«تكشبيلة تيوليولة»: أهزوجة طفولة مغربية أم صرخة موريسكية من وراء القرون؟

د. الحسـن اشباني
مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني
==============
الملخص
تتناول المقالة أصل الأهزوجة المغربية الشهيرة «تكشبيلة تيوليولة»، التي رددتها أجيال من الأطفال وعامة الناس وفي المناسبات من غير أن تعرف مصدرها أو معنى كلماتها الغامضة. وقد انتشرت في السنوات الأخيرة رواية تربطها بمأساة الموريسكيين الذين أُجبروا على اعتناق المسيحية، ثم طُرد نحو 275 إلى 300 ألف منهم من إسبانيا بين سنتي 1609 و1614، ليستقر معظمهم في المغرب والجزائر وتونس ومناطق أخرى من الدولة العثمانية. ووفق هذه القراءة، تشير «تكشبيلة» إلى إشبيلية، وترمز «تيوليولة» إلى الأمل في العودة إليها، بينما تعكس بقية الكلمات الاضطهاد والإكراه الديني. غير أن المقال يبين أن هذه التأويلات، على الرغم من انسجامها مع السياق التاريخي، لا تستند إلى مخطوطة موريسكية أو نص قديم يثبت أصل الأغنية بصورة قاطعة. لذلك يخلص إلى أن صلتها بالموريسكيين فرضية جديرة بالبحث، وأن قيمتها المؤكدة تكمن في كونها جزءاً أصيلاً من الذاكرة الشعبية المغربية، تجمع بين براءة الطفولة وغموض التاريخ وحنين المغاربة إلى الأندلس.
Summary
The article explores the origins of the famous Moroccan chant “Tikchbila Tiwliwla,” which generations of children and adults have sung on various occasions without knowing its source or the meaning of its mysterious words. A widely circulated interpretation links it to the tragedy of the Moriscos, Muslims who were forcibly converted to Christianity before approximately 275,000–300,000 were expelled from Spain between 1609 and 1614. Most settled in Morocco, Algeria, Tunisia, and other parts of the Ottoman world. According to this interpretation, “Tikchbila” refers to Seville, while “Tiwliwla” expresses the hope of returning to it; the remaining verses supposedly evoke persecution, religious coercion, and exile. However, the article shows that, despite fitting the historical context, these interpretations are not supported by a known Morisco manuscript or an early documented version of the song. It therefore concludes that a Morisco origin remains a compelling but unproven hypothesis. What can be stated with confidence is that the chant forms an enduring part of Moroccan oral heritage, bringing together childhood innocence, historical uncertainty, and Morocco’s cultural memory of al-Andalus.
الكلمات المفتاحية : تكشبيلة تيوليولة – الموريسكيون – الذاكرة الشعبية-Tikchbila Tiwliwla – Moriscos – Folk Memory
مقدمة: أغنية نحفظها ولا نعرف معناها
«تكشبيلة تيوليولة»: أغنية طفولة مغربية أم صرخة موريسكية من الأندلس؟
«تكشبيلة تيوليولة، ما قتلوني ما حياوني، غير الكاس اللي عطاوني…». كلمات رددتها أجيال من المغاربة في طفولتها، في الأزقة وساحات المدارس وبين حلقات اللعب، بحماسة وفرح، من غير أن تتوقف طويلاً عند معناها أو تسأل عن صاحبها وزمن ظهورها. فقد وصلت إلينا كما تصل معظم الأهازيج الشعبية: محفوظة في الذاكرة، منقولة من الأفواه، ومتغيرة أحياناً من منطقة إلى أخرى.
غير أن هذه الأغنية الطفولية البسيطة اكتسبت، في السنوات الأخيرة، معنى مختلفاً تماماً. فقد انتشرت رواية تقول إن كلماتها ليست مجرد مقاطع مرحة، بل بقايا أنشودة حزينة حملها الموريسكيون معهم بعد طردهم من الأندلس؛ وأنها تختزن حنينهم إلى إشبيلية، وآثار ما تعرضوا له من اضطهاد وتنصير قسري واقتلاع من أرض عاش فيها أجدادهم قروناً طويلة. فهل تخفي هذه النغمة المرحة بالفعل مأساة تاريخية؟ وهل تمثل كلماتها المحرَّفة عبر الأجيال صرخة موريسكية نجت من النسيان، أم أن الذاكرة المعاصرة ألبست أهزوجة شعبية قديمة قصة مؤثرة لا تسندها الأدلة الكافية؟ بين ما هو ثابت، وما هو محتمل، وما أضافه الخيال الشعبي، تحاول هذه المقالة تتبع خيوط واحدة من أشهر أغاني الطفولة المغربية.
ما قتلوني ما حياوني
غير الكاس اللي عطاوني
الحرامي ما يموتشي
جات خبارو فالكوتشي
إحدى الصيغ المتداولة شفهياً في المغرب، وقد تختلف بعض ألفاظها من منطقة إلى أخرى.
لم تصل «تكشبيلة تيوليولة» إلى المغاربة في صورة قصيدة مكتوبة أو أغنية محفوظة باسم مؤلف معروف، بل عاشت زمناً طويلاً في فضاء الطفولة. كان الأطفال يرددونها وهم متقابلون، يتبادلون ضربات الأيدي، أو يدورون في حلقات جماعية، منجذبين إلى إيقاع كلماتها أكثر من معانيها. وهكذا انتقلت من جيل إلى آخر بوصفها أهزوجة للعب والمرح، حتى غدا مطلعها جزءاً من الذاكرة المشتركة لدى المغاربة.
وهذه ليست حالة استثنائية؛ فأغاني الأطفال كثيراً ما تحتفظ بكلمات غامضة أو مقاطع فقدت دلالتها الأصلية بفعل النقل الشفهي. يكررها الطفل كما سمعها، ثم يعيد تشكيل بعض ألفاظها تبعاً للهجة والمنطقة وسهولة النطق. ومع مرور الزمن، قد يبقى اللحن والإيقاع، بينما تتغير الكلمات أو ينقطع ارتباطها بالسياق الذي نشأت فيه. لكن كلمات «تكشبيلة تيوليولة» تختلف عن كثير من الأهازيج البريئة؛ ففيها عبارات لافتة مثل: «ما قتلوني ما حياوني» و«غير الكاس اللي عطاوني». وهي كلمات تحمل، عند تأملها خارج دائرة اللعب، إحساساً بالمعاناة والاضطراب، لا ينسجم ظاهرياً مع أجواء الطفولة المرحة. ومن هنا وُلد السؤال: هل كانت الأغنية، قبل أن يستولي عليها الأطفال، تحكي تجربة إنسانية مؤلمة؟
ازدادت قوة هذا السؤال حين ربط بعض المهتمين بالتراث كلماتها بمحنة الموريسكيين الذين تعرضوا للتنصير القسري، ثم طُردوا من إسبانيا في مطلع القرن السابع عشر، واستقر عدد كبير منهم في مدن المغرب وبلدان أخرى من شمال إفريقيا. وبذلك انتقلت الأهزوجة، في الخطاب المعاصر، من ساحة اللعب إلى ميدان التاريخ، ومن ذكرى طفولية بسيطة إلى نص غامض يُبحث في كلماته عن أصداء الأندلس المفقودة.
2. ماذا تقول الرواية الموريسكية؟
تذهب رواية انتشرت في السنوات الأخيرة إلى أن «تكشبيلة تيوليولة» لم تكن في أصلها أغنية للأطفال، بل بقايا أنشودة حزينة تناقلها الموريسكيون بعد اقتلاعهم من الأندلس. والموريسكيون هم المسلمون الذين أُجبروا على اعتناق المسيحية عقب سقوط غرناطة سنة 1492، ثم خضعوا لمراقبة محاكم التفتيش وقيود استهدفت لغتهم ولباسهم وعاداتهم وممارساتهم الدينية، قبل أن يصدر الملك فيليب الثالث قرار طردهم سنة 1609. وبحسب هذه الرواية، احتفظت الأهزوجة، رغم ما أصاب كلماتها من تحريف خلال قرون النقل الشفهي، بأصداء تلك المحنة: حنين إلى إشبيلية، وأمل في العودة، وشعور بحياة معلقة بين النجاة والموت، وإشارة إلى ما تعرض له الموريسكيون من تنصير وإكراه ديني. وعلى هذا الأساس، تُقرأ الأغنية باعتبارها سيرة مكثفة لمأساة جماعية: أرض تبتعد، وهوية تُنتزع، وإكراه يُمارس، وأمل في الرجوع لا ينطفئ. وهي قراءة مؤثرة تنسجم في خطوطها العامة مع ما تعرض له الموريسكيون تاريخياً، ولذلك لقيت رواجاً واسعاً في مواقع التواصل وبعض المنابر الإعلامية. غير أن قوة الرواية العاطفية وانسجامها مع سياق الاضطهاد لا يثبتان وحدهما أن الأغنية وُلدت في ذلك العصر. ولهذا ينبغي الانتقال من حكاية الأصل المتداولة إلى فحص كلمات الأهزوجة نفسها، والتمييز بين ما تسمح به اللغة وما أضافه التأويل المعاصر.
3. تفكيك كلمات الأغنية: ماذا يمكن أن تعني؟
تبدأ صعوبة فهم الأغنية من اختلاف صيغها بين المناطق والأجيال. فهناك من يقول «تكشبيلة»، ومن ينطقها «تيكشبيلة» أو «تشكبيلة»، كما تتغير بعض الكلمات في بقية المقاطع. وهذا أمر مألوف في التراث الشفهي؛ إذ يحفظ الناس الإيقاع بسهولة، لكنهم قد يعيدون تشكيل الألفاظ الغامضة بما يناسب لهجاتهم. لذلك لا يمكن تحليل كلمات الأهزوجة الحالية كما لو كانت نصاً مكتوباً وصل إلينا من دون تغيير.
«تكشبيلة تيوليولة»
تفسر الرواية الموريسكية «تكشبيلة» بأنها تحوير لعبارة «تلك إشبيلية» أو «ديك إشبيلية»، في إشارة إلى المدينة التي يراها المطرود تبتعد عنه. ويذهب تفسير آخر إلى أنها اختصار لعبارة «طريق إشبيلية»، غير أن الانتقال من هذه العبارة إلى «تكشبيلة» يحتاج إلى قرائن لغوية وتاريخية لا يوفرها التشابه الصوتي وحده.
أما «تيوليولة»، فيراها بعضهم تحويراً لعبارة «سنعود إليها» أو «نولّيو ليها» بالدارجة المغربية، فتغدو الجملة وعداً بالعودة إلى إشبيلية. بينما يفترض آخرون أنها قد تخفي اسم «طليطلة»، المدينة الأندلسية المعروفة. وهذا التعدد في التأويل يكشف أن المعنى الأصلي لم يعد واضحاً، وأننا أمام قراءات محتملة لا ترجمة مؤكدة.
«ما قتلوني ما حياوني»
هذه أكثر عبارات الأغنية وضوحاً من الناحية اللغوية؛ فهي تصف إنساناً تُرك معلقاً بين الحياة والموت. ويمكن فهمها مجازاً باعتبارها تعبيراً عن شدة الألم أو القهر. وهي تنسجم بالفعل مع تجربة الموريسكي الذي أُجبر على التخلي ظاهرياً عن دينه ولغته وعاداته، ثم اقتُلع من موطنه. لكن العبارة شائعة المعنى، ولا تكفي بمفردها لإثبات أن قائلها كان موريسكياً.
«غير الكاس اللي عطاوني»
يربط التفسير الرائج هذا الكأس بالخمر الذي قيل إن الموريسكيين كانوا يُجبرون على شربه لإظهار تحولهم إلى المسيحية، أو لإذلالهم ودفعهم إلى مخالفة تعاليم الإسلام. وذهب تفسير آخر إلى أن الكأس قد يرمز إلى ماء التعميد القسري. إلا أن الروايتين تحتاجان إلى دليل يربط هذا الطقس تحديداً بالأغنية، لا بمجرد ما هو معروف عموماً عن سياسات التنصير والإكراه. وقد تكون العبارة، في قراءة أبسط، وصفاً لكأس أحدث ألماً أو دواراً، ثم أُدمجت في أغنية شعبية تغير سياقها مع الزمن. ولذلك يبقى «الكأس» رمزاً مفتوحاً، لا شاهداً تاريخياً قاطعاً.
«الحرامي ما يموتشي، جات خبارو فالكوتشي»
هذا المقطع هو الأكثر غموضاً واختلافاً في الروايات. فلفظة «الحرامي» تعني في الاستعمال المغربي السارق أو الشخص السيئ، وقد تكون وصفاً لخصم أو ظالم مجهول. أما «الكوتشي» فتعني العربة أو المركبة، وهي كلمة يُرجح انتقالها إلى اللهجات المغاربية من لغات أوروبية. وحاولت بعض التفسيرات ربط المقطع برجال محاكم التفتيش الذين كانت أخبارهم تصل إلى السكان، أو بعربة تحمل خبراً عن شخص مكروه. لكن العلاقة بين هذه الكلمات ومحنة الموريسكيين تبدو أقل وضوحاً من المقاطع السابقة، ولا تتوافر قرينة تسمح بتحديد المقصود على وجه اليقين. وهكذا يكشف تفكيك الكلمات أن القراءة الموريسكية ممكنة من حيث السياق والإيحاء، لكنها ليست التفسير الوحيد. فالتشابه الصوتي، مهما كان جذاباً، لا يتحول إلى حقيقة تاريخية إلا إذا أسندته نصوص قديمة أو روايات موثقة أو دراسة لغوية تقارن بين مختلف صيغ الأغنية وتحدد تاريخ ظهورها.

4. هل توجد أدلة تثبت أصلها الأندلسي؟
تبدو القراءة الموريسكية مقنعة للوهلة الأولى، لأنها تجمع بين كلمات الأغنية وبين وقائع تاريخية ثابتة: التنصير القسري، ومحاكم التفتيش، ومنع اللغة العربية، ثم طرد الموريسكيين من إسبانيا بين سنتي 1609 و1614. غير أن صحة السياق التاريخي لا تكفي وحدها لإثبات أن الأهزوجة وُلدت في تلك المرحلة؛ فإثبات ذلك يحتاج إلى نص قديم، أو مخطوطة، أو شهادة تاريخية، أو تسجيل مبكر يربط كلماتها بالموريسكيين. وحتى الآن، لا تظهر في المصادر المتاحة وثيقة موريسكية تعود إلى القرنين السادس عشر أو السابع عشر وتحمل نص «تكشبيلة تيوليولة». كما لا يُعرف على وجه الدقة متى سُجلت الأغنية لأول مرة، ولا كيف كانت صيغتها قبل أن تتحول إلى أهزوجة للأطفال ويتغني بها حتي في المناسبات الشعبية بالمغرب. وهذه فجوة مهمة، لأن النص المتداول اليوم قد يكون قد احتفظ ببعض الكلمات القديمة، كما قد يكون قد خضع للحذف والإضافة والدمج مع أغانٍ أخرى.
وقد ظهرت سنة 2025 دراسة أكاديمية للباحث سيزار سانشيز أورتيث، منشورة في «مجلة الأدب الشفهي» بجامعة خاين الإسبانية، تناولت التراث الغنائي للأطفال على ضفتي مضيق جبل طارق. وتعتبر الدراسة «تكشبيلة تيوليولة» مثالاً على انتقال ذكرى الطرد الموريسكي إلى أغاني الأطفال، وتفسر مطلعها بالإحالة إلى الطريق نحو إشبيلية والأمل في العودة إليها. كما تلفت إلى أن تكرار الكلمات والإيقاع ساعدا على حفظ الأغنية وانتقالها بين الأجيال. وتمنح هذه الدراسة الرواية الموريسكية سنداً أكاديمياً حديثاً يستحق الاهتمام، لكنها لا تقدم نصاً قديماً للأغنية، ولا وثيقة تعود إلى زمن الطرد تثبت هذا الأصل بصورة قاطعة. الاطلاع على الدراسة

أما عدد من المقالات والمقاطع المنتشرة على المواقع وشبكات التواصل، فيقدم التفسير الموريسكي بلغة جازمة، ثم تنتقل القصة من موقع إلى آخر من غير الرجوع إلى مصدر أول. وتستند بعض الصفحات إلى مراجع مهمة عن تاريخ الموريسكيين وأدبهم وهجرتهم إلى بلاد المغرب، إلا أن الحديث عن الموريسكيين عموماً لا يثبت بالضرورة أن هذه الأغنية نفسها كانت من أناشيدهم. ويزيد الأمر تعقيداً أن الكلمات التي يُفترض أنها تحمل الدليل الأندلسي تقبل أكثر من قراءة. فـ«تكشبيلة» فُسرت بأنها «تلك إشبيلية»، و«ديك إشبيلية»، و«طريق إشبيلية»، بينما فُهمت «تيوليولة» بمعنى «سنعود إليها»، أو رُبطت باسم طليطلة. ولو كان النص الأصلي معروفاً ومحفوظاً، لما اتسع هذا الاختلاف في قراءة كلماته الأساسية. ومع ذلك، فإن غياب الوثيقة لا يعني استحالة الأصل الموريسكي. فالتراث الشفهي لا يترك دائماً سجلات مكتوبة، ولا سيما حين ينتقل بين جماعات تعرضت للاضطهاد والتهجير. ومن الممكن أن تكون الأهزوجة قد احتفظت بأصداء تجربة موريسكية قديمة، ثم تغيرت ألفاظها ووظيفتها حتى صارت أغنية للأطفال. لكن المنهج التاريخي يفرض أن نصف ذلك بأنه احتمال تدعمه بعض القراءات اللغوية والسياقات التاريخية، لا حقيقة نهائية أثبتتها وثيقة مباشرة. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للأغنية: فهي لا تقدم لنا جواباً جاهزاً بقدر ما تفتح سؤالاً عن قدرة الذاكرة الشعبية على حمل آثار الماضي، حتى بعدما تضيع الأسماء والتواريخ وتتبدل معاني الكلمات.
5. كيف تحفظ الذاكرة الشعبية التاريخ؟
لا تحفظ الذاكرة الشعبية الماضي بالطريقة التي تحفظه بها كتب التاريخ. فهي لا تسجل الوقائع بأسمائها وتواريخها الدقيقة، بل تختزن منها صوراً ومشاعر وعبارات قصيرة، ثم تنقلها من جيل إلى آخر بواسطة الحكايات والأمثال والأغاني. وقد تضيع تفاصيل الحدث مع مرور الزمن، بينما يبقى أثره العاطفي حاضراً في لحن أو كلمة أو صورة رمزية. وتساعد البساطة والإيقاع والتكرار على بقاء الأهازيج أكثر مما تساعدها دقة الكلمات. فالطفل يحفظ العبارة لأنها سهلة النطق وممتعة الترديد، لا لأنه يدرك معناها التاريخي. وعندما تصبح بعض الألفاظ غريبة عن الاستعمال اليومي، يعيد الناس نطقها أو استبدالها بكلمات قريبة منها، فتظهر صيغ متعددة للأغنية الواحدة. وهكذا لا يبقى النص ثابتاً، بل يتغير كلما انتقل بين الأجيال والمناطق. وقد يحدث أيضاً أن تنتقل أغنية من عالم الكبار إلى عالم الأطفال. فالنص الذي بدأ تعبيراً عن الفقد أو الخوف أو المقاومة قد يفقد سياقه الأصلي تدريجياً، ثم يتحول إلى لعبة جماعية لا يعرف مؤدوها شيئاً عن معناه الأول. ولا يعني هذا أن الأطفال محوا التاريخ، بل ربما أسهموا، من دون قصد، في إنقاذ بعض شظاياه من النسيان.
من هذا المنظور، يمكن النظر إلى «تكشبيلة تيوليولة» بوصفها وعاءً للذاكرة، حتى وإن تعذر الجزم بنوع الذكرى التي حملتها في بدايتها. فإذا ثبت أصلها الموريسكي، فإنها تمثل مثالاً نادراً على تحول ألم المنفى إلى أهزوجة طفولية مرحة. وإذا لم يثبت ذلك، فإن القصة التي نُسجت حولها تكشف، هي الأخرى، عن حضور الأندلس القوي في المخيال المغربي وعن حاجة المجتمع إلى وصل تراثه الشعبي بذاكرته التاريخية. لذلك لا ينبغي أن نختار بين اعتبار الأغنية وثيقة تاريخية كاملة أو كلمات بلا معنى. فقد تكون الحقيقة في المنطقة الواقعة بينهما: أثر قديم تغيرت ملامحه، واختلطت فيه الذاكرة بالخيال، وبقي حياً لأن الأطفال واصلوا ترديده جيلاً بعد جيل.
6. خاتمة: بين الحقيقة والأسطورة الجميلة
بعد قرون من انتقالها الشفهي، ما تزال «تكشبيلة تيوليولة» تحتفظ بسرها. فلا نملك نصاً قديماً يحدد زمن ظهورها، ولا وثيقة موريسكية تثبت أن المطرودين من الأندلس هم أول من أنشدها. لذلك لا يصح تقديم التفسير الرائج على أنه حقيقة تاريخية محسومة، مهما بدا مؤثراً ومنسجماً مع مأساة الموريسكيين. وفي المقابل، لا يمكن استبعاد هذا الأصل بصورة نهائية. فبعض كلمات الأغنية يوحي بالألم والاقتلاع والإكراه، كما أن استقرار أعداد كبيرة من الموريسكيين في المغرب أتاح انتقال كثير من العادات والحكايات والألحان الأندلسية إلى الذاكرة المغربية. وقد تكون الأهزوجة قد احتفظت بشيء من تلك التجربة، قبل أن تغيّرها الألسن ويحوّلها الأطفال إلى لعبة جماعية مرحة. وتظل الحقيقة الأقرب إلى ما تسمح به الأدلة أن «تكشبيلة تيوليولة» أهزوجة راسخة في التراث الشعبي المغربي، أما نسبتها إلى الموريسكيين فتظل فرضية جديرة بالبحث، لا خبراً تاريخياً نهائياً. وقيمتها لا تتوقف على حسم أصلها؛ فهي تكشف في الحالتين كيف تستطيع كلمات بسيطة أن تعبر القرون، وأن تجمع في لحن واحد بين براءة الطفولة، وغموض الذاكرة، وحنين المغاربة العميق إلى الأندلس. لعلها صرخة موريسكية نجت متنكرة في ثوب أغنية أطفال، ولعلها أهزوجة منحها الخيال الشعبي لاحقاً قصة أوسع من نشأتها. وبين الاحتمالين، ستظل «تكشبيلة تيوليولة» سؤالاً مفتوحاً يردده المغاربة منذ طفولتهم، حتى وإن ضاع الجواب الأول في طريق الزمن.
خريطة توضيحية تفاعلية لأهم مناطق وجود الموريسكيين في إسبانيا، ومدن استقبالهم في بلاد المغرب، وأبرز مسارات تهجيرهم بين سنتي 1609 و1614. المسارات تقريبية وتمثل الاتجاهات العامة للطرد، لا رحلة كل مجموعة على حدة.
استمع إلى الأهزوجة: أداء إنشادي معاصر لـ«تكشبيلة تيوليولة»
7. المراجع
أولاً: المراجع التاريخية والأكاديمية
- دومينغيث أورتيث، أنطونيو؛ وفنسنت، برنار. Historia de los moriscos: vida y tragedia de una minoría، مدريد: Alianza Editorial، 1993.
مرجع شامل عن أوضاع الموريسكيين وسياسات التنصير والاضطهاد والطرد. بيانات الكتاب - دي إيبالثا، ميكيل. Los moriscos antes y después de la expulsión، مدريد: MAPFRE، 1992.
يتناول تاريخ الموريسكيين قبل الطرد ومسارات هجرتهم واستقرارهم في بلدان المغرب. النص المتاح عبر مكتبة ثربانتس - برنابي بونس، لويس فرناندو. Los moriscos: conflicto, expulsión y diáspora، مدريد: Los Libros de la Catarata، 2009.
دراسة موثقة لهوية الموريسكيين ووجودهم في إسبانيا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، ثم شتاتهم بعد طرد 1609. صفحة الناشر - دي إيبالثا، ميكيل. «Estructuras de acogida de los moriscos emigrantes de España en el Mágreb (siglos XIII al XVIII)»، Alternativas. Cuadernos de Trabajo Social، العدد 4، 1996، ص 35–58.
دراسة عن استقبال المهاجرين الأندلسيين والموريسكيين واندماجهم في بلدان المغرب. النص والدراسة - برنابي بونس، لويس فرناندو. «El exilio morisco: las líneas maestras de una diáspora»، Revista de Historia Moderna، العدد 27، 2009.
يبحث مسارات الطرد والشتات ومناطق استقرار الموريسكيين في شمال إفريقيا. الدراسة - برنابي بونس، لويس فرناندو. «El paso de los Moriscos por Francia hacia el Magreb. Una vez más»، Hespéris-Tamuda، المجلد 53، العدد 2، 2018، ص 223–244.
يعرض طرق عبور الموريسكيين من إسبانيا عبر فرنسا باتجاه بلدان المغرب. بيانات الدراسة
ثانياً: مواد تتصل بالأهزوجة والرواية المتداولة
- «أوريد يلملم الجرح الأندلسي»، موقع فبراير، 6 مارس 2012.
مادة صحفية قديمة نسبياً تربط «تكشبيلة تيوليولة» بالذاكرة الموريسكية وبصدور رواية الموريسكي لحسن أوريد. وهي شاهد على تداول التفسير وليست دليلاً أكاديمياً على صحته. قراءة المادة - «حكايات غريبة من أمسية في المعرض الدولي للكتاب»، موقع وجدة سيتي، 2012.
ينقل تأويلاً للأهزوجة باعتبارها حنيناً إلى إشبيلية، لكنه يظل تأويلاً ثقافياً وصحفياً غير موثق بنص موريسكي قديم. قراءة المادة - Crescendo Baby Music، “Tikchbila Tiwliwla: Traditional Moroccan Song”، YouTube، 2023.
تسجيل حديث يوثق الصيغة الغنائية المتداولة، ولا يصلح دليلاً على تاريخ نشأتها. الاستماع




