يا بشراي بلقاء أستاذي أبي الشتاء! الجزء الثاني

يا بشراي بلقاء أستاذي أبي الشتاء!( الحلقة الرابعة)
أكادير في 08 يناير 2024.
وإذا كان أستاذي أبي الشتاء، قامةً من قامات البحث العلمي، في مجال النقد، وحلَبة تحقيق مخطوطات ثرات الأمة، تفرَّد، في ذلك، ببلادنا، بتحصيل تكوين دولي، من مستوى عالٍ، وكان ممثلا لها في مشروع كبير يجمع ممثلي الأقطار التي تضم مواقع مظان وثائق ثرات حضارة الإسلام؛ فإن مما أظهره لي ذلك اللقاء، مِن رَشْحِ الكلام، أن التواضع هو أبو الرِّفعة، وأن العظَمة لا تُقاس بشكلِ وحجم الجثة، وأن رأس المنار، الذي يناطح الثريا، لا شك أن أساسه يجلس على التُّربةَ، ويتوسد الأحجار.
حيث لما اكتَشَف أستاذي- قدَراً، لا بالصدفة- أنه كان ضحية سرقات فكرية، في واضحة النهار، لبعض أهم ما أنجز من أعمال، أخذَت من عمره أعواما طوال، وتحَصَّلت منها الجهة السارقة رسميا، على قدر من المال؛ فإنما يحمله من أخلاق الزهد مع العزة، وهضم النفس، مع الترفع والإباء، وحبه لنشر ما انتج من كتب العلم، لله وقفاً، على طالبيه وبالمجان، صدَّه عن ألا يفكر حتى في تحريك المسطرة التي يقتضيها الحال، ضد المتلبسين بالسرقة والانتحال. هذا مع ما يحمل، من حرقة، وأسى، على ما آل إليه حال رسائل البحث الجامعي، وصناعة الكتاب، في كثير من الأحيان، من فساد الانتهازية والجشع والرداءة والابتذلال، بشكل يدنس شرف محراب طلب العلم، ويخرم امانة نشره بين الأجيال.
كما أن ذلك اللقاء، كان مأدبة دسمة، لاستدرار، بعض مخزون تجربة أستاذي أبي الشتاء، في الاحتكاك بمجال الإصلاح وميدان النضال، في فترة لا تزال تحتاج إلى تقييم أكثر موضوعية ودقة. وذلك ابتداء من زخم أيام الزعيم الفاسي علال، إلى عهد توهجِ حزب قوات اليسار، حيث تجد نفسك، أمام ذاكرة صلبة، ومصدر طريٍّ حيٍّ، تُرجى أمانتُه عند الإشهاد والحكي. فهو نموذج من قدامى الصفوة، المناضلة صِدقا، التي كانت تعمل في الخفاء، ولا يهما أن تكون في الوراء، والتي، مَهما اختلفْت معها في الفكرة، وفَرّقتْك معها الرؤية، فإنك تجد نفسك معها في مودة ووئام، وأنت تُحِس فيها معالم الحرقة ما انفكت رطبة، وتلمس فيها جملة آثارٍ، من بقية الغيرة الحقة، لا تزال طرية، على مآل إصلاح الشأن العام.
وكذلك حال أستاذي أبي الشتاء، كان. فهو يجعلك أكثر تطلعا وشوقا إلى اليوم الذي ينجز فيه مذكراته في هذا المجال. ولو رأيتم، معشر الأخوات والإخوان، مدى سروري، ذاك النهار، لما أخبرني أنه قد قيد من تلك المذكرات بعضا من رؤوس الأقلام، بل، لربما، قد قطع، في تسويدها، شوطاً، وقد ألتمست منه السرعة في الإتمام، تحسُّبا لحضور الآجال، وانقضاء الأعمار، في أي لحظة أو آن. فواشوقاه إلى اليوم الذي يكون فيه أستاذي قد حرر فيه وأنهى مذكراتِه التي لا شك أنها ستكون إضافة مهمة، إلى مصادر أخرى، وأكاد أجزم جزما، أنها ستفيد وتغني قَطْعاً، في تدقيق كتابة تاريخ تلك الفترة.

من الجدير أن يُشار، إلى أن أستاذي أبي الشتاء كان له عظيم اهتمام، باكتشاف وتوجيه وتطوير مواهب تلاميذه، قد يحسبه السامع الآن أنه من قببل الخيال، فقد كانت له رؤية واضحة، في هذا المجال، قِوامها تمكين الوطن من الاستفادة من طاقات أبنائه في الإبداع والابتكار، بأسرع وأجود ما في الإمكان
ذ ابراهيم أعبيدي
{}{}{}{}{}{}{}{}{}{}{}{}{}{}{}{}
يا بشراي بلقاء أستاذي أبي الشتاء! ( الحلقة الخامسة)
أكادير في 09 يناير 2024.
ثم أنه مما يسرني في هذا التدوين الذي نبع من صميم الكيان، واعْتُصِر من سُوَيْداء الجَنان، هو أن أجعل فيه مسك الختام، حدثٌ أبهى، قد ازدان به ذلك اللقاء، مع استاذي أبي الشتاء، وهو أنه حمل إلي معه، كإهداء، كتبا نفيسة، هي، عندي دُررٌ ثمينة، مِن بنات فِكْرِه، وفِلْدَةٌ مِنْ نِتاجِ كَدِّهِ، ختََم عليها بتوقيع من خطه، ضَمَّنَه عبارات نبعت من قلبه (وقد اخترت هنا كخيار، أن أرفق صورتَيْ غلافَي كلٍّ منها، لكي يُقرأ نصُّ التوقيع والعنوان، في أصله). فما كان مِن التلميذ، إلا أنْ أدناها من وجهه، فقبَّلها، ثم رفعها فوق رأسه، على سبيل الاحترام لعلم شيخه.


وفي مقابل هذا الكنز الذي ستزدان به مكتبتي، حتماً، وتمتلئ له جنباتها بالفرحة، وتزغردُ، لقدومه، كثير من محتوياتها، زغردة النسوة، كما ستحترق له قلوبُ كتبٍ أخرى، من شدة نار الغيرة؛ فإني لم أجد عندي في الجعبة، ما أقدمه إليه مِن جِنس ذلك الإهداء، غير “كُنّاشَيْن” يبدوان وكأنهما، لما رأيا تلك الرزمة من الكتب الفخمة، يعلوها اسم أستاذي أبي الشتاء، جعلا ينكمشان من الخجل والحياء. فهما إنما يتضمنان بعضَ ما اعتدت أن أخطُّه من تدوينات قِصارٍ، في حساب الفيس على الجدار. ولاأخفي أني، في تلك اللحظة، خِفتُ على نفسي مِن أن يَصرَعها الزهوُ، وينخرها العُجْبُ والاغترار، عندما أخبرني أستاذي أبي الشتاء، أنه قد تابعَ قراءة كثير من تلك التدوينات، بإعجاب واهتمام. وخاصة بعدما فاجأني بكونه لا يزال يحتفظ بورقات من محاولاتي الشعرية، أيام كنت في المرحلة الثانوية، منذ حوالي نصف قرن من الزمان.
وهنا، من الجدير أن يُشار، إلى أن أستاذي أبي الشتاء كان له عظيم اهتمام، باكتشاف وتوجيه وتطوير مواهب تلاميذه، قد يحسبه السامع الآن أنه من قببل الخيال، فقد كانت له رؤية واضحة، في هذا المجال، قِوامها تمكين الوطن من الاستفادة من طاقات أبنائه في الإبداع والابتكار، بأسرع وأجود ما في الإمكان. لذلك ما انْفَكَّ يحمل هم تجويد وتسريع وتيرة التربية والتكوين لكلٍّ مِنا، باحترام ومراعاة تميزِ التلميذ في تحديد المسار. وقد ظل يحز في نفسه بشِدة، كما أشار لي خلال هذا اللقاء، ضياعُ كثير من المواهب الواعدة الفَذّة، في تلك الايام، كان على مصالح الدولة أن تلتقطها بعناية وتحتضنها بالأحضان.


يا بشراي بلقاء أستاذي أبي الشتاء! ( الحلقة السادسة)
أكادير في 10 يناير 2024.

ثم إنه سرعان ما انقضى أجل ذلك اللقاء، الذي كدت أظنه حلما من لذيذ الأحلام، أو رؤيا حلوة سنحت في منام. وذلك كما تنقضي، بسرعة، كل ساعات هذه الدار، التي جعل لها خالق الاوقات والأزمان، نهايةً، لا محالة، في الآجال. فوالله ما ندري معا، كيف كان يتبخر الزمان، من بين أيدينا، فيفلت منا ويُخلّينا، كغَرفة من ماء، في غلاّية تَمّ وَضْعها على النار، أو كقطعة من الثلج تذوب، بسرعة، في مهب هواء صيف حارّ. حتى لكأن ساعات لقائي معه الطِّوال، الذي استغرق ما يقرب من نهار، كانت مجرد دقائق وثوان. وقد وددنا أن يتمدد زمن يوم هذا اللقاء، حتى يصبح طوله بمقدار طول ايام عِدَّة، ولكن، ايها الأحبة، ويا لَلْحَسرة! لكل اجتماع ولقاء، مهما طال، لا بد له من نهاية تُؤْذِن، حتماً، بفراق الخلان، فطوبى لمن عمل على مشروع دخول الجنة، حيت اللقاء مع الأحبة، يكون على الدوام، وحيث لذةُ الألفة، لا يهددها تَوَقُّعُ فراقٍ، ولا ينغصها ضغطٌ لهاجس الخوف من انقضاء الزمان!
و والله، رغم أننا لم نذق أكلاً، منذ موعد الإفطار، لم يسعنا أن نلتفت إلى حلول موعد الغَداء، حتى أننا تأخرنا كثيرا عن الجلوس إلى مائدة الطعام، والتي استمر عليها تجاذب أطراف الكلام، وبالكاد فرغنا، من آخر مضغة، وموعدُ صلاة المغرب يوشك أن يُعلَن عنه برفع الأذان، بل حتى إنه لولا ما ركز فينا ربي، مِن خوف فوات وقت الصلاة، له الفضل والمنة، لكانت فاتتنا ظُهْراً وعَصراً، وكأننا، حينما كنا نصلي جماعةً معاً، في مصلى نفس ذلك المكان، لم نكن نشعر بأي فارقٍ يُذكر، بين الصلاة التي صليناها، وتلك التي تليها، في الزمان.
هذا، وإني، مهما بلغت، في تجويد تصويري وسردي، غايتَه وحَدَّه، لمناقب أستاذي أبي الشتاء، كما عرفته، وكما جددت، في هذا اللقاء، عهدَه؛ فما أظنني أُوفيه حقَّه، ولا أن أبلُغ، بَعد شُكْر الله، شُكْرَه، وما أحسبه، وهو يدعو لي، كل مرة، بنيل رضا الله، كما يدعو الوالد لابنه، إلا قد حق علي أن أنزِِله منزلةَ الوالدين، في شمله بالدعاء على الدوام، فأذكره، باسمه، في حضرة الله ومَلَئِه، عند سجودي في الصلاة! وأما ذكْري له ، في مَلَإ الدنيا، فإني أرجو- إذ تشرفتُ بأن أوردت، في كتابي “لنحذر العكاز”، ذِكْرَه، وأظهرت عليَّ فضلَه- أن يقضي الله عني بذلك بعضَ دَيْنِه. فإني أُشْهِدُ قُرّائي الأحبة من الاخوات والإخْوة، أن أستاذي أبي الشتاء، هو المشار إليه بالكلام، في مَتْنه. وقد تعمدتُ إغفال ذكرِ اسمه، لِتَعَذُّرِ الاتصال به في شأن ذلك، قصد الاستئذان، فكان نص الكلام : ” ذاك الذي حبب إلي الكتابة الأدبية وتحمَّلَ، في هذه المرحلة المبكرة، أعباء رعاية محاولاتي الشعرية. جزاه الله عني خيرا، وحفظه وبارك في عمره”. (من كتاب “لنحذر العكاز”، ابراهيم أعبيدي. طنجة، الطبعة الأولى 2021، الصفحة 87).
تفاعل الدكتور مع كتابات الاستاذ ابراهيم أعبيدي
في رعاية ربي!
ابراهيم أعبيدي. أكادير في 12 يناير 2024 .
وصلتني رسالة كريمة، من أستاذي الجليل الدكتور بوشتى السكيوي، حفظه الله، على إثر إنهائه لزيارته الكريمة لمجموعة من أحبابه وإخوانه بأكادير وتارودانت، أحببت نشرها كديل للتدوينة، التي كتبتها تكريما له ووفاء. وهي رسالة تحمل مشاعره الرقيقة، الصادقة والثابتة، تجاه إخوانه وتلامذته، من قلب كبير لا يعرف إلا حب الخير، والفرح للغير. تلك المشاعر النبيلة التي عبّر عنها أبلغ تعبير، والتي لا شك قد أثارتها فيه زيارتُه لِما بقي من الأحبة، وشهوده للمكان، الذي عاش فيه معهم، أسعد لحظات حياته الطيبة، هو وأهله الكرام، وهي مشاعر دافقةً حية، تسافر في عمق ما مضى من الزمان، بشاعرية، تتحدى وتأبى الانهزام أمام قساوة ما يخلفه مُضيُه، مِن تغيِّرٍ في ذلك المكان، بما فيه ارتحال أشخاص من الأحبة والإخوان، و تَحوُّلِ معالم كانت تعج بالأُلفة إلى وحشة وأطلال. مشاعر تؤكد أن الود والمحبة في قلوب أهل الصدق والوفاء، ثابتان، مَهما وقَع من تغيرٍ بفعل الزمان. وهذا نص الرسالة:
المحمدية في : 11 يناير 2024 . د. بوشتى السكيوي”.

هذا ما فعلته بي وبذاكرتي بشكل خاص الكلمات الطيبة والأوصاف البليغة التي نظم دراتها النفيسة في عقد ثمين طوق به شخصي المتواضع قلم أخي وصديقي العزيز ، الأديب البارع سيدي إبراهيم أعبيدي حفظه الله ورعاه، ووفقه لما يحبه ويرضاه.
هذا وليعلم كل من علق على تدوينات الأستاذ إبراهيم التي حلاني بها – جزاه كل خير – من أصدقائه وطلبته، وهي تعليقات تفوح بالصدق والمحبة وأعمق المشاعر النبيلة، وبالرغم من مرور أكثر من نصف قرن، أنني ما زلت أكن كل المحبة والتقدير لكل تلامذتي – ذكورا وإناثا – الذين درستهم في ثانوية ” ابن سليمان الروداني” بتارودانت خلال تلك الفترة. بل وأعتز كل الاعتزاز بمن وصلتني عنه ( ها ) أخبار سارة، والله شاهد على ما أقول. هذه شهادة كان لا بد من الإدلاء بها في هذا المقام، والله الموفق.]
ذ. ابراهيم أعبيدي، كاتب و مفكر وبرلماني سابق
مقالات الكاتب السابقة :
https://dr-achbani.com/حول-طبيعة-الإصلاح-34-و-35-و-36/
https://dr-achbani.com/حول-طبيعة-الإصلاح-31-و-32-و-33/
طبيعة الإصلاح -ابراهيم اعبيدي -الفساد-https://dr-achbani.com
https://dr-achbani.com/حول-طبيعة-الإصلاح-25-و-26-و-27/
https://dr-achbani.com/مع-الاستاذ-ابراهيم-أعبيدي-حول-طبيعة-ال-5/
حول طبيعة الإصلاح – dr-achbani.com -الجهاد- التعصب – الاسلام
مذ ابراهيم أعبيدي حول طبيعة الإصلاح -19- dr-achbani.com
مع ذ ابراهيم أعبيدي طبيعة الإصلاح -17- و -18- Dr-achbani.com
-براهيم أعبيدي-حول طبيعة الإصلاح -15-16 dr-achbani.com
مع الاستاذ ابراهيم أعبيدي : حول طبيعة الإصلاح 13 و14- dr-achbani
مع الاستاذ ابراهيم أعبيدي : حول طبيعة الإصلاح -11- و -12- – الموقع العلمي للدكتور الحسن اشباني (dr-achbani.com)
حول طبيعة الإصلاح -9- و -10- (dr-achbani.com)




