Uncategorized

برج نور ورزازات 3: كيف تضيء الشمسُ المغربَ بعد الغروب؟

د. الحسـن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب، خبير و صحفي مهني


================

في سطور

برج نور ورزازات 3: كيف تضيء الشمسُ المغربَ بعد الغروب؟

نترك أحيانًا أضواء غرفٍ وفضاءاتٍ في بيوتنا مشتعلة بلا حاجة، كأن الكهرباء لا تُكلّف أسرنا وبلادنا شيئًا. لكن إنتاجها يستدعي استثمارات كبرى، ويعتمد جزء منه على وقود مستورد؛ لذلك يبدأ ترشيدها من إطفاء مصباح لا نحتاج إليه. وحين نقلّل الهدر على نطاق واسع، نخفّف الكلفة على الأسر والدولة، ونُفسح مجالًا لتوجيه موارد أكبر إلى قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم. ومن هذا السؤال اليومي ينطلق المقال إلى سؤال أوسع: كيف ينتج المغرب كهرباءه، وما الذي تضيفه محطة نور ورزازات 3 بإمكانها تخزين حرارة الشمس لإنتاج الكهرباء بعد الغروب؟. كيف يمكن لمحطة شمسية أن تنتج الكهرباء بعد غروب الشمس؟ يبدو السؤال متناقضًا؛ فلا أشعة جديدة تجمعها المرايا في الليل. لكن نور ورزازات 3 تعتمد على فكرة مختلفة: تستقبل حرارة الشمس نهارًا وتخزن جزءًا منها في أملاح منصهرة، ثم تستخدم الحرارة المحفوظة لإنتاج البخار وتحريك توربين كهربائي بعد الغروب. إنها، بعبارة أدق، كهرباء تولدها حرارة شمس النهار في وقت لاحق. اخترت أن أبدأ سلسلة «الطاقة في المغرب» بهذه المحطة لأنها تضعنا أمام أسئلة تتجاوز جمال البرج وضخامة المرايا: من أين يحصل المغرب على الكهرباء؟ وما الفرق بين استيراد الوقود واستيراد الكهرباء؟ وهل تكفي القدرة المعلنة للمحطة للحكم على ما أنتجته فعلًا؟ ثم كيف تؤثر الصيانة والتوقفات في قيمة تقنية صُممت أصلًا لتوفير الكهرباء عند الحاجة إليها؟ سننتقل في هذا المقال من صورة المنظومة الكهربائية المغربية إلى تفاصيل نور ورزازات 3: حركة المرايا، والمستقبل أعلى البرج، وخزاني الأملاح، وتوليد البخار، ووصول الكهرباء إلى الشبكة. وسنقف أيضًا عند الحدود التي لا يجوز إخفاؤها: التخزين يدوم ساعات محدودة، والإنتاج السنوي المتوقع ليس سجلًا للإنتاج الفعلي، والتجهيزات المعقدة تحتاج إلى موثوقية وصيانة وبيانات منشورة تسمح بتقييم النتائج.

د. الحسن اشباني

تقديم

كيف تنتج محطة شمسية الكهرباء بعد غروب الشمس؟ في ورزازات، تجمع آلاف المرايا أشعة النهار وتُخزَّن حرارتها لإنتاج الكهرباء خلال ساعات المساء.
لكن قيمة نور ورزازات 3 لا تُقاس بارتفاع برجها وحده، بل بما تنتجه فعلًا، ومدى انتظام عملها وكلفتها. في هذا المقال، نقترب من طريقة عملها وأرقامها وتحدياتها، وما تكشفه تجربتها عن مستقبل الطاقة في المغرب.

وتستخدم نور ورزازات 3 برجًا مركزيًا وحقلًا واسعًا من المرايا المتحركة

المحور 1: المغرب يحتاج إلى الكهرباء في كل ساعة، لا في مجموع السنة فقط

تبدأ قصة نور ورزازات 3 بعيدًا عن البرج، من الشبكة الكهربائية نفسها. ففي كل لحظة، ينبغي أن تتوافر كمية من الكهرباء تواكب ما تطلبه المنازل والمصانع والمستشفيات والمرافق. وإذا كانت الشمس ساطعة عند الظهيرة، فهذا لا يحل وحده سؤال المساء، عندما تنخفض الإضاءة الطبيعية بينما يستمر الاستهلاك. بلغ الطلب المغربي على الكهرباء نحو 49 تيراواط ساعة سنة 2025، بزيادة 7.4% عن السنة السابقة، وفق الحصيلة التي عرضها المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب. ووصلت القدرة الكهربائية المركبة إلى 12,314 ميغاواط، تشكل الطاقات المتجددة 46.1% منها. لكن النسبة الأخيرة تصف قدرة المحطات المثبتة، ولا تقول إن 46.1% من كهرباء السنة قد أُنتجت بالفعل من المصادر المتجددة؛ فكل نوع من المحطات يعمل وفق شروط وساعات مختلفة.

لفهم أرقام الكهرباء اعلاه، علينا أولًا التمييز بين قوة المحطات وكمية الكهرباء خلال سنة. يمكن تقريب الفكرة بصنبور الماء: قوة تدفقه في لحظة شيء، ومجموع الماء الذي يملأ به الخزانات طوال السنة شيء آخر. الميغاواط يقيس قدرة محطة كهربائية على الإنتاج في لحظة معينة. وعندما نقول إن القدرة المركبة لجميع محطات المغرب بلغت 12,314 ميغاواط سنة 2025، فنحن نجمع القدرات المسجلة لهذه المحطات، لا نصف كمية الكهرباء التي أنتجتها بالفعل. فمنها ما يعمل باستمرار، ومنها ما يتوقف للصيانة، ومنها ما يتوقف إنتاجه على وجود الشمس أو الرياح أو المياه. أما التيراواط ساعة فيقيس كمية الكهرباء خلال مدة. وقد بلغ الطلب المغربي خلال سنة 2025 كاملة نحو 49 تيراواط ساعة، أي 49 مليار كيلوواط ساعة. وهذا الرقم يجمع حاجيات السنة، ليلًا ونهارًا، صيفًا وشتاءً؛ ولا يعني أن المغرب احتاج إلى 49 تيراواط في لحظة واحدة. وبهذا نفهم الرقم الثالث: شكلت الطاقات المتجددة 46.1% من قدرة المحطات المركبة سنة 2025. أي إن هذه النسبة تتعلق بـ«قوة التجهيزات الموجودة»، ولا تعني أن المصادر المتجددة أنتجت 46.1% من الكهرباء التي استُهلكت خلال السنة. لمعرفة حصتها في الإنتاج الفعلي، نحتاج إلى قياس الكهرباء التي ولّدتها تلك المحطات طوال السنة، بوحدة التيراواط ساعة.

ولمعرفة ما أُنتج فعلًا، تفيدنا الحصيلة المفصلة لسنة 2024. فقد أنتجت المحطات الحرارية التقليدية نحو 31.96 تيراواط ساعة؛ ومن داخلها نحو 26.18 تيراواط ساعة بالفحم، و4.30 بالغاز الطبيعي، والباقي أساسًا بالفيول. وأنتجت الرياح نحو 9.27 تيراواط ساعة، والشمس نحو 1.65، والطاقة المائية، بما فيها التوليد الناتج عن الضخ والتخزين، نحو 0.69 تيراواط ساعة. هذه أرقام إنتاج 2024؛ أما رقم 49 تيراواط ساعة المذكور أعلاه فيخص طلب سنة 2025، ولذلك لا نستخدمهما لحساب نسبة تخص سنة واحدة.

تشرح هذه الأرقام لماذا لا يكفي النظر إلى عدد الألواح أو التوربينات أو إلى القدرة المكتوبة على لوحة محطة ما. الميغاواط يقيس قدرتها اللحظية، أما الغيغاواط ساعة فيقيس كمية الكهرباء التي خرجت منها خلال مدة. وقد توجد محطة قادرة نظريًا على إنتاج قدر كبير من الكهرباء، لكن الغيوم أو توقف المعدات أو انخفاض المورد الطبيعي أو طريقة تشغيل الشبكة تجعل حصيلتها السنوية أقل مما يوحي به رقم القدرة.

المحور 2: ماذا يستورد المغرب لتلبية حاجياته؟

عندما نقول إن المغرب يعتمد على الخارج في الطاقة، يجب أن نحدد المقصود. فهناك وقود مستورد، مثل الفحم والغاز والمنتجات النفطية، يدخل البلاد ثم يُستخدم جزء منه لإنتاج الكهرباء داخل محطات مغربية. وهناك أيضًا كهرباء منتجة أصلًا خارج المغرب تعبر خطوط الربط الدولي لتدخل الشبكة الوطنية. المساران مختلفان، وإن انتهيا معًا إلى تلبية حاجة المستهلك.

في سنة 2024، استورد المغرب نحو 2.90 تيراواط ساعة من الكهرباء، عبر الربط الكهربائي مع الخارج، ولا سيما مع إسبانيا عبر مضيق جبل طارق، مقابل تصدير نحو 0.36 تيراواط ساعة؛ وبذلك بلغ صافي ما استورده من الكهرباء قرابة 2.54 تيراواط ساعة. وقد مثلت واردات الكهرباء، قبل طرح الصادرات، نحو 6.3% من الطلب الكهربائي المغربي في تلك السنة. وتعني عبارة «عبر إسبانيا» جهة عبور الكهرباء في الشبكة؛ فلا تحدد بالضرورة البلد الذي أُنتجت فيه كل وحدة منها. أما نسبة الاعتماد على الخارج البالغة 87.5%، بحسب مؤشرات الوزارة المؤقتة لسنة 2024، فهي تخص حاجيات المغرب من الطاقة كلها، وليس الكهرباء وحدها: وأبرز ما يدخل فيها المنتجات النفطية المستعملة خصوصًا في النقل، ثم الفحم المستعمل أساسًا لإنتاج الكهرباء، والغاز الطبيعي، فضلًا عن الكهرباء المستوردة مباشرة. وهذه قائمة بأهم أنواع الطاقة المعنية، وليست تقسيمًا حسابيًا للنسبة 87.5% بينها؛ لذلك لا تعني هذه النسبة أن المغرب يستورد 87.5% من كهربائه.

من هذه الزاوية، تساعد الشمس والرياح على إنتاج الكهرباء دون استيراد وقودهما. غير أن إدخال المزيد منهما إلى الشبكة يفتح تحديًا آخر: كيف نحافظ على الإمداد عندما تتغير سرعة الرياح أو تغيب الشمس؟ بعض الحلول تقوم على مرونة المحطات والشبكة والربط الكهربائي، وبعضها على تخزين الطاقة. ونور ورزازات 3 مثال واضح على تخزينها في صورة حرارة.

المحور 3: داخل مجمع نور… لماذا تختلف المحطة الثالثة؟

قد توحي صور ورزازات بأن مجمع نور محطة واحدة ذات برج مرتفع. والواقع أنه يضم مراحل تستخدم وسائل مختلفة للاستفادة من الشمس. تعتمد نور 1 ونور 2 على مرايا أسطوانية مقعرة تركز الأشعة ضمن نظام شمسي حراري. وتستخدم نور ورزازات 3 برجًا مركزيًا وحقلًا واسعًا من المرايا المتحركة. أما نور 4 فتعمل بتقنية الألواح الكهروضوئية التي تحول الضوء إلى كهرباء مباشرة. والتمييز بين هذه التقنيات ضروري: فالبرج والخزانات اللذان نتحدث عنهما يخصان نور 3، وليس كل مراحل المجمع. irena.org

تقع نور ورزازات 3 بجهة درعة تافيلالت، وتبلغ قدرتها الاسمية 150 ميغاواط. بدأت عملياتها التجارية في الربع الأخير من 2018، وفق بطاقة ACWA Power (مجموعة سعودية مطوّرة ومستثمرة في المشروع، وتتولى شركة تابعة لها تشغيل المحطة وصيانتها). وتصف Sener (مجموعة هندسية إسبانية شاركت في تصميم المحطة وإنجازها) حقلًا يضم نحو 7,400 مرآة متتبعة، بمساحة عاكسة إجمالية تقارب 1.3 مليون متر مربع، موزعة في حقل شمسي مساحته نحو 550 هكتارًا. أما الشريك المغربي في المشروع فهو الوكالة المغربية للطاقة المستدامة «مازن».www.acwapower.com

أما ارتفاع البرج يستدعي تدقيقًا اذ يتكلم في التواصل الاجتماعي عن 243 مترا، في حين تسجل ACWA Power وSener ارتفاعه في حدود 250 مترًا. وما يهم لفهم التقنية أن المستقبل الشمسي يوجد أعلى هذا البرج، في مرمى الأشعة التي تعكسها آلاف المرايا.

المحور 4 : ماذا تفعل المرايا والأملاح والبخار؟

تُسمى كل مرآة متحركة في حقل المحطة مرآة متتبعة للشمس أو هليوستات (Heliostat). وهي ليست لوحًا كهروضوئيًا (Photovoltaic Panel) يولد الكهرباء مباشرة عند سقوط الضوء عليه؛ بل تتحرك وفق موقع الشمس، وتوجّه أشعتها إلى المستقبل الشمسي (Solar Receiver) أعلى البرج. ورغم انتشار المرايا على مساحة واسعة، تتلاقى الأشعة التي تعكسها عند المستقبل، فتنتج حرارة قوية يستفيد منها النظام الحراري للمحطة.

تُضخ الأملاح المنصهرة (Molten Salts) من الخزان البارد (Cold Salt Tank) إلى المستقبل أعلى البرج. وتوضح وثيقة شركة Sener التقنية أن حرارة الأملاح تكون في هذه المرحلة في حدود 300 درجة مئوية، ثم ترتفع داخل المستقبل إلى أكثر من 550 درجة مئوية بفعل الأشعة المركزة. وبعد ذلك تنتقل إلى الخزان الساخن (Hot Salt Tank)، حيث تُحفظ حرارتها إلى حين الحاجة إليها.

كيف نقرأ الإنفوغراف؟ ① تعكس المرايا أشعة الشمس نحو البرج. ② تُضخ الأملاح من الخزان البارد، عند نحو 300°م. ③ تسخن في المستقبل الشمسي أعلى البرج. ④ تُحفظ في الخزان الساخن، بعد تجاوز حرارتها 550°م. ⑤ تنقل حرارتها إلى مولّد البخار، ثم تعود إلى الخزان البارد. ⑥ يدير البخار التوربين والمولّد. ⑦ تُرسل الكهرباء إلى الشبكة. الأنابيب الزرقاء تمثل أملاحًا أقل حرارة، وليست ماءً.

عندما يحين وقت إنتاج الكهرباء، تمر الأملاح الساخنة عبر مولّد البخار (Steam Generator)، فتنقل حرارتها إلى الماء وتحوّله إلى بخار عالي الضغط؛ أما الأملاح فلا تتحول إلى بخار، بل تظل في دورتها الخاصة. يدير البخار توربينًا (Turbine) متصلًا بـمولّد كهربائي (Electric Generator)، ثم تُنقل الكهرباء إلى الشبكة الكهربائية (Electric Grid). وفي الوقت نفسه، تعود الأملاح بعد أن فقدت جزءًا من حرارتها إلى الخزان البارد، لتُضخ لاحقًا نحو المستقبل وتسخن من جديد. وهكذا تتكرر الدورة، وتصبح حرارة جُمعت نهارًا متاحة لإنتاج الكهرباء بعد الغروب.

بعد غروب الشمس تتوقف المرايا عن جمع طاقة شمسية جديدة. لكن إذا كان الخزان الساخن يحتفظ بقدر كاف من الحرارة، تستطيع المحطة مواصلة تمريرها إلى نظام البخار وتوليد الكهرباء. وتذكر ACWA Power سعة تخزين تعادل نحو سبع ساعات، فيما تورد Sener سبع ساعات ونصفًا من التشغيل المكافئ للتوربين. إنها مواصفات للتخزين في ظروف التصميم؛ أما ما يحدث في يوم معين فيعتمد على ما جُمع من حرارة، ومعدل إنتاج الكهرباء، وحالة المنظومة واحتياجات الشبكة. www.acwapower.com

لنتخيل الخزان وكأنه «رصيد من الحرارة». يزداد الرصيد عندما تُسخنه الشمس نهارًا، وينقص كلما استُخدم في توليد الكهرباء. إذا كان النهار أقل إشعاعًا، أو طُلب من المحطة إنتاج أكبر في وقت مبكر، تغيرت كمية الحرارة المتاحة للساعات اللاحقة. لذلك فإن قولنا «تنتج الكهرباء بعد الغروب» صحيح من حيث المبدأ، لكن قولنا «تنتج الكهرباء طوال الليل دائمًا» لا تدعمه سعة التخزين المعلنة.

المحور 5 : ما الذي تضيفه المحطة للشبكة المغربية؟

خامسًا: ما الذي تضيفه المحطة للشبكة المغربية؟

ميزة نور ورزازات 3 أنها تتيح قدرًا من التحكم في وقت تقديم الكهرباء الشمسية. ففي الألواح الكهروضوئية يتزامن الإنتاج المباشر مع وصول الضوء، ما لم يُضف إليها نظام تخزين. أما المحطة الشمسية الحرارية، فتستطيع جمع جزء من طاقة النهار في الخزان ثم استخدامه عند اشتداد الحاجة في المساء. وهذه المرونة هي سبب الاهتمام بالتخزين: فالشبكة لا تسأل فقط «كم كهرباء أنتجنا هذا العام؟»، بل تسأل أيضًا «هل توجد كهرباء كافية هذه الساعة؟».

غير أن هذه الميزة التقنية جاءت باستثمار كبير، وتستدعي أرقامه قراءة حذرة. تعرض وزارة الانتقال الطاقي كلفة مشروع نور ورزازات 3 بنحو 7.18 مليارات درهم، وهو الرقم الذي يورده أيضًا تقرير لبنك التنمية الإفريقي بوصفه كلفة استثمارية مرصودة للمشروع. في المقابل، تضع شركة أكوا باور كلفته عند 942 مليون دولار. ولتقريب حجم الفارق للقارئ فقط، فإن احتساب الدولار بعشرة دراهم يعطي نحو 9.42 مليارات درهم، أي أكثر من الرقم الأول بنحو 2.24 مليار درهم. وهذا تحويل توضيحي، وليس سعر الصرف الذي اعتُمد عند تمويل المشروع. لا توضح البيانات المنشورة في هذين العرضين على نحو كافٍ سبب اختلاف الرقمين، أو ما إذا كانا يشملان البنود نفسها؛ لذلك نعرضهما بتسميتهما ومصدريهما، من غير اعتبار أحدهما الكلفة النهائية المثبتة للمحطة. وتذكر الوزارة كذلك إنتاجًا سنويًا متوقعًا قدره 500 غيغاواط ساعة؛ وهو تقدير للمشروع، لا سجل لما أُنتج فعليًا في كل سنة.

وتظهر أهمية الدقة نفسها في الأرقام البيئية. تضع بعض بطاقات المشروع تقديرات لكمية انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي يمكن تجنبها سنويًا، لكن هذه التقديرات تعتمد على افتراضات بشأن مقدار الإنتاج وما هي الكهرباء التي ستحل محلها المحطة. إذا توقف الإنتاج مدة طويلة، لا يصح ترديد مقدار الانبعاثات المتوقع تجنبها كما لو كان نتيجة مقاسة لتلك السنة. وينطبق الأمر على تقديرات عدد المنازل المستفيدة: فهي وسيلة تقريبية لتصوير الحجم، وليست قائمة بمنازل لا تتلقى الكهرباء إلا من نور 3.

أما المياه فهي جانب آخر يحتاج إلى شرح متوازن. تشير Sener إلى أن التكثيف الهوائي يخفض استهلاك الماء في تبريد دورة البخار مقارنة بحل يعتمد على التبريد المائي. لكن المحطة تظل بحاجة إلى إدارة مواردها، ومنها الماء المستخدم في عمليات مثل تنظيف المرايا؛ ومن ثم لا يكفي وصفها بأنها «قليلة الاستهلاك للمياه» دون تحديد نطاق القياس والبيانات الفعلية. group.sener

المحور 5 : حين يصبح الخزان اختبارًا لموثوقية التقنية

تتوقف فائدة التخزين على سلامة الخزان الذي يحتفظ بالحرارة. وقد واجهت نور ورزازات 3 هذا الاختبار بصورة ملموسة؛ إذ أدى تسرب في خزان الأملاح الساخنة إلى توقف طويل بدأ في فبراير 2024. وسجل التقرير السنوي للشركة المشغلة أثر ذلك التوقف على أعمالها، قبل أن يُعلن استئناف تشغيل المحطة في أبريل 2025 بعد أعمال إصلاح وفحص. هذه الوقائع لا تلغي قدرة التقنية على التوليد بعد الغروب، لكنها تبين الفرق بين القدرة النظرية المتاحة والكهرباء التي يمكن الاعتماد على وصولها فعليًا. ACWA Power 2024 Integrated Annual Report

في يوليو 2026، أفادت تقارير صحفية بتوقف مؤقت لمحطة نور ورزازات 3. وذكرت تقارير أن التوقف يرافق أعمال ربط خزان جديد للأملاح الساخنة، وهي أعمال تتطلب تسخين الدوائر تدريجيًا وإجراء اختبارات قبل إعادة التشغيل. لكن تقريرًا صحفيًا آخر أرجع التوقف إلى رصد تسرّب في الخزان القائم. وفي غياب توضيح أحدث يحسم هذه الروايات ويؤكد وضع المحطة التشغيلي، يبقى من الأدق وصف قدرتها على إنتاج الكهرباء بعد الغروب بوصفها خاصية لتصميمها، دون الجزم بأنها تنتج الكهرباء حاليًا أو بأنها متوقفة نهائيًا. le360.ma

وتطرح تجربة نور ورزازات 3 سؤالًا أوسع أمام سياسة الكهرباء في المغرب: كيف يُختار المزيج المناسب من الطاقة الشمسية الحرارية، والألواح الكهروضوئية مع البطاريات، والرياح، والطاقة المائية، وغيرها من وسائل التخزين ومرونة الشبكة؟ لا تكفي كلفة إنشاء المحطة وحدها للإجابة؛ فتوقيت الحاجة إلى الكهرباء، ومدة تخزينها، وكلفة التشغيل والصيانة، وموثوقية المعدات عوامل تدخل أيضًا في التقييم. ومن هذه الزاوية، تقدم نور 3 تجربة في إنتاج كهرباء شمسية يمكن توجيهها إلى ساعات المساء حين تكون المحطة جاهزة للتشغيل، ودروسًا عملية بشأن متطلبات صيانة هذا النوع من المحطات. وهذه خلاصة تحليلية، وليست تصريحًا من الجهة المشغلة.

الخاتمة : البرج العالي والسؤال الأهم

يجذب برج ورزازات العين من بعيد، لكن فكرته الحاسمة لا تُرى كلها في الصورة: تأخير الاستفادة من حرارة الشمس إلى ما بعد غروبها. تتعاون آلاف المرايا مع المستقبل أعلى البرج، والخزانات مع مولد البخار والتوربين، لكي تصبح أشعة النهار كهرباء في ساعة أخرى. وهذا إنجاز تقني يستحق الشرح، بعيدًا عن العبارة المضللة التي توحي بأن الشمس تضيء المرايا ليلًا.

لا يقتصر السؤال الأهم للمغرب على ارتفاع برج نور ورزازات 3 أو قدرتها البالغة 150 ميغاواط؛ فهذا الرقم يبيّن كمية الكهرباء التي تستطيع المحطة إنتاجها في لحظة تشغيلها بقدرتها الاسمية، ولا يبيّن إنتاجها على مدار السنة. وتقدّر بطاقة المشروع إنتاجها السنوي بنحو 500 غيغاواط ساعة (أي 0.5 تيراواط ساعة)، أي ما يعادل تقريبًا 1% من طلب المغرب على الكهرباء سنة 2025 (مقارنة مع طلب المغرب الذي بلغ 49 تيراواط ساعة سنة 2025) إذا تحقق ذلك الإنتاج. وتظهر قيمتها أيضًا في إمكان تخزين حرارة الشمس نهارًا لإنتاج الكهرباء خلال ساعات المساء. لكن تحديد إسهامها الفعلي في تلبية الطلب وتقليل استعمال الوقود المستورد يتطلب معرفة ما أنتجته حقًا، وساعات إنتاجه، وكلفته، ومدى انتظام تشغيلها؛ فلا يمكن استنتاج مقدار الواردات التي وفّرتها من قدرتها الاسمية وحدها.

ملخص المقال

بلغ الطلب المغربي على الكهرباء نحو 49 تيراواط ساعة سنة 2025. وهذا الرقم يعبّر عن كمية الكهرباء المطلوبة خلال سنة كاملة. في المقابل، تعبّر قدرة المحطات، المقاسة بالميغاواط، عن مقدار ما تستطيع إنتاجه في لحظة معينة. يساعد هذا الفرق على فهم مكانة نور ورزازات 3: فقدرتها الاسمية 150 ميغاواط، لكن هذه القدرة وحدها لا تخبرنا بكمية الكهرباء التي أنتجتها فعلًا، ولا بعدد الساعات التي كانت فيها متاحة للشبكة. تقع المحطة ضمن مجمع نور قرب ورزازات، وتستخدم الطاقة الشمسية الحرارية المركزة. يتتبع نحو 7,400 مرآة متحركة، تسمى كل منها هليوستات، حركة الشمس ويوجه أشعتها نحو مستقبل أعلى برج يبلغ ارتفاعه نحو 243 مترًا. تختلف هذه المرايا عن الألواح الكهروضوئية: فهي لا تنتج الكهرباء مباشرة، بل تجمع الحرارة التي يحتاج إليها نظام المحطة. تُضخ الأملاح المنصهرة من الخزان الأقل حرارة إلى المستقبل أعلى البرج، حيث ترتفع حرارتها من نحو 300 إلى أكثر من 550 درجة مئوية بفعل الأشعة المركزة. ثم تنتقل إلى خزان ساخن معزول. وعند الحاجة إلى الكهرباء، تنقل الأملاح حرارتها إلى الماء لإنتاج البخار، فيدير البخار توربينًا متصلًا بمولّد كهربائي. بعد ذلك تعود الأملاح، وقد انخفضت حرارتها، إلى الجانب البارد من الدورة. يتيح تخزين الحرارة للمحطة إنتاج الكهرباء بعد الغروب عندما تكون جاهزة للتشغيل ويتوافر مخزون حراري كافٍ. تقدّر بطاقة المشروع إنتاج نور ورزازات 3 السنوي بنحو 500 غيغاواط ساعة. ويعادل هذا، للمقارنة، حوالي 1% من الطلب المغربي على الكهرباء سنة 2025 إذا تحقق الإنتاج المتوقع. ولا يجوز اعتبار هذا التقدير حصيلة فعلية لكل سنة؛ فالإنتاج يتأثر بأشعة الشمس، والتشغيل، والصيانة، والتوقفات. كما لا يمكن تحويله مباشرة إلى رقم محدد عن الوقود المستورد الذي وفّرته المحطة، لأن ذلك يتوقف على نوع الكهرباء التي حلّت محلها وتوقيت إنتاجها. وتُظهر تجربة المحطة أهمية الموثوقية إلى جانب الابتكار. فقد أدى تسرّب في خزان الأملاح الساخنة إلى توقف طويل بدأ سنة 2024، قبل إعلان عودة الإنتاج في أبريل 2025. وفي يوليو 2026، تحدثت تقارير صحفية عن توقف جديد، لكنها اختلفت بشأن سببه. لذلك يحتاج أي حكم على وضع المحطة التشغيلي الراهن إلى إعلان موثوق ومحدّث من الجهات المعنية. تتجاوز قيمة نور ورزازات 3 مشهد برجها ومراياها. فهي تجربة مغربية مهمة في تخزين حرارة الشمس وتوجيه إنتاج الكهرباء إلى ساعات المساء، وفي الوقت نفسه تذكير بأن تقييم أي تقنية يتطلب النظر إلى إنتاجها الفعلي وكلفتها وانتظامها وصيانتها. وتساعد دروسها على المفاضلة بين الطاقة الشمسية الحرارية، والألواح الكهروضوئية مع البطاريات، والرياح، والطاقة المائية، وغيرها من الوسائل القادرة على تلبية الطلب حين يحتاج الناس إلى الكهرباء.

الكلمات المفتاحية: نور ورزازات 3؛ الكهرباء بالمغرب؛ تخزين الطاقة الحرارية؛ الطاقة الشمسية المركزة.

English Summary

Morocco’s electricity demand reached approximately 49 terawatt-hours in 2025. This figure measures the electricity needed over an entire year. A power plant’s capacity, measured in megawatts, describes how much it can produce at a given moment. The distinction is essential to understanding Noor Ouarzazate III: its rated capacity is 150 megawatts, but that number alone does not tell us how much electricity it actually generated or how consistently it was available to the grid. Located within the Noor solar complex near Ouarzazate, the plant uses concentrated solar power. Approximately 7,400 moving mirrors, known as heliostats, follow the sun and direct its rays toward a receiver atop a tower roughly 243 metres high. Unlike photovoltaic panels, these mirrors do not convert sunlight directly into electricity. They concentrate solar heat for use in the plant’s thermal system. Molten salts are pumped from a cooler tank to the receiver at the top of the tower. Concentrated sunlight raises their temperature from about 300°C to more than 550°C before they flow into an insulated hot tank. When electricity is needed, the hot salts transfer heat to water, producing steam that drives a turbine and generator. The cooled salts then return to the cooler side of the cycle. This thermal storage allows the plant to generate electricity after sunset when it is operational and sufficient heat has been stored. The project’s official information sheet gives an estimated annual output of 500 gigawatt-hours. If achieved, that would amount to roughly 1% of Morocco’s 2025 electricity demand. It is a useful indication of scale, not a record of what the plant produced every year. Actual output depends on sunlight, operation, maintenance and outages. Nor can the estimate, on its own, establish how much imported fuel the plant has displaced: that depends on when its electricity was delivered and which other sources it replaced. The plant’s history also shows why reliability matters. A leak in the hot molten salt tank led to a prolonged shutdown beginning in 2024; production was announced to have resumed in April 2025. In July 2026, news reports described another stoppage but differed over its cause. An up-to-date statement from the responsible organisations is therefore needed before making a definite claim about the plant’s current operating status. Noor Ouarzazate III’s value extends beyond its tall tower and vast mirror field. It demonstrates how stored solar heat can make electricity available during evening hours, while offering practical lessons about the costs and maintenance demands of the technology. Those lessons can inform Morocco’s choices among concentrated solar power, photovoltaic panels with batteries, wind, hydropower and other ways of supplying electricity when it is needed.

Keywords: Noor Ouarzazate III; Morocco’s electricity; thermal energy storage; concentrated solar power.

المراجع الأساسية :

  1. المكتب الوطني للكهرباء: حصيلة سنة 2025 المنشورة لدى وزارة الاقتصاد والمالية.
  2. جدول الإنتاج والمبادلات الكهربائية لسنة 2024، ص 59.
  3. وزارة الانتقال الطاقي: بطاقة مشروع نور ورزازات 3.
  4. ACWA Power: بيانات المحطة والقدرة والتخزين والتكلفة.
  5. Sener: المخطط التقني لمسار الأملاح وتوليد الكهرباء.
  6. إعلان استئناف التشغيل في أبريل 2025، نقلًا عن مازن.
  7. تقرير يوليو 2026 عن أعمال الخزان الجديد.

=========================

مقالات الكاتب ذات الصلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى