المغرب 2030… بين رهان المشاريع الكبرى واستحقاق الاستثمار في الإنسان: الفصل الثالث

د. الحسـن اشباني
مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني
تحليل مشاريع المغرب 2030 في ضوء التجارب الدولية ومبادئ التخطيط الاستراتيجي وتقييم الإرث التنموي للأحداث الرياضية الكبرى
ملخص الفصل الثالث
بعد أن تناول الفصل السابق تجارب برشلونة 1992، وجنوب إفريقيا 2010، والصين 2008، وما كشفته من تفاوت في قدرة الأحداث الرياضية الكبرى على إحداث تحول حضري واقتصادي مستدام، ينتقل هذا الفصل إلى تجربتين أحدث وأكثر ارتباطاً برهانات المغرب 2030: قطر 2022، ومونديال 2026 المشترك بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. وتكشف المقارنة بينهما نموذجين مختلفين؛ أولهما تنظيم مركزي داخل مجال جغرافي محدود، ارتبط باستثمارات واسعة في الملاعب والنقل والمطار والتجهيزات الحضرية، وثانيهما تنظيم موزع يستند بدرجة أكبر إلى منشآت قائمة، لكنه يواجه تحديات التنسيق وتدبير التنقل والأمن والنفقات التشغيلية بين دول ومدن متعددة.
ويستخلص الفصل أن نجاح الاستضافة لا يُقاس بجودة التنظيم وعدد الزوار وحجم الإنفاق الإجمالي فقط، بل بوضوح التمويل، وضبط الكلفة، وتوزيع المنافع، وحصة المقاولات المحلية، واستدامة الوظائف، وقدرة المنشآت على خدمة السكان بعد البطولة. ويجمع المغرب بين بعض خصائص التجربتين؛ إذ يستخدم موعد 2030 لتسريع تحديث بنيته التحتية، وفي الوقت نفسه يشارك في تنظيم دولي يتطلب تنسيقاً وثيقاً مع إسبانيا والبرتغال.
غير أن خصوصية المغرب تكمن في ضرورة الموازنة بين إنجاز المشاريع الكبرى وحماية أولويات التعليم والصحة والتشغيل وتقليص الفوارق المجالية. ولذلك يرتبط الإرث الحقيقي للبطولة بمدى إدماج استثماراتها في رؤية تنموية طويلة الأمد، تقوم على الحكامة والشفافية والتقييم المستقل، وتحول الموعد الرياضي من حدث عابر إلى فرصة لتحسين الخدمات، وتقوية الاقتصاد المحلي، والاستثمار المستدام في الإنسان.
الكلمات المفتاحية : Keywords: مونديال 2030؛ الإرث التنموي؛ الاستثمار في الإنسان — 2030 World Cup; Development Legacy; Human Investment.
Summary
Following the previous chapter’s examination of Barcelona 1992, South Africa 2010, and China 2008—and the varying extent to which major sporting events generated lasting urban and economic transformation—this chapter considers two more recent models that are particularly relevant to Morocco’s 2030 ambitions: Qatar 2022 and the 2026 World Cup jointly hosted by the United States, Canada, and Mexico. The comparison reveals two distinct approaches. Qatar adopted a centralized model within a compact territory, supported by extensive investment in stadiums, transport, airport capacity, and urban infrastructure. By contrast, the 2026 tournament relies more heavily on existing facilities across several countries and cities, while facing complex challenges involving coordination, mobility, security, and operating expenditure.
The chapter argues that successful hosting cannot be assessed solely through organizational performance, visitor numbers, or gross economic impact. It must also be measured through transparent financing, cost control, the distribution of benefits, local business participation, sustainable employment, and the long-term use of infrastructure. Morocco combines features of both models: it is using the 2030 deadline to accelerate infrastructure modernization while participating in a multinational tournament that requires close coordination with Spain and Portugal.
Morocco’s central challenge, however, is to reconcile major projects with investment in education, healthcare, employment, and territorial equity. The tournament’s true legacy will therefore depend on integrating its investments into a long-term development strategy grounded in governance, transparency, and independent evaluation. Only then can a temporary sporting event become an opportunity to improve public services, strengthen the local economy, and advance sustainable investment in people.

ملاحظة منهجية:
حرصاً على توحيد وحدة المقارنة بين التجارب الدولية، تُذكر جميع المبالغ المالية الواردة في هذه الورقة أولاً بعملتها الأصلية كما وردت في المصادر الرسمية، ثم يُذكر ما يعادلها تقريباً بالدولار الأمريكي، اعتماداً على متوسط سعر الصرف السائد خلال سنة الإعلان عن المشروع أو إنجازه. ويهدف هذا الإجراء إلى تسهيل المقارنة بين الدول والمشاريع، دون المساس بالقيم الأصلية الواردة في الوثائق الرسمية.
في الفصل الثالث...
سنحلل تجربة قطر، والاستضافة المشتركة لكأس العالم 2026، لاستخلاص الدروس التي يمكن أن يستفيد منها المغرب وهو يستعد لاستضافة كأس العالم 2030.
3.1 قطر 2022: استضافة كأس العالم كرافعة لتنويع الاقتصاد وتعزيز المكانة الدولية
3.1.1 السياق قبل كأس العالم 2022
لم يكن حصول دولة قطر على حق استضافة كأس العالم لكرة القدم لسنة 2022 مجرد نجاح رياضي أو دبلوماسي، بل جاء ضمن رؤية وطنية أوسع هدفت إلى توظيف الحدث العالمي لتسريع التحول الاقتصادي والعمراني، وتعزيز الحضور الدولي للدولة. فمنذ الإعلان عن فوزها بحق التنظيم في دجنبر 2010، اعتبرت القيادة القطرية أن البطولة تمثل فرصة استثنائية لتسريع تنفيذ مشاريع كانت منسجمة أصلاً مع رؤية قطر الوطنية 2030، التي تسعى إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة، وتقليص الاعتماد التدريجي على عائدات النفط والغاز. رؤية قطر الوطنية 2030
وجاء هذا التوجه في سياق اقتصادي اتسم بوفرة الموارد المالية الناتجة عن صادرات الغاز الطبيعي المسال، وهو ما أتاح للدولة تمويل برامج استثمارية واسعة دون اللجوء إلى مستويات مرتفعة من الاقتراض الخارجي. كما استفادت قطر من جهاز مؤسساتي يتميز بسرعة اتخاذ القرار، ومن قدرة عالية على تعبئة الموارد البشرية والمالية لإنجاز مشاريع كبرى في آجال زمنية محددة.
ومنذ السنوات الأولى التي تلت الفوز بحق الاستضافة، حرصت السلطات القطرية على التأكيد أن الهدف لا يقتصر على تنظيم بطولة ناجحة، بل يتجاوز ذلك إلى بناء إرث طويل الأمد يخدم السكان والاقتصاد بعد انتهاء المنافسات. ولذلك، لم تقتصر الاستثمارات على تشييد الملاعب، وإنما شملت شبكة مترو الدوحة، وتوسعة مطار حمد الدولي، وتطوير ميناء حمد، وإنجاز طرق ومحاور حضرية جديدة، إلى جانب مشاريع سياحية وفندقية ومناطق عمرانية متكاملة.
وفي هذا الإطار، أصبحت كأس العالم جزءاً من مشروع أشمل لإعادة تشكيل البنية التحتية للدولة، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز مكانة الدوحة كمركز إقليمي للنقل والأعمال والسياحة والمؤتمرات. كما استُخدمت البطولة لتعزيز الحضور الدولي لقطر عبر الدبلوماسية الرياضية، وإبراز قدرتها على تنظيم أكبر الأحداث العالمية وفق معايير تقنية وتنظيمية عالية.

ومع ذلك، اختلفت التجربة القطرية عن التجارب السابقة في كونها جرت داخل دولة صغيرة من حيث المساحة وعدد السكان، الأمر الذي فرض تحديات خاصة تتعلق باستيعاب ملايين الزوار خلال فترة قصيرة، وتوفير منشآت رياضية وسياحية قد تتجاوز الاحتياجات المحلية بعد انتهاء البطولة. ولذلك، اتجهت قطر منذ مرحلة التخطيط إلى اعتماد حلول مبتكرة، من بينها تصميم عدد من الملاعب بطريقة تسمح بتقليص سعتها أو إعادة توظيف أجزاء منها بعد البطولة، سعياً إلى الحد من مخاطر تحولها إلى منشآت مرتفعة الكلفة وضعيفة الاستغلال.
ومن ثم، فإن فهم تجربة قطر لا يقتصر على تحليل حجم الاستثمارات التي صاحبت كأس العالم، بل يقتضي دراسة مدى نجاح الدولة في تحويل هذه الاستثمارات إلى عناصر داعمة لرؤيتها التنموية، وفي تحقيق توازن بين متطلبات تنظيم حدث عالمي والاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية طويلة الأجل.
جدول (16): قطر قبل كأس العالم 2022
| المؤشر | الوضع قبل البطولة |
|---|---|
| الرؤية الاستراتيجية | كأس العالم جزء من رؤية قطر الوطنية 2030 |
| نموذج التمويل | تمويل أساسه الموارد الوطنية الناتجة عن قطاع الطاقة |
| الأولويات | تنويع الاقتصاد، تطوير البنية التحتية، وتعزيز المكانة الدولية |
| أبرز المشاريع | المترو، المطار، الميناء، الطرق، الملاعب، والمنشآت السياحية |
| التحدي الرئيسي | ضمان استدامة استغلال المنشآت بعد انتهاء البطولة |
3.1.2 المشاريع الكبرى والاستثمارات
من أكثر الجوانب التي أثارت النقاش حول تجربة قطر 2022 حجم الاستثمارات التي رافقت تنظيم البطولة. غير أن أي تقييم علمي لهذه التجربة يقتضي التمييز بين تكلفة تنظيم كأس العالم نفسها، وبين الاستثمارات التنموية التي كانت جزءاً من رؤية قطر الوطنية 2030، وسرّعت البطولة تنفيذها دون أن تكون سبباً وحيداً لإنجازها.
فعلى مستوى المنشآت الرياضية، أنشأت قطر أو أعادت تطوير ثمانية ملاعب وفق معايير حديثة، مع اعتماد حلول هندسية مبتكرة تراعي الاستخدام المستقبلي، مثل إمكانية تقليص الطاقة الاستيعابية لبعض الملاعب أو إعادة توظيف أجزاء منها بعد البطولة. وتشير تقديرات متعددة إلى أن كلفة الملاعب بلغت نحو 6.5 إلى 7 مليارات دولار أمريكي، وهو ما يمثل نسبة محدودة من إجمالي الاستثمارات المرتبطة بالاستعدادات لكأس العالم.
أما الجزء الأكبر من الإنفاق، فقد وُجه إلى مشاريع البنية التحتية التي كانت تدخل ضمن برامج التنمية الوطنية، وفي مقدمتها شبكة مترو الدوحة، التي تضم ثلاثة خطوط رئيسية وأكثر من ثلاثين محطة، إضافة إلى توسعة مطار حمد الدولي، وتطوير ميناء حمد، وإنجاز شبكة حديثة من الطرق والجسور والأنفاق، إلى جانب مشاريع الضيافة والفنادق، وتطوير المناطق الحضرية والخدمات العامة.
وتشير التقديرات المتداولة في الأدبيات الاقتصادية والتقارير الدولية إلى أن مجموع هذه الاستثمارات تجاوز 200 مليار دولار أمريكي خلال الفترة الممتدة من منح حق الاستضافة سنة 2010 إلى تنظيم البطولة سنة 2022. إلا أن هذا الرقم لا يمثل تكلفة كأس العالم بالمعنى الضيق، بل يعكس حجم الاستثمارات التي استفادت منها الدولة في إطار مشروعها التنموي الشامل، وساهمت البطولة في تسريع تنفيذها وإبرازها على الصعيد الدولي.
ويلاحظ أن قطر اعتمدت، بخلاف عدد من التجارب السابقة، على التمويل العمومي المباشر المستند إلى العائدات المرتفعة لقطاع الغاز الطبيعي، وهو ما خفف من الاعتماد على الاقتراض الخارجي لتمويل معظم المشاريع. كما أتاح ذلك هامشاً واسعاً لتنفيذ مشاريع استراتيجية طويلة الأجل، دون أن تكون مرتبطة حصراً بمتطلبات البطولة.
وتكشف التجربة القطرية أن القيمة الاقتصادية للاستثمار لا ترتبط بحجمه فقط، وإنما بطبيعته ووظيفته المستقبلية. فالمترو، والمطار، والميناء، والطرق، ليست منشآت مخصصة للبطولة وحدها، بل أصول اقتصادية ستظل تخدم السكان والاقتصاد الوطني لعقود، في حين تبقى الملاعب جزءاً محدوداً من إجمالي الإنفاق، رغم ما استأثر به بناؤها من اهتمام إعلامي.
ومن ثم، فإن تقييم تجربة قطر يقتضي الفصل بين الاستثمار في البنية التحتية المنتجة الذي يعزز القدرة التنافسية للاقتصاد، والاستثمار في المنشآت الرياضية التي يتوقف مردودها المستقبلي على حسن استغلالها بعد انتهاء الحدث.
جدول (17): أبرز الاستثمارات المرتبطة بكأس العالم قطر 2022
| مجال الاستثمار | أبرز المشاريع | التقدير المالي التقريبي |
|---|---|---|
| الملاعب الرياضية | إنشاء وتحديث 8 ملاعب | 6.5–7 مليارات دولار |
| النقل الحضري | مترو الدوحة والترام | عشرات المليارات من الدولارات |
| النقل الجوي | توسعة مطار حمد الدولي | ضمن البرنامج الاستثماري الوطني |
| النقل البحري | تطوير ميناء حمد | ضمن رؤية قطر 2030 |
| الطرق والبنية التحتية | طرق سريعة، جسور، أنفاق | استثمارات كبيرة متعددة السنوات |
| الاستثمار الإجمالي المرتبط بفترة الاستعداد | مختلف مشاريع البنية التحتية والتنمية | أكثر من 200 مليار دولار |
ملاحظة منهجية: يمثل مبلغ أكثر من 200 مليار دولار مجموع الاستثمارات التي نفذتها قطر خلال فترة الاستعداد لكأس العالم في إطار برامجها التنموية، ولا يمثل تكلفة تنظيم البطولة أو بناء الملاعب وحدها.
3.1.3 النتائج: هل نجحت قطر في بناء إرث تنموي مستدام؟
يصعب تقييم تجربة قطر 2022 من خلال نجاح البطولة تنظيمياً فقط، رغم أن هذا النجاح حظي بإشادة واسعة من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) وعدد كبير من المؤسسات الدولية والإعلام العالمي. فالمعيار الأهم يتمثل في مدى قدرة الدولة على تحويل الاستثمارات الضخمة التي أنجزتها إلى أصول اقتصادية واجتماعية تواصل إنتاج قيمتها بعد انتهاء الحدث.
وعلى مستوى البنية التحتية، أصبحت شبكة مترو الدوحة أحد أبرز مكاسب البطولة، إذ تحولت إلى وسيلة نقل يومية تخدم السكان والزوار، وأسهمت في تحسين التنقل داخل العاصمة، وتقليص الازدحام، ورفع كفاءة النقل الحضري. كما عززت توسعة مطار حمد الدولي مكانة قطر باعتبارها مركزاً عالمياً للنقل الجوي، في حين ساهم تطوير ميناء حمد وشبكات الطرق الحديثة في رفع كفاءة الخدمات اللوجستية وتعزيز موقع الدولة في التجارة الإقليمية والدولية.
أما على المستوى الاقتصادي، فقد وفرت البطولة دفعة قوية لقطاعي السياحة والضيافة، حيث استقبلت قطر خلال فترة المنافسات أكثر من مليون زائر، وشهدت استثمارات كبيرة في الفنادق والخدمات السياحية والترفيهية. كما ساهمت التغطية الإعلامية العالمية في تعزيز صورة الدولة وزيادة حضورها على الساحة الدولية، وهو ما يندرج ضمن ما يعرف بـ القوة الناعمة التي أصبحت الرياضة إحدى أدواتها الرئيسية.
ومن جهة أخرى، حرصت السلطات القطرية على تقليص مخاطر تحول الملاعب إلى منشآت قليلة الاستعمال بعد البطولة، فاعتمدت تصاميم مرنة تسمح بتخفيض السعة الاستيعابية لبعض الملاعب، أو إعادة استخدام أجزاء منها داخل قطر أو خارجها. كما جرى تحويل عدد من المرافق إلى فضاءات متعددة الاستعمالات، بما يتوافق مع الاحتياجات المستقبلية للسكان.
ورغم هذه النتائج الإيجابية، فإن تقييم الإرث الاقتصادي الكامل لا يزال يحتاج إلى منظور زمني أطول. فبعض المشاريع، ولا سيما في قطاعات السياحة والعقار، ستتضح مردوديتها الحقيقية خلال السنوات المقبلة، كما سيظل نجاح المنشآت الرياضية مرتبطاً بقدرتها على استقطاب فعاليات رياضية وثقافية وتجارية تضمن استدامة تشغيلها.
وعموماً، تبدو التجربة القطرية مختلفة عن عدد من التجارب السابقة، لأنها لم تعتمد على البطولة باعتبارها مشروعاً قائماً بذاته، بل استخدمتها لتسريع تنفيذ برامج كانت الدولة قد شرعت فيها بالفعل ضمن رؤيتها الوطنية. ولذلك، فإن الجزء الأكبر من الاستثمارات سيواصل أداء وظائفه الاقتصادية والخدمية، بغض النظر عن انتهاء كأس العالم.
جدول (18): أبرز نتائج وإرث كأس العالم قطر 2022
| المجال | أبرز النتائج |
|---|---|
| النقل الحضري | تشغيل مترو الدوحة كجزء دائم من منظومة النقل العام |
| النقل الجوي | تعزيز مكانة مطار حمد الدولي كمركز عالمي للطيران |
| الخدمات اللوجستية | رفع كفاءة ميناء حمد وشبكات الطرق |
| السياحة | زيادة الحضور السياحي وتعزيز صورة قطر كوجهة عالمية |
| القوة الناعمة | تعزيز المكانة الدولية عبر الدبلوماسية الرياضية |
| المنشآت الرياضية | إعادة توظيف عدد من الملاعب وفق احتياجات ما بعد البطولة |
قراءة أولية للنتائج
تكشف التجربة القطرية أن الإرث التنموي لا يُقاس بعدد الملاعب التي شُيدت، وإنما بقدرة البنية التحتية التي أُنجزت على الاستمرار في خدمة الاقتصاد والمجتمع بعد انتهاء الحدث. وإذا كانت البطولة قد منحت قطر فرصة استثنائية لتسريع تنفيذ مشاريعها الاستراتيجية، فإن نجاح هذا الإرث سيظل مرتبطاً بقدرة الدولة على الحفاظ على معدلات الاستغلال المرتفعة لهذه الأصول، ودمجها باستمرار في سياسات التنويع الاقتصادي التي تستهدفها رؤية قطر الوطنية 2030.
تؤكد التجربة القطرية أن نجاح الحدث الرياضي لا يُقاس بحجم الإنفاق أو بجودة التنظيم فحسب، بل بقدرته على تسريع تنفيذ مشاريع تنموية تخدم الاقتصاد والمجتمع بعد انتهاء المنافسات. وقد استطاعت قطر أن توظف كأس العالم 2022 لتطوير بنيتها التحتية وتعزيز مكانتها الدولية ضمن رؤية وطنية بعيدة المدى، غير أن التقييم النهائي لهذا الإرث سيظل مرتبطاً بمدى استدامة استغلال هذه الاستثمارات وقدرتها على مواصلة دعم تنويع الاقتصاد خلال السنوات المقبلة.
3.1.4 قراءة نقدية للتجربة القطرية
تُعد تجربة قطر 2022 من أكثر تجارب استضافة الأحداث الرياضية الكبرى إثارة للنقاش خلال العقود الأخيرة، ليس فقط بسبب حجم الاستثمارات التي رافقتها، وإنما أيضاً بسبب طبيعة الدولة المنظمة، وسياقها الاقتصادي، والخيارات التي اعتمدتها لضمان استدامة المنشآت بعد انتهاء البطولة. ولذلك، فإن تقييم هذه التجربة لا ينبغي أن يقتصر على نجاحها التنظيمي، وإنما يجب أن يمتد إلى ما تحقق فعلياً خلال السنوات اللاحقة، ومدى قدرة هذه الاستثمارات على الاستمرار في خدمة الاقتصاد والمجتمع.
ويتمثل العنصر الأول في أن كأس العالم لم يكن مشروعاً مستقلاً عن استراتيجية التنمية القطرية، بل كان جزءاً من رؤية قطر الوطنية 2030. فقد ارتبطت معظم المشاريع الكبرى، مثل مترو الدوحة، وتوسعة مطار حمد الدولي، وتطوير ميناء حمد، ببرامج تنموية كانت الدولة قد شرعت فيها قبل البطولة بسنوات، وساهم الحدث العالمي في تسريع تنفيذها وإبرازها دولياً.
كما استفادت قطر من خصوصية نموذجها الاقتصادي، القائم على عائدات الغاز الطبيعي المسال، وهو ما وفر موارد مالية كبيرة مكنتها من تمويل جزء مهم من هذه المشاريع دون الاعتماد المكثف على الاقتراض الخارجي. ولذلك، فإن مقارنة التجربة القطرية بتجارب دول أخرى يجب أن تأخذ بعين الاعتبار اختلاف الإمكانات المالية والقدرات المؤسسية.
وفي المقابل، لم تخل التجربة من انتقادات تناولت حجم الإنفاق، ومدى الحاجة الفعلية لبعض المنشآت الرياضية بعد انتهاء البطولة، إضافة إلى الجدل الذي أثير بشأن ظروف عمل بعض العمال الوافدين خلال مرحلة الإعداد. وقد دفعت هذه الانتقادات السلطات القطرية إلى إدخال إصلاحات مهمة على تشريعات العمل، شملت مراجعة نظام الكفالة، وإقرار حد أدنى للأجور، وتعزيز آليات الرقابة على ظروف التشغيل، وإن ظل تقييم أثر هذه الإصلاحات موضوعاً للنقاش بين الباحثين والمنظمات الدولية.
غير أن أكثر ما يميز التجربة القطرية يتمثل في التخطيط المسبق لإدارة مرحلة ما بعد البطولة. فبدلاً من الاكتفاء ببناء ملاعب ضخمة، سعت قطر منذ مرحلة التصميم إلى التفكير في كيفية استغلال هذه المنشآت بعد انتهاء المنافسات، لتجنب تكرار ظاهرة “الملاعب البيضاء” التي شهدتها بعض الدول بعد استضافة أحداث رياضية كبرى.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ملعب 974، الذي صُمم باستخدام وحدات إنشائية وحاويات شحن بحرية تسمح بتفكيكه بالكامل وإعادة تركيبه في موقع آخر. وقد أصبح هذا الملعب أول منشأة من نوعها في تاريخ كأس العالم من حيث قابلية التفكيك الكامل. غير أنه، وإلى حدود منتصف سنة 2026، لم يُنقل إلى أي دولة، وما تزال السلطات القطرية تدرس أفضل السبل لإعادة استثماره أو إعادة تركيبه، وهو ما يبرز الفرق بين إمكان تنفيذ الفكرة وتنفيذها الفعلي.
كما شرعت قطر في تقليص السعة الاستيعابية لعدد من الملاعب بعد البطولة، مع إزالة آلاف المقاعد الزائدة ضمن برنامج يهدف إلى التبرع بها لدول تحتاج إلى تطوير بنيتها الرياضية. إلا أنه، ورغم الإعلان عن هذا التوجه منذ سنوات، لم تُنشر إلى حدود سنة 2026 قائمة رسمية شاملة تحدد جميع الدول المستفيدة والكميات التي تسلمتها، وهو ما يدعو إلى التمييز بين خطط الإرث المعلنة وما تحقق منها فعلياً.
وفي المقابل، بدأت بعض المنشآت تحقق أهدافاً أكثر وضوحاً. فقد أصبح ملعب المدينة التعليمية يخدم الجامعات والمجتمع المحلي بعد تقليص سعته، بينما تتواصل مشاريع إعادة توظيف ملعب لوسيل ليضم مرافق تجارية وخدمية ومجتمعية، كما يجري تطوير محيط ملعبي الثمامة والبيت ليحتضنا أنشطة رياضية وسياحية وخدمات موجهة للسكان والزوار. وتؤكد هذه الأمثلة أن قطر لم تتعامل مع الملاعب باعتبارها منشآت رياضية فقط، بل كعناصر يمكن دمجها ضمن مشاريع عمرانية واقتصادية أوسع.
وتكشف هذه التجربة أن الإرث الحقيقي لا يتمثل في بقاء المنشأة كما هي، وإنما في قدرتها على التكيف مع احتياجات المجتمع بعد انتهاء الحدث. فإعادة التوظيف، وتقليص السعة، أو حتى التفكيك وإعادة التركيب، كلها أدوات لإطالة العمر الاقتصادي للاستثمار وتجنب تحول المنشآت إلى عبء مالي دائم.
وفي المحصلة، تؤكد التجربة القطرية أن نجاح استضافة حدث رياضي عالمي لا يقاس فقط بجودة التنظيم أو حجم الإنفاق، وإنما بمدى نجاح الدولة في التخطيط لمرحلة ما بعد البطولة. كما تبين أن الرؤية الاستراتيجية لا تكتمل بمجرد الإعلان عن خطط الإرث، بل تتطلب متابعة تنفيذها وتقييم نتائجها بصورة دورية، وهو ما يجعل التجربة القطرية غنية بالدروس، سواء فيما نجحت في تحقيقه، أو فيما لا يزال قيد الإنجاز.
جدول (19): ماذا تحقق فعلاً بعد كأس العالم قطر 2022؟
| المنشأة | الوضع إلى حدود منتصف 2026 | الدرس المستفاد |
|---|---|---|
| ملعب 974 | صُمم ليكون قابلاً للتفكيك، لكنه لم يُنقل بعد إلى دولة أخرى ولم يُعلن عن إعادة تركيبه في موقع جديد. | التخطيط المبتكر يحتاج إلى تنفيذ فعلي حتى يكتمل أثره. |
| ملعب المدينة التعليمية | خُفضت سعته، ويستخدم في الأنشطة الرياضية والجامعية والمجتمعية. | ربط المنشآت بمحيطها المحلي يعزز استدامتها. |
| ملعب لوسيل | تتواصل مشاريع إعادة توظيفه ليصبح فضاءً متعدد الاستعمالات يضم مرافق تجارية وخدمية وسكنية. | إعادة الاستخدام ينبغي أن تكون جزءاً من التصميم الأولي. |
| ملعب الثمامة | يواصل استضافة المنافسات المحلية مع تطوير مرافق صحية ورياضية وخدمية في محيطه. | تنويع الوظائف يزيد من مردودية الاستثمار. |
| ملعب البيت | يجري استكمال مشاريع سياحية وترفيهية وتجارية مرتبطة بالمنشأة بعد تقليص سعتها. | المنشأة الرياضية يمكن أن تكون نواة لتنمية محلية. |
| المقاعد التي أزيلت | أُعلن عن برنامج للتبرع بها، لكن لم تُنشر قائمة رسمية نهائية بجميع الدول المستفيدة حتى منتصف 2026. | ينبغي التمييز بين الخطط المعلنة وما تحقق فعلياً. |
تؤكد التجربة القطرية أن الإرث الحقيقي للأحداث الرياضية الكبرى لا يُقاس بحجم الملاعب أو قيمة الاستثمارات، وإنما بقدرة الدولة على التخطيط لمرحلة ما بعد البطولة وتحويل المنشآت إلى أصول منتجة تخدم الاقتصاد والمجتمع على المدى الطويل. كما تُظهر أن نجاح الرؤية الاستراتيجية لا يكتمل بمجرد الإعلان عن خطط إعادة التوظيف، بل يتطلب متابعة تنفيذها وتقييم نتائجها بصورة مستمرة. ومن ثم، فإن أهم ما يمكن استخلاصه من التجربة القطرية ليس حجم الإنفاق، بل أهمية التفكير، منذ مرحلة التصميم، في مستقبل كل منشأة حتى لا تتحول الاستثمارات الكبرى إلى أعباء دائمة بعد انتهاء الحدث. وهذا هو السؤال الذي يكتسب أهمية خاصة بالنسبة للمغرب وهو يستعد لاستضافة كأس العالم 2030: كيف يمكن تصميم منشآت اليوم بحيث تظل ذات قيمة اقتصادية واجتماعية بعد انتهاء البطولة؟
3.1.5 ماذا يمكن أن يتعلم المغرب من تجربة قطر؟
تكشف التجربة القطرية أن نجاح استضافة حدث رياضي عالمي لا يعتمد على حجم الإنفاق وحده، بل على قدرة الدولة على دمج الحدث ضمن مشروع تنموي طويل المدى، بحيث تصبح المنشآت التي تُبنى لخدمة البطولة جزءاً من منظومة اقتصادية واجتماعية تستمر في أداء وظائفها بعد انتهاء المنافسات.
وبالنسبة للمغرب، الذي يستعد لاستضافة كأس العالم 2030 في إطار شراكة ثلاثية مع إسبانيا والبرتغال، فإن قيمة التجربة القطرية لا تكمن في إمكانية استنساخها، فلكل دولة خصوصياتها الاقتصادية والمالية والديمغرافية، وإنما في استخلاص المبادئ التي يمكن تكييفها مع الواقع المغربي.
وأول هذه الدروس يتمثل في ضرورة أن تكون كل منشأة جديدة جزءاً من رؤية تنموية متكاملة، لا مشروعاً معزولاً تفرضه متطلبات البطولة فقط. فالملعب، أو المطار، أو الطريق، ينبغي أن يستجيب أولاً لحاجات التنمية الوطنية والإقليمية، ثم يخدم الحدث الرياضي في مرحلة مؤقتة.
أما الدرس الثاني، فهو التفكير في مرحلة ما بعد البطولة قبل انطلاق الأشغال. فقد أبرزت التجربة القطرية أهمية وضع تصور واضح لمستقبل المنشآت منذ مرحلة التصميم، سواء من خلال تقليص السعة الاستيعابية عند الحاجة، أو إعادة توظيف الفضاءات، أو دمجها في مشاريع اقتصادية وسياحية وتعليمية، بما يضمن استمرار مردوديتها ويحد من تكاليف صيانتها.
ويتمثل الدرس الثالث في التمييز بين الإنفاق الاستثماري والإنفاق الاستعراضي. فالاستثمارات التي ترفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد، وتحسن خدمات النقل واللوجستيك، وتدعم جاذبية البلاد للاستثمار والسياحة، تختلف عن الإنفاق الذي ينتهي أثره بانتهاء المنافسة الرياضية. ولذلك، فإن تقييم أي مشروع ينبغي أن يستند إلى قيمته الاقتصادية والاجتماعية لعقود مقبلة، لا إلى نجاحه أثناء البطولة فقط.
كما تبرز التجربة القطرية أهمية الحوكمة والمتابعة والتقييم. فالإعلان عن خطط الإرث لا يكفي في حد ذاته، بل يجب أن ترافقه مؤشرات واضحة لقياس مدى تنفيذ هذه الخطط، وتقييم أثرها بعد سنوات من انتهاء الحدث، بما يسمح بتصحيح الاختلالات وتكييف السياسات العمومية مع النتائج المحققة.
وأخيراً، تؤكد التجربة أن الإرث الحقيقي للأحداث الرياضية الكبرى لا يتمثل في الملاعب وحدها، وإنما في قدرة الدولة على تحويل هذه المناسبات إلى فرصة لتطوير البنية التحتية، وتعزيز الكفاءات الوطنية، ورفع جودة الخدمات العمومية، وتحسين صورة البلاد وجاذبيتها الاقتصادية. وهذه هي الزاوية التي ينبغي أن ينظر منها المغرب إلى استثمارات كأس العالم 2030، باعتبارها وسيلة لتحقيق أهداف تنموية مستدامة، لا غاية في حد ذاتها. وفي ضوء هذه الدروس، لا يبدو السؤال الأكثر أهمية بالنسبة للمغرب هو حجم الاستثمارات التي ستُخصص لكأس العالم 2030، وإنما نوعية الإرث الذي ستتركه هذه الاستثمارات بعد انتهاء البطولة. فالتجارب الدولية تؤكد أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المباريات التي استضافتها الدولة، ولا بجمالية الملاعب التي شيدتها، بل بقدرتها على تحويل هذه المشاريع إلى محركات دائمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن ثم، فإن الحكم على تجربة المغرب لن يبدأ سنة 2030، بل سيبدأ في السنوات التي تليها، عندما يتضح ما إذا كانت هذه المنشآت ستواصل خدمة المواطنين والاقتصاد الوطني، أم أنها ستفقد جزءاً كبيراً من وظيفتها بانتهاء الحدث الرياضي.
جدول (20): أهم الدروس المستفادة للمغرب من التجربة القطرية
| الدرس | ما ينبغي مراعاته في المغرب |
|---|---|
| ربط المشاريع برؤية وطنية | أن تخدم المنشآت احتياجات التنمية قبل خدمة البطولة. |
| التخطيط لما بعد الحدث | تحديد مستقبل كل منشأة قبل بدء إنجازها. |
| استدامة الاستثمار | إعطاء الأولوية للمشاريع ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي طويل المدى. |
| إعادة توظيف المنشآت | تصميم المرافق بما يسمح بتكييفها مع الاحتياجات المستقبلية. |
| الحوكمة والتقييم | اعتماد مؤشرات دورية لقياس الإرث التنموي بعد سنة 2030. |
3.2 الاستضافة المشتركة: حصيلة نموذج جديد يهم المغرب مباشرة
3.2.1 خصوصية النموذج الثلاثي وتوزيع المباريات
شكّلت كأس العالم 2026 أول نسخة من مونديال الرجال تُنظَّم بصورة مشتركة بين ثلاث دول، هي كندا والمكسيك والولايات المتحدة، بعد أن اقتصر التنظيم المشترك السابق على دولتين في نسخة كوريا الجنوبية واليابان سنة 2002. كما كانت أول بطولة تُقام بمشاركة 48 منتخباً بدلاً من 32، وهو ما رفع عدد المباريات من 64 في نسخة قطر 2022 إلى 104 مباريات، امتدت من 11 يونيو إلى 19 يوليوز 2026. ولم يكن التوسع عددياً فحسب، بل أنتج بطولة موزعة على فضاء جغرافي واسع، يضم 16 مدينة مستضيفة في ثلاث دول تختلف من حيث التشريعات وأنظمة العبور والبنية الإدارية والتنظيمية. المعطيات الرسمية للبطولة – الفيفا
غير أن صفة «الاستضافة المشتركة» لم تعنِ توزيعاً متساوياً للمباريات. فقد احتضنت الولايات المتحدة 78 مباراة، أي 75% من مجموع مباريات البطولة، مقابل 13 مباراة لكندا و13 للمكسيك، بنسبة 12.5% لكل منهما. وانعكس هذا التفاوت أيضاً على توزيع المدن؛ إذ ضمت الولايات المتحدة 11 مدينة مستضيفة، مقابل ثلاث مدن مكسيكية ومدينتين كنديتين. كما استضافت المكسيك المباراة الافتتاحية في مدينة مكسيكو، بينما احتضنت الولايات المتحدة المباراة النهائية في نيويورك–نيوجيرسي، إلى جانب معظم مباريات الأدوار الإقصائية المتقدمة. التوزيع الرسمي للمباريات بين الدول الثلاث – الفيفا، المدن المستضيفة – الفيفا
وحمل النموذج الثلاثي دلالات مختلفة لكل بلد. فقد أصبحت المكسيك أول دولة تستضيف كأس العالم للرجال ثلاث مرات، بعد نسختي 1970 و1986، وعادت الولايات المتحدة إلى التنظيم بعد نسخة 1994، في حين خاضت كندا أول تجربة لها في استضافة مونديال الرجال، بعد احتضانها كأس العالم للسيدات سنة 2015. وهكذا جمع الملف بين بلد يملك خبرة تاريخية متراكمة، وآخر يمتلك سوقاً رياضية ومنشآت ضخمة، وثالث يدخل مجال استضافة البطولة للمرة الأولى.
ويكشف هذا التوزيع أن التنظيم المشترك لا يقوم بالضرورة على مساواة حسابية بين الشركاء، بل على تقسيم للأدوار تحدده القدرة الاستيعابية للملاعب، وعدد المدن المرشحة، وحجم السوق، وشبكات النقل، والوزن التفاوضي لكل بلد داخل الملف. لذلك كانت البطولة مشتركة من حيث الهوية والإدارة العامة، لكنها غير متكافئة من حيث عدد المباريات ومراكز الجذب الجماهيري والقيمة الإعلامية والفرص الاقتصادية المحتملة.
خلاصة أولية: أثبت النموذج الثلاثي أن تعدد الدول المضيفة لا يكفي وحده لتوزيع منافع البطولة بصورة متوازنة؛ فالدولة التي تستضيف الحصة الأكبر من المباريات، ولا سيما الأدوار النهائية، تكون أقدر على استقطاب الزوار والإنفاق السياحي والتغطية الإعلامية. وهذه نقطة أساسية ينبغي استحضارها عند تقييم موقع المغرب داخل الاستضافة المشتركة لمونديال 2030.

3.2.2 حجم العملية التنظيمية واللوجستية
أظهر مونديال 2026 أن الاستضافة المشتركة لا تقلّل بالضرورة من حجم العملية التنظيمية، حتى عندما تعتمد الدول المضيفة على منشآت رياضية قائمة؛ إذ إن اتساع البطولة جغرافياً وعددياً يفرض تعبئة بشرية وتقنية ولوجستية أكبر. فقد أُقيمت 104 مباريات على امتداد 39 يوماً، وتوزعت العمليات على 16 ملعباً و48 مركزاً لإقامة المنتخبات وتدريبها، ضمن شبكة ضمت 645 موقعاً رسمياً، شملت الملاعب والمطارات والفنادق ومراكز التدريب والاعتماد وغيرها.
ووفق الحصيلة التي نشرتها الفيفا بعد البطولة، شارك في تشغيل هذه المنظومة ما يقارب 300 ألف شخص معتمد، من بينهم أكثر من 43 ألف متطوع، ونحو 73,700 عنصر أمني معتمد، فضلاً عن 2,500 موظف تابع للفيفا. وقد كان على هذه الموارد البشرية أن تؤمّن تنقل 1,248 لاعباً، واستقبال حضور تراكمي تجاوز 6.8 ملايين متفرج، مع الحفاظ على معايير موحدة في ثلاثة بلدان وست عشرة مدينة.
وتكشف حركة المنتخبات بصورة خاصة حجم التعقيد اللوجستي؛ إذ سجلت البطولة 11,337 حركة تنقل مرتبطة بالفرق، شملت انتقال اللاعبين والأطقم والمعدات بين المطارات والفنادق ومراكز التدريب والملاعب. ولا يعكس هذا الرقم مجرد كثافة الحركة، بل يبرز الحاجة إلى تنسيق دقيق للمواعيد والمسارات والحماية الأمنية ونقل الأمتعة والتجهيزات، مع الاستعداد لمواجهة تأخر الرحلات والازدحام والتغيرات الطارئة في برنامج المنافسات. حصيلة العمليات التنظيمية لمونديال 2026 – الفيفا
كما لم يقتصر التنسيق على الجانب المادي، بل شمل شبكة رقمية واسعة لنقل البيانات وإدارة الاعتمادات والبث والتذاكر والعمليات الأمنية. وتشير أرقام الفيفا إلى نشر نحو 161 ألف كيلومتر من الألياف البصرية، ونقل قرابة 13 مليون جيغابايت من البيانات عبر شبكات البطولة والبث. وبذلك أصبح التكامل الرقمي جزءاً أساسياً من البنية التنظيمية، لا مجرد خدمة تقنية مساندة.
غير أن هذه الأرقام، الصادرة عن الجهة المنظمة، تقيس أساساً حجم التعبئة والقدرة على تشغيل البطولة، ولا تكفي وحدها للحكم على كفاءتها الاقتصادية أو كلفتها الصافية. فارتفاع عدد العاملين والتحركات والمواقع الرسمية يمكن أن يدل على نجاح تنظيمي كبير، لكنه يكشف في الوقت نفسه مقدار الموارد التي تتطلبها بطولة موزعة على مجال قاري واسع.
ومن ثم، فإن الدرس الذي تقدمه تجربة 2026 لا يتمثل فقط في ضرورة توفير الملاعب والمطارات ووسائل النقل، وإنما في القدرة على جمعها داخل منظومة واحدة تتبادل المعلومات وتنسق القرارات لحظة بلحظة. فالاستضافة المشتركة تنقل مركز الثقل من إدارة مواقع منفردة إلى إدارة شبكة مترابطة من المواقع والسلطات والموارد البشرية والأنظمة الرقمية.
دلالة بالنسبة للمغرب: سيكون مونديال 2030 أقل اتساعاً من الناحية القارية في نطاقه الرئيسي، لأن معظم مبارياته ستتركز في المغرب وإسبانيا والبرتغال، لكنه سيطرح تحدياً نوعياً يتمثل في تنسيق الحركة بين قارتي إفريقيا وأوروبا. ولذلك ينبغي ألا تُقاس الجاهزية المغربية بعدد المنشآت المكتملة فقط، بل بمدى اندماج المطارات والموانئ والسكك الحديدية والأمن والجمارك والتذاكر والاعتماد الرقمي ضمن منظومة مشتركة قادرة على العمل دون انقطاع.

3.2.3 الاستفادة من الملاعب القائمة وحدود خفض الكلفة
مثّل الاعتماد على الملاعب القائمة إحدى أبرز المزايا الاقتصادية في نموذج كأس العالم 2026. فقد أُقيمت جميع مباريات البطولة في منشآت كانت موجودة قبل منح الاستضافة، بخلاف تجارب سابقة تطلّبت تشييد ملاعب جديدة خصيصاً للمونديال. وشملت هذه المنشآت ملاعب مخصصة لكرة القدم، وأخرى تستضيف عادةً مباريات كرة القدم الأمريكية، فضلاً عن ملاعب سبق استخدامها في تظاهرات دولية كبرى. وقد أتاح ذلك للدول الثلاث تجنّب الجزء الأثقل من كلفة البناء، وتقليص مخاطر ظهور منشآت قليلة الاستعمال بعد انتهاء البطولة. استراتيجية الاستدامة لكأس العالم 2026 – الفيفا
غير أن استعمال ملعب قائم لا يعني أنه جاهز تلقائياً لاستضافة كأس العالم. فقد احتاجت بعض الملاعب إلى رفع طاقتها الاستيعابية، وتعديل أرضياتها وأبعاد ملاعبها، وتحديث غرف اللاعبين ومناطق الإعلام والبث، وتحسين الولوجيات والمرافق الصحية واللوحات الرقمية وأنظمة الأمن والمراقبة. كما تطلّبت البطولة تجهيز ملاعب التدريب، وإقامة مناطق مؤقتة للجماهير والضيافة، وإعادة تنظيم حركة النقل والممرات المحيطة بالمنشآت.
وتقدم تورونتو مثالاً واضحاً على الفرق بين تجنب بناء ملعب جديد وانخفاض الكلفة الإجمالية للاستضافة. فقد بلغت الميزانية الرسمية المخصصة لاحتضان ست مباريات نحو 380 مليون دولار كندي، أي قرابة 277 مليون دولار أمريكي وفق سعر صرف تقريبي قدره 0.73 دولار أمريكي للدولار الكندي. وتوزعت هذه الميزانية بين 236.4 مليون دولار كندي للنفقات التشغيلية، أي نحو 173 مليون دولار أمريكي، و143.6 مليون دولار كندي للنفقات الرأسمالية، أي قرابة 105 ملايين دولار أمريكي. وشملت النفقات الرأسمالية تهيئة ملعب تورونتو وملاعب التدريب والتجهيزات الأمنية والتقنية، بينما غطت النفقات التشغيلية الأمن والنقل وإدارة الجماهير والموارد البشرية والخدمات المرتبطة بالمباريات. الميزانية الرسمية لمونديال 2026 في تورونتو
ويبيّن هذا المثال أن المبنى الرياضي لم يكن سوى عنصر واحد داخل منظومة الإنفاق. فالحكومة الكندية خصصت، إضافة إلى مساهماتها السابقة في المدينتين المستضيفتين، ما يصل إلى 145 مليون دولار كندي، أي نحو 106 ملايين دولار أمريكي، لدعم السلامة والأمن على المستوى الوطني. وشملت التعبئة مراقبة الحدود والمطارات، وحماية الشخصيات والمواقع، والاستجابة للطوارئ، وتبادل المعلومات بين السلطات الفيدرالية والمحلية. تمويل السلامة والأمن – الحكومة الكندية
كما أن تحويل بعض الملاعب متعددة الاستعمالات إلى فضاءات مطابقة لمتطلبات كرة القدم احتاج إلى ترتيبات مؤقتة قد لا تشكّل إرثاً دائماً للمدينة. فالمقاعد الإضافية، ومناطق الضيافة والإعلام، والأسوار الأمنية، ومرافق البث، وإعادة تسمية الملاعب وإزالة العلامات التجارية، كلها نفقات ضرورية لتنظيم البطولة، لكنها لا تعادل استثماراً طويل الأمد في البنية الرياضية أو الحضرية. ومن ثم، يجب التمييز بين الإنفاق الرأسمالي الدائم الذي يبقى بعد البطولة، والإنفاق التشغيلي والمؤقت الذي ينتهي بانتهائها.
ولا تعني هذه الملاحظات أن الاعتماد على الملاعب القائمة لم يكن مجدياً؛ فقد جنّب الدول المضيفة كلفة تشييد ست عشرة منشأة جديدة، وخفّض مخاطر الديون والملاعب غير المستعملة لاحقاً. لكنها تكشف أن الوفورات المحققة في جانب البناء يمكن أن تقابلها نفقات كبيرة في التهيئة والتشغيل والأمن والنقل. لذلك لا ينبغي قياس اقتصاد الاستضافة بعدد الملاعب الجديدة فقط، وإنما بمجموع ما تنفقه السلطات العامة قبل البطولة وأثناءها، وبنسبة التجهيزات التي ستظل نافعة للسكان بعدها.
دلالة بالنسبة للمغرب: يقدّم مونديال 2026 درساً مزدوجاً: استخدام المنشآت القائمة أو تحديثها أكثر أماناً مالياً من بناء ملاعب لا تملك استعمالاً واضحاً بعد البطولة، لكنه لا يعفي من ضبط نفقات التهيئة والتشغيل. وينبغي، بالنسبة إلى المغرب، إخضاع كل مشروع لثلاثة أسئلة مترابطة: هل يحتاجه البلد قبل سنة 2030؟ هل يمكن تشغيله بكفاءة بعدها؟ وهل تحقق منفعته الدائمة كلفة إنجازه وصيانته؟
3.2.4 الحكامة وتعدد مستويات القرار
لم تكن إدارة كأس العالم 2026 مسؤولية هيئة واحدة، بل قامت على منظومة متعددة المستويات جمعت بين الاتحاد الدولي لكرة القدم، والهيكل التنفيذي للبطولة، والسلطات الوطنية في البلدان الثلاثة، وحكومات الولايات والمقاطعات، والبلديات واللجان المحلية في المدن المستضيفة. وقد كان هذا الترتيب ضرورياً بسبب اختلاف القوانين والأنظمة الإدارية والأمنية والضريبية بين كندا والمكسيك والولايات المتحدة، وبسبب توزع المباريات والعمليات على ست عشرة مدينة.
احتفظ الاتحاد الدولي لكرة القدم بالسلطة العليا المتعلقة بالبطولة، ولا سيما جدول المباريات، والمعايير الفنية للملاعب، والتذاكر، والاعتماد، والبث، والرعاية التجارية، والهوية البصرية. وتولت هيئة FIFA26 تنسيق التنفيذ العام، وربط فرق الفيفا باللجان المحلية، ومتابعة الاستعدادات التشغيلية في المدن. ولهذا الغرض، أنشأت الفيفا مكاتب في البلدان الثلاثة، ونظمت زيارات تخطيطية شملت المدن والملاعب واللجان المستضيفة، بهدف توحيد المعايير مع ترك هامش لتكييف التنفيذ مع الخصوصيات المحلية. الفيفا: التنسيق مع المدن المستضيفة، جولات التخطيط التشغيلي
أما الحكومات الوطنية، فتولت الملفات التي لا تستطيع الفيفا أو المدن إدارتها منفردة، مثل مراقبة الحدود، والتأشيرات، والجمارك، والأمن القومي، والمجال الجوي، وتبادل المعلومات، وحماية البنيات الحيوية. وفي الولايات المتحدة، أُنشئت في مارس 2025 فرقة عمل تابعة للبيت الأبيض لتنسيق جهود الوزارات والوكالات الفيدرالية المرتبطة بالبطولة، بينما تولت الأجهزة الفيدرالية، بالتعاون مع سلطات الولايات والمدن، إدارة المخاطر الأمنية والتهديدات الإلكترونية وحماية الملاعب والمطارات ومناطق تجمع الجماهير. القرار المتعلق بفرقة العمل الأمريكية، وزارة العدل الأمريكية: تنسيق الاستعداد الأمني
وفي كندا، توزعت المسؤوليات بين الحكومة الفيدرالية، ومقاطعتي أونتاريو وكولومبيا البريطانية، ومدينتي تورونتو وفانكوفر. فقد أشرفت الحكومة الفيدرالية على التمويل المقدم للمدينتين والمقاطعتين، وعلى الخدمات الفيدرالية المرتبطة بالحدود والأمن والنقل، بينما تكفلت السلطات المحلية بتهيئة الملاعب، وإدارة المرور والنقل الحضري، والصحة العامة، والمناطق الجماهيرية، والخدمات البلدية والتواصل مع السكان. ويُظهر هذا المثال أن كل مستوى حكومي احتفظ بصلاحياته القانونية، مع حاجته إلى التنسيق المالي والتشغيلي مع المستويات الأخرى. وزارة التراث الكندية: تنسيق الاستضافة
وتكشف تجربة تورونتو بصورة أكثر وضوحاً تعقيد هذه الحكامة. فقد أنشأت المدينة أمانة خاصة بكأس العالم لتكون نقطة الاتصال المركزية بين إداراتها، والحكومات الممولة، والفيفا، والاتحاد الكندي لكرة القدم. كما أُحدثت لجنة توجيهية تنفيذية ضمت الجهات المشاركة في تقديم الخدمات وتحقيق الإرث المحلي، إلى جانب آليات لمتابعة المجلس البلدي. وكان من المقرر أن تضبط اتفاقية متعددة الأطراف توزيع المسؤوليات، وصيغ التمويل، وآليات تحويل المساهمات بين الحكومة الفيدرالية والمقاطعة والمدينة. مدينة تورونتو: بنية الحكامة والمسؤوليات، اتفاق التنسيق والتمويل متعدد الأطراف
وقد أتاح هذا النموذج الاستفادة من الخبرة المحلية وتسريع معالجة الملفات داخل كل مدينة، لكنه حمل في الوقت نفسه مخاطر واضحة. فتعدد المتدخلين قد يؤدي إلى بطء القرار، وتداخل الصلاحيات، واختلاف الأولويات، وصعوبة تحديد الجهة المسؤولة عند ارتفاع الكلفة أو تأخر الإنجاز. كما أن احتفاظ الفيفا بالقرارات التجارية والفنية الأساسية، مقابل تحمل السلطات العمومية جزءاً كبيراً من نفقات الأمن والنقل والخدمات، يثير سؤالاً مركزياً حول التوازن بين سلطة القرار وتحمّل المسؤولية المالية.
ولا تكفي الحصيلة التشغيلية الناجحة للبطولة وحدها لإثبات أن منظومة الحكامة كانت مثالية أو الأقل كلفة. فالحكم الكامل يتطلب تقارير مستقلة لاحقة تقارن الميزانيات الأولية بالنفقات النهائية، وتحدد توزيع التكاليف والعائدات بين الفيفا والحكومات والمدن. لكن التجربة تؤكد أن الاستضافة المشتركة تحتاج، منذ البداية، إلى تحديد مكتوب ودقيق للاختصاصات والتمويل، لا إلى تنسيق ظرفي يُبنى أثناء التنفيذ.
دلالة بالنسبة للمغرب: يستدعي مونديال 2030 إنشاء منظومة حكامة تعمل على مستويين متكاملين: هيئة مشتركة تنسق مع إسبانيا والبرتغال، وهيئة وطنية مغربية تضمن وحدة القرار بين الوزارات والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والمدن المستضيفة. وينبغي أن تُحدد مسبقاً الجهة المسؤولة عن كل مشروع، ومصدر تمويله، وآجال تنفيذه، ومؤشرات قياس أثره، والجهة التي ستديره بعد البطولة. فنجاح التنظيم لا يتوقف على تعدد اللجان، بل على وضوح المسؤولية وربط القرار بالمحاسبة.
3.2.5 توزيع المنافع والأعباء بين الدول والمدن
لم تتوزع منافع كأس العالم 2026 وأعباؤه بالتساوي بين الدول الثلاث أو بين المدن الست عشرة المستضيفة. فقد ارتبط نصيب كل دولة بعدد المباريات التي احتضنتها، وأهمية أدوارها، وحجم أسواقها السياحية والإعلامية، وقدرة مدنها على استبقاء الزوار وتحويل تدفقهم إلى إنفاق محلي. وفي المقابل، اختلفت الأعباء بحسب حاجات كل مدينة إلى تهيئة الملاعب، وتعزيز الأمن والنقل، وإقامة مناطق الجماهير، وتوفير الخدمات البلدية المؤقتة.
وكانت الولايات المتحدة المستفيد الأكبر من حيث الحجم المباشر، بحكم استضافتها 78 مباراة من أصل 104، وامتلاكها إحدى عشرة مدينة مستضيفة، فضلاً عن احتضانها المباراة النهائية ومعظم المباريات المتقدمة في الأدوار الإقصائية. وقد منحها ذلك الحصة الأوسع من التذاكر، والإقامات الفندقية، وحركة الطيران الداخلي، والإنفاق السياحي والتغطية الإعلامية. كما قدّرت دراسة أعدتها الفيفا بالتعاون مع منظمة التجارة العالمية، قبل البطولة، أن تسهم الاستضافة بنحو 17.2 مليار دولار في الناتج الداخلي الخام الأمريكي، وأن تدعم قرابة 185 ألف وظيفة مكافئة لدوام كامل. غير أن هذه الأرقام تظل تقديرات اقتصادية شاملة، ولا تعني أن المبالغ نفسها تحولت إلى إيرادات صافية لدى الحكومات أو المدن. دراسة الأثر الاقتصادي لمونديال 2026 – الفيفا ومنظمة التجارة العالمية
أما كندا والمكسيك، فقد استضافت كل منهما 13 مباراة فقط، لكنها استفادتا من فرص ذات قيمة رمزية وسياحية مهمة. فقد احتضنت المكسيك المباراة الافتتاحية، وأصبحت أول دولة تنظم مونديال الرجال للمرة الثالثة، بينما استضافت كندا البطولة للمرة الأولى في تاريخها. ومع ذلك، ظل الأثر المباشر مركزاً داخل خمس مدن فقط: مكسيكو وغوادالاخارا ومونتيري في المكسيك، وتورونتو وفانكوفر في كندا؛ وهو ما يعني أن مناطق واسعة داخل البلدين لم تستفد بالدرجة نفسها من تدفقات الزوار والاستثمارات المرتبطة بالبطولة.
وقدّرت دراسة أعدتها شركة «ديلويت كندا» لفائدة الفيفا، قبل انطلاق البطولة، أن يبلغ الناتج الاقتصادي المرتبط بالاستضافة الكندية نحو 3.8 مليارات دولار كندي، أي قرابة 2.77 مليار دولار أمريكي، وأن يسهم الحدث بنحو ملياري دولار كندي في الناتج الداخلي الخام، ويوفر أو يدعم حوالي 24,100 وظيفة خلال الفترة الممتدة من يونيو 2023 إلى غشت 2026. غير أن الدراسة أوضحت أيضاً أن النفقات الرأسمالية والتشغيلية وإنفاق الزوار الداخلة في حساب هذا الأثر بلغت نحو 1.9 مليار دولار كندي. وهذا يؤكد أن «الأثر الاقتصادي» يقيس حركة النشاط الناتجة عن الإنفاق، ولا يساوي الربح الصافي الذي يعود على المالية العامة. تقييم الأثر الاقتصادي في كندا – الفيفا وديلويت، دجنبر 2024
وتكشف حالة تورونتو بوضوح الفرق بين المنافع الاقتصادية العامة والعائد المالي المباشر للمدينة. فقد قُدّر الأثر الاقتصادي للبطولة في منطقة تورونتو الكبرى بنحو 940 مليون دولار كندي، منها 520 مليوناً مساهمة في الناتج الداخلي الخام، و340 مليوناً في مداخيل العمل، وأكثر من 6,600 وظيفة محدثة أو مدعومة. لكن الإيرادات الحكومية المقدرة لم تتجاوز 25 مليون دولار كندي، بينما بلغت الميزانية الإجمالية لاستضافة المدينة ست مباريات نحو 380 مليون دولار كندي، كما ورد في المحور السابق. التقرير الرسمي حول المنافع الاقتصادية في تورونتو
ولا تجوز مقارنة الرقمين بوصفهما ربحاً وخسارة بصورة مباشرة؛ لأن الأثر الاقتصادي يشمل منطقة جغرافية أوسع، ويضم إنفاقاً ودخولاً موزعة على الشركات والعاملين ومستويات حكومية متعددة، بينما تمثل ميزانية الاستضافة نفقات عامة مباشرة. لكن المقارنة تكشف مشكلة جوهرية: قد تتحمل البلدية قسطاً مهماً من الكلفة، في حين تتوزع المنافع على الفنادق وشركات النقل والمطاعم والتجارة والحكومة الفيدرالية وحكومة المقاطعة، من دون أن تستطيع المدينة استرجاع حصة متناسبة منها عبر الضرائب المحلية. وقد أقرت تورونتو نفسها بأن الأدوات المتاحة لها لالتقاط جزء مناسب من النشاط الاقتصادي الناتج عن البطولة كانت محدودة. مدينة تورونتو: فرص الإيرادات وتمويل الاستضافة
ومع ذلك، أظهرت المؤشرات الأولية بعد البطولة أن المنافع السياحية لم تقتصر على الزوار الدوليين. ففي تورونتو، جاءت 37% من نفقات الزوار القادمين من خارج المدينة من الأسواق الدولية، و15% من الولايات المتحدة، و27% من باقي مقاطعة أونتاريو، و21% من المقاطعات الكندية الأخرى. ويبيّن هذا التوزيع قدرة البطولة على تنشيط السياحة الداخلية إلى جانب السياحة الدولية، لكنه يظل معطى أولياً يحتاج إلى تقييم لاحق يحدد حجم الإنفاق الإضافي فعلاً، لا الإنفاق الذي كان سيحدث حتى في غياب البطولة. الحصيلة الأولية لمدينة تورونتو، يوليوز 2026
كما لم تستفد الشركات المحلية تلقائياً من جميع الفرص التجارية؛ إذ ظلت حقوق التذاكر والرعاية والبث والمنتجات الرسمية خاضعة بدرجة كبيرة لمنظومة الفيفا وشركائها. ولم يُسمح في تورونتو، على سبيل المثال، سوى لأربع شركات محلية ببيع منتجات رسمية ضمن برنامج الترخيص المحلي. ولذلك تركزت المنافع الأكثر انتشاراً في الأنشطة المحيطة بالبطولة، مثل الإيواء والمطاعم والنقل والتجارة والخدمات، بينما بقيت بعض موارد الحدث الأساسية خارج نطاق القرار المالي للمدن.
وعلى الجانب الآخر، لم تتوقف الأعباء عند حدود المدن المستضيفة. فقد تحملت الحكومات الوطنية نفقات الحدود والمطارات والأمن والاستخبارات، وأسهمت الولايات والمقاطعات في تمويل النقل والخدمات، بينما واجهت البلديات تكاليف النظافة والمرور والمناطق الجماهيرية وإدارة الفضاءات العامة. وخصصت وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية الأمريكية، على سبيل المثال، 250 مليون دولار للولايات الإحدى عشرة المستضيفة ولمقاطعة كولومبيا لدعم استعدادات السلامة والأمن. وهكذا توزعت الكلفة على مستويات حكومية متعددة، في حين تركزت بعض الإيرادات التجارية لدى الفيفا وشركائها وبعض القطاعات الخاصة. وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية الأمريكية: تمويل الاستعدادات الأمنية
وتشير هذه المعطيات إلى أن السؤال الصحيح ليس: كم ولّدت البطولة من نشاط اقتصادي؟ فحسب، بل أيضاً: من أنفق؟ ومن استفاد؟ وأين تركزت المنافع؟ وهل حصلت الجهات التي تحملت الكلفة على موارد تعوضها؟ فارتفاع الناتج أو عدد الزوار لا يكفي لإثبات عدالة التوزيع، إذا تركزت الأرباح في قطاعات أو مناطق محددة، بينما تحمل دافعو الضرائب والسلطات المحلية قسطاً كبيراً من النفقات.
دلالة بالنسبة للمغرب: ينبغي ألا يقتصر تقييم موقع المغرب في مونديال 2030 على عدد المباريات التي سيحتضنها، بل يجب أن يشمل نوعية تلك المباريات، ومدى انتشارها بين المدن، وقدرة الاقتصاد المحلي على استبقاء إنفاق الزوار. كما يتعين تحديد توزيع الكلفة والعائد بين الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص، مع وضع آليات تضمن استفادة المقاولات المحلية والسكان. فالاستضافة المشتركة تكون أكثر إنصافاً حين يقترن توزيع المباريات بتوزيع واضح للموارد والالتزامات وفرص الإرث، لا حين تُعمّم المنافع في الخطاب وتبقى الأعباء محددة في الميزانيات.
ملاحظة توثيقية: الأرقام المتعلقة بالأثر الاقتصادي الأمريكي والكندي وتورونتو هي تقديرات أُنجزت قبل البطولة، بينما بيانات إنفاق زوار تورونتو مؤشرات أولية منشورة بعدها؛ ولذلك ينبغي انتظار التقارير المستقلة والميزانيات النهائية قبل الحكم على الأثر الصافي لمونديال 2026.
3.2.6 أوجه التشابه والاختلاف مع مونديال 2030
تكتسب تجربة كأس العالم 2026 أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب، لأنها تمثل أول تطبيق فعلي للنظام الموسع للبطولة، بمشاركة 48 منتخباً وإجراء 104 مباريات، كما أنها قامت على استضافة مشتركة بين ثلاث دول. وسيُعتمد الحجم نفسه مبدئياً في مونديال 2030، الذي يستضيفه المغرب وإسبانيا والبرتغال، مع إقامة ثلاث مباريات احتفالية بالمئوية في الأرجنتين والباراغواي والأوروغواي، بواقع مباراة واحدة في كل بلد. وبذلك ينتقل نموذج الاستضافة المشتركة من ثلاث دول داخل قارة واحدة سنة 2026 إلى بطولة تمتد رمزياً وتنظيمياً عبر ست دول وثلاث قارات سنة 2030. الفيفا: التنظيم الرسمي لمونديال 2030
أوجه التشابه
يتمثل التشابه الأول في ضخامة العملية التنظيمية. فكلتا البطولتين تتطلبان تنسيق حركة 48 منتخباً، ومئات الآلاف من العاملين والمتطوعين، وملايين المشجعين، إلى جانب إدارة الملاعب ومراكز التدريب والنقل والأمن والحدود والإقامة والبث الرقمي. ولذلك فإن نجاح الاستضافة لا يتوقف على جاهزية المنشآت الرياضية وحدها، بل على قدرة الدول المشاركة على تشغيل منظومة مترابطة وفق معايير موحدة.
ويتعلق التشابه الثاني بتعدد مستويات الحكامة. ففي مونديال 2026 توزعت المسؤوليات بين الفيفا والسلطات الفيدرالية وحكومات الولايات والمقاطعات والمدن المستضيفة. وسيواجه مونديال 2030 وضعاً مماثلاً، إذ يتطلب التنسيق بين الفيفا واللجنة المنظمة المشتركة وحكومات المغرب وإسبانيا والبرتغال، ثم بين الوزارات والسلطات الترابية والجامعات والمدن داخل كل بلد. وفي الحالتين، يظل وضوح الصلاحيات والتمويل والمحاسبة شرطاً لمنع تداخل المسؤوليات أو انتقال الأعباء إلى الجهات التي لا تتحكم في القرارات الأساسية.
ويظهر التشابه الثالث في احتمال عدم تساوي المنافع والأعباء. فعدد المباريات ونوعيتها، ولا سيما الافتتاح ونصف النهائي والنهائي، يؤثر في حجم التدفقات السياحية والتغطية الإعلامية والعائد الاقتصادي. كما أن المدن التي تمتلك مطارات دولية قوية، وطاقة فندقية مرتفعة، وشبكات نقل فعالة، تكون أقدر على استبقاء إنفاق الزوار من المدن التي تكتفي باستضافة مباريات محدودة.
اختلاف المجال الجغرافي وشبكات التنقل
رغم هذه العناصر المشتركة، يختلف المجال الجغرافي للبطولتين بصورة جوهرية. فقد أُقيم مونديال 2026 داخل أمريكا الشمالية، وإن امتد على مسافات شاسعة فرضت الاعتماد الكبير على الطيران. أما المحور الأساسي لمونديال 2030 فيتركز حول غرب البحر الأبيض المتوسط، حيث تفصل مسافات أقصر نسبياً بين المغرب وشبه الجزيرة الإيبيرية، مع إمكان الجمع بين الطيران والطرق والسكك الحديدية والنقل البحري.
ويمثل هذا التقارب فرصة لبناء مسارات سياحية متعددة البلدان، لكنه لا يلغي العوائق المرتبطة بالحدود والتأشيرات ومراقبة المسافرين واختلاف الأنظمة الإدارية. كما تضيف المباريات الاحتفالية الثلاث في أمريكا الجنوبية تعقيداً غير مسبوق، لأنها تفصل جغرافياً بين بداية البطولة وامتدادها الأساسي في المغرب وإسبانيا والبرتغال. وقد أكدت الفيفا رسمياً أن مباراة واحدة ستقام في كل من الأرجنتين والباراغواي والأوروغواي، بينما تستضيف الدول الثلاث الرئيسية بقية المباريات. قرار تعيين الدول المستضيفة – الفيفا، 11 دجنبر 2024
اختلاف مستوى الجاهزية والبنية التحتية
يكمن الاختلاف الأهم في طبيعة الاستثمار المطلوب. فقد استفادت نسخة 2026 من شبكة واسعة من الملاعب القائمة ذات الطاقات الاستيعابية الكبيرة، ومن مطارات وطرق ومنشآت فندقية كانت تخدم أصلاً أسواقاً رياضية وسياحية ضخمة. ولذلك انصب جانب معتبر من الإنفاق على التهيئة المؤقتة والتشغيل والأمن والنقل، أكثر من تشييد ملاعب جديدة.
أما مونديال 2030 فيجمع بين دول تختلف في مستوى تجهيزها وحجم الاستثمارات التي تحتاج إليها. فإسبانيا والبرتغال تتوفران على جزء كبير من المنشآت وشبكات النقل المطلوبة، وإن كانت بعض الملاعب تحتاج إلى التجديد. وفي المغرب، تشكل البطولة امتداداً لبرنامج أوسع يشمل بناء أو إعادة تأهيل الملاعب، وتوسيع المطارات، وتطوير السكك الحديدية والطرق والنقل الحضري والطاقة الفندقية.
وهذا الاختلاف يمنح المغرب فرصة لتحقيق إرث تنموي أكبر، لكنه يرفع في الوقت نفسه مستوى المخاطر المالية. فكلما زادت المشاريع المنشأة خصيصاً للبطولة، ازدادت ضرورة إثبات حاجتها الاقتصادية والاجتماعية قبل سنة 2030، ووضع خطة واضحة لاستعمالها وصيانتها بعدها. وقد خلص تقييم الفيفا لملف الترشيح إلى أنه تجاوز الحد الأدنى لمتطلبات الاستضافة، لكنه أشار إلى أن عدداً من المشروعات ما زال يحتاج إلى الإنجاز أو التحديث ضمن آجال محددة. تقرير الفيفا عن تقييم ملف مونديال 2030
اختلاف موقع المغرب داخل الشراكة
تختلف أيضاً طبيعة موقع الدول المشاركة. ففي مونديال 2026، استحوذت الولايات المتحدة على الحصة الأكبر من المباريات والمدن المستضيفة والأدوار المتقدمة، بحكم حجم سوقها وبنيتها الرياضية والتجارية. أما توزيع مباريات 2030 بين المغرب وإسبانيا والبرتغال فلم يُحسم نهائياً بصورة تفصيلية حتى الآن، ولذلك لا يصح بناء تقديرات العائد المغربي على تصريحات أو تكهنات غير رسمية.
غير أن المغرب لا ينبغي أن يقيس موقعه بعدد المباريات وحده. فالأهمية الاقتصادية والاستراتيجية تتوقف كذلك على نوعية المباريات، وعدد المنتخبات التي ستقيم فيه، وحجم الليالي السياحية، ومراكز التدريب، ومناطق المشجعين، والعقود التي تستفيد منها المقاولات الوطنية، ثم مقدار الاستثمارات الدائمة التي ستبقى في خدمة السكان بعد البطولة.
من نموذج واسع إلى مشروع للتحول
يمكن تلخيص الاختلاف الأساسي في أن مونديال 2026 كان، في جزء كبير منه، مشروع تشغيل لمنظومات قائمة، بينما يمثل مونديال 2030 بالنسبة إلى المغرب مشروع بناء وتحديث وتحول حضري. وهذه ميزة إذا استُخدمت البطولة لتسريع مشاريع يحتاجها البلد بالفعل، لكنها تصبح مصدر مخاطرة إذا اختلطت الأولويات الوطنية بالحاجات المؤقتة للحدث، أو إذا قيس النجاح بسرعة الإنجاز دون تقييم الكلفة والمنفعة المستقبلية.
دلالة بالنسبة للمغرب: لا ينبغي استنساخ النموذج الأمريكي الشمالي حرفياً، لأن اختلاف مستوى التجهيز والموارد والسياق التنموي يجعل حاجات المغرب مختلفة. لكن يمكن الاستفادة منه في ضبط الحكامة، وتحديد المسؤوليات، وإدارة التدفقات، ومراقبة النفقات التشغيلية. أما الاستثمارات المغربية الكبرى، فيجب تقييمها بمنطق الإرث الوطني: ما الذي سيبقى للمواطنين، ولأي مدة، وبأي كلفة تشغيل وصيانة؟
وتقود هذه المقارنة إلى المحور التالي المتعلق بـ الدروس العملية التي تهم المغرب؛ إذ لم يعد السؤال هو ما إذا كان البلد قادراً على إنجاح التنظيم فقط، بل كيف يحوّل الاستضافة إلى رافعة دائمة للنقل والسياحة والاقتصاد المحلي، من دون أن تتحول آجال البطولة إلى مبرر لارتفاع الكلفة أو إضعاف ترتيب الأولويات الاجتماعية.

3.2.7 الدروس العملية التي تهم المغرب
لا تكمن أهمية تجربة مونديال 2026 بالنسبة إلى المغرب في استنساخ النموذج الأمريكي الشمالي، بل في استخلاص ما يساعده على إدارة استضافة 2030 وفق حاجاته التنموية وإمكاناته المالية. فالولايات المتحدة وكندا والمكسيك دخلت البطولة وهي تتوفر على معظم الملاعب الكبرى وشبكات النقل والطاقة الفندقية اللازمة، بينما يرتبط الاستعداد المغربي ببرنامج أوسع لبناء منشآت جديدة وتحديث المطارات والسكك الحديدية والطرق والنقل الحضري.
ومن ثم، فإن حجم الإرث الممكن في المغرب أكبر، لكن مخاطر ارتفاع الكلفة وسوء استعمال المنشآت بعد البطولة أعلى أيضاً. ويمكن تلخيص الدروس العملية في المحاور الآتية:
أولاً: ربط المشاريع بحاجات السكان قبل متطلبات البطولة
ينبغي ألا يُعتمد أي مشروع لمجرد أنه مطلوب لإنجاح أسابيع المنافسة، بل لأنه يستجيب لحاجة اقتصادية أو اجتماعية قائمة قبل 2030، وسيظل مفيداً بعدها. وينطبق ذلك بصفة خاصة على خطوط السكك الحديدية، والنقل الحضري، وتوسعة المطارات، والطرق، والمرافق الصحية، والمناطق المحيطة بالملاعب.
ويقتضي هذا المبدأ إخضاع كل مشروع لثلاثة أسئلة:
- هل يحتاج إليه السكان والاقتصاد الوطني في غياب كأس العالم؟
- هل يتناسب حجمه مع الطلب المتوقع بعد البطولة؟
- هل تستطيع الجهة المسؤولة تحمل كلفة تشغيله وصيانته على المدى الطويل؟
فإذا كانت الإجابة غير واضحة، وجب مراجعة حجم المشروع أو اللجوء إلى تجهيزات مؤقتة أقل كلفة.
ثانياً: إنشاء قيادة موحدة مع مسؤوليات مكتوبة
أظهرت استضافة 2026 أن تعدد الدول والمدن والسلطات لا يشكل مشكلة في حد ذاته، ما دامت الاختصاصات محددة بدقة. أما غموض المسؤوليات فقد يؤدي إلى تأخر القرار، وتضخم النفقات، وتبادل اللوم عند ظهور الصعوبات.
ويحتاج المغرب إلى هيئة وطنية تتمتع بسلطة فعلية للتنسيق بين الوزارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والمدن المستضيفة، وتعمل في الوقت نفسه ضمن منظومة مشتركة مع إسبانيا والبرتغال. وينبغي أن يتضمن كل مشروع وثيقة تحدد:
- الجهة صاحبة القرار؛
- الجهة المنفذة والممولة؛
- الجدول الزمني ومراحل الإنجاز؛
- مؤشرات قياس التقدم والأثر؛
- الجهة التي ستتولى التشغيل والصيانة بعد 2030.
فالحكامة الفعالة لا تقاس بعدد اللجان، بل بوضوح المسؤولية وإمكان المحاسبة.
ثالثاً: فصل كلفة البطولة عن كلفة التنمية العامة
قد تُقدَّم استثمارات كانت مقررة أصلاً ضمن الكلفة الإجمالية لكأس العالم، كما قد تُنسب إلى البطولة مشاريع لن تخدمها إلا جزئياً. وهذا الخلط يجعل من الصعب معرفة الكلفة الحقيقية للاستضافة وتقييم عائدها.
لذلك من الضروري التمييز بين:
- النفقات الخاصة مباشرة بتنظيم البطولة، مثل الأمن المؤقت ومناطق الجماهير والتجهيزات التقنية؛
- النفقات الرأسمالية الدائمة، مثل الملاعب وخطوط النقل وتوسعة المطارات؛
- المشاريع التنموية السابقة التي جرى تسريعها بسبب موعد 2030؛
- مساهمات الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص.
كما ينبغي نشر الميزانية الأولية والتعديلات اللاحقة والنفقات النهائية وفق التصنيف نفسه، مع تفسير أسباب أي ارتفاع في الكلفة.
رابعاً: ضبط النفقات التشغيلية منذ البداية
لا تقتصر المخاطر المالية على بناء الملاعب والمنشآت. فقد بيّنت تجربة 2026 أن الأمن والنقل المؤقت وإدارة الحشود والمناطق الجماهيرية والنظافة والخدمات الرقمية قد تمثل نفقات مرتفعة، حتى في المدن التي لم تحتج إلى تشييد ملاعب جديدة.
ومن ثم، يجب ألا تُؤجل تقديرات هذه النفقات إلى السنوات الأخيرة، بل ينبغي إعداد ميزانيات تشغيلية مبكرة، تتضمن احتياطياً واضحاً للمخاطر، وتُراجع دورياً وفق تطور الأسعار والمتطلبات التنظيمية. كما يجب التمييز بين الاحتياط المالي المبرر وبين الاعتمادات المفتوحة التي قد تخفف الانضباط في الإنفاق.
خامساً: إعطاء الأولوية للنقل المتكامل لا للمشروعات المنعزلة
نجاح البطولة لا يعتمد على وصول المشجع إلى المغرب فقط، بل على قدرته على الانتقال بسهولة بين المطار ومحطة القطار ومكان الإقامة والملعب ومناطق الجماهير. ولذلك يجب التعامل مع النقل باعتباره شبكة واحدة، لا مجموعة مشروعات منفصلة.
ويقتضي ذلك تنسيق جداول الطيران والقطارات والنقل الحضري، واعتماد تذكرة أو منصة معلومات موحدة، وتوفير حلول للأشخاص في وضعية إعاقة، ووضع خطط بديلة عند تعطل أحد المسارات. كما ينبغي اختبار المنظومة خلال تظاهرات رياضية سابقة لعام 2030، حتى تُكتشف الاختلالات في التشغيل الفعلي لا على الورق فقط.
سادساً: ضمان استفادة المقاولات والعمال والجهات
لا تعني زيادة عدد الزوار تلقائياً أن المنافع ستتوزع بعدالة. فقد تتركز العقود والعائدات في شركات كبرى أو في عدد محدود من المدن، بينما تتحمل السلطات المحلية جزءاً من كلفة الأمن والنقل والخدمات.
ولهذا ينبغي إعداد برنامج وطني واضح لإدماج المقاولات المغربية، ولا سيما الصغيرة والمتوسطة، في سلاسل التوريد والخدمات والإيواء والنقل والصناعات الثقافية والرقمية. كما يمكن تقسيم بعض الصفقات الكبرى إلى حصص قابلة للولوج، مع الحفاظ على الجودة والشفافية، وربط الدعم العمومي بالتشغيل المصرح به والتكوين واحترام شروط العمل.
أما على المستوى الترابي، فلا ينبغي أن تقتصر الاستفادة على المدن التي تحتضن الملاعب، بل يمكن توسيعها عبر مراكز تدريب المنتخبات، والمسارات السياحية، والأنشطة الثقافية، ومناطق إقامة الزوار، وربط المدن المجاورة بشبكات النقل.
سابعاً: تحويل الوظائف المؤقتة إلى كفاءات دائمة
تخلق البطولة فرصاً في الأمن الخاص، والإرشاد، والنقل، والفندقة، والترجمة، والتقنيات الرقمية، والتواصل وإدارة الحشود. غير أن قسماً كبيراً منها قد ينتهي بانتهاء الحدث إذا لم يُدمج في سياسة للتكوين المهني.
ولهذا يحتاج المغرب إلى برنامج تكوين يبدأ قبل البطولة بسنوات، ويمنح المستفيدين مهارات وشهادات قابلة للاستعمال في قطاعات السياحة والنقل والخدمات وتنظيم التظاهرات بعد 2030. فالعدد المؤقت للوظائف أقل أهمية من قدرة هذه التجربة على رفع قابلية الشباب للتشغيل بصورة مستدامة.
ثامناً: حماية الإنفاق الاجتماعي من ضغط الآجال
تفرض بطولة بحجم كأس العالم آجالاً غير قابلة للتأجيل، بينما لا تتمتع مشاريع التعليم والصحة والتشغيل دائماً بالضغط الزمني نفسه. وقد يؤدي ذلك إلى منح الأولوية لما يجب إنجازه قبل المباراة الافتتاحية، ولو كان أثره الاجتماعي أقل من مشروعات أخرى.
لذلك ينبغي ألا تصبح الاستضافة سبباً لتأجيل بناء المدارس والمستشفيات أو تقليص الموارد المخصصة لها. والأفضل أن تُربط بعض استثمارات 2030 مباشرة بالخدمات الاجتماعية، مثل تحسين الولوج إلى المستشفيات، وتأهيل الفضاءات العامة، وتطوير التكوين المهني، وتعزيز النقل الذي يستخدمه الطلبة والعمال يومياً.
تاسعاً: التخطيط للاستعمال اللاحق قبل البناء
يجب أن تسبق خطةُ ما بعد البطولة قرارَ بناء المنشأة، لا أن تُبحث بعد اكتمالها. وينبغي أن تحدد هذه الخطة الجهة المشغلة، وعدد الأحداث السنوية المتوقع، ومصادر الإيرادات، ونفقات الصيانة، وإمكان استعمال المنشأة في الرياضة والثقافة والتعليم والخدمات المجتمعية.
كما يتعين تجنب المبالغة في الطاقة الاستيعابية الدائمة عندما يكون الطلب المتوقع بعد البطولة محدوداً. ويمكن في بعض الحالات اعتماد مدرجات مؤقتة أو تصميمات مرنة تسمح بتقليص السعة أو تغيير وظيفة أجزاء من المنشأة.
عاشراً: قياس النتائج الصافية لا الاكتفاء بالأرقام الإجمالية
لا يكفي بعد البطولة الإعلان عن عدد الزوار أو حجم الإنفاق أو «الأثر الاقتصادي» الإجمالي؛ لأن هذه المؤشرات لا توضح وحدها مقدار المنفعة الصافية التي عادت على المالية العامة والسكان.
ويجب أن يشمل التقييم:
- الكلفة النهائية مقارنة بالميزانية الأصلية؛
- الديون والالتزامات المالية طويلة الأجل؛
- الإيرادات التي حصلت عليها الدولة والمدن؛
- الوظائف الدائمة لا المؤقتة فقط؛
- حصة المقاولات المحلية من العقود؛
- استعمال المنشآت وتكاليفها بعد البطولة؛
- أثر النقل والتجديد الحضري في حياة السكان؛
- توزيع المنافع بين المدن والفئات الاجتماعية.
ومن الأفضل أن تتولى هذا التقييم مؤسسة مستقلة، مع نشر تقارير مرحلية قبل 2030 وتقرير نهائي بعد البطولة. ويكتسب ذلك أهمية خاصة لأن تقييم الفيفا أكد أن الملف المشترك تجاوز الحد الأدنى لمتطلبات الاستضافة، لكنه تناول أيضاً جوانب البنية التحتية والخدمات والاستدامة وحقوق الإنسان، وهي مجالات تحتاج إلى متابعة مستمرة حتى موعد التنظيم. تقرير الفيفا عن تقييم ملف مونديال 2030
الخلاصة العملية: لا ينبغي قياس نجاح المغرب في مونديال 2030 بجودة التنظيم وعدد المباريات والزوار وحدها، بل بقدرته على تسليم المشاريع في حدود كلفتها، وتحسين الخدمات اليومية، وتوسيع فرص المقاولات والشباب، وضمان استمرار استعمال المنشآت بعد البطولة. فالحدث الناجح ينتهي بعد أسابيع، أما الإرث التنموي الناجح فيبدأ بعدها.
وبذلك، لا تقدم تجربة 2026 للمغرب وصفة جاهزة، وإنما تقدم معياراً أساسياً للحكم على اختياراته: كل استثمار لا يملك وظيفة واضحة بعد 2030 يحتاج إلى إعادة تقييم قبل إنجازه، وكل منفعة معلنة يجب أن تقابلها كلفة محددة وجهة مستفيدة قابلة للقياس. وقد عُيّن المغرب وإسبانيا والبرتغال رسمياً لاستضافة البطولة، بينما تتولى دول أمريكا الجنوبية الثلاث تنظيم مباريات المئوية؛ وهو ما يجعل وضوح التنسيق والمسؤوليات جزءاً من نجاح المشروع منذ بدايته. الفيفا: التنظيم الرسمي لكأس العالم 2030

3.2.8 خلاصة مركزة: نجاحٌ مشترك وإرثٌ وطني
تكشف تجربة مونديال 2026 أن نجاح الاستضافة المشتركة لا يتحقق بمجرد توزيع المباريات بين الدول، بل يتطلب تنسيقاً دقيقاً للمسؤوليات والمعايير والخدمات وحركة المنتخبات والجماهير. فكل خلل في النقل أو الأمن أو الحدود أو التنظيم داخل دولة واحدة قد يؤثر في صورة البطولة بكاملها. ومن ثم، سيكون نجاح مونديال 2030 مسؤولية مشتركة بين المغرب وإسبانيا والبرتغال، ضمن رؤية تنظيمية موحدة تضمن الانسجام بين مختلف مكونات الحدث.
غير أن وحدة التنظيم لا تعني تطابق المكاسب. فالإرث الذي سيبقى بعد البطولة سيكون وطنياً ومحلياً؛ إذ ستتحمل كل دولة كلفة منشآتها، وستدير مطاراتها وطرقها وملاعبها، وستواجه بعد 2030 نفقات تشغيلها وصيانتها. كما ستتحدد استفادتها الفعلية بحسب نوعية المباريات التي تستضيفها، وقدرتها على استبقاء إنفاق الزوار، وإشراك مقاولاتها، وتحويل الوظائف المؤقتة إلى كفاءات دائمة.
وبالنسبة إلى المغرب، تتيح الشراكة تقاسم الخبرة والمخاطر التنظيمية والاستفادة من التكامل السياحي والجغرافي مع شبه الجزيرة الإيبيرية. لكنها لا تعفيه من بناء رؤيته الوطنية الخاصة للإرث. فلا ينبغي أن تُقاس حصته بعدد المباريات وحده، بل بما ستضيفه الاستثمارات إلى الحياة اليومية للمواطنين، وبقدرتها على تقليص الفوارق بين المدن والجهات، وتحسين النقل والخدمات، ودعم الاقتصاد المحلي بعد انتهاء المنافسات.
ويقتضي ذلك التوفيق بين مستويين متكاملين:
- مستوى مشترك يهتم بالتنسيق بين الدول، وتوحيد المعايير، وإدارة التنقل والحدود والتذاكر والأمن والتواصل الدولي.
- مستوى وطني يحدد أولويات الاستثمار، وتوزيع الموارد والمشاريع بين الجهات، وحصة المقاولات المغربية، وخطط تشغيل المنشآت وصيانتها بعد البطولة.
ولا يكتمل النجاح المشترك إذا حققت البطولة صورة دولية جيدة، بينما خلّفت داخل إحدى الدول ديوناً مرتفعة أو منشآت قليلة الاستعمال أو تفاوتاً مجالياً أوسع. وفي المقابل، يمكن للاستضافة أن تتحول إلى مكسب وطني حقيقي إذا اندمجت مشاريعها في سياسات النقل والسياحة والتكوين والتجديد الحضري، وخضعت كلفتها ونتائجها للشفافية والتقييم.
الخلاصة: يُصنع مونديال 2030 بالشراكة، لكن إرثه سيُقاس داخل كل دولة على حدة. ولذلك يحتاج المغرب إلى النجاح في مهمتين متلازمتين: المساهمة في تنظيم بطولة منسجمة مع شريكيه، وتحويل حصته منها إلى بنية تحتية نافعة، واقتصاد محلي أكثر قدرة، وخدمات أفضل، وفرص مستدامة للمواطنين.
وهكذا، لا ينبغي النظر إلى مونديال 2030 بوصفه غاية قائمة بذاتها، بل باعتباره اختباراً لقدرة المغرب على تحويل موعد دولي محدود زمنياً إلى مشروع وطني طويل الأثر. فالنجاح المشترك يُقاس خلال أسابيع البطولة، أما الإرث الوطني فتختبر قيمته السنوات التي تليها.
الخلاصة العامة للفصل الثالث
من قطر 2022 ومونديال 2026 إلى رهانات المغرب 2030
تكشف تجربتا قطر 2022 ومونديال 2026 عن نموذجين مختلفين لاستضافة الأحداث الرياضية الكبرى. فقد اعتمدت قطر على تنظيم مركزي داخل مجال جغرافي محدود، وربطت البطولة ببرنامج واسع لتشييد الملاعب وتطوير المترو والطرق والمطار والفنادق والتجهيزات الحضرية. أما مونديال 2026، فيقوم على استضافة موزعة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، مستفيداً من وجود جانب كبير من البنية التحتية الرياضية والنقلية، مع تركيز أكبر على تنسيق العمليات وإدارة التدفقات والأمن والخدمات بين دول ومدن متعددة.
ويضع اختلاف النموذجين المغرب أمام حقيقة أساسية: لا توجد صيغة واحدة تضمن نجاح الاستضافة، لأن النتائج تتوقف على طبيعة الاقتصاد، وحجم الاستثمارات الجديدة، ومستوى التجهيز السابق، وطريقة التمويل، وقدرة المؤسسات على ضبط الكلفة وتحويل الإنفاق الاستثنائي إلى منافع دائمة.
بين قوة الإنجاز ومخاطر الكلفة
تُظهر تجربة قطر قدرة الموعد الرياضي المحدد على تسريع القرار والإنجاز وإعادة تشكيل البنية الحضرية في فترة زمنية قصيرة. فقد أسهمت الاستضافة في تطوير شبكات النقل والمرافق والخدمات، ورفعت حضور البلد دولياً، وعززت مكانته في مجالات السياحة والرياضة وتنظيم التظاهرات الكبرى. غير أن هذه التجربة تؤكد أيضاً أن حجم الإنفاق وحده لا يكفي للحكم على النجاح؛ إذ يجب التمييز بين كلفة تنظيم البطولة، وكلفة المشاريع التنموية الأوسع التي جرى تسريعها في سياقها، ثم تقييم استعمال المنشآت واستدامة تشغيلها بعد انتهاء الحدث.
أما تجربة 2026، فتوضح أن الاستفادة من ملاعب ومنظومات قائمة تخفف الحاجة إلى البناء الجديد، لكنها لا تلغي الأعباء المالية. فالنفقات التشغيلية المرتبطة بالأمن، والنقل المؤقت، وإدارة الحشود، ومناطق المشجعين، والتقنيات والخدمات العامة قد تكون مرتفعة، كما قد تتحمل المدن والسلطات المحلية جانباً مهماً من الكلفة، بينما تستفيد جهات رياضية وتجارية من قسم أكبر من العائدات.
ومن ثم، لا ينبغي اختزال المقارنة بين النموذجين في القول إن البناء الجديد مكلف وإن استعمال المنشآت القائمة أقل كلفة. فالسؤال الأدق هو: من يمول؟ ومن يستفيد؟ وما الذي يبقى قابلاً للاستعمال بعد البطولة؟

من الاختلاف بين النموذجين إلى موقع المغرب
يجمع موقع المغرب بين بعض خصائص التجربتين من دون أن يطابق أياً منهما. فهو، مثل قطر، يستخدم موعد البطولة لتسريع برنامج واسع لتحديث الملاعب والمطارات والسكك الحديدية والطرق والنقل الحضري والتجهيزات السياحية. لكنه، مثل دول مونديال 2026، يشارك في استضافة مشتركة تتطلب تنسيقاً دولياً دقيقاً في مجالات التنقل والأمن والتذاكر والتواصل والمعايير التنظيمية.
غير أن المغرب يختلف عن الحالتين من حيث حجم حاجاته الاجتماعية وإمكاناته المالية وترتيب أولوياته التنموية. فهو مطالب بالاستعداد لحدث عالمي، وفي الوقت نفسه بتحسين التعليم والصحة والتشغيل والحماية الاجتماعية وتقليص الفوارق المجالية. ولهذا لا يمكن تقييم استثمارات 2030 بمعايير التنظيم الرياضي وحدها، بل يجب فحصها ضمن رؤية وطنية شاملة توازن بين البنية التحتية والاستثمار في الإنسان.
ويصبح التحدي الحقيقي هو التوفيق بين ثلاثة آجال متداخلة:
- أجل البطولة: إنجاز المشاريع وضمان جاهزيتها في الموعد المحدد.
- أجل التنمية: توجيه الاستثمارات إلى حاجات اقتصادية واجتماعية قائمة.
- أجل الإرث: تأمين تشغيل المنشآت وصيانتها واستمرار منافعها بعد 2030.
وقد يؤدي التركيز المفرط على الأجل الأول إلى إنجاز سريع لكنه مرتفع الكلفة أو محدود النفع مستقبلاً. أما النجاح المتوازن، فيتحقق عندما يصبح موعد البطولة وسيلة لتسريع مشاريع يحتاج إليها السكان أصلاً، ضمن أحجام تتناسب مع الطلب المتوقع والقدرة المالية على التشغيل والصيانة.
الحكامة بوصفها شرطاً للإرث
تؤكد التجربتان أن الحكامة ليست جانباً إدارياً مكملاً، بل هي العامل الذي يحدد ما إذا كانت الاستضافة ستتحول إلى رافعة للتنمية أم إلى التزامات مالية طويلة الأجل. ويشمل ذلك وضوح المسؤوليات، والفصل بين كلفة البطولة وكلفة المشاريع التنموية، ونشر تطور الميزانيات، وضبط الصفقات، ومراقبة آجال الإنجاز، وتحديد الجهة التي ستتولى إدارة كل منشأة بعد 2030.
كما ينبغي ألا يُقاس العائد بعدد الزوار أو بحجم الإنفاق الإجمالي وحدهما. فهذه المؤشرات قد توحي بأثر واسع من دون أن تكشف مقدار المنفعة الصافية التي عادت على الدولة والمدن والمقاولات والعمال. ولذلك يجب أن يمتد التقييم إلى حصة المقاولات المغربية من العقود، وعدد الوظائف الدائمة، ومستوى استعمال المنشآت، وكلفة صيانتها، وتحسن خدمات النقل، وتوزيع المشاريع والمنافع بين الجهات.
الاستثمار في الإنسان جزء من نجاح البطولة
من أهم ما تستخلصه المقارنة أن البنية التحتية لا تنتج إرثاً تنموياً بصورة تلقائية. فالطرق والمطارات والملاعب لا تحقق كامل أثرها ما لم ترافقها كفاءات قادرة على تشغيلها وصيانتها واستثمارها اقتصادياً. ولهذا ينبغي ربط الاستعداد لمونديال 2030 ببرامج للتكوين في السياحة والنقل واللغات والتقنيات الرقمية والأمن وإدارة الحشود وتنظيم التظاهرات.
كما يجب حماية الإنفاق على التعليم والصحة والتشغيل من ضغط الآجال الرياضية. فالمشروعات المرتبطة بالبطولة تتمتع بموعد نهائي صارم وحضور إعلامي قوي، بينما قد تتراجع أمامها حاجات اجتماعية أقل ظهوراً وأكثر عمقاً. ولن يكون الإرث ناجحاً إذا تحسنت واجهات المدن وممرات الزوار، في حين ظلت الخدمات الأساسية التي يحتاج إليها المواطن يومياً دون التحسن المأمول.
الخلاصة المركزة: تعلمنا قطر 2022 قوة الرؤية الموحدة وسرعة الإنجاز، ويعلمنا مونديال 2026 أهمية استعمال البنية القائمة وتحديد مسؤوليات الشركاء وضبط النفقات التشغيلية. أما رهان المغرب، فيتمثل في الجمع بين الدرسين: إنجاز منسق وفعال قبل 2030، واستثمارات نافعة وقابلة للاستمرار بعده، من دون أن تزاحم حاجات الإنسان المغربي في التعليم والصحة والتشغيل.
وبذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل سينجح المغرب في تنظيم كأس العالم؟ فالمغرب راكم خبرة تنظيمية ومؤسساتية تؤهله لخوض هذا الاستحقاق. السؤال الأبعد أثراً هو: هل يستطيع تحويل الاستضافة إلى مشروع وطني يرفع جودة الخدمات، ويقوي الاقتصاد المحلي، ويوسع فرص الشباب، ويترك منشآت قابلة للاستعمال من دون أعباء غير محسوبة؟
فالنجاح التنظيمي يُرى خلال أسابيع البطولة، أما النجاح التنموي فتظهر قيمته في السنوات التي تليها. وعندئذ فقط يمكن القول إن مونديال 2030 لم يكن مناسبة دولية عابرة، بل محطة أسهمت في تحديث المغرب، مع الحفاظ على التوازن الضروري بين رهان المشاريع الكبرى واستحقاق الاستثمار في الإنسان.
انتهى الفصل الثالث




