المغرب بين استقرار الدولة وقلق المجتمع: نحو عقد جديد للثقة

د. الحسـن اشباني
مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب، خبير و صحفي مهني
=======================

المغرب بين استقرار الدولة وقلق المجتمع
أقدم للقراء هذا الحوار الفكري والسياسي الذي نظمته مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد ضمن ناديها للحوار السياسي، حول سؤال لم يعد يحتمل التأجيل: أيُّ استقرار نريد للمغرب؟
انطلق النقاش من أحداث الهجرة الجماعية نحو سبتة، لا باعتبارها واقعة عابرة أو مجرد هجرة غير نظامية، بل بوصفها علامةً مقلقة على أزمة أعمق تمس الثقة والأمل والكرامة وإمكان بناء المستقبل داخل الوطن. وتوقفت المداخلات عند الفرق بين استقرار الدولة واستقرار المجتمع، وبين الأمن بوصفه حمايةً من الخطر، والاستقرار بوصفه عدالةً وفرصاً وخدماتٍ ومؤسساتٍ موثوقة وقدرةً على الإصغاء للمواطنين. كما ناقش المتدخلون هشاشة التمثيل السياسي، والعزوف الانتخابي، وتغول المصالح والفساد، وتراجع الأمل لدى الشباب، ثم الحاجة إلى أن تتحول الانتخابات والحياة العامة إلى مجال حقيقي للمساءلة والاختيار، لا إلى مجرد استمرارية بلا أثر.
ولا ينتهي الحوار عند التشخيص، بل يفتح أفقاً واضحاً: حوار وطني مجتمعي جاد، وتجديد للعقد الاجتماعي، واستقرار يقوم على الدولة والمجتمع معاً؛ لا على الصمت والخوف وتأجيل الأزمات.
قراءة موضوعاتية جامعة لمداخلات نادي الحوار السياسي بمؤسسة عبد الرحيم بوعبيد
بيانات اللقاء: نظمت مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد، ضمن حلقات نادي الحوار السياسي، لقاءً بعنوان «نحو مفهوم جديد للاستقرار»، يوم الثلاثاء 1 شتنبر 2026 بمقر المؤسسة. أدار الجلسة وقدم لها الأستاذ محمد الأشعري، وقدم العرض الرئيس الأستاذ محمد حفيظ، بمشاركة الأساتذة: عبد الحميد عقار، المعطي منجب، لطيفة البوحسيني، عبد العلي حامي الدين، رشيد البلغيتي، وفاطمة الإفريقي.
تقديم الأستاذ محمد الأشعري : من الطمأنينة الزائفة إلى استقرارٍ حقيقي
افتتح الأستاذ محمد الأشعري هذا اللقاء بسؤال جوهري أثارته أحداث الهجرة الجماعية نحو سبتة (30 و 31 يوليوز 2026): هل ما زال المفهوم السائد للاستقرار قادراً على فهم ما يجري في المجتمع المغربي، وعلى الاستجابة لتحولاته وتطلعاته؟ فقد قام هذا المفهوم، زمناً طويلاً، على القوة والضبط والتحكم من جهة، وعلى استمرار طقوس ديمقراطية محدودة الأثر من جهة أخرى. غير أن هذه الصيغة لم تعد، في نظره، لا ناجعة ولا مقنعة ولا مضمونة النتائج؛ لأنها تصطدم بمواطنة جديدة، وبمجتمع لم يعد يقبل أن يُختزل في الصمت أو في انتظار الحلول الجاهزة.

واستحضر الأستاذ الأشعري ما أعقب حركة 20 فبراير ودستور 2011، حين أُنتجت صيغة مختلفة للاستقرار، قوامها الانفتاح على المستقبل والاعتراف بالخيار الديمقراطي. لكنه سجل أن المقاربة ذاتها لم تُستدعَ بالقدر الكافي في مواجهة الأزمات اللاحقة، حيث غاب النقاش العمومي داخل المؤسسات، وحل الصمت محل التفسير والمساءلة. ومن هنا دعا إلى إعادة التفكير في الاستقرار: لا بوصفه جموداً أو استمراريةً بلا أفق، بل باعتباره قدرةً على الإصغاء، والنقد الذاتي، والحوار، وإنتاج حلول مشتركة. فالمغرب، في حاجة إلى استقرار يحمي الدولة والمجتمع معاً، ويجعل من الحرية والعدالة والكرامة والثقة عناصرَ أساسية في معادلته. وبهذه الأرضية، منح الأستاذ الأشعري الكلمة للأستاذ محمد حفيظ، لتقديم رؤيته حول الحاجة إلى مفهوم جديد للاستقرار.
المحور 1: أيُّ استقرار نريد؟ من الاستمرارية إلى الاستقرار المستدام
منهج التجميع: يجمع هذا النص المداخلات بحسب المحاور، لا بحسب ترتيب الكلام، مع تثبيت أسماء المتدخلين وفق الترتيب الزمني للتسجيل.
الأستاذ محمد حفيظ
افتتح الأستاذ محمد حفيظ النقاش من سؤال مباشر: لماذا نحتاج إلى مفهوم جديد للاستقرار؟ فالمفهوم القديم، في رأيه، قام على القوة والضبط والتحكم، وعلى استمرار طقوس ديمقراطية لا تمتلك دائماً مضموناً ديمقراطياً فعلياً. ولم تعد هذه الصيغة مقنعة أو مضمونة النتائج، بسبب مواطنة جديدة وعولمة اقتصادية وثقافية وإعلامية، وبسبب محدودية أدوات السلطة القديمة في التأثير والاستجابة. ولا ينفي المتدخل وجود درجة من الاستقرار السياسي والمؤسسي: النظام مستمر، ومؤسسات الدولة قائمة، ولا توجد انقلابات أو صراعات تهدد وجوده. لكنه يؤكد أن هذا لا يكفي. فالاستقرار المستدام يجمع بين استمرارية النظام والثقة في المؤسسات وتماسك المجتمع وتجدد الشرعية والقدرة على الاستجابة للمطالب ومعالجة الاختلالات قبل تحوّلها إلى انفجار. ويرى أن الاستقرار لا ينبغي أن يقوم على قدم واحدة هي استقرار الدولة والنظام، بل على قدمين: استقرار الدولة، واستقرار المجتمع في علاقته بها. فالاحتجاج ليس نقيضاً للاستقرار متى استجابت المؤسسات وحولته إلى إصلاح؛ أما تكراره في القضايا نفسها من دون حلول مقنعة، فيحوّل التوتر الاجتماعي إلى خطر سياسي.
الأستاذ محمد الأشعري
اعتبر الأستاذ الأشعري أن الاستقرار ليس حالة جامدة؛ فاللااستقرار والأزمات جزء من حركة المجتمعات، وقد تكون الأزمات محفزاً للتفكير في بدائل جدية. وحذر من اختزال الاستقرار في الأمن والجمود واستمرار الإيقاع السياسي نفسه، لأن ذلك قد ينتهي إلى تفسخ المشروع الديمقراطي من دون انتباه. وفي جوابه الختامي، وصف الاستقرار بأنه «مزرعة للانفجارات»: فالانفجار يقع في الأجسام التي تبدو مستقرة، لا في الوضع المضطرب الظاهر. لذلك دعا إلى يقظة فكرية دائمة وصياغة أفكار لما بعد الوضع القائم، وإلى تجديد التعاقد أكثر من مجرد تجديد لفظ الاستقرار.
الأستاذ رشيد البلغيتي : «دفء إيت مبارو»… حين يخفي الدفءُ الخطر
استعار الأستاذ رشيد البلغيتي من ذاكرة الواحات قصة أسرة فقيرة تُعرف بـ«إيت مبارو»، لتصوير ذلك الاستقرار الذي يبدو دافئاً ومطمئناً في ظاهره، فيما يختزن تحته أسباب الانهيار.

في شتاء الواحات القارس، حيث يشتعل الصيف جحيماً ويهبط البرد في الشتاء كأنه زمهرير، كانت أسرة إيت مبارو تنام في صحن بيتها المفتوح على السماء، بلا فراش يقيها وبلا غطاء يرد عنها لسع الليل. ومع كل صباح، كان رب الأسرة يخرج إلى أهل الواحة مبتهجاً ويقول: «ما أروع هذا الشتاء… إنه دافئ». فينظر إليه الناس بدهشة ويجيبونه: «أي دفء تتحدث عنه؟ إنه أقسى شتاء مرّ علينا منذ سنوات». لكن الأسرة كانت تصر على أن دفئاً خفياً يملأ البيت. وذات ليلة متأخرة، قطع صراخ الأسرة سكون الواحة. هرع الجيران، ليجدوا أم إيت مبارو قد هوت في حفرة انفتحت في صحن الدار. عندها انكشف السر: تحت طبقة الطين التي كانت تغطي أرض البيت تراكم، عبر سنوات طويلة، تبن تحوّل إلى غبار؛ وكان يشتعل في الداخل ببطء، فيبعث حرارة خادعة. لقد شعرت الأسرة بالدفء حقاً، لكنها لم تكن تدري أن النار التي تدفئها كانت تحفر، في صمت، طريقها إلى انهيار البيت. بهذه الصورة المكثفة، يصف الأستاذ رشيد البلغيتي الاستقرار الرسمي: قشرة تبدو متماسكة من فوق، ومؤشرات براقة عن مشاريع وأرباح وتصدير، بينما تحتها واقع اجتماعي متحرك، وهشاشة تتراكم، وضحايا قد يغيبون عن التعريف الرسمي للنجاح.
استخلص الأستاذ رشيد البلغيتي من حكاية «دفء إيت مبارو» أن الاستقرار الذي يبدو متماسكاً في ظاهره قد يخفي تحته هشاشةً متراكمة وخطراً صامتاً. وربط ذلك باختيارات اقتصادية تُقاس بالأرباح والتصدير والمشاريع، فيما قد يغيب ضحاياها عن تعريف النجاح. فالاستقرار الحقيقي، في نظره، لا يصنعه إسكات الأصوات الناقدة، بل الإنصات إلى المجتمع ومعالجة أسباب الهشاشة قبل أن تتحول إلى أزمة.

الأستاذة فاطمة الإفريقي
طرحت الأستاذة فاطمة الإفريقي تعارضاً بين تعريف رسمي للاستقرار، تصنع صورته وسائل الإعلام والاحتفالات والمشاريع الكبرى والبنيات التحتية والمواعيد الانتخابية، وتعريف شعبي يتصل بما يعيشه الناس من حرية وكرامة وأمن اجتماعي وقدرة على بناء معنى لحياتهم اليومية. فقد يبدو البلد، في الصور الرسمية، مستقراً: احتفالات ممتدة، منشآت تتوسع، مشاريع تعلن، و«عرس انتخابي» مقبل. لكن هذا الاستقرار الظاهر لا يكفي، في رأيها، إذا كان المواطن لا يجد مجالاً للعيش الكريم، ولا يشعر باحترام صوته وحريته وذاته. والاستقرار ليس بديلاً عن الحياة السياسية بما فيها من حركية واختلاف وصراع سلمي واحتجاج وحرية تعبير ومشاريع متنافسة؛ فإذا أُفرغت الحياة العامة من هذه الدينامية، تحول الاستقرار إلى جمود، «كصورة بحر بلا صوت».

الأستاذ عبد الحميد عقار
أكد الأستاذ عبد الحميد عقار أن مفهوم الاستقرار ينبغي أن يُفهم من معناه اللغوي والاجتماعي الأعمق: التمكّن قبل الإقامة؛ أي امتلاك وسائل العيش والإقامة الحرة. فالمستقر ليس فقط من يسكن مكاناً بلا اضطراب أمني، بل من يملك شروط الحياة الكريمة التي تمنحه القدرة على البقاء والمشاركة والأمل. وبهذا المعنى، لا يكفي أن تكون المؤشرات الأمنية مستقرة، ولا أن تغيب الحرب أو الانقلابات أو الصراعات المسلحة. فالاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي ينبغي أن يلتقي باحترام الدستور، وبوجود مؤسسات ذات وظيفة حقيقية، وبوصل الزمن السياسي والبرلماني بالزمن الاستراتيجي للدولة، لا بالفصل بينهما. ومن ثم، فإن الاستقرار النافع لا يمكن أن يقوم على التطمين الخطابي أو على تجميل الصورة، بل على تمكن الناس من شروط العيش الحر، وعلى مؤسسات تستمد شرعيتها من احترام القواعد الدستورية، ومن قدرتها الفعلية على وصل القرار الاستراتيجي بالمجال السياسي والبرلماني والمجتمعي.

المحور 2: سبتة والهجرة الجماعية — من الاحتجاج إلى الخروج من الوطن
الأستاذ محمد حفيظ
اتخذ الأستاذ محمد حفيظ من أحداث سبتة منطلقاً لتحليله. فالتزامن بين خطاب رسمي عن الاستقرار، واستعداد عشرات الآلاف لمواجهة البحر والجدران والأسلاك الشائكة، دفعه إلى طرح السؤال المركزي: هل يمكن الحديث عن استقرار سياسي لا يوازيه استقرار اجتماعي، أو لا يفضي إليه؟ وأوضح أن الهجرة الجماعية لا يجوز اختزالها في توصيف «الهجرة غير النظامية». فالمحتج في الشارع يقول للدولة: أريد تغيير شيء هنا؛ أما من يخاطر بحياته للوصول إلى الضفة الأخرى، فيقول بصورة عملية: لم أعد أرى مستقبلي هنا. لذلك مثلت أحداث سبتة، في نظره، انتقالاً من الخروج إلى الشارع إلى الخروج من البلد، ومن فقدان الثقة في الأحزاب والانتخابات والمؤسسات إلى فقدان الثقة في إمكان بناء مستقبل داخل الوطن.
ولفت إلى أن ما وقع لم يكن حادثاً فردياً ولا مجرد اندفاع لحظي؛ إذ كشف عن وجود استعداد واسع للرحيل لدى فئات من المجتمع، لا يحتاج إلا إلى فرصة أو احتمال لكي يتحول إلى واقع. ومن هنا كان السؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن الاستمرار في الحديث عن الاستقرار فيما يُظهر هذا الاستعداد الجماعي للمغادرة مقدار ما يعتمل في العمق من قلق ويأس وغياب للأفق؟ وانتقد الأستاذ حفيظ غياب الدولة، بعد الحدث، عن تقديم معلومات وتفسيرات وبلاغات جدية تساعد المجتمع على فهم ما جرى وما يستمر من تداعياته. ورأى أن المسؤولية لم تكن تقنية أو إدارية فقط، بل مسؤولية سياسية وإنسانية وأخلاقية، تجاه الأحياء والأموات وعائلاتهم والرأي العام. فكرامة الأحياء لا تنفصل عن كرامة الموتى، ولا يجوز أن يتحول مصير الناس إلى موضوع تفاوضي أو إلى أرقام عابرة في خطاب رسمي متأخر.
الأستاذ محمد الأشعري
رأى الأستاذ محمد الأشعري أن أحداث سبتة كشفت ضعف التربية على الوطنية، لا بمعنى لوم الناس على رغبتهم في المغادرة، بل بمعنى عجز المجتمع والدولة عن إعطاء المواطنين أسباباً مقنعة للشعور بأنهم يعيشون في مجتمع عادل ومنصف، وأن لهم مكاناً ومستقبلاً فيه. فالمشكلة، في نظره، ليست فقط أن الناس يريدون الذهاب إلى الخارج، بل أنهم يشعرون، وهم في الداخل، بأنهم غرباء في بلدهم. ويزداد هذا الإحساس مع ملاحقة الحريات، وغياب العدالة الاجتماعية، وضعف تكافؤ الفرص، واستمرار التمييز في حياة الناس اليومية. فهناك فئات تعيش فوق أرض المغرب، لكنها لا تشعر بأنها تعيش فيه فعلاً؛ لأن كل تفكيرها ينصرف إلى الإفلات من واقع ترى فيه تضييقاً على كرامتها وفرصها. وتوقف الأستاذ الأشعري عند الكيفية التي جرى بها التعامل الإعلامي والسياسي مع الضحايا. فالتأخر في تقديم المعطيات، وغياب خطاب إنساني واضح، وعدم مواكبة العائلات بما يليق من تعاطف وعزاء ومعلومات، يتحول في نظر المواطنين إلى مساس بالكرامة. وحذر من أن هذا النوع من التجاهل ليس تفصيلاً؛ لأنه يراكم الإحساس بالاحتقار، ويُضعف الثقة، ويهدد الاستقرار على المدى الطويل.
الأستاذ المعطي منجب
ربط الأستاذ المعطي منجب الهجرة بالحق والحرية، مستحضراً تجربة قريب فقير هاجر إلى أوروبا، لا طلباً للمال وحده، بل طلباً لما سماه «الحق والحرية»، بعد أن راكم شعوراً بالظلم في علاقته بالسلطة وبالحياة العامة. ومن هنا، رأى أن تفسير الهجرة بالفقر المطلق وحده لا يكفي، حتى مع تراجعه مقارنة بالسبعينيات والثمانينيات. فالمسألة تتصل أيضاً بالفقر النسبي واتساع الفوارق بين الطبقات، وبالمقارنة اليومية بين شروط العيش داخل البلد وما يراه المواطن، عبر العالم القريب والمتصل رقمياً، من إمكانات أخرى للحياة والكرامة وجودتها. وأكد أن قوة النظام في اتخاذ القرار وتنفيذه لا تكفي لضمان الاستقرار إذا لم تقترن بالنفاذ إلى العقول وبالمشروعية في نفوس الناس. فالقوة قد تفرض حضورها في المجال وفي الأجهزة، لكنها لا تصنع وحدها قناعةً ولا انتماءً ولا أملاً؛ والاستقرار الحقيقي، في رأيه، يقوم على الإحساس بالحق والحرية والاحترام، لا على القدرة المادية على التحكم وحدها.

الأستاذة فاطمة الإفريقي
عادت الأستاذة فاطمة الإفريقي إلى أحداث سبتة لتقرأها باعتبارها وجهاً عملياً لهذا الانسداد. فهي لم تكشف فقط بحث بعض الشباب عن الأمان الاقتصادي والاجتماعي، بل كشفت بحثاً عن كرامة إنسانية وحرية شاملة وقدرة على تقرير المصير. وأثارت سؤالاً مؤلماً: هل انتقلنا من مجتمع كان يبحث، في لحظات سابقة، عن خلاص جماعي وبدائل مشتركة، إلى أفراد يبحث كل واحد منهم عن خلاصه الشخصي ولو بالمخاطرة بالحياة؟ فالهجرة، وإن بدت جماعية في زمانها ومكانها، تظل في عمقها بحثاً فردياً عن النجاة حين يضعف الإحساس بإمكان التغيير داخل الوطن. وتوقفت أيضاً عند ضعف رد الفعل المنظم بعد هذه الأحداث؛ ليس فقط صمت الحكومة، بل ضعف حضور أصوات مجتمعية وسياسية قادرة على التعبير الجماعي عن رفض ما وقع وطلب مساءلة حقيقية. واعتبرت أن الصمت القائم لا ينبغي فهمه بوصفه رضاً، بل قد يكون «صمتاً عقابياً» يعبر عن القطيعة وعن الإحساس بأن الكلام والاحتجاج لم يعودا مجديين. وهذا، في رأيها، من أخطر ما يمكن أن يصل إليه مجتمع؛ لأن اليأس من الفعل والكلمة يفتح باباً واسعاً للمجهول.
الأستاذ عبد العلي حامي الدين
ميز الأستاذ عبد العلي حامي الدين بين الأمن والاستقرار. فالمغرب حقق خطوات في حماية الدولة والمجتمع من المخاطر الأمنية والعسكرية والاقتتال الداخلي، وهذا مكسب لا ينبغي إنكاره. غير أن الاستقرار أوسع من الأمن؛ لأنه يقاس كذلك بالمؤشرات الاجتماعية والاقتصادية، وبمدى قدرة المواطنين على تصور مستقبل لهم داخل بلدهم. ولفت إلى حضور الفتيات والأمهات في مشاهد الهجرة الجماعية، وإلى أرقام الضحايا التي جرى تداولها. فهذه الوقائع، في نظره، لا تطرح سؤال الفقر المدقع وحده، بل سؤال حجم اليأس الذي يمكن أن يدفع نساءً وشباباً وأسرًا إلى وضع حياتهم موضع رهان، من غير ضمانة حقيقية لحياة أفضل وراء الضفة الأخرى. وتوقف عند مفارقة أن بعض الذين غادروا كانوا يشتغلون أو يتوفرون على قدر من التعليم، لكنهم لا يشعرون بالاستقرار ولا يرون أملاً في الغد. فالمطلوب، في نظره، ليس فقط تخفيض مؤشرات الفقر، بل فتح أفق فعلي للحياة، والعمل، والكرامة، والثقة في أن المؤسسات قادرة على الإنصات لمطالب الناس ومعالجة أسباب اليأس.

المحور 3: الهشاشة الاجتماعية والكرامة اليومية
الأستاذ محمد حفيظ
حدد الأستاذ محمد حفيظ مؤشرات الاستقرار الاجتماعي في انخفاض التفاوتات الحادة، والشعور بالعدالة والإنصاف، وتوفر فرص الشغل والخدمات الأساسية، والثقة والتماسك الاجتماعي، وقدرة الدولة والمجتمع على استيعاب التغيرات. واستعاد خريطة الاحتجاجات، من سيدي إفني وحركة 20 فبراير إلى حراك الريف وجرادة والمقاطعة الاقتصادية واحتجاجات جيل زد، ليبين أن المغرب ظل مستقراً سياسياً لكنه لم يحقق القدر نفسه من الاستقرار الاجتماعي المستدام.

الأستاذ المعطي منجب
أبرز المتدخل أن الفقر المطلق تراجع، لكن الفقر النسبي اتسع، وأن المقارنة اليومية مع مستويات العيش في العالم القريب والمتصل رقمياً تجعل الكرامة وجودة الحياة أهم من الدخل المجرد. واستشهد بسيدة فقيرة (انظر الفقرة الموالية) فضلت البقاء لأنها تجد معنى وحقاً في حياتها، ليؤكد أن السعادة لا تختزل في المستوى المادي.
حكاية السيدة الفقيرة: السعادة ليست ثمناً أعلى : ولكي يوضح هذه الفكرة، روى الأستاذ المعطي منجب مشهداً صغيراً من الدار البيضاء. فقد كان في معرض للكتاب المستعمل برفقة شاب من العائلة، في حدود العشرين من عمره، يعيش خارج المغرب. وجلسا لتناول الطعام عند سيدة فقيرة جداً تبيع مأكولاتها في الشارع. وفي أثناء الحديث، سألها الشاب، الذي كان يتحدث عن حبه للمغرب وعن صلة جزء من عائلته به، لِمَ لا تفكر في الذهاب إلى الخارج. فجاء جوابها بسيطاً وحاسماً: حتى لو ذهبت إلى هناك، وباعت هذه المأكولات بخمسين درهماً بدل خمسة دراهم، فلن تكون سعيدة. ثم أضافت أنها لا تريد الرحيل؛ لأن ثمن مأكولاتها سيرتفع هناك، ولأنها «تحب الحق». كانت السيدة فقيرة وأمية، لكن جوابها حمل معنى عميقاً: ليست السعادة مجرد مستوى مادي أعلى، بل هي أيضاً جودة حياة، وكرامة، ومعنى، وإحساس بالحق في المكان الذي يعيش فيه الإنسان.
الأستاذ عبد العلي حامي الدين
ركز الأستاذ عبد العلي حامي الدين على البطالة والعطالة والهشاشة، مذكراً بأن هناك ما بين 4 و5 ملايين من الشباب الذين لا يدرسون ولا يتكونون ولا يشتغلون. لكنه شدد على أن المؤشر الأخطر ليس البطالة وحدها، بل الهشاشة التي تطاول حتى من يشتغلون.
عاملات طنجة-العمل الذي لا يصنع حياة -: استحضر الأستاذ عبد العلي شهادات ومقاطع مصورة لعاملات في معامل طنجة. ومن بينها شابة تعمل بأجر شهري لا يتجاوز 3500 درهم، بينما تؤدي ما بين 2000 و2500 درهم للكراء، فضلاً عن مصاريفها اليومية الأخرى. إنها تشتغل، لكنها لا تملك من أجرها ما يمنحها استقراراً أو أمناً أو أفقاً للمستقبل. وفي الشمال أيضاً، نقل ما سمعه في أحد متاجر «مرجان»: نحو 15 شخصاً من العاملين في المتجر نفسه هاجروا في ذلك اليوم. وهذا يعني أن الهجرة لم تعد قراراً يخص العاطلين أو الفقراء المدقعين وحدهم؛ بل أصبح العاملون أنفسهم، ممن يملكون أجراً ولو محدوداً، يشعرون بالقلق من المستقبل وبضعف الأمل فيه. ومن هنا طرح السؤال الذي لا ينبغي تجاوزه: ما الذي أوصل المواطن إلى هذه الدرجة من اليأس؟ فالهجرة غير النظامية كانت موجودة دائماً، لكنها كانت تهم أفراداً أو عشرات أو مئات، لا آلافاً في يوم واحد. وهذا ما يجعل فهم أحداث سبتة شرطاً ضرورياً لتفادي تكرارها في المستقبل.
هجرة الأدمغة والقهر في الحياة اليومية : وتوقف الأستاذ عند نوع آخر من الهجرة أقل ظهوراً في المشهد الجماعي: آلاف الأطباء والمهندسين الذين يغادرون المغرب سنوياً. وهي، في رأيه، ليست بحثاً عن شروط مادية أفضل فقط، بل هي أيضاً نتيجة لما يعيشه المواطن يومياً في علاقته بالمستشفى العمومي والإدارة. فحين يذهب المواطن إلى المستشفى من أجل أم أو أخ أو ابنة مريضة، قد لا يجد المعاملة اللازمة، ولا يجد أحياناً مخاطباً يرشده، بل يجد رجل الأمن في الواجهة، وكأن تدبير المرفق الصحي يتم بلغة بعيدة عن بيداغوجية التعامل مع الإنسان المريض. وفي الإدارة أيضاً، يشعر بالقهر والحكرة وعدم الاحترام وهو يسعى إلى قضاء مصلحة بسيطة أو الحصول على وثيقة أو رخصة. ويزداد هذا الشعور حين يرى مسؤولين يتنافسون على الصفقات وتضارب المصالح، بينما يفترض فيهم خدمة المصلحة العامة. لذلك لا يلزم أن تحل الحكومات كل مشكلات المغاربة، لكنها مطالبة، على الأقل، بالنزاهة والاستقامة وفتح باب للأمان والأمل؛ لأن غيابهما يحول التوتر إلى أزمة قابلة للانفجار.

الأستاذ رشيد البلغيتي
طرح الأستاذ رشيد البلغيتي سؤالاً أساسياً: هل ينبغي أن نأخذ تعريف الاستقرار كما يرد في الخطاب الرسمي، أم كما يعيشه المواطن في حياته اليومية؟ فمن يسأل المواطن فجأة: «هل المغرب بلد مستقر؟» قد يتلقى جواباً سريعاً بالإيجاب، استناداً إلى صور الإعلام والاحتفالات والمشاريع والبنية التحتية والعرس الانتخابي. لكن هذه المظاهر لا تكفي، في نظره، لتعريف الاستقرار. ففي اللحظة التي تبدو فيها البلاد مستقرة بالأرقام والمنشآت والتصدير، قد يوجد مواطنون لا يجدون فضاءً أخضر أو خدمة عمومية لائقة أو حياة كريمة؛ وقد يعيش سكان الواحات والفلاحون والعاملات في المزارع تحت الخيام البلاستيكية واقعاً يناقض تلك الصورة. لذلك دعا إلى الانتقال من تعريف الاستقرار بمؤشرات الاقتصاد وحدها إلى تعريفه بأوضاع الناس الفعلية.
بوازار: حين يضيء الكوبالت العالم ويُظلِم حياة السكان وضرب مثال بوازار، القرية الواقعة في الجنوب الشرقي، قرب تزناخت. فهي تحتضن أحد أهم مناجم الكوبالت في إفريقيا، إن لم يكن في العالم. ولكي تتضح قيمة هذا المنجم، أشار إلى أن سيارات «رونو» و«بي إم دبليو» الكهربائية تتحرك بكوبالت هذه القرية الصغيرة. ومن زاوية الأرباح، والتصدير، والشراكات الدولية، يبدو الأمر دليلاً على نجاح اقتصادي واستقرار. لكن إذا نظرنا إلى الأسر القليلة التي تقاوم للبقاء في حزام المنجم، تظهر صورة مغايرة تماماً: فقر، بيوت طينية، وخوف من الزرنيخ في الدم. وفي سيدي بلال، أسفل المنجم، لا يستعمل السكان الماء، ولم تعد خضروات الواحة تؤكل، كما تضررت المواشي أيضاً.

وهنا تتضح الفكرة التي دافع عنها: إن قياس النجاح بالمؤشرات المنجمية وحدها يحجب استقراراً آخر، هو استقرار الناس في أجسادهم ومياههم وغذائهم وسكنهم. فالدولة، في رأيه، اختارت تعريف الاستقرار بمؤشرات الأنشطة الاقتصادية، منجمية كانت أو غير منجمية، وتغاضت عن الضحايا الكثر لهذه الاختيارات التي لا يراها شعبية ولا إنسانية.
الأستاذ محمد الأشعري
ربط الاستقرار بواقع الفساد وتبديد المال العام والاغتناء غير المشروع وباحتقار ذكاء الناس وأوضاعهم. واستحضر معنى قريباً من فيكتور هوغو: الفقر هو الحياة اليومية التي لا تحضر في خيال المسؤولين ولا في ممارساتهم.
المحور 4: الثقة في المؤسسات ومفارقة الملكية والوسائط
لا تقف أزمة الثقة عند حدود حزب أو حكومة أو انتخابات، بل يمكن أن تتحول، إذا استمرت القنوات الوسيطة عاجزة عن التمثيل والاستجابة، إلى أزمة أوسع تمس بنية العلاقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة. وهذا ما جعل النقاش يتوقف عند موقع الأحزاب والبرلمان والحكومة، وعند الخطر الذي ينشأ حين تُترك المؤسسة الملكية وحدها في مواجهة المطالب الاجتماعية والسياسية.
الأستاذ محمد حفيظ : من أزمة الوسائط إلى مفارقة القوة والمسؤولية
قدم الأستاذ محمد حفيظ مساراً متدرجاً لأزمة الثقة. يبدأ المسار من ضعف الثقة في الأحزاب السياسية والتنظيمات التقليدية المرتبطة بها، من نقابات وجمعيات مهنية وحقوقية؛ ثم يظهر في العزوف عن المشاركة السياسية والانتخابية؛ ويقود بعد ذلك إلى ضعف الشرعية الفعلية للمؤسسات المنتخبة. ومع تراجع الإيمان بقدرة هذه المؤسسات على التمثيل وحل المشكلات، تتسع الاحتجاجات خارج القنوات المؤسسية، في الشارع أو على شبكات التواصل الاجتماعي، ثم تنتقل أزمة الثقة من مؤسسة إلى أخرى. وشدد على أن ضعف الثقة في الأحزاب والبرلمان والحكومة لا يعني بالضرورة، وبصورة آلية وفورية، ضعف الاستقرار السياسي. لكنه يحمل خطراً في المسار الذي قد يتخذه لاحقاً. فإذا اعتقد المواطن أن الانتخابات لا تغير شيئاً، وأن الأحزاب لا تمثله، وأن البرلمان والحكومة لا يستطيعان الاستجابة لمطالبه، فإنه سيبحث عن قناة أخرى للتعبير أو للمطالبة بالحل.
وفي الحالة المغربية، تبرز خصوصية مركزية الملكية في النظام السياسي. فحين يفقد المواطن ثقته في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة، يتوجه غالباً إلى الملك باعتباره الجهة القادرة على التدخل والحسم. وقد يبدو ذلك، في البداية، دليلاً على قوة المؤسسة الملكية وثقة الناس فيها؛ لكن الأستاذ حفيظ رأى أن هذا التصور يخفي مفارقة عميقة، هي «مفارقة القوة والمسؤولية». تبدأ هذه المفارقة حين تتحول الملكية إلى ملاذ أخير، بعد تجاوز الأحزاب والحكومة والبرلمان. ثم تنتقل، تدريجياً، من كونها ملاذاً إلى كونها السلطة القادرة على حل كل شيء. وعندما تتراكم المشكلات ولا تجد طريقها إلى الحل، تتحول القدرة التي نسبها المواطنون إليها إلى مسؤولية مباشرة عن النتائج. فكلما ازدادت قوة المؤسسة ووقعها في القرار، ارتفعت توقعات المواطنين منها، وازدادت مسؤوليتها في نظرهم عن أوضاعهم، ولو كانت الحكومة هي المسؤولة رسمياً عن التنفيذ.
وانتقد الأستاذ حفيظ الرأي الذي يختزل الاستقرار في ثقة الناس بالملكية وحدها، كأن الملكية منفصلة عن المؤسسات الوسيطة والمنتخبة. فضعف هذه المؤسسات قد يقوي الملكية مؤقتاً، لأنه يدفع المواطنين إلى الالتجاء إليها؛ لكنه، في المدى الطويل، يجعلها وجهاً لوجه أمام المطالب الاجتماعية والسياسية، ويضع عليها أعباء لا تستطيع مؤسسة واحدة، مهما كانت مركزيتها، أن تتحملها باستمرار. فالملك، في تقديره، لا يمكن أن يعوض الأحزاب والحكومة والبرلمان والإدارة وباقي المؤسسات. وعاد إلى خطورة تحويل الانتخابات إلى لعبة بلا أثر، أو إسناد كل إنجاز تنموي وكل قرار استراتيجي إلى جهة واحدة. ففي رأيه، لا يؤدي ذلك إلا إلى تفريغ الانتخابات من معناها، وإضعاف الحكومة والبرلمان، ووضع الملكية مباشرة في مواجهة الشارع. وهذا خطر لا يهدد التوازن المؤسسي فقط، بل يمس الاستقرار والملكية نفسها، لأن الشرعية ليست رصيداً جامداً، بل تتجدد باستمرار في علاقة المؤسسات بالمجتمع وقدرتها على الإصغاء والاستجابة.
الأستاذ محمد الأشعري : اليأس من الكلمة والفكر
نبه الأستاذ محمد الأشعري إلى أن فقدان الثقة في الكلمة والفكر والقدرة على النقاش أخطر من اليأس المادي وحده. فاليأس المادي لدى الشباب مفهوم في ظل البطالة والهشاشة وانسداد الأفق، لكن الأخطر أن تصل النخب والفاعلون السياسيون والثقافيون إلى الاعتقاد بأن الكلام لم يعد يفيد، وأن التفكير في البدائل لا جدوى منه. ورأى أن السياسة لا ينبغي أن تستمر كما لو أن المؤسسات والتجارب والخبرات الوطنية لم توجد قط. فالمطلوب ليس إنكار ما راكمته البلاد في تاريخها السياسي والمؤسساتي، ولا رمي التجربة كلها دفعة واحدة بسبب ما آلت إليه الأوضاع، بل الوقوف عندها وقفة نقدية هادئة: تقييم ما تحقق، وتشخيص ما تعثر، واستعادة ما بقي صالحاً من مشروع بناء المؤسسات ودولة الحق والقانون والحريات. وأوضح أن الخطر ليس في الاعتراف بالخسارة أو بالتراجع، بل في الاستسلام لفكرة أن المعركة انتهت وأن المجتمع لم يعد يملك غير الصمت. لذلك دعا إلى التشبث بالكلمة وبإمكان الحوار وبقدرة الأفكار على فتح أفق جديد، لأن فقدان هذه الثقة يترك المواطن وحيداً أمام اليأس، ويترك الدولة بدورها أمام مجتمع لا يرى في مؤسساته وسيلةً للتمثيل أو التغيير.
المحور 5: الانتخابات والتمثيل – بين الاستمرارية وإمكان التغيير
الأستاذ المعطي منجب: هل تستعيد انتخابات 23 سبتمبر معناها السياسي؟
طرح الأستاذ المعطي منجب سؤالاً وصفه بأنه «بطعم الأمل»: هل يمكن لانتخابات 23 سبتمبر أن تُغلق القوس الذي فُتح سنة 2007، حين اتسع العزوف عن التصويت وفقدت الانتخابات، لدى فئات واسعة، جزءاً كبيراً من معناها السياسي؟ ويعود، في نظره، إلى لحظة رمزية كان فيها زعيم حزب وطني، عند تعيينه وزيراً أول، قد سُئل عن برنامجه الانتخابي فأجاب: «برنامجي هو برنامج جلالة الملك». وربما قيلت العبارة على نحو عفوي، لكنها حملت، بحسب الأستاذ المعطي، دلالة سياسية عميقة؛ إذ فتحت باب الخلط بين ما هو انتخابي وما هو ملكي، وبين مسؤولية الأحزاب والحكومة ومسؤولية المؤسسة الملكية. فالمَلِك ليس كائناً انتخابياً؛ لا يترشح للانتخابات التشريعية أو الجماعية، بل يشارك في الاستفتاءات التي تُعرض عليه. ولذلك لا يصح، في رأيه، أن يُقدَّم برنامج منتخب أو رئيس حكومة باعتباره برنامج الملك. فالذي يترشح للانتخابات، ثم يُكلَّف بقيادة الحكومة، يفترض أن يضع برنامجاً مع حزبه وشركائه، ويناقشه البرلمان، ويطبقه، ثم يُحاسب عليه أمام المواطنين والمؤسسات.
ولهذا لا يعلّق الأستاذ المعطي الأمل على تغيير حكومي شامل أو تحول سياسي كبير في ظرف لا تتوافر فيه شروطه كاملة، لكنه يرى أن تحقيق فصل واضح بين المسؤوليات قد يكون مدخلاً مهماً للإصلاح: حكومة مسؤولة عن برنامجها، وبرلمان مسؤول عن مراقبة عملها، وأحزاب تتقدم إلى الناخبين بتعهدات قابلة للنقاش والمساءلة.فإذا نجحت الانتخابات، ولو في هذا الحد الأدنى، في وقف إعادة إنتاج الخلط بين البرنامج الحكومي والبرنامج الملكي، فإنها قد تستعيد شيئاً من معناها، وتفتح أفقاً لإصلاحات لازمة، وتعيد للمواطن سبباً معقولاً للاهتمام بالتصويت والمشاركة.
الأستاذ عبد العلي حامي الدين : التصويت السياسي بدل الاستسلام للاستمرارية
دعا الأستاذ عبد العلي حامي الدين إلى عدم التعامل مع انتخابات 23 سبتمبر بمنطق الانسحاب أو الانهزام، رغم ما يحيط بها من قيود قانونية واختلالات مرتبطة بالقاسم الانتخابي وبمحدودية تأثير المؤسسات المنتخبة في القرار السياسي العام. فالانتخابات، في النهاية، ستُجرى وستفرز حكومةً وبرلماناً ومؤسسات، والسؤال هو: أيُّ وجوه وأيُّ مصالح ستصل إليها؟ ويرى أن هذه الانتخابات من أخطر الاستحقاقات، ليس فقط بسبب ما راكمته البلاد منذ 2016 و2021، بل أيضاً بسبب التحول الديمغرافي، وأداء الحكومة الحالية، واتساع الشعور باليأس لدى فئات اجتماعية واسعة. ولذلك فإن الاستمرار في إعادة إنتاج النخب نفسها ليس قدراً محتوماً، بل خيار سياسي يمكن مقاومته بالتصويت الواعي والمنظم.
فالمطلوب، في نظره، هو استنفار التصويت السياسي في اتجاه القوى والوجوه التي لا تنتمي إلى الاستمرارية، وعدم ترك المجال خالياً للأعيان والكارتيلات ومجموعات المصالح. فهؤلاء، في الغالب، لا يحملون مشروعاً سياسياً ولا يملكون قاعدة مجتمعية حقيقية، بل يستفيدون من ضعف المشاركة ومن قدرتهم المالية على شراء عدد محدود من الأصوات. وضرب مثالاً على ذلك: قد يستطيع مرشح شراء ألف أو ألفي صوت، أو حتى عشرة آلاف صوت داخل دائرة ما، لكن حين يشارك 60 ألفاً أو 70 ألف مواطن في التصويت، يصبح ممكناً تغيير النتيجة. لذلك فالتغيير، في تقديره، ليس مستحيلاً، حتى إن لم يكن المقصود تحولاً ديمقراطياً شاملاً وفورياً؛ إذ يكفي، في هذه المرحلة، منع إعادة الوجوه نفسها التي ساهمت في إنتاج الوضع القائم.
وحذر الأستاذ عبد العلي من أن عودة هذه النخب إلى المشهد، بعد منحها شرعية الصناديق، لن تعني استمراراً عادياً، بل قد تفتح الباب أمام مخاطر أشد من حدث سبتة نفسه. فالأحداث لم تكن معزولة، ولم يكن ممكناً تجاهل ما راكمته من فقدان للثقة واليأس. ومع أن حكومات سابقة لم تحل جميع المشكلات، فقد كان بينها وبين المجتمع قدر أكبر من التواصل والاستجابة. كما توقف عند التناقض بين الخطاب الانتخابي الحالي وبعض المواقف السابقة للأحزاب المتنافسة، ولا سيما في قضية الدعم العمومي المرتبط بالقطيع، حيث اصطفت مكونات عدة ضد مطلب تشكيل لجنة لتقصي الحقائق. ولذلك يرى أن المواطن يحتاج إلى قدر من المصداقية، لا إلى تبادل الاتهامات بعد أن كان المتنافسون شركاء في القرارات نفسها. وخلاصة موقفه أن المشاركة ليست تزكية للوضع القائم، بل يمكن أن تكون وسيلة لتغيير جزء منه، ولمنع احتكار المؤسسات من طرف من يحولونها إلى أدوات لخدمة المصالح الخاصة.
الأستاذ محمد الأشعري: ميثاق يعيد للانتخابات معناها
عرض الأستاذ محمد الأشعري مبادرة سبق أن احتضنتها مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد في إحدى حلقات نادي الحوار السياسي، وتوجهت بها إلى عدد من الأحزاب السياسية التي تُعد، في نظر المؤسسة، أحزاباً للمجتمع والمناضلين. وكان المقصود هو تيسير حوار بينها، يفضي إلى حد أدنى مشترك تدخل به الانتخابات على قاعدة وطنية واضحة. واقترحت المؤسسة أن تتفق هذه الأحزاب على ميثاق سياسي تلتزم به، سواء دخلت بعد الانتخابات في ائتلاف حكومي أو بقيت في المعارضة. وليس الميثاق برنامجاً انتخابياً مفصلاً، ولا مجرد إعلان أخلاقي أو قيمي، بل تعهد علني أمام المجتمع بأن هناك قضايا لا يمكن التنازل عنها.
ومن بين هذه القضايا: تنازع المصالح، والإثراء غير المشروع، والحريات، والتطبيع، إلى جانب نقطة خامسة من القضايا الجوهرية. فبرامج الأحزاب قد تتشابه في كثير من الوعود، لكن الاتفاق على هذه الحدود الدنيا من شأنه أن يوقظ لدى المواطن إحساساً بأن صوته يمكن أن يكون له معنى: أن يصوّت لمن يلتزم علناً بهذه القواعد ويقبل أن يُحاسب عليها. ويؤكد الأستاذ الأشعري أن المؤسسة تلقت ردوداً إيجابية وطيبة من بعض الأطراف، غير أن التفاعل لم يتطور إلى اتفاق فعلي. فالمؤسسة لا تستطيع أن تكتب الميثاق بدل الأحزاب أو تفرض عليها توقيعه؛ إنما دورها أن تقترح وتفتح فضاء التفكير والحوار. ومن هنا يعود إلى الفكرة الأوسع: الحاجة إلى حوار وطني يخرج من ضغط الزمن الانتخابي ومن حساباته الضيقة، ويعيد تقييم التجربة السياسية منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي؛ تجربة المؤسسات المنتخبة، ودولة الحق والقانون، والحريات، والمشروع الديمقراطي. فالمطلوب ليس رمي كل ما راكمته البلاد، بل الوقوف عند ما تعثر وتراجع، وتجديد التعاقد السياسي والمجتمعي على أسس أكثر وضوحاً ومسؤولية.
الأستاذ عبد الحميد عقار : استعمال اسم الملك في الحملة
توقف الأستاذ محمد حفيظ عند ما اعتبره استعمالاً مفرطاً لاسم الملك ولعبارات من قبيل «التوجيهات الملكية» و«التعليمات الملكية» داخل الحملة الانتخابية. وفي رأيه، لا ينبغي أن تتحول هذه العبارات إلى غطاء يحتمي به مسؤولون حكوميون وحزبيون من حصيلة قراراتهم، أو إلى وسيلة لتبرير ما لم ينجزوه. فإذا كان الحزب أو رئيس الحكومة يتقدم إلى الانتخابات، فعليه أن يعرض برنامجه هو، وأن يتحمل مسؤوليته هو عن حصيلته، لا أن يذيب برنامجه في برنامج الملك أو يستعمل المؤسسة الملكية لتجاوز المساءلة. ويرى أن هذا الاستعمال يفرغ المنافسة الانتخابية من مضمونها، ويزيد خلط المسؤوليات في نظر المواطن.
الأستاذ محمد حفيظ : الحملة الانتخابية بين تضارب المسؤوليات و«الانتخابات السريالية»
الأستاذ عبد الحميد عقار، طرح سؤالاً أعمق حول «الكارتيلات» التي أصبح الحديث عنها متداولاً في المغرب: هل تعمل هذه الكارتيلات وحدها، أم تستفيد من دعم بعض مؤسسات الدولة أو أجهزتها؟ وربط ذلك بما وصفه بالانتقال من الترحال الحزبي إلى الترحيل الحزبي؛ فالترحال يفترض قراراً فردياً، أما الترحيل فيوحي بوجود جهة أو آلية تدفع الأشخاص من تنظيم إلى آخر. ولاحظ أن الانتخابات الحالية أفرزت مؤشراً جديداً: أحزاب كانت توصف في الأدبيات السياسية بأنها إدارية، صار مرشحوها ووكلاء لوائحها يشتكون علناً وكتابةً من انحياز السلطة وتدخل «أيادٍ خفية». واستشهد بإعلان الكاتب الجهوي للحركة الشعبية في أكادير سوس ماسة انسحابه من الانتخابات بسبب ما اعتبره تدخلات في توجيه الناخبين، وبشكاوى نائب برلماني سابق انتقل من حزب الأصالة والمعاصرة إلى التجمع الوطني للأحرار بشأن تدخلات سافرة في آسا. ولهذا وصف الأستاذ عقار المشهد بأنه أقرب إلى انتخابات «سريالية»: إذ لم يعد الاحتجاج على تدخل السلطة مقتصراً على اليسار أو حزب العدالة والتنمية، بل أصبح صادراً حتى عن أطراف كانت تُصنّف تقليدياً ضمن أحزاب الإدارة. ومن ثمّ، فإن السؤال لم يعد: هل نواجه كارتيلات انتخابية فقط؟ بل: هل نواجه أيضاً جهات داخل الدولة تسهم، مباشرة أو بصورة غير مباشرة، في إنتاج هذا المشهد؟
المحور 6: الفساد والقوة وحرية التعبير
الأستاذ محمد الأشعري: الفساد لا يهدد الاقتصاد وحده، بل يهدم معنى الانتماء
ربط الأستاذ محمد الأشعري سؤال الاستقرار بحياة الناس اليومية، لا بالمؤشرات المجردة وحدها. فالمشكلة، في رأيه، ليست أن يرغب بعض المواطنين في السفر إلى الخارج؛ بل أن يشعروا، وهم داخل بلدهم، بأنهم يعيشون خارجه، وأن كل تفكيرهم ينصرف إلى الإفلات من واقع لا يمنحهم الحرية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والمساواة بين الرجال والنساء. وأشار إلى أن هذا الشعور يتعمق حين تصل إلى الناس أخبار تبديد المال العام والفساد والاغتناء غير المشروع. فالمواطن لا يحتاج، أحياناً، إلى تحقيقات صحفية حتى يرى مظاهر الفساد؛ إذ إن المسؤولين أنفسهم قد يفضح بعضهم بعضاً، ويتبادل المتنافسون اتهامات تكشف حجم الاختلال.
ورأى أن الفساد المستشري، وتراكم الثروات بصورة لا يجد المواطن لها تفسيراً مشروعاً، ليسا قضية سياسية ضيقة، بل هما من أكثر ما يضرب الاستقرار في أساسه. فالفقر، كما استحضر بمعنى قريب من فيكتور هوغو، ليس مجرد رقم أو تسمية؛ إنه حياة يومية لا تحضر في خيال المسؤولين ولا في ذاكرتهم ولا في ممارساتهم. وتوقف الأستاذ الأشعري عند ما يولده ذلك من شعور بالاحتقار: احتقار ذكاء الناس، وأوضاعهم الاجتماعية، وقيمتهم الإنسانية. فعندما يغرق مواطنون أو يموتون في البحر، ثم لا يجد الرأي العام خطاباً واضحاً أو عزاءً يليق بالضحايا أو معلومات دقيقة من مؤسسات بلده، يشعر بأن الناس يُعاملون كأنهم أرقام لا كأرواح لها كرامة. وهذا، في رأيه، هو ما يمس الاستقرار فعلاً ويهدده في المستقبل.
الأستاذة لطيفة البوحسيني: المقاربة الأمنية لا تعالج اليأس
ربطت الأستاذة لطيفة البوحسيني بين البطالة والعطالة والهشاشة من جهة، وبين استمرار الفساد والأوليغارشية الريعية من جهة ثانية. فالمشكلة، في رأيها، ليست في وجود فوارق اجتماعية فقط، بل في أن تتراكم الثروات الريعية بصورة فاضحة أمام المغاربة، في الوقت الذي تتراجع فيه الخدمات العمومية، وتتقلص فرص الشغل، وتضعف إمكانات إدماج الشباب. ورأت أن الخطاب الرسمي يتحدث كثيراً عن الدولة الاجتماعية والرعاية الاجتماعية، لكن السياسات المعتمدة على الأرض تعمق الفوارق. والأخطر هو أن أعداداً واسعة من الشباب لا تجد أفقاً ولا أملاً ولا ما يقنعها بأن بلادها تهتم بها وتمتلك إرادة حقيقية لمعالجة مشكلاتها.

وفي مقابل هذه الأوضاع، قالت إن جواب السلطة يميل إلى المقاربة الأمنية: التضييق، والاعتقال، وإغلاق الفضاء العمومي. لكن التعويل على الخوف أو على صبر المغاربة لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. فالمغاربة شعب طور، تاريخياً، قيمة الصبر في مواجهة المجاعات والأوبئة والجفاف والشطط في استعمال السلطة والسخرة والجبايات الظالمة، وهو صبر جميل ومهم؛ غير أن الأسر والأمهات لم تعد قادرة على تمرير هذه القيمة بالصيغة نفسها. وأضافت أن ثورة التكنولوجيا وتدفق المعلومة أوجدا ما يمكن تسميته عولمة الحق في الكرامة. فالشباب اليوم يرى العالم، ويقارن حياته بحياة الآخرين، ولا يقبل أن يُطلب منه الصبر بلا أفق. وإذا كان هناك من يعول على رصيد الصبر، فإن هذا الرصيد، في تقديرها، يمكن أن ينفد. ولذلك لا بد من أجوبة جدية وإرادة سياسية حقيقية؛ وإلا فإن الهدوء القائم قد يكون مجرد هدوء يسبق العاصفة.
الأستاذ عبد الحميد عقار: حين تتحول القوة إلى بديل عن السياسة
طرح الأستاذ عبد الحميد عقار مسألة استعمال القوة والاعتقالات، محذراً من أن معالجة الشارع بالقوات الأمنية والعسكرية تحمل مخاطر سياسية بعيدة. واستعاد، في هذا الصدد، قراءات مغربية سابقة ظهرت قبل المحاولتين الانقلابيتين الفاشلتين، ونبهت إلى أن تعويد الجيش والأمن على حل مشكلات الشارع قد يفتح أمامهما شهية السلطة، أي يمنحهما مفاتيحها. وأشار إلى أن أحد الزعماء السياسيين المغاربة حذر، في سياق تقييم قمع مظاهرات 1965 وما تلاها، من أن السلطة حين تجعل القوة الأمنية والعسكرية جواباً دائماً للمطالب الاجتماعية والسياسية، فإنها لا تحل الأزمة، بل تنقلها إلى مستوى أخطر. كما أثار مسألة الاعتقالات واتساعها قياساً إلى أعداد المتظاهرين، معتبراً أن إظهار القوة لا يصنع، وحده، طمأنينة سياسية. فالمطلوب هو بناء مؤسسات قادرة على الاستماع والتفاوض والتمثيل، لأن أمن الدولة لا ينبغي أن يصبح بديلاً عن السياسة ولا عن معالجة أسباب الغضب الاجتماعي.
المحور 7: الوطنية والتطبيع وبناء المشترك
الأستاذة لطيفة البوحسيني: الوطنية ليست أداة للتخوين
توقفت الأستاذة لطيفة البوحسيني عند خطاب الوطنية الذي ازداد حضوره مع قضية التطبيع. وانتقدت أن يُواجه الرافضون للتطبيع، وهم في نظرها أغلبية المغاربة وكثير من الفاعلين السياسيين باختلاف مشاربهم، بالتخوين وبالتشكيك في وطنيتهم. فرفض التطبيع، في رأيها، لا يلغي الانتماء الوطني، بل قد يصدر عنه وعن موقف حقوقي وسياسي. ورأت أن خطورة التطبيع لا تتوقف عند المستوى السياسي؛ إذ إن غياب سقف واضح له جعله، في نظرها، يتسع إلى الأمن الغذائي والزراعة والفلاحة، ثم إلى الثقافة والتربية والجامعات واللغة والدين. ولذلك فإنه لم يعد قضية خارجية أو دبلوماسية فقط، بل صار يتغلغل في مجالات تمس المجتمع مباشرة وتراكم الغضب داخله. كما انتقدت ما وصفته باستراتيجية تواصلية يجري فيها استعمال مفاهيم رسمية تناقض الواقع المعيش. فالخطاب يتحدث عن النجاعة والفعالية والنجاح والاستقرار، بينما يعيش جزء واسع من المجتمع الاحتجاج واليأس والهجرة. وذكرت أن خطابات سابقة تضمنت قدراً من الاعتراف بالاختلالات، من قبيل سؤال «أين الثروة؟» أو عبارة «مغرب السرعتين»، بينما يغلب اليوم خطاب التطمين الذي لا يطمئن الناس. وتناولت أيضاً الاستئصالية بوصفها ذهنية ومنهجاً سياسياً عطّل بناء المشترك بين مكونات المجتمع. فهي ليست مجرد تنافس بين فاعلين مختلفين، بل صارت، في رأيها، سلوكاً يترك آثاره في العقول والنفوس، ويجعل الفاعلين غير قادرين على الحوار أو على صياغة حد أدنى مشترك لمواجهة الصعوبات. ومن هنا دعت إلى تجاوز منطق الإقصاء وبناء مساحة وطنية مشتركة للحوار.

المحور 8: البديل المقترح – حوار وطني مجتمعي وعقد اجتماعي متجدد
الأستاذ محمد حفيظ: من منع الانفجار إلى معالجة أسبابه
ختم الأستاذ محمد حفيظ مداخلته بالتأكيد على أن الحاجة إلى مفهوم جديد للاستقرار لا تعني أن المغرب يعيش خطر انهيار وشيك، ولا تنفي وجود قدر من الاستقرار السياسي والمؤسسي. لكنها تعني أن المفهوم الذي يكتفي ببقاء النظام قوياً وبالتحكم لم يعد كافياً لفهم مجتمع يحتج، ويفقد جزء منه الثقة في المؤسسات، ثم يفقد الأمل في تغيير واقعه، إلى حد المخاطرة بالحياة من أجل مغادرة الوطن. وفي نظره، لا ينبغي أن يقوم الاستقرار على قدم واحدة هي استقرار الدولة والنظام، بل على قدمين: استقرار الدولة واستقرار المجتمع في علاقته بالدولة. فالشرعية ليست شيئاً ثابتاً يوضع جانباً ثم يُستدعى عند الحاجة؛ إنها تتجدد باستمرار عبر علاقة الدولة بالمجتمع، وعبر القدرة على الاستجابة للمطالب، وفتح القنوات الموثوقة للتمثيل والتعبير.
واقترح الأستاذ محمد حفيظ حواراً وطنياً مجتمعياً حقيقياً، لا يقتصر على النخب الحزبية والمؤسسات، بل يشمل المجتمع وقواه الحية. ويكون الهدف منه صياغة عقد اجتماعي جديد، أو تجديد العقد القائم، يضع في صلبه الكرامة والعدالة والحرية والثقة والقدرة على معالجة الاختلالات قبل أن تتحول إلى أزمة. فالمطلوب، في رأيه، ليس أن تمتلك الدولة القدرة على منع الانفجار اليوم أو غداً، بل أن تملك القدرة على فهم أسبابه ومعالجتها قبل وقوعه.
الأستاذ محمد الأشعري: تقييم التجربة وتجديد التعاقد
أكد الأستاذ محمد الأشعري أن الحوار لا ينبغي أن يبقى أسير الزمن الانتخابي، لأن هذا الزمن تحكمه حسابات وضغوط تكبل الفاعلين وتدفعهم إلى المنافسة الظرفية. لذلك دعا إلى نقاش وطني أوسع حول تجديد التعاقد، لا حول تجديد الاستقرار بالمعنى الضيق فقط. وذكّر بأن المغرب عاش، منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، داخل ما يشبه برمجية سياسية ضمت المشروع الديمقراطي، والمؤسسات المنتخبة، ودولة الحق والقانون، والحريات. لكن البلاد، في رأيه، لم تتوقف بما يكفي لتقييم هذه التجربة: ما الذي تحقق؟ وما الذي تعثر؟ وما الذي يحتاج إلى تصحيح؟ وحذر من التعامل مع الخيبة الراهنة كما لو أن التجربة كلها لم تنتج مجالس منتخبة أو مؤسسات أو أصواتاً وطنية. فالمطلوب ليس رمي كل ما راكمته البلاد، بل تقييمه بهدوء وتجديده. كما حذر من اليأس من الكلمة ومن الفكر ومن إمكان البحث عن بدائل؛ إذ إن هذا اليأس، في رأيه، أخطر من اليأس المادي وحده. وأشار إلى مبادرة المؤسسة التي اقترحت على أحزاب المجتمع والمناضلين حواراً للوصول إلى حد أدنى مشترك، وميثاق سياسي يرتبط بقضايا مثل تنازع المصالح والإثراء غير المشروع والحريات والتطبيع. ورغم محدودية التفاعل، تظل المبادرة، في نظره، دليلاً على أن بناء الثقة يحتاج إلى التزامات واضحة قابلة للمساءلة.
الأستاذ المعطي منجب: تعاقد مدني مع المجتمع والملكية
اقترح الأستاذ المعطي منجب أن يشكل نادي الحوار السياسي ومؤسسة عبد الرحيم بوعبيد نواة لتفكير عام حول تعاقد جديد. وهذا التعاقد، في تصوره، يبدأ مدنياً بين الفاعلين القادرين على الحوار والراغبين فيه، ثم يمتد إلى علاقة جديدة مع القصر والملك. واستعاد من تاريخ المغرب لحظات التقاء بين الحركة الوطنية والملكية، ولا سيما لقاءات قادة الحركة الوطنية بمحمد الخامس، لبيان أن التوافقات الكبرى ليست مستحيلة ولا غريبة عن تاريخ البلد. فقد احتاجت الحركة الوطنية إلى رمز للسيادة يجمعها، كما احتاجت المؤسسة الملكية إلى شرعية وطنية تتجاوز إرث الحماية. كما ذكّر بمحطات لاحقة، من الكتلة الوطنية إلى الكتلة الديمقراطية وملتمسات الرقابة، ليدافع عن فكرة أن التاريخ المغربي عرف، رغم التوترات، إمكانات للتفاهم والتعاقد. ولذلك يرى أن ما بعد الانتخابات قد يتيح لحظة للتفكير في عقد مدني وسياسي جديد يساعد على استقرار أعمق.
الأستاذة فاطمة الإفريقي: الصمت العقابي والبحث عن أفق
رأت الأستاذة فاطمة الإفريقي أن أخطر ما كشفته أحداث سبتة ليس الحدث في ذاته فقط، بل ردود الفعل التي تلته: صمت الحكومة، وضعف تفاعل الأحزاب، وغياب سلطة مضادة أو مشروع سياسي بديل قوي يستطيع أن يعبّر عن حجم الصدمة. واستعارت من علم النفس مفهوم الصمت العقابي لتصف ما قد يعيشه جزء من المجتمع: صمت لا يعبر عن الرضا، بل عن القطيعة وغياب الأمل واليأس من جدوى الكلام أو الاحتجاج. وهذا، في رأيها، أخطر ما قد تصل إليه علاقة المجتمع بالدولة؛ أن يشعر الناس بأن حتى التعبير لم يعد يغير شيئاً. لكنها رأت في استمرار الحوار وتبادل الآراء علامة أمل. ولذلك سألت عن البديل القريب والعملي لفتح حوار وطني يؤثر في القرارات السياسية، ويخرج البلاد من نفق الاستقرار الجامد والزائف، نحو استقرار يقوم على الحرية والكرامة والقدرة على الحلم الجماعي.
تلتقي هذه المداخلات، رغم اختلاف زواياها، على أن الاستقرار لا يُقاس بالأمن وحده، ولا ببقاء المؤسسات، ولا بنمو المؤشرات الاقتصادية والمشاريع الكبرى منفصلةً عن حياة الناس. فالاستقرار الحقيقي هو حصيلة كرامة وعدالة وفرص شغل وخدمات عمومية وثقة وتمثيل سياسي وقدرة على الاستجابة وإشراك للمجتمع في بناء الحلول. وكلما تأخر الإصلاح والحوار، وجرى الاكتفاء بإدارة الأعراض أو بإسكات الأصوات الناقدة، ارتفعت كلفة معالجة الاختلالات لاحقاً.
يناقش هذا الحوار الذي نظمته مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد سؤال الاستقرار في المغرب، انطلاقاً من أحداث الهجرة الجماعية نحو سبتة وما كشفته من أزمة ثقة وأمل وكرامة. وتناولت المداخلات الفرق بين الأمن والاستقرار، والهشاشة الاجتماعية، وضعف التمثيل السياسي، والفساد، والعزوف الانتخابي، والحاجة إلى مؤسسات قادرة على الإصغاء والاستجابة. وانتهى النقاش إلى التأكيد أن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على قوة الدولة وحدها، بل على العدالة والثقة والحرية وفرص العيش الكريم، وعلى حوار وطني مجتمعي يجدد العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع.
الكلمات المفتاحية: ، المغرب، الاستقرار المستدام، أزمة الثقة، الحوار الوطني.
This political dialogue, hosted by the Abderrahim Bouabid Foundation, examines the meaning of stability in Morocco through the lens of the collective migration events toward Ceuta. Speakers discussed the distinction between security and genuine stability, social vulnerability, declining institutional trust, political representation, corruption, and electoral disengagement. The discussion concludes that lasting stability cannot rest on state strength alone; it requires justice, dignity, freedom, credible institutions, and a national societal dialogue capable of renewing the social contract between the state and citizens.
Keywords: Morocco, Sustainable Stability, Crisis of Trust, National Dialogue.




