المقالات العامةالمنبر الحر

الأستاذ وضاح خنفر : التغيرات والتحولات في موازين القوى الدولية، والنظام العالمي الجديد الذي بدأ يتشكل.

بودكاست الشرق | العالم يتغيّر: من ترامب إلى الصين وفلسطين

عندما وصل دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، لم يشنّ حربًا تجارية على الصين فقط، بل دخل في مواجهة اقتصادية مع العالم بأسره. كانت تحركاته متسارعة ومليئة بالاستعراض، هدفها الظاهر حلّ بعض الأزمات، لكنها عكست عمق التغير الذي بدأ يصيب النظام الدولي القائم. في بودكاست الشرق، الذي يستضيف فيه الصحفي والباحث عبد الرحمن ناصر الأستاذ وضاح خنفر – رئيس منتدى الشرق – قسّمنا هذا النقاش المعمق إلى أربعة أجزاء، وبأسلوب مبسّط وتدريجي تعمّدناه حتى لا يملّ المستمع، محاولين فهم ما يجري حولنا من تحولات كبرى.

ناقشت هذه الحلقات أسباب تصدّع النظام العالمي، وصعود الصين، وإمكانية تحوّلها إلى قطب موازٍ للولايات المتحدة، ثم موقف روسيا وأوروبا من هذا التوازن الجديد. وتم التطرق أيضًا إلى إمكانية مشاركة العالم العربي بفعالية في إعادة تشكيل المشهد الدولي، إذا توفّرت الإرادة لدى نُخبه. وفي الجزء الأخير، يتوقف النقاش عند القضية الفلسطينية، وكيف يمكن أن تؤثر التغيرات العالمية على مستقبلها، وعلى موقع إسرائيل الاستراتيجي في الإقليم. قراءة ممتعة.

عبد الرحمن ناصر:
مساء الخير، أنا عبد الرحمن ناصر، وأرحب بكم في حلقة جديدة من بودكاست “الشرق”. ضيفنا في هذه الحلقة هو الأستاذ وضاح خنفر، رئيس منتدى الشرق. يدور نقاش اليوم حول التغيرات والتحولات في موازين القوى الدولية، والنظام العالمي الجديد الذي بدأ يتشكل.
سوف نتطرق إلى التنافس الأمريكي الصيني: هل الصين مؤهلة لتكون قطباً ثانياً إلى جانب الولايات المتحدة؟ وإلى أين يمكن أن تصطف روسيا؟ هل ستكون إلى جانب الصين؟ أم إلى جانب أمريكا؟ كما سنناقش ما إذا كانت الهند تمتلك المقومات لتصبح قطباً في هذا النظام العالمي الجديد. أيضاً، سنتناول انعكاسات هذا التحول على المنطقة العربية والإقليم عموماً، مع التطرق للتنافس بين الدول، كالمفاوضات الأمريكية الإيرانية، والملف السوري، والتقاطعات التركية الإسرائيلية الإيرانية السورية، وأخيراً القضية الفلسطينية ومستقبل إسرائيل في ظل هذا النظام الجديد. أتمنى لكم متابعة مفيدة.
أهلاً وسهلاً بك أستاذ وضاح. دعني أبدأ معك من سؤال رئيسي: في السنوات الأخيرة كثر الحديث عن التشققات في النظام الدولي، لكن هل نحن فعلاً نعيش تحولاً حقيقياً وجوهرياً؟ أم أنها فقط ضجة إعلامية تثيرها شخصيات مثل ترامب، ثم ما تلبث أن تهدأ وتعود الأمور إلى ما كانت عليه؟


وضاح خنفر:
أخي عبد الرحمن، الحقيقة أن ما نراه اليوم لم يعد مجرد تشققات، بل أصبح صدوعاً عميقة في بنية النظام الدولي. هذه ليست مجرد فواصل طبيعية اعتدناها في السياق التاريخي للعلاقات الدولية، بل نحن أمام تحول جذري. لقد تحدثت في وقت سابق عن “دورتين”: دورة حضارية ودورة في النظام الدولي. الدورة الحضارية تتعلق بالرؤى، والتصورات، والأفكار التي تحكم المجتمعات، وقد بدأت هذه الدورة تقريباً منذ نهاية القرن الخامس عشر، وتحديداً عام 1492، وهو العام الذي شهد سقوط آخر معاقل المسلمين في الأندلس، غرناطة.

في ذلك العام، استلم فرديناند وإيزابيلا الحكم، وبدأت أوروبا رحلة الاستكشافات الكبرى، التي كانت مدفوعة أساساً بالرغبة في كسر الاحتكار الإسلامي لطرق التجارة الدولية بين الشرق والغرب. لكن أوروبا آنذاك لم تكن في ذروة قوتها، بل كانت تعيش حالة من الضعف الفكري والسياسي. في المقابل، كانت الدولة العثمانية قوية، وبدأ تراجعها الحقيقي فقط في القرن السابع عشر.

صلح وستڤاليا أو سلام وستڤاليا او معاهدة وستڤاليا

ثم جاءت معاهدة “وستفاليا” لتنظيم ميزان القوى داخل أوروبا، ومنذ ذلك الحين بدأنا فعلاً نعيش ما يمكن أن نطلق عليه “عصر الهيمنة الأوروبية”، وهيمنة الفكر الغربي، التي استمرت حتى يومنا هذا.

عبد الرحمن ناصر:
إذن، من وجهة نظرك، ما نعيشه اليوم ليس مجرد مرحلة مؤقتة، بل نهاية لدورة حضارية كاملة؟ وكيف يمكن الربط بين ما يجري الآن من تحولات، وبين تلك اللحظة التي بدأت في القرن السابع عشر أو حتى قبل ذلك بقليل؟


وضاح خنفر:
نعم، نحن فعلاً نشهد نهاية دورة حضارية كبرى، ونهاية مرحلة في النظام الدولي. والدورة الحضارية، كما قلت، بدأت منذ القرن السابع عشر، ويمكننا أن نرجعها إلى معاهدة “وستفاليا” سنة 1648، التي نظّمت العلاقات بين الدول الأوروبية.
لكن، إن شئت أن نعود أبعد قليلاً، إلى عام 1492، فهو عام مفصلي أيضاً، إذ سقطت فيه غرناطة، آخر معاقل الإسلام في الأندلس، وهو ذاته العام الذي ولد فيه المشروع الاستعماري الأوروبي الحديث. في ذلك الوقت، لم تكن أوروبا قد تجاوزت بعد ظلمات العصور الوسطى، بينما كانت الإمبراطوريات الإسلامية – كالعثمانية، والصينية، والهندية المغولية – في أوج قوتها.
لكن أوروبا بدأت تبحث عن طريق يحررها من الاحتكار الإسلامي لطرق التجارة مع الشرق، وخاصة الهند والصين. أوروبا كانت مجبرة على المرور عبر الدولة العثمانية، ودفع الضرائب لها، فكان لا بد من تفكير مختلف. ومن هنا وُلدت فكرة الاستكشافات البحرية. كريستوفر كولومبوس، مثلاً، اقترح الذهاب إلى الهند عبر البحر. وكانت بحوزته خرائط كثيرة، معظمها مأخوذ من المسلمين، واقترح مشروعه على الملكين الإسبانيين، وقال بوضوح: “أريد أن أكسر احتكار المسلمين للتجارة”.


عبد الرحمن ناصر:
إذن، يمكن القول إن لحظة سقوط القسطنطينية، وقبلها توسّع الدولة العثمانية، كانت لحظات فزع حضاري في أوروبا، دفعت إلى التفكير الاستراتيجي بعيد المدى، حتى وصلنا إلى الهيمنة الغربية اليوم؟


وضاح خنفر:
بالضبط، سقوط القسطنطينية عام 1453 كان حدثاً زلزل الوعي الأوروبي. كما قال أحد البابوات آنذاك: “المسيحية لها عينان: روما والقسطنطينية. وقد اقتُلعت إحداهما!” وبعد سنتين فقط من هذا الحدث، وُلد كولومبوس، في أجواء مشحونة بالخوف من المسلمين والرغبة في التحرر من نفوذهم. وهنا بدأت مرحلة التفكير خارج الصندوق، لأن أوروبا لم تعد تملك منفذاً برياً أو بحرياً آمناً إلى التجارة الدولية إلا عبر الدولة العثمانية، فكانت الاستكشافات وسيلة للهروب من هذا الواقع.

ولذلك، فإننا إذا أردنا أن نفهم جذور النهضة الأوروبية، لا يمكن أن نعزلها عن هذا التحوّل الحضاري الذي كان هدفه في الأصل كسر الهيمنة الإسلامية الاقتصادية والثقافية.


عبد الرحمن ناصر:
نعود إلى واقع اليوم… هل تعتقد أن النظام الدولي الذي نشأ بعد سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991 بدأ ينهار بالفعل؟ وهل الولايات المتحدة فقدت تفوقها الاستراتيجي؟


وضاح خنفر:
أعتقد أن عام 1991، بسقوط الاتحاد السوفييتي، كان لحظة ولادة النظام العالمي أحادي القطب، الذي تقوده الولايات المتحدة.
لكن، في الوقت ذاته، كانت هذه لحظة بداية التراجع. لماذا؟ لأنه لم تعد هناك قوة كبرى تضطر أمريكا إلى تطوير نفسها، أو توازن غطرستها. عندما تكون وحيداً على قمة الهرم، تبدأ في تجاهل الآخرين. وهذا ما حدث مع الولايات المتحدة: غطرسة القوة، والتصرف منفرداً دون مراجعة. ولهذا السبب أقول: نعم، منذ ذلك الحين بدأ التصدع، ولكننا الآن نعيش لحظة الانكشاف الكامل لذلك الصدع.

عبد الرحمن ناصر:
هل نفهم من كلامك أن العالم لم يعد يعيش فقط مرحلة اضطراب في موازين القوى، بل أنه أمام نهاية منظومة حضارية متكاملة؟ وهل يمكن القول إن الغرب نفسه بدأ يفقد قدرته على إنتاج الأفكار والرؤى التي كانت تمنحه هذا التفوق؟


وضاح خنفر:
نعم، نحن أمام نهاية منظومتين معًا: نهاية دورة حضارية غربية، ونهاية نظام دولي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، ثم ترسخ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ما نشهده الآن ليس مجرد تراجع اقتصادي أو عسكري لبعض الدول، بل هو انهيار فلسفي وفكري أيضًا. المنظومة الغربية التي سيطرت على العالم منذ القرن السابع عشر كانت تقوم على أفكار: كالحداثة، والعقلانية، والعلموية، والرأسمالية، والليبرالية. هذه الأفكار اليوم تواجه تحديات داخل مجتمعاتها، قبل أن تواجهها من الخارج. لم تعد هذه المنظومة قادرة على الإقناع، حتى لشعوبها. فما بالك ببقية شعوب العالم؟ لقد أصبحت الشعوب تبحث عن نماذج بديلة، وهذا ما يجعل هذه المرحلة تاريخية بكل معنى الكلمة.


عبد الرحمن ناصر:
وهنا يأتي السؤال الكبير: من هو البديل؟ هل نحن فعلاً أمام صعود الصين كقطب عالمي منافس؟ وهل تملك الصين القدرة على أن تقود حضارة، لا مجرد اقتصاد؟


وضاح خنفر:
هذا سؤال جوهري. الصين اليوم تملك اقتصاداً صاعداً بقوة، وبنية تحتية متقدمة، ونفوذاً دولياً متنامياً.
لكن القيادة الحضارية ليست بالأمر السهل. لا يكفي أن تكون قوياً اقتصادياً أو عسكرياً لكي تقود العالم. القيادة الحضارية تحتاج إلى نموذج فكري، رؤية كونية، سردية تُقنع الآخر وتلهمه. الصين حتى الآن تتفوق في الصمت. لا تطرح نفسها كزعيم للعالم، بل كبديل عملي للنموذج الغربي، دون الدخول في مواجهة أيديولوجية. هل ستنجح؟ هذا سؤال مفتوح. لكن المؤكد أنها واحدة من أبرز المرشحين لإعادة تشكيل ميزان القوى في النظام الدولي.


عبد الرحمن ناصر:
ماذا عن روسيا؟ هناك من يرى أنها تقترب أكثر من الصين، وهناك من يرى أنها تسعى لاستعادة دورها التاريخي المستقل. أين تراها تصطف في هذا النظام الجديد؟


وضاح خنفر:
روسيا لا تبحث فقط عن شراكة مع الصين، بل تحاول استعادة مكانتها كقوة عظمى مستقلة. لكن الحقيقة أن روسيا تعاني من محدودية اقتصادية مقارنة بالصين وأمريكا. ما تملكه روسيا هو القدرة العسكرية والتأثير الجيوسياسي، خاصة في محيطها الإقليمي. لكن من دون قاعدة اقتصادية متينة، يصعب على روسيا أن تلعب دور القطب الكامل. هي تميل إلى الصين اليوم، لكن تحالفهما تحالف مصلحة، لا تحالف فلسفة أو قيم.


عبد الرحمن ناصر:
وبالنسبة للهند؟ هل تراها فقط سوقاً ضخماً، أم أنها مرشحة فعلاً لتكون قوة مستقلة في هذا النظام متعدد الأقطاب؟


وضاح خنفر:
الهند تملك إمكانيات هائلة: عدد سكاني ضخم، اقتصاد متنامٍ، قاعدة تكنولوجية متطورة، ونظام ديمقراطي حيوي.
لكنها ما تزال تبحث عن توازن بين الانفتاح على الغرب والحفاظ على خصوصيتها الحضارية. أعتقد أن الهند ستكون رقماً صعباً في المستقبل، لكنها لم تُبلور بعد نموذجاً مستقلاً يجعلها قطباً واضحاً. هي الآن في مرحلة التأهيل الحضاري والاستراتيجي، وقد تحتاج إلى سنوات لتحدد موقعها النهائي.


عبد الرحمن ناصر:
السؤال الأهم بالنسبة لنا كعرب: ما انعكاس هذه التحولات على منطقتنا؟ وهل نحن مستعدون لدخول هذا النظام الجديد بفاعلية، أم سنظل مجرد ساحة للصراعات؟


وضاح خنفر:
للأسف، حتى الآن، المنطقة العربية ليست فاعلاً حقيقياً في تشكيل النظام الجديد. نحن ما زلنا نُستَخدم كأوراق تفاوض بين الكبار. لدينا ثروات، موقع استراتيجي، إمكانيات بشرية هائلة، لكن نفتقد إلى الرؤية والسيادة والإرادة الجماعية. بعض الدول بدأت تراجع تموضعها، وتُجري تحالفات جديدة، مثل التقارب التركي الإسرائيلي، أو المفاوضات الأمريكية الإيرانية، أو التفاهمات حول الملف السوري. لكن كل ذلك لا يرقى إلى مشروع إقليمي عربي مستقل. إن لم نُسارع إلى بناء مشروعنا، فإننا سنظل ساحة صراع لا أكثر.

عبد الرحمن ناصر:
هل يمكننا القول إذًا إن الدورة الحضارية الغربية لم تعد في حالة تراجع فقط، بل إنها بدأت تنقلب على قيمها الليبرالية الأساسية؟


وضاح خنفر:
نعم، بكل وضوح. نحن اليوم أمام أفول قيمي واضح للدورة الحضارية الغربية. لم تعد فقط تفقد قدرتها على تطبيق قيمها الليبرالية، بل بدأت تحارب هذه القيم ذاتها. يكفي أن تنظر إلى ما يُمارس في بعض الجامعات الغربية ضد الطلاب، أو كيف يُعامَل أبناء العالم تحت شعار “الليبرالية”. أصبحت الليبرالية اليوم شعارًا انتقائيًا يُستخدم لأهداف سياسية، لا كقيمة كونية تُطبّق على الجميع.


عبد الرحمن ناصر:
وهل هذا يعني أن النظام الأوروبي الذي ساد العالم قرابة قرنين، بدأ يتآكل من داخله؟


وضاح خنفر:
بالضبط. دعني أذكّرك أن النظام الأوروبي الحديث تشكّل بعد عام 1815، أي بعد هزيمة نابليون. منذ ذلك الوقت وحتى الحرب العالمية الأولى، عاشت أوروبا أكثر فتراتها هدوءًا… لكن على حساب بقية العالم. ذلك “الهدوء الأوروبي” كان يعني أبشع أشكال الاستعمار في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.


عبد الرحمن ناصر:
يعني أن النظام الدولي حينها لم يكن دوليًا فعلاً، بل نظامًا أوروبيًا صرفًا؟


وضاح خنفر:
بالضبط. منذ معاهدة وستفاليا عام 1648، مرورًا بعصر نابليون، ثم الحربين العالميتين، كان النظام أوروبيًا في جذوره، وإن أخذ لاحقًا طابعًا غربيًا مع صعود أمريكا. في مؤتمر برلين عام 1885، قُسمت إفريقيا وكأنها كعكة، وفي شرق آسيا قُسمت الصين إلى مناطق نفوذ منذ ستينيات القرن التاسع عشر.


عبد الرحمن ناصر:
وهل نستطيع أن نربط نشأة الاتحاد الأوروبي المعاصر بتلك المرحلة؟


وضاح خنفر:
بكل تأكيد. ما يسمى بـ Concert of Europe، أو “كونسيرت أوروبا” بعد عام 1815، هو ما يمكن اعتباره الجدّ المؤسس للاتحاد الأوروبي اليوم. كان أول منظومة أوروبية مبنية على موازين القوى، وليس على القيم. اجتمعوا، وتوافقوا، وأعادوا رسم النظام بما يناسبهم.


عبد الرحمن ناصر:
هل الحرب العالمية الأولى كانت ناتجة عن تصادم داخل هذا النظام الأوروبي نفسه؟


وضاح خنفر:
نعم، هي صراع أوروبي بامتياز. ألمانيا، التي توحدت عام 1871 على يد بسمارك، جاءت متأخرة إلى الميدان الاستعماري، فقررت بناء أسطول بحري لتنافس بريطانيا. وهنا، رفضت بريطانيا تمامًا أن تسمح لألمانيا بالصعود كقوة بحرية استعمارية. بدأت حملة تحريضية، وتصاعد التوتر، حتى اندلعت الحرب العالمية الأولى. صحيح أن هناك أسبابًا أخرى، لكن الجوهر أن القوة المهيمنة لا تريد منافسًا جديدًا.


عبد الرحمن ناصر:
وفي نفس الوقت كانت هناك حروب في الصين، أليس كذلك؟


وضاح خنفر:
نعم، في منتصف القرن التاسع عشر، شهدت الصين حربَي الأفيون الأولى والثانية. تخيل أن الغرب أجبر الصين على شراء الأفيون بالقوة، فقط ليُدمن الشعب الصيني وتنهار مقاومته. هذه واحدة من أقذر الحروب في التاريخ. وكانت نتيجتها سقوط الإمبراطورية الصينية عام 1911، وقيام الجمهورية، إلى أن جاء ماو تسي تونغ لاحقًا وشكل الحزب الشيوعي الصيني.


عبد الرحمن ناصر:
ما الهدف من استعراض هذه المراحل التاريخية كلها؟ وهل لها علاقة بما نعيشه اليوم؟


وضاح خنفر:
نعم، الهدف أن نُدرك أن كل التحولات الكبرى التي شكّلت النظام الدولي كانت غربية المنشأ: وستفاليا وما بعد نابليون وما بعد الحربين العالميتين. وفي كل مرة كانت أمريكا تتقدم خطوة إلى الأمام، حتى دخلت المشهد بقوة بعد الحرب العالمية الثانية، وأزاحت بريطانيا وفرنسا، وقالت لهما: “صفّوا على اليمين، لقد انتهى دوركم”. هكذا، بدأت أمريكا تقود العالم، بينما بقيت أوروبا في موقع التابع.


عبد الرحمن ناصر:
لكن ما نعيشه اليوم مختلف، لم يعد الصراع بين دول أوروبا الغربية كما كان، بل هناك قوى جديدة تصعد، مثل الصين؟


وضاح خنفر:
بالضبط. لم نعد نعيش صراعًا داخليًا في المنظومة الغربية بين بريطانيا وفرنسا أو ألمانيا، بل أمام عودة الصين كقوة حضارية واقتصادية كبرى. وللتذكير، كانت الصين هي أغنى دولة في العالم حتى حرب الأفيون عام 1839. الآن، مع صعودها مجددًا، يمكن القول إننا نشهد عودة الدورة الحضارية الصينية، بينما تنتهي الدورة الحضارية الغربية.


عبد الرحمن ناصر:
هل الصين إذًا مرشحة لأن تكون القطب الجديد الذي يقود العالم؟ ولماذا الصين بالتحديد وليس روسيا مثلًا؟


وضاح خنفر:
الصين مختلفة تمامًا عن بقية دول العالم، لأنها ليست مجرد “دولة قومية”، بل دولة-حضارة. نحن في العالم العربي نعيش داخل “دول قومية”، أما الصين فهي كيان حضاري متماسك منذ أكثر من ألفي عام، رغم تنوع قومياتها. حتى عندما سقطت الإمبراطورية الصينية عام 1911، لم يتغير الجوهر. جاء الحزب الشيوعي، لكنه لم ينسف البنية الثقافية والإدارية للإمبراطورية، بل ورثها، وواصل إدارتها بنفس العقلية التراتبية.


عبد الرحمن ناصر:
يعني أن الحزب الشيوعي الصيني يمثل امتدادًا للإمبراطورية، لا قطيعة معها؟


وضاح خنفر:
تمامًا. شاهد مثلًا فيلم The Last Emperor، وستفهم كيف تم إخراج آخر إمبراطور من المدينة المحرمة. لكن الذي بقي هو روح الأمة الصينية، المبنية على التراتب والهرمية:

  • الإمبراطور كان في القمة،
  • الأب هو رأس الأسرة،
  • الحاكم المحلي هو رأس منطقته،
    وهذا النظام الهرمي راسخ في الثقافة الصينية، وخلق حالة عالية من الالتزام والانضباط.

عبد الرحمن ناصر:
وهذا ما يفسّر لماذا بقيت الصين كدولة موحدة، بينما تفككت كل الإمبراطوريات الأخرى؟


وضاح خنفر:
بالضبط. انظر: الإمبراطورية العثمانية انتهت و الروسية تقلصت والنمساوية-المجرية تفككت والبريطانية خسرت 99% من أراضيها. لكن الصين، رغم كل التحديات، بقيت كدولة موحدة. حتى عندما خسر الاتحاد السوفييتي منغوليا، بقيت الصين على حدودها، بل توسعت قليلًا في: التبت (وهي اليوم محل نزاع مع الهند)، وتركستان الشرقية، أو ما يُعرف اليوم بـ”شينجيانغ”، حيث يعيش الإيغور المسلمون، وهم من أصول تركية، وكان لهم إمارات إسلامية مستقلة تاريخيًا.


عبد الرحمن ناصر:
وهل ترى أن الحزب الشيوعي الصيني يمكن أن يسمح بتطبيق نموذج ديمقراطي مستقبلاً؟


وضاح خنفر:
صعب جدًا. الديمقراطية مستبعدة تمامًا في الصين، ليس فقط لأن الحزب الشيوعي يرفضها، بل لأن البنية الثقافية الصينية لا تقبلها أصلاً. العقل السياسي الصيني بُني منذ آلاف السنين على التراتبية والسلطة المركزية. لهذا السبب، الحزب الشيوعي ليس مجرد حزب حاكم، بل يقوم مقام الإمبراطور. هو الذي يخطط، ويوجّه، ويتحكم بمؤسسات الدولة… ومن هنا، تستمد الصين قوتها واستقرارها، وهو ما يجعلها مختلفة عن بقية الدول.

عبد الرحمن ناصر:
كنا نتحدث عن تركستان الشرقية (شينجيانغ)، فهل ما يجري هناك من قمع للمسلمين هو امتداد للسياسات الإمبراطورية القديمة؟


وضاح خنفر:
نعم تمامًا، تركستان الشرقية، أو كما تسميها الصين “شينجيانغ” وتعني “الأراضي الجديدة”، ليست جزءًا أصليًا من الصين التاريخية، بل كانت منطقة حدودية خارجة عن السيطرة المباشرة. في عهد الإمبراطورية الصينية أسرة تشينغ، تم إخضاع المنطقة بشكل غير مباشر، حتى جاء يعقوب بيك وأسس دولة مستقلة استمرت 11 أو 12 سنة، وكانت معترفًا بها من الدولة العثمانية، ومن بريطانيا وروسيا. لكن الصين قمعتها بالقوة وضمّتها رسميًا، وغيّرت اسمها إلى شينجيانغ وأعلنتها مقاطعة صينية خاضعة للحكم المباشر.


عبد الرحمن ناصر:
وهل يمكن القول إن الهوية الثقافية الإسلامية للإيغور كانت وراء استمرار التوتر مع الصين؟


وضاح خنفر:
نعم، الإيغور لهم هوية ثقافية ودينية متميزة، وهم من أصول تركية وكان لهم إمارات إسلامية مستقلة. وعندما ضعفت الصين بعد حروب الأفيون (1839–1860 تقريبًا)، حاول المسلمون استعادة الاستقلال. لكن الحزب الشيوعي الصيني، كما كانت تفعل الإمبراطوريات، رفض أي تنوع ثقافي أو ديني قد يقود إلى استقلالية. الصينيون من قومية “الهوي” – وهم مسلمون من أصول صينية – لم يُلاحقوا، لأن ولاءهم لم يتعارض مع الدولة، لكن الإيغور كانوا مختلفين، فهويتهم الإسلامية اقترنت بالتطلع للاستقلال، وهذا ما قوبل بالقمع الوحشي.


عبد الرحمن ناصر:
وما حقيقة “معسكرات إعادة التأهيل” التي أقامتها الصين هناك؟


وضاح خنفر: للأسف، هي ليست إلا مراكز اعتقال وقمع ثقافي وديني، تهدف إلى محو الهوية الإسلامية للإيغور. الحزب الشيوعي الصيني يريد شعبًا مطيعًا بالكامل. وهذا التوجه امتداد للفكر الإمبراطوري الصيني القديم، حيث السلطة في القمة والناس يُفترض أن يطيعوا، دون تعددية ثقافية أو دينية.


عبد الرحمن ناصر:
وكيف شكّل “ماو تسي تونغ” هذا النسق الفكري والسياسي في الصين الحديثة؟


وضاح خنفر:
ماو تسي تونغ، مؤسس الصين الحديثة، لم يقطع مع الماضي كما فعلت الشيوعية السوفييتية، بل كان وفيًّا للتراث الإمبراطوري الصيني. رغم ارتكابه جرائم مرعبة — فقد تسبب في موت ما لا يقل عن 30 إلى 40 مليون إنسان — إلا أنه حافظ على مركزية الدولة وهيبة السلطة المطلقة. حتى خلفه، شي جين بينغ، يُنظر إليه كإمبراطور حديث. والده كان من مؤسسي الحزب الشيوعي، وله جذور في مشروع الدولة الصينية العريقة، مما يعطيه شرعية تاريخية متجذّرة.


يتبع في إلجزء 2

تم تنزيله من اليوتوب وتم صياغته بالعربية الفصحى وبشكل مبسط للقراءة من طوف د. الحسن اشباني

مقالات ذات الصلة :

https://dr-achbani.com/مع-الاستاذ-وضاح-خنفر-الحرب-على-غزة-أحدث

https://dr-achbani.com/9048-2

https://dr-achbani.com/الحرب-على-غزة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE