Uncategorized

وسائل التواصل الاجتماعي: النفوذ الخفي ومستقبل المنصات

د. الحسـن اشباني

ملخص

انطلقت وسائل التواصل الاجتماعي من تجارب بسيطة كالمحادثات والمنتديات في التسعينيات، لتتحوّل إلى منصات عملاقة مثل فيسبوك، تويتر/إكس، يوتيوب وتيك توك، تضم اليوم أكثر من خمسة مليارات مستخدم نشط. قامت على نماذج اقتصادية تعتمد على الإعلانات الموجَّهة والتجارة الرقمية وصناعة المحتوى، وخلقت وظائف وأسواقًا جديدة. سياسياً، لعبت دورًا محوريًا في الحملات الانتخابية بالدول المتقدمة، وفي الحشد والاحتجاج أو الرقابة بالبلدان النامية. اجتماعيًا، غيّرت أنماط العلاقات، التعليم والعمل، لكنها أثارت تحديات تتعلق بالصحة النفسية والهوية الرقمية. مستقبلها مرشّح لأن يُعاد تشكيله عبر الذكاء الاصطناعي المولّد، والواقع الممتد (VR/AR)، والتوجه نحو المنصات اللامركزية.

بينما كان الإعلام الكلاسيكي قائمًا على مركزية الرسالة، حيث تتحكم القنوات والصحف والإذاعات في صياغة الأخبار وتوزيعها لجمهور سلبي في موقع المتلقي، قلبت الشبكات الاجتماعية المعادلة، اذ أصبح كل فرد قادرًا أن يكون صحفيًا، مذيعًا، فنانًا أو ناشرًا من خلال هاتف صغير متصل بالإنترنت.

1. مقدمة

وسائل التواصل الاجتماعي لم تظهر من فراغ، بل جاءت استجابة لحاجة بشرية قديمة: الرغبة في التعبير والتواصل وتبادل الخبرات. غير أنّ ما كان يومًا رسائل ورقية أو برامج إذاعية وتلفزيونية تقليدية، أصبح اليوم فضاءً رقميًا مفتوحًا يتخطى الزمان والمكان. عندما نتحدث عن “وسائل التواصل الاجتماعي”، فإننا نعني مجموعة من المنصات الرقمية التي تتيح للأفراد إنشاء محتوى بأنفسهم، ومشاركته مع الآخرين، والتفاعل المباشر معهم. هذه الخاصية وحدها تكشف الفرق الجوهري بينها وبين الإعلام التقليدي. فبينما كان الإعلام الكلاسيكي قائمًا على مركزية الرسالة، حيث تتحكم القنوات والصحف والإذاعات في صياغة الأخبار وتوزيعها لجمهور سلبي في موقع المتلقي، قلبت الشبكات الاجتماعية المعادلة: أصبح كل فرد قادرًا أن يكون صحفيًا، مذيعًا، فنانًا أو ناشرًا من خلال هاتف صغير متصل بالإنترنت.لكن الأمر لا يتوقف عند الجانب التواصلي. لقد تحولت هذه الشبكات إلى بنية تحتية اجتماعية واقتصادية. فمن الناحية الاجتماعية، لم تعد تجمع الأصدقاء والأقارب فقط، بل صارت فضاءً عامًا لتشكيل الرأي العام، ومنبرًا للحملات الحقوقية والسياسية، ومسرحًا للنقاشات الساخنة حول قضايا العالم. ومن الناحية الاقتصادية، باتت سوقًا هائلة للإعلانات الرقمية، وأرضًا خصبة للتجارة الإلكترونية، وبيئة وُلد فيها ما يُعرف بـ”اقتصاد المؤثرين” حيث تتحول الصفحات الفردية إلى شركات مصغّرة تحقق أرباحًا بملايين الدولارات. لهذا لم يعد من الممكن النظر إلى هذه الوسائل باعتبارها “تسلية عابرة”. فهي اليوم مثل الطرق السريعة أو شبكات الكهرباء: بنية تحتية حديثة تحرك المال والسياسة والثقافة، وتؤثر في حياة الناس اليومية من شراء المنتجات إلى صناعة القرارات السياسية الكبرى.

2. البدايات والتطور الزمني

1. البذور الأولى (التسعينيات)

بدأت القصة مع المنتديات وغرف الدردشة في أواخر التسعينيات، مثل ICQ وYahoo Messenger وMSN، حيث اكتشف الناس لأول مرة متعة الحديث الفوري مع آخرين عبر الشاشة. في تلك الفترة ظهرت أيضًا مواقع مثل Friendster وMySpace، والتي أتاحت تكوين “بروفايل شخصي” والتعبير عن الهوية الرقمية، لكنها كانت محدودة في الانتشار وسرعان ما فقدت بريقها.

2. الانطلاقة الكبرى (2004 – 2006)

عام 2004 شكّل نقطة تحول مع ولادة فيسبوك على يد مارك زوكربيرغ (Mark Elliot Zuckerberg) وزملائه في جامعة هارفارد. الفكرة البسيطة – إنشاء شبكة طلابية للتعارف – تحولت خلال سنوات إلى أكبر ساحة اجتماعية عالمية.
وبعده بعامين، ظهر تويتر (أسسه جاك دورسي ورفاقه) ليقدّم مفهوم “التغريدة القصيرة” بحدّ 140 حرفًا. وقد بدا في البداية مشروعًا غريبًا، لكنه أصبح لاحقًا أداة سياسية وإعلامية هائلة.

3. ثورة الفيديو (2005 – 2010)

عام 2005، أطلق تشاد هيرلي (chad meredith hurley)وستيف تشين وجواد كريم منصة يوتيوب، التي سرعان ما غيرت علاقتنا بالمحتوى السمعي-البصري. لم يعد الفيديو حكرًا على التلفزيون وشركات الإنتاج، بل أصبح بإمكان أي شخص رفع مقطع من هاتفه ومشاركته مع ملايين.

ثم جاء دور إنستغرام (2010) من تأسيس كيفن سيستروم ومايك كريغر، ليحوّل الصور والفلاتر إلى لغة عالمية جديدة.

4. المحتوى الزائل واللحظي (2011 – 2016)

ابتكار سناب شات (إيفان شبيغل  Evan Thomas Spiegel) قدّم ميزة القصص Stories، حيث يختفي المحتوى بعد 24 ساعة، ما جذب جيلًا شابًا يبحث عن الحرية والتلقائية بعيدًا عن الأرشفة الدائمة. هذه الميزة أصبحت لاحقًا صيغة شائعة تتبناها إنستغرام وفيسبوك وحتى يوتيوب.

5. عصر الفيديو القصير (2016 – اليوم)

مع إطلاق تيك توك (من تطوير شركة ByteDance الصينية بقيادة تشانغ ييمينغ 张一鸣 (Zhang Yiming)-) انفجر المحتوى القصير والموسيقي عالميًا. بخوارزميته المتطورة في التوصية، صار التطبيق أسرع منصة نموًا في التاريخ، حيث تجاوز المليار مستخدم خلال سنوات قليلة.

وفي المقابل، أعادت تويتر تسمية نفسها إلى “إكس” في 2023 تحت قيادة إيلون ماسك ( Elon Musk)، محاولةً التوسع من مجرد منصة نصية إلى “تطبيق كل شيء”. إيلون ماسك هو رجل أعمال ومخترع ذو رؤية مستقبلية، يُعرف بأنه المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة تسلا للسيارات الكهربائية وشركة سبيس إكس لاستكشاف الفضاء.كما أسس شركات أخرى مثل نيورالينك لتكنولوجيا الدماغ وذا بورينغ كومباني. يهدف من خلال مشاريعه إلى تسريع التحول إلى الطاقة المتجددة، وتطوير تكنولوجيا الفضاء، وجعل البشرية متعددة الكواكب.يُعدّ أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في مجال التكنولوجيا والأعمال على مستوى العالم.

6. ملامح عامة للتطور

  • من النص إلى الصورة والفيديو: البداية كانت بالكلمة المكتوبة، ثم غلبت الصورة والفيديو.
  • من التقييد إلى الانفتاح: بينما كانت المنتديات محدودة ومحلية، أصبحت الشبكات اليوم عابرة للقارات.
  • من الترفيه إلى المنفعة الشاملة: تطورت من أدوات شخصية للتواصل إلى منصات اقتصادية وسياسية وثقافية.

الجدول الزمني لتطور وسائل التواصل الاجتماعي

السنةالمنصّةالمبتكر / المؤسسالميزة الأساسية
1997SixDegreesأندرو واينرايخأول شبكة تتيح إنشاء ملف شخصي وروابط مع الآخرين.
1999MSN / Yahoo Messengerمايكروسوفت / ياهومحادثات فورية وغرف دردشة.
2002Friendsterجوناثان أبرامزشبكة اجتماعية مبكرة لربط الأصدقاء.
2003MySpaceتوم أندرسون / كريس دي وولفتخصيص الملف الشخصي والموسيقى.
2004Facebookمارك زوكربيرغ وزملاؤهشبكة طلابية توسعت لتصبح أكبر منصّة اجتماعية.
2005YouTubeتشاد هيرلي / ستيف تشين / جواد كريممشاركة الفيديو عالميًا.
2006Twitterجاك دورسي / بيس ستون / إيفان ويليامزالتدوين القصير (التغريدة).
2010Instagramكيفن سيستروم / مايك كريغرمشاركة الصور والفلاتر.
2011Snapchatإيفان شبيغل / بوبي ميرفيالقصص والمحتوى الزائل.
2016TikTok (Douyin)تشانغ ييمينغ / ByteDanceفيديوهات قصيرة بخوارزمية توصية قوية.
2023X (Twitter سابقًا)إيلون ماسكمحاولة التحول إلى “تطبيق كل شيء”.

3. الانتشار العالمي والبيانات الأساسية

1. أرقام المستخدمين عالميًا

اليوم، تشكل وسائل التواصل الاجتماعي أكبر مجتمع بشري افتراضي على الإطلاق. حسب آخر التقديرات (2024–2025):

  • إجمالي المستخدمين عالميًا: أكثر من 5.17 مليار شخص، أي ما يعادل ثلثي سكان العالم تقريبًا.
  • الوقت اليومي: يقضي المستخدم العادي ما بين 2.5 إلى 3 ساعات يوميًا على المنصات.
  • عدد الحسابات للفرد الواحد: غالبًا ما يمتلك المستخدم النشط من 6 إلى 7 حسابات على منصات مختلفة.

2. التوزيع الجغرافي

  • آسيا-المحيط الهادئ: تمثل أكبر كتلة مستخدمين، مع الصين والهند وإندونيسيا في الصدارة.
  • أوروبا وأمريكا الشمالية: معدلات انتشار مرتفعة جدًا (تتجاوز 80%)، مع تركيز على فيسبوك، إنستغرام، ولينكدإن.
  • أفريقيا والشرق الأوسط: نمو سريع، خاصة مع انتشار الهواتف الذكية منخفضة التكلفة، لكن ما يزال هناك فجوة رقمية بين المدن والقرى.

3. مقارنة أبرز المنصات (2025)

يتضح من الجدول التالي، أن أنماط الاستخدام تختلف بحسب العمر؛ فالشباب بين 13 و29 عامًا يسيطرون على منصات مثل إنستغرام وتيك توك وسناب شات، في حين يميل البالغون بين 30 و50 عامًا أكثر إلى فيسبوك وواتساب ولينكدإن، أما كبار السن فوق الخمسين فقد بدأوا يلتحقون بهذه الشبكات، خاصة فيسبوك وواتساب، لكن بنشاط أقل. هذه المعطيات تبرز أن وسائل التواصل لم تعد هامشية، بل تحولت إلى وسيلة الإعلام الأولى في كثير من الدول، حيث يُستثمر نحو نصف وقت الإنترنت العالمي فيها، مع استمرار هيمنة المنصات الأمريكية (ميتا ويوتيوب) وصعود المنافسة الصينية (تيك توك ووي شات).

المنصّةالمستخدمون النشطون شهريًا (MAU)الفئة العمرية الغالبةنوعية المحتوى
فيسبوك3.0 مليار25–44 سنةأخبار، مجتمعات، تجارة.
يوتيوب2.7 مليارشريحة واسعة جدًافيديو طويل/قصير، تعليم، ترفيه.
واتساب2.5 مليار18–49 سنةرسائل ومكالمات.
إنستغرام2.4 مليار18–34 سنةصور، قصص، محتوى بصري.
تيك توك1.6 مليار16–29 سنةفيديو قصير، موسيقى، ترندات.
سناب شات750 مليون13–24 سنةمحتوى لحظي، قصص خاصة.
لينكدإن950 مليون25–49 سنةشبكة مهنية، وظائف، مقالات.
إكس (تويتر سابقًا)650 مليون18–39 سنةتدوين قصير، نقاشات سياسية وإعلامية.

4. الاقتصاد الخفي للشبكات

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد فضاء مجاني للتواصل، بل تحولت إلى منظومات اقتصادية ضخمة تقوم على تحويل الانتباه البشري إلى سلعة. تقوم هذه المنصات على نماذج ربح أساسية أبرزها الإعلانات الرقمية الموجَّهة التي تستغل الخوارزميات لمعرفة اهتمامات وسلوك المستخدم وعرض إعلانات دقيقة، إضافة إلى الاشتراكات المدفوعة مثل Twitter Blue أو الميزات الخاصة في سناب شات وإنستغرام، والتجارة الاجتماعية التي دمجت المتاجر داخل التطبيقات، فضلًا عن اقتصاد المؤثرين الذي يتيح للأفراد جني الأرباح عبر الرعايات والإعلانات والتمويل المباشر. وتكشف الأرقام حجم هذا الاقتصاد الخفي، إذ تجاوزت قيمة سوق الإعلانات الرقمية 220 مليار دولار عالميًا سنة 2024، فيما خُصص نحو 30% من ميزانيات التسويق لهذه المنصات، ويتوقع أن يتخطى حجم التجارة الاجتماعية 2 تريليون دولار بحلول 2030، مع بروز ملايين الوظائف الجديدة كمؤثرين ومديري محتوى ومحللي بيانات. وتعمل هذه الدورة الاقتصادية وفق معادلة بسيطة: المستخدم يقدّم انتباهه وبياناته، المنصّة تجمعها وتوزعها عبر خوارزميات، المعلِن يستغلها في الاستهداف وتحقيق العائدات، بينما يحصل صناع المحتوى على جزء محدود، أي أن المستخدم لا يدفع مالًا مباشرًا بل يقدّم وقته وبياناته التي تتحول إلى ذهب رقمي. وعلى مستوى الاقتصادات المحلية، اندمجت هذه المنصات في الدول المتقدمة ضمن اقتصاد الخدمات والتسويق الرقمي، بينما أصبحت في الدول النامية بمثابة متاجر بديلة لصغار التجار الذين يفتقرون للبنية التقليدية، كما في المغرب أو نيجيريا حيث يكفي عرض المنتجات عبر فيسبوك ماركت بليس للوصول إلى آلاف الزبائن. غير أن هذا النموذج يكرّس هيمنة الشركات العملاقة مثل Meta وGoogle وByteDance، ويزيد من تبعية الدول النامية لاعتمادها على منصات أجنبية بدل تطوير بدائل محلية، فضلًا عن الجدل المتصاعد حول خصوصية البيانات واستغلالها في الإعلانات والتوجيه السياسي.

5. التأثيرات الاجتماعية والثقافية

1. الهوية الرقمية وصناعة الذات
وسائل التواصل لم تغيّر فقط كيف نتواصل، بل أعادت تشكيل صورتنا عن أنفسنا، إذ صار لكل شخص نسخة رقمية تعكس هويته واهتماماته وأحيانًا طموحاته، حتى باتت صور الملفات والمنشورات أداة لبناء صورة قد تختلف عن الواقع، وهو ما يعرف بـ“ثقافة الاستعراض” حيث يسعى الأفراد إلى إظهار أفضل نسخة عن أنفسهم بحثًا عن الانتباه والتقدير.

2. الصحة النفسية والعلاقات
قدمت هذه المنصات جوانب إيجابية، إذ سهّلت تواصل العائلات عبر القارات وخلقت مساحات دعم نفسي، لكنها أيضًا ارتبطت بزيادة القلق والاكتئاب والشعور بالوحدة نتيجة المقارنات المستمرة مع “الحياة المثالية” للآخرين، فضلًا عن الإدمان الرقمي الذي تصنعه الإشعارات والتمرير اللامتناهي، ما يجعلها أقرب إلى “كازينو رقمي” يحبس الانتباه.

3. التعليم والعمل
أصبح يوتيوب مصدرًا أساسيًا للتعلم الذاتي في مختلف المجالات، بينما غيّر لينكدإن طريقة البحث عن العمل عبر بناء الشبكات المهنية، في حين ساعدت المنصات على نشر المعرفة والوصول إلى فرص جديدة، لكنها ساهمت أيضًا في انتشار الغش الدراسي وتراجع القدرة على التركيز بسبب هيمنة المحتوى السريع.

4. الثقافة الشعبية (Pop Culture)
ساهمت وسائل التواصل في نشر الأغاني والتحديات والرقصات عالميًا في أيام قليلة، وأتاحت لفنانين محليين الوصول إلى جمهور واسع دون وسطاء، لكنها في المقابل عززت توحيد الذوق العالمي على حساب التنوع الثقافي، حيث طغت لغات ومضامين كالإسبانية والإنجليزية والكورية على حساب لغات محلية أقل حضورًا.

5. الفجوة الرقمية
تظهر الفجوة الرقمية بوضوح بين الدول، حيث ينعم سكان أوروبا وأمريكا الشمالية بإنترنت سريع ورخيص بينما يعاني ملايين في إفريقيا وآسيا من ضعف البنية وارتفاع التكلفة، كما تتسع الفجوة داخل الدول بين النساء والرجال، وبين الحضر والريف، إضافة إلى هيمنة لغات محدودة على أكثر من 80% من المحتوى الرقمي، ما يجعل شعوبًا كثيرة مستهلكة أكثر منها منتجة.

6. أمثلة إيجابية
رغم التحديات، شهدنا نجاحات ملهمة مثل حملات خيرية جمعت ملايين الدولارات عبر فيسبوك لدعم قضايا إنسانية، ومبادرات تعليمية على يوتيوب وتيك توك أطلقت فرص تعلم جديدة لشباب حُرموا من التعليم الجامعي، فضلًا عن مجتمعات دعم صحي ونفسي على واتساب وفيسبوك ساعدت آلاف المرضى على تبادل الخبرات وتشجيع بعضهم البعض.

6. الحوكمة والتنظيم

1. سياسات المحتوى والحوكمة
لم تعد وسائل التواصل فضاءً حرًا بالكامل، إذ تفرض المنصات سياسات صارمة لحذف المحتوى العنيف أو الإرهابي أو الإباحي، وتقييد الأخبار المضللة بوضع تحذيرات أو تخفيض الوصول إليها، لكن هذه الخوارزميات نفسها كثيرًا ما تُتهم بالتحيز أو الرقابة غير المتوازنة، مما يضع الشركات بين مطرقة الحكومات التي تطالب بضبط المحتوى وسندان المستخدمين الذين يتمسكون بحرية التعبير.

2. الخصوصية وحماية البيانات
أثارت فضائح كبرى مثل “كامبريدج أناليتيكا” عام 2018 وعيًا عالميًا بخطورة استغلال البيانات الشخصية، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى سنّ تشريعات صارمة مثل اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR). ورغم ذلك، ما تزال دول عديدة، خاصة النامية، تفتقر إلى قوانين قوية لحماية المستخدمين من بيع بياناتهم أو استغلالها سياسيًا وإعلانيًا.

3. حماية الأطفال والفئات الهشة
واجهت منصات مثل تيك توك ويوتيوب انتقادات ودعاوى قضائية بسبب وصول محتوى غير مناسب إلى الأطفال، ففُرضت بعض القيود العمرية وأدوات المراقبة، لكن النقاش ما زال مستمرًا حول مدى كفاية هذه الإجراءات في عالم تتزايد فيه الأخطار الرقمية.

4. التشريعات الدولية والوطنية
في أوروبا، جاء قانون الخدمات الرقمية (DSA) عام 2024 ليشدد الرقابة على الشفافية الإعلانية والخوارزميات، بينما في الصين وتركيا والهند وُضعت قوانين للأمن السيبراني والرقابة على المحتوى، لكنها غالبًا تُتهم بخدمة السلطات أكثر من حماية المستخدمين. ولا يزال غياب إطار قانوني عالمي يوحّد هذه الجهود يترك الباب مفتوحًا لتلاعب الشركات الكبرى حسب كل سوق.

5. مقارنة الشمال والجنوب
الفجوة الرقمية بين الشمال والجنوب واضحة؛ ففي الدول المتقدمة تتوفر بنية تحتية قوية (5G، ألياف بصرية) وتكاليف منخفضة، ما جعل وسائل التواصل جزءًا أصيلًا من اقتصاد الخدمات وفرص العمل والإبداع. أما في الدول النامية والمتخلفة، فضعف الشبكات وارتفاع الأسعار جعل المنصات تتحول إلى بديل عن البنية التقليدية، إذ يعتمد التجار الصغار على فيسبوك وواتساب للتسويق، بينما تبقى معدلات المشاركة أقل إنتاجية وغالبًا محصورة في الترفيه أو التواصل العائلي. ثقافيًا، يستهلك الجنوب محتوى من إنتاج الشمال والصين أكثر مما ينتج محليًا، مما يكرّس شكلًا من الاستعمار الرقمي. سياسيًا، تسهم هذه المنصات في تعزيز الحملات الديمقراطية بالغرب، بينما تتحول في الجنوب إلى أدوات مزدوجة: فضاء للتعبئة الشعبية والاحتجاج، وأداة للرقابة والبروباغندا الحكومية.

6. المعضلة الكبرى
يبقى التحدي العالمي هو إيجاد التوازن بين حرية التعبير والأمان، وبين الابتكار والرقابة، وبين سلطة الحكومات وهيمنة الشركات الرقمية العملاقة، وهي معضلة لم يُحسم فيها بعد، لكنها ستحدد مستقبل هذه المنصات في الشمال والجنوب معًا

6. ملامح المستقبل

1. الذكاء الاصطناعي المولّد (Generative AI)
سيشهد المستقبل القريب لوسائل التواصل الاجتماعي دخولًا أعمق للذكاء الاصطناعي كمنتِج وشريك في صناعة المحتوى، وليس مجرد أداة مساعدة. خوارزميات مثل ChatGPT وMidJourney قادرة اليوم على إنشاء نصوص، صور وفيديوهات عالية الجودة في ثوانٍ معدودة، وهو اتجاه يتسارع عالميًا. وفق تقرير شركة PwC (PricewaterhouseCoopers)، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يضيف حوالي 15.7 تريليون دولار للاقتصاد العالمي بحلول 2030، جزء كبير منها عبر المحتوى الرقمي والإعلانات الموجهة. في المقابل، يزداد القلق من فقدان الأصالة وصعوبة التحقق من مصدر المعلومات، خاصة مع انتشار ظاهرة الديب فيك التي تهدد الثقة في المحتوى المتداول.

PwC : شركة PwC (PricewaterhouseCoopers) هي إحدى أكبر شركات الخدمات المهنية في العالم، تأسست عام 1998 من اندماج شركتي Price Waterhouse وCoopers & Lybrand، ويقع مقرها في لندن.تُعد جزءًا من الأربعة الكبار (Big Four) إلى جانب Deloitte وEY وKPMG، وتعمل في أكثر من 150 دولة ويضم فريقها أكثر من 300 ألف موظف.تتخصص في التدقيق، الاستشارات، والخدمات الضريبية، إضافةً إلى إعداد تقارير اقتصادية عالمية بارزة مثل The World in 2050.

2. الواقع الممتد (VR/AR)
يتجه العالم إلى حقبة جديدة حيث يصبح التفاعل رقميًا بالكامل داخل فضاءات ثلاثية الأبعاد. مشاريع مثل ميتافيرس من Meta أو Apple Vision Pro تعِد بتجارب اجتماعات افتراضية، معارض فنية رقمية، وحفلات موسيقية يعيشها المستخدم وكأنه حاضر جسديًا. سوق الواقعين الافتراضي والمعزّز يتوقع أن يتجاوز $100 مليار بحلول 2027 بحسب تقارير Statista. لكن التحدي يكمن في عدالة الوصول: هل ستظل هذه التقنيات حكرًا على الدول الغنية والفئات المقتدرة، أم ستُتاح تدريجيًا للجميع؟

الميتافيرس (Metaverse) هو فضاء افتراضي واسع ثلاثي الأبعاد، يدمج بين الواقع الافتراضي (VR) والواقع المعزّز (AR) والتقنيات الرقمية الأخرى، ليتيح للناس التفاعل والتواصل والعمل والتعلّم واللعب كما لو كانوا في عالم موازٍ. يُشبه “إنترنت مُتجسّدًا” حيث يمكن للمستخدم أن يدخل بعالم رقمي عبر نظارات أو أجهزة خاصة، فيشارك في اجتماعات، يتسوق، يحضر حفلات، أو يبني عوالم افتراضية خاصة به. يُتوقَّع أن يصبح الميتافيرس خلال العقد القادم جزءًا مهمًا من الاقتصاد الرقمي العالمي، مع استخدامات في التعليم، التجارة، الترفيه، وحتى السياسة.

3. اللامركزية وويب3
مع صعود منصات مثل Mastodon وBluesky، يبرز توجه عالمي نحو اللامركزية، حيث لا تهيمن شركة واحدة على البيانات أو المحتوى. تقنيات البلوكتشين تَعِد بتمكين المستخدمين من ملكية هوياتهم الرقمية ومحتوياتهم، وحتى تحويل منشوراتهم وصورهم إلى أصول رقمية قابلة للتداول مثل NFTs. ووفقًا لتقارير VentureBeat، من المتوقع أن يتجاوز حجم اقتصاد Web3 1 تريليون دولار خلال العقد القادم، ما يعني تحولات كبيرة في توزيع النفوذ والموارد.

Mastodon: شبكة اجتماعية مفتوحة المصدر تقوم على خوادم مستقلة (Federated Servers)، أي أن كل مجموعة أو مجتمع يمكن أن ينشئ خادمه الخاص ويتواصل مع الآخرين. يشبه تويتر في الواجهة لكنه يمنح حرية أكبر للمستخدمين في التحكم بالبيانات والمحتوى. Bluesky: مشروع انبثق من تويتر بدعم من جاك دورسي (مؤسسه السابق)، ويقوم على بروتوكول جديد يسمى AT Protocol يسمح بالتشغيل البيني بين المنصات المختلفة، بحيث يملك المستخدم هويته الرقمية ويمكنه التنقل بمحتواه بين شبكات متعددة. الفكرة المشتركة: كلاهما يقدّم بدائل لامركزية أكثر حرية وشفافية، حيث البيانات والهوية الرقمية ملك للمستخدم وليس للشركة.

ويب 3 (Web3) هو الجيل الجديد من الإنترنت الذي يعتمد على اللامركزية باستخدام تقنيات مثل البلوكتشين والعقود الذكية. على عكس الإنترنت الحالي (Web2) الذي تسيطر عليه الشركات الكبرى وتدير البيانات، يمنح Web3 المستخدمين ملكية مباشرة لمحتواهم وهويتهم الرقمية، ويسمح لهم بالتعامل ماليًا وتبادليًا دون وسطاء عبر العملات المشفّرة وNFTs. فكر فيه كإنترنت يدار من قِبل الناس ولأجل الناس، حيث البيانات والمحتوى ليست ملكًا لشركة، بل ملكًا للمستخدم نفسه.

4. الأمن والسلامة الرقمية
يجلب تضاعف الاعتماد على المحتوى الاصطناعي تحديات جديدة، خاصة مع انتشار الديب فيك والمعلومات المضللة. حسب دراسة Deeptrace 2020، زاد عدد فيديوهات الديب فيك على الإنترنت بنسبة 330% خلال عام واحد، وهو رقم مرشح للتصاعد مع سهولة الوصول إلى أدوات التزييف. هذا الواقع يفرض الحاجة إلى أنظمة تحقق فورية للصور والفيديوهات، وتطوير خوارزميات قادرة على التمييز بين المحتوى الحقيقي والمصطنع، مع ضرورة وضع سياسات متوازنة تحافظ على حرية التعبير دون ترك المجال مفتوحًا للفوضى أو التلاعب.

5.السيناريوهات المستقبلية لوسائل التواصل
1. السيناريو المتفائل
في هذا المسار، تتكامل تقنيات الذكاء الاصطناعي والواقع الممتد (VR/AR) لخدمة قضايا أساسية مثل التعليم، الصحة، والاقتصاد. على سبيل المثال، يمكن تخيل فصول دراسية افتراضية يصل إليها ملايين الطلاب في القرى النائية عبر نظارات واقع افتراضي زهيدة الثمن، أو استشارات طبية عن بُعد مدعومة بالذكاء الاصطناعي تقلل كلفة العلاج وتوسع نطاق الوصول. وفقًا لتقديرات PwC، قد يسهم الذكاء الاصطناعي وحده بإضافة 15.7 تريليون دولار للاقتصاد العالمي بحلول 2030 كمت ذكرنا من قبل. كما أن انتشار التجارة الاجتماعية قد يخلق فرصًا اقتصادية لصغار التجار والحرفيين في إفريقيا وآسيا، مما يقلّص الفجوات الرقمية ويجعل التكنولوجيا أداة للعدالة الاجتماعية والتمكين الاقتصادي.

2. السيناريو المتشائم
هنا تسود هيمنة الشركات العملاقة مثل Meta، Google وByteDance (انظر المقارنة بينها في الجدول اسفله)، فتزداد المركزية والاحتكار، وتُحتكر البيانات في يد عدد قليل من اللاعبين الكبار. يترافق ذلك مع تضخم سوق المحتوى المزيف (Deepfake)، الذي ارتفع بنسبة 330% في عام واحد فقط وفق Deeptrace، ما يؤدي إلى تآكل الثقة في الإعلام والمؤسسات وحتى في الديمقراطية نفسها. كما أن الفجوة بين الشمال والجنوب قد تتعمق؛ فبينما تستفيد الدول الغنية من أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي والميتافيرس، تظل الدول النامية أسيرة لبنية تحتية ضعيفة، مستهلكة للمحتوى بدلاً من أن تكون منتجة له. في هذا السيناريو، تتحول وسائل التواصل إلى أداة للسيطرة الاقتصادية والسياسية بدل أن تكون أداة للتحرر.


الشركةالخدمات الأساسيةعدد الموظفين التقريبيالإيراد / القيمة المالية / الربحيةملاحظات إضافية
Meta Platforms, Inc.تمتلك فيسبوك، إنستغرام، واتساب، Messenger، Threads؛ تعمل في الإعلانات الموجَّهة، الواقع المعزَّز/الافتراضي (مثل Reality Labs)، بناء الميتافيرس. StockAnalysis+4Wikipédia+4investor.atmeta.com+4حوالي 75,945 موظفًا حتى منتصف 2025. Wikipédia+2investor.atmeta.com+2إيراد عام 2024 بحوالي 164.50 مليار دولار، بزيادة حوالي 22٪ مقارنة بالعام السابق. investor.atmeta.com+2Sociallyin+2العائد الكبير من الإعلانات؛ القسم الخاص بالواقع الافتراضي والمعزز (Reality Labs) يسجّل خسائر أكبر بينما تنمو الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي. investor.atmeta.com+2Wikipédia+2
Alphabet Inc. (Google)تضم محرك بحث Google، يوتيوب، Android، Chrome، خدمات السحابة (Google Cloud)، الأجهزة مثل Pixel، نظام الاشتراكات، الإعلانات، الخرائط، المتجر الرقمي (Play) وغيرها. Bullfincher+3Alphabet Investor Relations+3Wikipédia+3حوالي 183,323 موظفًا بنهاية 2024. Wikipédia+1الإيراد المجمّع لعام 2024 تمّ نحو 350 مليار دولار؛ قسم Google Services وحده (إعلانات، YouTube، البحث، الأجهزة، الاشتراكات) حقّق إيرادًا يزيد عن 84 مليار دولار في الربع الرابع من 2024، بينما Cloud نما بنسبة كبيرة تقريبًا 30٪. Alphabet Investor Relations+2Bullfincher+2Google تستثمر بكثافة في الذكاء الاصطناعي والبنى التحتية السحابية؛ أرباح كبيرة من الإعلانات لكن تواجه تحديات تنظيمية ومنافسة، خصوصًا من منصات تتجه نحو المحتوى القصير والصوتي. Alphabet Investor Relations+1
ByteDanceالشركة الصينية المالكة لتطبيق TikTok، وكذلك منتجات أخرى رقمية مثل Douyin وغيرها؛ تعمل في المحتوى المرئي القصير، الإعلانات الرقمية، التجارة الاجتماعية، التوسع الدولي وتشغيل المنصات عبر البلدان. Reuters+3Wikipédia+3Sacra+3يختلف العدد بحسب المصدر، لكن تقديرات تشير إلى أنّ عدد موظفيها تقريبا 150,000 موظفًا في منتصف العقد العشرين (2020-2025) مع انتشار عالمي واسع. EBSCO+1الإيراد لعام 2024 قُدّر بحوالي 155 مليار دولار عالميًا، حسب تقرير Sacra، بنمو حوالي 38٪ مقارنة 2023. Sacra القيمة السوقية أيضًا تفوق 330 مليار دولار عند بعض المقاييس. Reuters+1نمو هائل في TikTok الدولي، لكنه يواجه ضغوطًا تنظيمية في عدة دول؛ زيادة استثمارات في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية، والأرباح من التجارة الاجتماعية تنمو بسرعة. Sacra+1

3. السيناريو الواقعي
الأرجح أن يعيش العالم بين هذين الحدين؛ فسنشهد تطورات مذهلة في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، لكنها ستصطدم بضرورات التنظيم والحوكمة. بعض الدول ستضع تشريعات صارمة لحماية البيانات (مثل الاتحاد الأوروبي مع DSA وGDPR)، بينما ستستخدم دول أخرى الرقابة كسلاح لتعزيز سلطتها. في الوقت نفسه، سيستمر شد الحبل بين الحرية والفوضى: فالمستخدمون سيطالبون بفضاءات مفتوحة ومتنوعة، بينما ستسعى الحكومات والشركات إلى ضبط هذا الفضاء لأسباب اقتصادية وأمنية. هذا السيناريو يعني أننا سنتعايش مع مزيج من الفرص والتحديات، حيث يكون التقدم مرهونًا بمدى قدرة المجتمعات على إيجاد التوازن بين الابتكار والمسؤولية.

7. الخاتمة والرؤى المستقبلية

تكشف دراسة تحوّلات وسائل التواصل الاجتماعي أنّنا أمام ظاهرة لم تعد تقتصر على كونها منصات للترفيه أو تبادل الأخبار، بل أصبحت نظامًا متكاملًا يعيد تشكيل الاقتصاد والسياسة والمجتمع على حدّ سواء. فاليوم، تمثل هذه المنصات سوقًا ضخمًا للإعلانات الرقمية تجاوز حجمه عالميًا 600 مليار دولار في عام 2023، ويتوقع أن يصل إلى قرابة تريليون دولار بحلول 2030 وفق تقديرات Statista. هذا التدفق المالي الهائل يعكس مدى اعتماد الاقتصادات على البيانات كسِلعة جديدة، حيث يُقايض المستخدم وقته واهتمامه وبياناته مقابل خدمات تبدو مجانية، لكنها في جوهرها تستثمر في سلوكياته وتفضيلاته.

سياسيًا، تحولت المنصات إلى قوة ناعمة صانعة للاتجاهات؛ فهي تتيح للأحزاب والحركات الاجتماعية أدوات غير مسبوقة للتعبئة والتأثير، وقد لعبت دورًا حاسمًا في أحداث مثل الربيع العربي أو الانتخابات الأمريكية عام 2016. ومع ذلك، فإن الوجه الآخر لهذا النفوذ يتمثل في تصاعد الاستقطاب والمعلومات المضللة. تشير دراسة صادرة عن MIT عام 2018 إلى أنّ الأخبار الكاذبة تنتشر على تويتر أسرع بـ 70% من الأخبار الصحيحة، ما يهدد الثقة العامة ويضعف المؤسسات الديمقراطية. أما في الدول النامية، حيث البنية الرقمية أقل تطورًا والقوانين أقل صرامة، فغالبًا ما تستخدم السلطات هذه المنصات لمراقبة الأفراد أو تقييد الحريات، بينما يعتمد المواطنون عليها كمصدر أساسي للمعلومة، مما يجعلهم أكثر عرضة للتلاعب والدعاية.

اجتماعيًا وثقافيًا، أوجدت هذه الشبكات هويات رقمية موازية باتت تؤثر في إدراك الأفراد لأنفسهم وللآخرين. فقد أصبح من الشائع أن تعكس الحسابات الشخصية صورًا مثالية بعيدة عن الواقع، وهو ما يساهم في انتشار ظواهر مثل القلق والاكتئاب، خاصة بين الشباب. وتظهر الأرقام أنّ أكثر من 40% من المستخدمين دون سن 24 عامًا يعترفون بأن وسائل التواصل تؤثر سلبًا على تقديرهم لذواتهم (Pew Research, 2023). في المقابل، وفّرت هذه المنصات فرصًا هائلة للتعليم الذاتي عبر قنوات مثل YouTube التي يستخدمها أكثر من 2.5 مليار شخص شهريًا، كما أتاحت لفنانين ومبدعين من مختلف أنحاء العالم إيصال أعمالهم إلى جماهير لم يكونوا ليصلوا إليها بغير ذلك.

Apple Vision Pro هي نظارة الواقع المختلط (Mixed Reality) طورتها شركة Apple، تُعد أول “كمبيوتر مكاني” (spatial computer) للشركة، تهدف لدمج المحتوى الرقمي مع العالم الفيزيائي بشكل طبيعي وتفاعلي.

فيما يلي المقارنة التقنية بين Vision Pro و Quest 3 و HoloLens :

العنصرApple Vision ProMeta Quest 3Microsoft HoloLens 2
السعر (السوق العالمي تقريبًا)حوالي $3,499 للجهاز الأساسي. Investopedia+2Wikipédia+2حوالي $499 للنسخة 128 GB، و $649 للنسخة الكبيرة (512 GB). Wikipédiaمرتفع جدًا لأغراض صناعية/مهنية؛ يُستخدم غالبًا في المؤسسات وليس الاستهلاك الشخصي. qualium-systems.com+1
الدقة والشاشاتشاشات Micro-OLED لكل عين، دقة تقريبية 3660×3200 لكل عين، ~ 23 مليون بكسل مجمّعة، وتردد تحديث يصل إلى 90-100HzWikipédia+1دقة لكل عين ~ 2064×2208، تردد تحديث 90-120Hz. Wikipédiaدقة أقل نسبيًا، التركيز على الواقع المعزز المهني، الرؤية المختلطة، استشعار دقيق جدًا وتفاعل مع البيئة الواقعية. VRcompare+1
الوظائف والتفاعليدعم التفاعل بواسطة حركة العين، اليد، الصوت؛ كاميرات ومستشعرات كثيرة (12 كاميرا + LiDAR + أجهزة استشعار للحركة) لدمج الواقع الافتراضي والواقع الحقيقي بسلاسة. Wikipédia+1يحتوي على كاميرات لعرض محيطي (passthrough) وعدد من الحساسات الجديدة، لكن لا يرتقي إلى نفس مستوى التفاصيل في تصيّف الواقع المعزز مثل Vision Pro. Wikipédia+1تم تصميمه للاستخدام المهني والصناعي: الواقع المعزز لتدريب، تصميم، صيانة، التعليم الصناعي، نمذجة ثلاثية الأبعاد وليس فقط الترفيه. VRcompare
الراحة ووزن الجهازوزن بين 600-650 جرام تقريبًا بدون البطارية الإضافية، مريح إلى حد كبير لكنه لا يزال ثقيل الاستخدام لفترات طويلة. Wikipédia+1أخف وأقل تكلفة، تصميم أكثر بساطة، الهدف أن يكون أكثر قابلية للاستخدام المنزلي. Wikipédia+1غالبًا يُستخدم في أماكن محددة، حيث الراحة مهمة لكنه لا يُلبّي دائماً احتياجات المستخدم المنزلي العادي؛ التصميم المهني أغلى والأجهزة المكملة غالبًا ضرورية. VRcompare+1
الفئة المستهدفة/الاستخدامالفئة الراقية، من المحترفين والمبدعين أو المهتمين بالواقع المختلط/التجارب المتقدمة.المستخدم العام المهتم بالواقع الافتراضي والترفيه، ألعاب، محتوى مختلط، استخدام شخصي.المؤسسات، الشركات، المجالات الصناعية، الطب، الهندسة، التدريب والتعليم المتخصص. qualium-systems.com+1

خلاصة نقاط القوة والضعف Vision Pro يتفوق في دقة العرض، التجربة المختلطة بين الواقع الافتراضي والواقع المعزز، وتتبع العين واليد، لكنه غالي وثقيل نسبيًا وقد لا يكون مناسبًا للجميع من حيث السعر أو الاستخدام المنزلي. Quest 3 يقدم توازنًا بين السعر والمميزات، مناسب للتجارب اليومية والترفيه، لكنه أقل تفرُّدًا في بعض مكونات الواقع المعزز مقارنة بـ Vision Pro. HoloLens 2 يتخصص للأغراض المهنية والصناعية، حيث تكون الحاجة للدقة العالية والتكامل مع الواقع العملي أكبر من الحاجة للتجربة الترفيهية.

أما على صعيد المستقبل، فإن الذكاء الاصطناعي المولّد يفتح آفاقًا جديدة، حيث تشير شركة PwC إلى أن مساهمته قد تبلغ 15.7 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي بحلول 2030. هذا التطور سيجعل الذكاء الاصطناعي قادرًا على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو بجودة عالية، بل وإدارة حسابات المستخدمين والتفاعل نيابة عنهم. ومع تقنيات الواقعين المعزّز والافتراضي، كما في مشروع ميتافيرس أو نظارات Apple Vision Pro، قد ينتقل التواصل البشري إلى فضاءات ثلاثية الأبعاد، تذوب فيها الحدود بين الحقيقي والافتراضي، مع توقعات بأن يتجاوز سوق هذه التقنيات 100 مليار دولار بحلول 2027. وفي الوقت نفسه، تمهد تقنيات ويب3 والبلوكتشين لمرحلة يمتلك فيها الأفراد محتواهم الرقمي كأصول قابلة للتداول (NFTs)، ما قد يحدّ من هيمنة الشركات الكبرى ويمنح المستخدمين سلطة أكبر على بياناتهم وهوياتهم الرقمية.

لكن هذه التحولات المبهرة لا تخلو من مخاطر؛ فانتشار المحتوى المزيف والديب فيك يتسارع، وقد سجلت تقارير مثل Deeptrace 2020 ارتفاعًا بنسبة 330% في إنتاج الفيديوهات المزيفة خلال عام واحد، وهو ما يهدد مصداقية الفضاء الرقمي ويثير جدلًا بين ضرورات الحماية ومتطلبات حرية التعبير. كذلك، يظل هاجس العدالة الرقمية قائمًا: هل ستُتاح التقنيات الغامرة مثل الواقع الافتراضي للجميع، أم ستظل حكرًا على المجتمعات الغنية؟ وإذا ما واصل الشمال سباق السيطرة على البيانات والتقنيات، فقد تتسع الهوة الرقمية والاقتصادية بين الشمال والجنوب، في حين تتجه بعض الدول النامية إلى بناء منصاتها الخاصة أو الالتحاق بركب Web3 لتعزيز استقلالها.

في ضوء ذلك، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات لمستقبل هذه المنصات: الأول متفائل، حيث تُسخَّر التكنولوجيا في خدمة التعليم والصحة والاقتصاد لتقليص الفجوات وتحقيق شمول رقمي عالمي؛ والثاني متشائم، يقوم على تغوّل الشركات العملاقة وتفاقم ظاهرة التضليل وتآكل الثقة العامة؛ أما السيناريو الواقعي فيجمع بين الفرص والتحديات، حيث يستمر الصراع بين الابتكار والرقابة، وبين الحرية والفوضى. وفي كل الحالات، يظل السؤال مفتوحًا: كيف نوازن بين الاستفادة من الإمكانات غير المحدودة لهذه المنصات وبين تحجيم مخاطرها على الأفراد والمجتمعات؟

د. الحسن اشباني، مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي



——-

ملاحق مفيدة

قائمة مصطلحات أساسية

  • الخوارزمية (Algorithm): مجموعة من القواعد أو التعليمات التي تُوجّه المنصات لتحديد ما يظهر للمستخدم من محتوى.
  • اقتصاد الانتباه (Attention Economy): نموذج اقتصادي يقوم على جذب انتباه المستخدم وتحويله إلى أرباح من خلال الإعلانات والمحتوى.
  • الفقاعة المعلوماتية (Filter Bubble): حالة يعيشها المستخدم حين تُظهر له الخوارزميات فقط المحتوى المتوافق مع اهتماماته، مما يقلل تنوع المعلومات.
  • المؤثر (Influencer): شخص يملك قاعدة جماهيرية على وسائل التواصل ويؤثر في سلوك أو قرارات متابعيه.
  • التجارة الاجتماعية (Social Commerce): دمج البيع والشراء داخل المنصات مثل إنستغرام وتيك توك.
  • المحتوى الزائف (Fake Content): أخبار أو مقاطع مفبركة تُستخدم للتضليل أو التلاعب.
  • الهوية الرقمية (Digital Identity): صورة الفرد وانطباعه في الفضاء الافتراضي عبر حساباته ونشاطاته.

قوالب جداول ورسوم

1. جدول المستخدمين حسب المنصّة/المنطقة (2025)

المنطقةفيسبوك (مليار)يوتيوب (مليار)واتساب (مليار)تيك توك (مليار)إنستغرام (مليار)
أمريكا الشمالية0.270.250.220.150.20
أوروبا0.450.420.400.250.38
آسيا-المحيط الهادئ1.201.101.050.900.80
إفريقيا0.300.250.350.200.18
الشرق الأوسط0.200.180.250.120.14

(الأرقام تقريبية/تقديرية لأغراض العرض)


2. مخطط “من البيانات إلى العائد الإعلاني”

المستخدم → بيانات شخصية (اهتمامات، سلوك، موقع) → المنصّة (خوارزميات التوصية) → المعلِن (استهداف دقيق) → إعلان موجّه → تفاعل/شراء → أرباح للشركة + للمؤثرين.


3. مصفوفة التأثيرات عبر أنواع الدول

المجالالدول المتقدمة (الشمال)الدول النامية/الجنوبالدول المتخلفة/الهشّة
السياسةحملات انتخابية، استقطاب حزبياحتجاجات + رقابة جزئيةبروباغندا حكومية + قطع الإنترنت
الاجتماعهوية رقمية، نقاشات عامةتواصل عائلي، مجتمعات دعمإشاعات وخطاب كراهية غير مضبوط
الاقتصادإعلانات رقمية + تجارة إلكترونية منظمةتجارة صغيرة عبر فيسبوك/واتساباعتماد شبه كامل على منصات أجنبية

Tables and Diagrams

Users by Platform and Region (2025, estimated)

RegionFacebook (B)YouTube (B)WhatsApp (B)TikTok (B)Instagram (B)
North America0.270.250.220.150.20
Europe0.450.420.400.250.38
Asia-Pacific1.201.101.050.900.80
Africa0.300.250.350.200.18
Middle East0.200.180.250.120.14

(Values are approximate for visualization purposes.)


Flowchart: From Data to Advertising Revenue

User → Personal Data (interests, behavior, location) → Platform (algorithms, distribution) → Advertiser (targeting) → Targeted Ad → Interaction/Purchase → Revenue for company + creators.


Impact Matrix (Political / Social / Economic)

DomainDeveloped CountriesDeveloping CountriesFragile/Least Developed States
PoliticsElectoral campaigns, polarizationProtests + partial censorshipGovernment propaganda + internet shutdowns
SocialDigital identity, public debatesFamily ties, support communitiesRumors, uncontrolled hate speech
EconomicDigital ads + structured e-commerceSmall-scale trade via FB/WhatsAppHeavy reliance on foreign platforms

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE