حين لا تنتهي البطولات: كرة القدم بين تخدير الشعوب وخيارات الصين الحضارية

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي
ملخص
لماذا لا تريد الصين كرة قدم «مُخدِّرة»؟ لأنّها لا تنظر إلى اللعبة كترفيه بريء، بل كأداة ذات وظيفة سياسية-اجتماعية عميقة. فالصين، التي بنت مشروعها الوطني على الانضباط والإنتاج، تخشى أن تتحول كرة القدم إلى أفيون جماعي يصنع ولاءات عاطفية ويؤجل الوعي النقدي. لذلك قدّمت القوة الصلبة وبناء الدولة على القوة الناعمة وإرضاء الجماهير، ولو كان الثمن تأخرًا كرويًا. في المقابل، يكشف الواقع أن الملاعب في الغرب والعالم العربي كثيرًا ما تحولت إلى «برلمان شعبي» تُناقَش فيه قضايا العدالة والهوية والتضامن، كما في فلسطين وكاتالونيا. وهنا تتجلى مفارقة «رُبَّ ضارّةٍ نافعة»: كرة القدم سيف ذو حدّين، قد تُستعمل لتخدير الشعوب، لكنها قد تُنتج، من حيث لا يُراد، وعيًا نقديًا حيًّا. وهي الضارّة التي انقلبت نافعة، حين خرج الصوت من المدرج، لا بإذن السلطة، بل بإرادة الجماهير. د. الحسن اشباني
رؤية الصين للكرة مقابل الآخرين
لماذا لا تريد الصين كرة قدم«مُخدِّرة»؟ لا تنظر الصين إلى كرة القدم بوصفها مجرد لعبة شعبية أو وسيلة ترفيه جماعي، بل تتعامل معها بحذرٍ استراتيجي نابع من وعي عميق بوظيفتها السياسية والاجتماعية في العصر الحديث. فالدولة الصينية، التي بنت مشروعها الوطني على الانضباط والإنتاج والاستقرار طويل المدى، تدرك أن كرة القدم ليست رياضة بريئة فحسب، بل منظومة رمزية قادرة على إعادة تشكيل الوعي الجمعي، وصناعة ولاءات عاطفية جارفة، وتحويل الجماهير إلى كتل انفعالية ضخمة يمكن توجيهها أو استغلالها.
في التجربة الغربية، تحولت كرة القدم إلى صناعة كبرى تتجاوز حدود الملاعب، لتصبح جزءًا من بنية الترفيه الجماهيري، وأداة لتنفيس الغضب الاجتماعي، بل وأحيانًا بديلًا نفسيًا عن المشاركة السياسية الفعلية. فحين تُغلق قنوات التأثير الحقيقي، تُفتح الملاعب، وحين تتعقد الأزمات الاقتصادية، تُضخَّم الانتصارات الرياضية، وكأنها تعويض رمزي عن عجز أعمق. الصين تقرأ هذا المشهد جيدًا، ولذلك لا ترغب في أن تتحول كرة القدم إلى «دينٍ بديل» أو أفيون جماعي يُسكِّن القلق الاجتماعي ويؤجل طرح الأسئلة الكبرى.
لا ترغب الصين في أن تتحول كرة القدم إلى«دينٍ بديل» أو أفيون جماعي يُسكِّن القلق الاجتماعي ويؤجل طرح الأسئلة الكبرى.
لهذا السبب، تتعامل الدولة الصينية مع كرة القدم بنوع من الضبط الصارم وذلك بتقييد ثقافة النجومية، وتخفيض رواتب اللاعبين، ومحاربة الهوس الإعلامي، والحد من صناعة «الأبطال الورقيين» التي تصنعها الكاميرات أكثر مما يصنعها الميدان. فالصين، في تصورها، لا تريد مواطنًا غارقًا في الفرجة، بل فردًا منتجًا، منضبطًا، مرتبطًا بمشروع وطني طويل النفس. وهي تفضّل توجيه طاقتها الرياضية نحو الألعاب الفردية والأولمبية، حيث يُقاس النجاح بالإنجاز والنتائج والانضباط، لا بالضجيج والشعبية والانفعالات الجماعية.
غير أن هذا الخيار له ثمن. فكرة القدم، بطبيعتها، لا تُصنع في المكاتب ولا في الخطط المركزية، بل في الشارع، وفي اللعب الحر، وفي المخاطرة، وفي الجرأة على الخطأ. وهي رياضة تحتاج إلى قدر من الفوضى الخلّاقة، ومن الفردية المبدعة، وهي عناصر لا تنسجم بسهولة مع ثقافة تنظيمية صارمة تقوم على الطاعة والامتثال. لذلك، فإن تعثر الصين كرويًا لا يُفسَّر فقط بسوء إدارة أو ضعف تكوين، بل يعكس اختيارًا حضاريًا ضمنيًا: أولوية القوة الصلبة على القوة الناعمة، وأولوية بناء الدولة على إرضاء الجماهير.
في التفكير الاستراتيجي للدول، تمثّل عبارة «أولوية القوة الصلبة على القوة الناعمة» اختيارًا حضاريًا عميقًا، لا مجرد تفضيل تقني بين أدوات النفوذ. فالقوة الصلبة تعني بناء الأسس المادية للدولة: الاقتصاد المنتج، الصناعة، التكنولوجيا، السيادة الغذائية، والقدرة الدفاعية. أما القوة الناعمة، فهي جاذبية الصورة والرموز والثقافة والرياضة، أي القدرة على الإقناع دون إكراه. الصين تميل بوضوح إلى الأولى كما ذكر، لأنها ترى أن الإعجاب لا يحمي الدول، بينما القدرة تحميها.
في العالم العربي، تحولت كرة القدم إلى المتنفس شبه الوحيد للجماهير، وإلى المساحة التي يُسمح فيها بالصراخ والانفعال والتعبير، في مقابل تضييق مساحات السياسة والاقتصاد والمعرفة…
التاريخ يؤكد هذا المنطق. فالإمبراطورية الرومانية بلغت ذروة قوتها حين سبقت الهيبةُ العسكريةُ البذخَ الثقافي؛ وحين طغت الفرجة على الانضباط، بدأ الانحدار. أما الاتحاد السوفيتي بدوره ركّز على القوة الصلبة (الصناعة الثقيلة، الجيش، الفضاء) ونجح في فرض توازن دولي، لكنه فشل في بناء قوة ناعمة جذابة، فانهار حين تآكل الداخل. في المقابل، أتقنت الولايات المتحدة الجمع بين القوتين: صلابة اقتصادية وعسكرية، مدعومة بهوليوود والجامعات والرياضة، فصنعت نفوذًا شاملًا.
أما في العالم العربي، فالمفارقة صارخة بحيث تجد استثمارا واسعا في القوة الناعمة (الرياضة، الفرجة، النجومية)، مقابل ضعف في القوة الصلبة. تُرضى الجماهير، لكن الدولة لا تُبنى. تحولت كرة القدم إلى المتنفس شبه الوحيد للجماهير، وإلى المساحة التي يُسمح فيها بالصراخ والانفعال والتعبير، في مقابل تضييق مساحات السياسة والاقتصاد والمعرفة. الملاعب ممتلئة، النقاش الكروي محتدم، الهويات الرياضية حادة، في حين تتراجع النقاشات المتعلقة بالتعليم، والحريات، والتنمية، والعدالة الاجتماعية. هنا، لا تكون كرة القدم مجرد لعبة، بل وظيفة اجتماعية بديلة، وأحيانًا أداة إلهاء جماعي غير معلن. وليس من قبيل الصدفة أن تُضخَّم الإنجازات الكروية في الإعلام العربي إلى حدّ الأسطرة، وأن تُقدَّم الانتصارات الرياضية بوصفها «انتصارات وطنية كبرى»، حتى حين تعجز الدولة عن تحقيق إنجازات مماثلة في مجالات العلم أو الاقتصاد أو الحكم الرشيد. فحين تضعف المشاريع الكبرى، تُستدعى الرموز السهلة، وكرة القدم من أسهلها وأكثرها تأثيرًا في الوجدان الشعبي.
بين النموذج الصيني والنموذج العربي، يظهر اختلاف جوهري: الصين تخشى من كرة القدم بوصفها مخدرًا اجتماعيًا، فتُقيّدها وتدفع ثمنًا رياضيًا وفق مبدأ اساسي “تأجيل الإعجاب من أجل التمكين، وتحمل كلفة عدم الشعبية مقابل الاستدامة”؛ بينما تسمح كثير من الدول العربية بتمدّدها غير المنضبط، فتجني شعبية لحظية، لكنها تدفع ثمنًا وعيًا مؤجَّلًا وتنميةً معطوبة. وفي الحالتين، تظل كرة القدم مرآة صادقة لعلاقة السلطة بالمجتمع، ولمدى الثقة في وعي الجماهير أو الخوف منه.
في النهاية، ليست المسألة في حب الكرة أو كرهها، بل في السؤال الأعمق: هل نريد كرة قدم تُكمّل الوعي، أم كرة قدم تُعوّض عنه؟ الصين اختارت الطريق الأول بحذرٍ شديد، والعالم العربي ما زال يتأرجح بين المتعة المشروعة والإلهاء المقصود. والفرق بين الطريقين لا يُقاس بعدد الأهداف، بل بنوعية المجتمعات التي تُصنع خارج الملعب.
رب ضارة نافعة :
في الواقع، لا تُخيف الملاعبُ السلطاتَ لأنها أماكن فرح، بل لأنها من آخر الفضاءات التي يتكوّن فيها وعيٌ جمعيٌّ حيٌّ خارج القنوات الرسمية. حين تجتمع عشرات الآلاف من الأجساد في مكان واحد، وتتوحد الهتافات والرموز، تتحول المدرجات إلى ما يشبه «برلمانًا شعبيًا مؤقتًا»؛ تُرفع فيه لافتات تنتقد الفقر والفساد والظلم الاجتماعي، وتُهتف فيه شعارات تتجاوز الرياضة إلى السياسة والكرامة والعدالة. هنا تحديدًا يكمن القلق، فالجماهير التي تتعلم التنسيق والهتاف والانضباط في المدرج، يمكن أن تتعلم المطالبة والضغط خارجه. ولذلك شهدنا، في أكثر من بلد، كيف تحولت الملاعب إلى منصات تعاطف عابر للحدود، كما حدث في التضامن الواسع مع غزة، حيث رفعت جماهير أندية مختلفة شعارات ولافتات تندد بالإبادة التي تمارسها الطغمة الصهيونية، في تحدٍّ واضح لمحاولات تحييد الرياضة عن القضايا الأخلاقية الكبرى. هذا النوع من التعبير يُقلق السلطات لأنه يُنتج وعيًا لا يُدار من فوق، ولا يُضبط بسهولة.
أمثلة في الملاعب الغربية – المدرج كصوت اجتماعي وأخلاقي
رؤ تحوّلت مدرجاتهم إلى أحد أشهر رموز التضامن مع فلسطين في أوروبا. أعلام فلسطين ولافتات مناهِضة للاحتلال رُفعت مرارًا، رغم الغرامات والضغوط، في تعبير أخلاقي جماعي لا علاقة له بنتيجة المباراة.

جماهير Liverpool FC (إنجلترا) : خاضت معركة طويلة داخل المدرجات وخارجها من أجل العدالة لضحايا كارثة هيلزبورو. اللافتات والهتافات حوّلت قضية طُمست رسميًا إلى ملف رأي عام فُتح قسرًا، وانتهى باعتراف الدولة بالمسؤولية.
النادي بابلسبرغ في ألمانيا : كثير من مدرجات الدوري الألماني تحوّلت إلى فضاءات مقاومة للعنصرية، وضد اليمين المتطرف، وضد تحويل الأندية إلى شركات بلا هوية. شعارات مثل «كرة القدم للجماهير لا للشركات» أصبحت خطابًا سياسيًا واضحًا.

جماهير FC Barcelona (إسبانيا) : رفعت مرارًا لافتات تطالب بحق تقرير المصير لكاتالونيا، حتى حين مُنعت سياسيًا في الشارع. المدرج هنا أدّى وظيفة منبر سياسي بديل.

أمثلة في الملاعب العربية – المدرج كذاكرة وكرامة واحتجاج
جمهور الاهلي Al Ahly SC (مصر) : لعبوا دورًا بارزًا في التعبئة والتنظيم خلال لحظات سياسية مفصلية. المدرج كان مدرسة في الانضباط الجماعي، والهتاف الموحّد، وكسر الخوف، قبل أن يكون تشجيعًا كرويًا.

جماهير Raja CA (المغرب) : اشتهرت بأغانٍ ولافتات تنتقد الفقر، التهميش، وانسداد الأفق الاجتماعي، وتُعبّر عن تضامن صريح مع فلسطين. بعض هذه الأناشيد خرج من المدرج إلى الشارع وأصبح تعبيرًا شعبيًا عامًا.

الجمهور الجزائري

ومن هنا نفهم لماذا تخشى بعض الدول من كرة القدم الجماهيرية غير المنضبطة، فهي قد تتحول من أداة إلهاء إلى مختبر وعي، ومن فرجة إلى موقف، ومن تشجيع فريق إلى دفاع عن قضية. وهذا بالضبط ما تحاول بعض الأنظمة تفاديه، حين تُفرغ اللعبة من بعدها الجمعي النقدي، أو تُحوّلها إلى استهلاك صامت بلا صوت.
الجمهور التونسي

بهذا المعنى، تصبح كرة القدم رغم محاولات تسطيحها سيفًا ذا حدّين: قد تُستعمل لتخدير الشعوب، لكنها قد تُنتج، من حيث لا يُراد، وعيًا نقديًا حيًّا. وهي الضارّة التي انقلبت نافعة، حين خرج الصوت من المدرج، لا بإذن السلطة، بل بإرادة الجماهير.






