل والاختيار؟

ثانيًا: من الفهم إلى الفعل — خطوات العبور الآمن والواقعية

تنطلق خريطة العبور من الخريطتين النفسية والواقعية، لكنها لا تقدم وصفة موحدة، ولا تفترض أن على الإنسان أن ينجز مراحل محددة وفق ترتيب صارم. إنها إطار مرن يساعد الإنسان على التوقف، وفهم موقعه، والانتباه إلى ما يحتاجه، ثم اختيار ما يناسب ظروفه وإمكاناته. وقد يعود إلى خطوة سابقة، أو يتقدم في جانب ويتعثر في آخر؛ فالتعافي قد يسير في مسار متعرّج، تتخلله فترات من التقدم والتوقف والمراجعة.

1. تحديد نقطة الانطلاق

يبدأ العبور بأن نسمّي ما حدث، ونلاحظ ما تركه فينا، من دون أن نختزل هويتنا فيه. ما الذي تغير؟ ما الذي أصبح أصعب؟ وما الذي ما زال حاضرًا في حياتنا ويمكن الاتكاء عليه؟ لا يتطلب ذلك إجابات كاملة، ولا استعادة تفاصيل مؤلمة قبل الاستعداد لها؛ بل بداية صادقة لفهم الوضع الراهن، بالقدر الذي يستطيع الإنسان احتماله.

2. استعادة الأمان والتوازن

قبل البحث عن المعنى أو اتخاذ قرارات كبيرة، قد يحتاج الإنسان إلى ما يعيد قدرًا من الاستقرار: انتظام النوم والطعام قدر الإمكان، تخفيف الأعباء الممكنة، تنظيم اليوم، والاقتراب من أشخاص يمنحونه شعورًا بالأمان. وحين تكون الظروف غير آمنة فعلًا، تكون الأولوية لمعالجة مصادر الخطر وطلب المساندة المناسبة.

3. رسم الخريطة النفسية والواقعية

ننظر إلى الداخل والخارج معًا. في الداخل، نلاحظ الأفكار والمعتقدات والتوقعات التي تغيرت، والأحكام التي قد نطلقها على أنفسنا أو على المستقبل. وفي الخارج، نحدد القيود والموارد والعلاقات والمسؤوليات والخيارات المتاحة. ويساعد هذا التمييز على معرفة ما يحتاج إلى مراجعة داخلية، وما يتطلب دعمًا أو تغييرًا واقعيًا.

4. تنمية المرونة النفسية

لا تعني المرونة أن نتجاهل الألم أو نطالب أنفسنا بالقوة الدائمة، بل أن نسمح بتعدد استجاباتنا، وأن نراجع المعاني التي أصبحت قاسية أو مطلقة. قد نحتفظ بما يمنح تجربتنا معنى، ونخفف من أحكام لا تسندنا، ونفسح المجال لاحتمالات لم نكن نراها في البداية. وقد يكون طلب المساعدة النفسية المتخصصة جزءًا مهمًا من هذه الخطوة.

5. اختيار خطوة ممكنة وتجربتها

بدل انتظار حل شامل، نبحث عن فعل صغير واقعي يمكن تجربته: طلب مساعدة، ترتيب مسؤوليات، استعادة نشاط ذي معنى، وضع حدود في علاقة ما، أو اتخاذ خطوة مهنية أو اجتماعية مناسبة. ليست قيمة الخطوة في حجمها، بل في أنها قابلة للتنفيذ وتعيد إلى الإنسان إحساسًا بأنه مشارك في توجيه حياته.

6. المراجعة والاستمرار

نتوقف من حين إلى آخر لنسأل: ما الذي ساعدني؟ ما الذي لم يناسبني؟ ما الذي تغير في احتياجاتي أو ظروفي؟ يمكن تعديل الخطوات أو إبطاء الإيقاع أو العودة إلى ما يمنح الأمان. فالاستمرار لا يعني عدم التعثر، بل القدرة على مراجعة المسار من دون تحويل التعثر إلى حكم نهائي على الذات. وهذه الخطوات ليست علاجًا نفسيًا قائمًا بذاته، ولا بديلًا عن الرعاية المتخصصة حين تكون الحاجة إليها قائمة. إنها دليل تأملي وعملي يفتح مجالًا لفهم الذات والواقع، وتحديد ما يمكن فعله، والاستعانة بمن يستطيع المساندة. كما أنها لا تفرض على الإنسان أن يسير وحده؛ فطلب الدعم ليس خروجًا عن خريطة العبور، بل قد يكون أحد أهم مواردها. وإذا اشتدّ الألم حتى بات يهدد سلامتنا، أو راودتنا أفكار بإيذاء أنفسنا، فلا ينتظر الأمر خريطة ولا خطوات؛ بل يستدعي طلب مساعدة عاجلة من مختص أو من جهة الطوارئ.

خاتمة: النجاة ليست عودة إلى الوراء

قد لا نملك تغيير ما حدث، ولا إعادة الحياة إلى صورتها السابقة. لكننا قد نتمكن، مع الوقت، من فهم ما تبدل فينا، ومن رؤية ما بقي متاحًا لنا، ومن بناء علاقة جديدة مع أنفسنا والعالم. ليس العبور بطولة مفروضة، ولا امتحانًا ينبغي أن ننجح فيه بسرعة. لكل إنسان إيقاعه، وموارده، وظروفه، وطريقته في استعادة القدرة على الحياة. وقد تكون بعض الخطوات صغيرة إلى حد لا يراه الآخرون، لكنها بالنسبة إلى صاحبها بداية حقيقية. فالحياة لا تُختزل في الألم الذي أصابنا، كما أن ذواتنا لا تُختزل في التجربة التي مررنا بها. وربما تكون النجاة، في معناها الأعمق، أن نمنح أنفسنا فرصة لنعيش ما تبقى من الحياة بوعي أرحب، وقلب أكثر إنسانية، وقدرة متجددة على الاختيار وصنع المعنى.

===============

ملخص المقال

يتناول المقال التعافي بعد التجارب المؤلمة من خلال استعارة خريطتين متداخلتين: خريطة نفسية تضم معتقدات الإنسان وتوقعاته وصورته عن ذاته والعالم، وخريطة واقعية تشمل ظروفه المادية والاجتماعية والصحية، وعلاقاته وموارده ومسؤولياته. ويوضح أن فهم المعاناة يقتضي الانتباه إلى التفاعل بين هذين البعدين، مع التمييز بين التجارب المؤلمة والصدمة النفسية. ثم يقترح ست خطوات مرنة: تحديد نقطة الانطلاق، واستعادة الأمان والتوازن، ورسم الخريطتين، وتنمية المرونة النفسية، وتجربة خطوة ممكنة، ومراجعة المسار. ويؤكد أن هذه الخطوات إطار استرشادي لا برنامج علاجي، وأن التعافي يختلف بين الأشخاص ويستفيد من الدعم والرعاية المتخصصة عند الحاجة. وتتمثل الفكرة الأساسية في أن النجاة قد تكون بناء علاقة جديدة مع الحياة، واستعادة مساحة ممكنة للفعل والاختيار.

الكلمات المفتاحية: التعافي النفسي؛ المرونة النفسية؛ الدعم الاجتماعي..

English Summary

How Do We Survive?-A Map for a Safe Passage. This article explores recovery after painful experiences through the metaphor of two interconnected maps. The psychological map encompasses beliefs, expectations, and perceptions of oneself and the world, while the map of lived circumstances includes material, social, and health conditions, relationships, resources, and responsibilities. Understanding suffering requires attention to the interaction between these dimensions, while distinguishing painful experiences from psychological trauma. The article proposes six flexible steps: identifying one’s starting point, restoring safety and stability, mapping inner and external realities, developing psychological flexibility, trying a manageable action, and reviewing the process. These steps form a reflective framework rather than a treatment programme. Recovery follows different paths and may require social support and professional care. Survival is understood as the possibility of building a renewed relationship with life and recovering room for agency, choice, and meaning.

Keywords: Psychological recovery; Psychological flexibility; Social support.

المراجع

[1] Frankl, V. E. (2006). Man’s Search for Meaning. Beacon Press.

[2] Janoff-Bulman, R. (1992). Shattered Assumptions: Towards a New Psychology of Trauma. Free Press.

=======================

الملحق – قصة المقال : من هنا يبدأ الطريق

مقالات الكاتبة ذات الصلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى