المقالات العامة

حنان و”باب الخير”: حين يتحوّل العطف إلى فعلٍ يصنع الأثر

د. الحسن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي


الملخص

قصة حنان ليست حكايةَ تبرعٍ عابر، بل مسارُ امرأةٍ قررت أن تحوّل العطف إلى فعل. بدأت بخطوةٍ بسيطة حين رأت طفلتين بلا طعام، فباعت ذهبها لتفتح “باب الخير”، مؤسسةً تحفظ كرامة المحتاج قبل أن تطعمه. لم تنتظر تمويلًا كبيرًا، بل بدأت بما تملك، وجمعت حولها زمرةً من نساء الخيرات، فصار العمل جماعيًا منظمًا، قائمًا على التسجيل والمتابعة والتوزيع العادل. في “باب الخير” لا يُسأل المحتاج عن دينه، بل عن حاجته. هناك مطبخٌ للجميع، ونظامٌ يحفظ الخصوصية، وزياراتٌ ميدانية تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه. تؤمن حنان أن الزكاة منظومةٌ لا تنجح إلا بالعاملين عليها، وأن الاحتراف في الخير ضرورةٌ لا ترف. كانت تمسي أحيانًا ولا تملك ما تطعم به الناس، ثم تصبح على بركاتٍ تأتيها من محسنين لا تعرفهم، فتدرك أن الإخلاص يجلب السعة. تأثرت بتجارب إنسانية عظيمة رأت فيها كيف يحفظ العطاء كرامة الإنسان ويمكّنه، فجعلت حلمها ألا ترى أمًا تستجدي ولا شيخًا يمد يده.قصة حنان رسالةٌ لكل امرأةٍ ورجل: الخير لا يحتاج ثروةً هائلة، بل قلبًا صادقًا، وعقلًا منظمًا، وإرادةً لا تتوقف. ومن بابٍ صغير قد يولد نورٌ يكفي مدينةً كاملة.


رمضان… حين يعود إلى معناه الحقيقي

رمضان في جوهره ليس شهر الكاميرات الخفية ولا سباق البرامج الترفيهية التي تملأ الشاشات في كثير من فضاءاتنا العربية، بل هو شهر عبادةٍ وإحسانٍ وعطاءٍ لا ينقطع. هو زمنُ تزكية النفس، ومراجعة القلب، واختيار ما يقوّي صيامنا لا ما يبدده. فكما نحرص على طعامٍ طيب، ينبغي أن نحرص على مضمونٍ يرفع أرواحنا ويوقظ فينا معنى المسؤولية. في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار وتضيق فيه مساحات الدفء الإنساني، تبرز قصصٌ نادرة تعيد للخير بريقه، وتؤكد أن الإحسان ليس شعارًا يُرفع، بل مسارًا يُعاش. ومن هنا تأتي أهمية البرامج الاجتماعية والإنسانية التي تفتح أعيننا على معاناة الناس، وتعيد توجيه بوصلة الاهتمام نحو فعل الخير. من بين هذه النماذج برنامج “ليطمئن قلبي” الذي أطلّ هذا العام بنسخته التاسعة، حاملاً قصصًا حقيقية تُذكّرنا بأن الإحسان طريقٌ مفتوح لكل من أراد، وأن رمضان فرصةٌ لتجديد العهد مع العطاء. ومن بين هذه القصص، تتقدّم حنان بوصفها نموذجًا ملهمًا لامرأةٍ آمنت أن العطف إن لم يتحوّل إلى فعلٍ منظمٍ ومستدام، يظلّ شعورًا عابرًا لا يغيّر واقعًا. ومن هنا وُلدت جمعية “باب الخير”، لا كمبادرة طارئة، بل كرسالة حياة.

من موقفٍ بسيط إلى مشروعٍ ممتد في اتيوبيا

لم تبدأ الحكاية بخطةٍ استراتيجية ولا بتمويلٍ كبير، بل بلحظة إنسانية خالصة. رأت حنان طفلتين لا تذهبان إلى المدرسة، فسألت عن حالهما، فقيل لها إنهما لا تجدَان قوت يومهما. عند تلك اللحظة أدركت أن المشكلة ليست في غياب العطف، بل في غياب الفعل. فقررت أن يكون أول عملٍ لها بيعُ ذهبها صدقةً لله، لتبدأ مشروعًا يُطعم الجائع ويحفظ كرامته.

السيدة حنان صاحبة الفكرة التي اثمرت

ذلك القرار لم يكن عاطفيًا فحسب، بل كان واعيًا بمفهوم العطاء المستدام. فقد جمعت حولها زمرةً من نساءٍ مؤمناتٍ بالرسالة نفسها؛ نساء لم يكتفين بالتبرع، بل انخرطن في العمل اليومي، في التنظيم، في الطهي، في التسجيل، في البحث عن المحتاجين، وفي متابعة أحوالهم. هكذا تحوّل الذهب المبيع إلى نواة مؤسسةٍ حملت اسمًا بسيطًا وعميقًا في آنٍ واحد: باب الخير.

فلسفة العمل : الناس للناس

يقوم مشروع حنان على مبدأٍ أصيل: الناس للناس. ليس في باب الخير تمييزٌ بين مسلمٍ ومسيحي، ولا بين كبيرٍ وصغير، ولا بين امرأةٍ ورجل. فالمطبخ يُعدّ الطعام للجميع، بروحٍ واحدة، ونظامٍ واحد، واحترامٍ واحد. هذا الفهم العابر للهويات الضيقة هو أحد أسرار نجاحها؛ إذ جعل المؤسسة مساحةً جامعة، لا ساحةَ فرزٍ أو إقصاء. والأهم من ذلك أن العمل لم يُبنَ على العشوائية. فكل من يتقدّم بطلب المساعدة تُسجَّل بياناته، ويُزار منزله للتأكد من حاله، وتُحدَّد احتياجاته بدقة. هناك بطاقاتٌ، وسجلات، ومتابعة دورية. فالإحسان، في نظر حنان، لا يكتمل إلا بالإتقان.

حفظ الكرامة قبل سدّ الحاجة

تؤمن حنان أن الفقر ليس عيبًا، لكن تعرية الإنسان أمام الناس عيبٌ كبير. لذلك خصّصت في باب الخير آليةً تحفظ خصوصية المحتاج. من ضاقت به الدنيا يستلم حاجته من المخزن بعيدًا عن أعين الآخرين، حتى لا يشعر أنه موضع شفقة. كما تُنقل الوجبات إلى كبار السن غير القادرين على الحضور، وإلى المدارس، وإلى البيوت التي يعجز أهلها عن الوصول. هذا الحسّ العالي بكرامة الإنسان هو ما يجعل باب الخير يتجاوز كونه مطبخًا خيريًا، ليصبح مساحةً لإعادة الاعتبار الإنساني. فالطعام ليس غايةً في ذاته، بل وسيلةٌ لإعادة الطمأنينة إلى قلبٍ منكسر.

العاملات: زمرة من نساء الخيرات

وراء حنان فريقٌ من النساء اللواتي آمنّ أن الخير رسالةٌ مشتركة. بعضهنّ كنّ في يومٍ من الأيام محتاجات، فصارت أيديهنّ اليوم تُطعم غيرهن. تعلّمن العمل المنظم، وتدرّبن على الطهي والإدارة والتسجيل والمراقبة. منهنّ من يربين أبناءً بلا آباء، ومع ذلك وجدن في باب الخير قوةً تعينهن على الحياة. هذه الزمرة النسائية تمثل أحد أسرار النجاح؛ فحين تجتمع النساء حول هدفٍ إنساني، يمتزج العطف بالصرامة، والرحمة بالنظام، فينتج نموذجٌ فريد. لم يكن العمل فرديًا، بل جماعيًا، مما ضمن استمراريته وتوسّعه.

بين العاطفة والنظام: سرّ الاستدامة

كثيرٌ من المبادرات الخيرية تبدأ قويةً ثم تخبو؛ لأنها تعتمد على حماسة اللحظة. أما باب الخير فقد بُني على ثلاث ركائز: يقوم على إخلاص النية، فالعمل فيه موجَّهٌ لله أولًا، بعيدًا عن حبّ الظهور أو انتظار الثناء، إذ الغاية رضاه قبل كل شيء. ويستند كذلك إلى تنظيمٍ محكم يقوم على التسجيل الدقيق، والمتابعة المستمرة، ورقابة الجودة، وضمان التوزيع العادل للمساعدات حتى تصل إلى مستحقيها دون خلل أو فوضى. كما يعتمد على روح العمل الجماعي، حيث يتكامل الفريق في أدواره ومسؤولياته، فلا يرتبط النجاح بشخصٍ واحد، بل بمنظومةٍ متعاونةٍ متماسكة. وهذا التوازن العميق بين القلب والعقل، بين حرارة الدموع ودقة الإجراءات، هو السر الذي منح المشروع القدرة على الاستمرار والتوسع، حتى صار خيره يصل إلى آلاف المستفيدين بثباتٍ وثقة.


حين تمسي بلا طعام… وتصبح على بركات الله

حين تتكلم حنان عن بداياتها، لا تبدأ بالأرقام ولا بالنجاحات، بل بلحظات القلق الصامت في آخر الليل. تقول إنها كانت تمسي أحيانًا ولا تدري ماذا ستطعم الناس في الغد. كانت ترى الوجوه التي تنتظر، والأطفال الذين تعوّدوا على وجبةٍ تحفظ كرامتهم، وكبار السن الذين لا معين لهم بعد الله، ثم تنظر إلى المخزن فتجده شبه خالٍ. في تلك اللحظات، لا يبقى في يدها إلا الدعاء.

كانت تقول في نفسها: يا رب، هذا باب فتحناه باسمك، فلا تتركه يُغلق. لم يكن لديها ضمانٌ مادي، ولا رصيدٌ ثابت، ولا وعود مؤكدة. فقط نيةٌ صادقة، وقلبٌ معلّق بالله، وثقةٌ أن من بدأ الخير لن يضيّعه. ثم يصبح الصباح… وتبدأ البركات. يأتي محسنٌ يحمل أكياس أرز، وآخر يضع تبرعًا دون أن يُعرّف بنفسه، وثالث يرسل خروفًا يُذبح ويُوزّع. أحيانًا يصل الطعام في اللحظة الأخيرة، كأن العطاء يتعمّد أن يأتي بعد تمام اليقين. تقول حنان إنها كثيرًا ما بكت حين رأت كيف يتحوّل القلق إلى سعة، والخوف إلى طمأنينة.

لم تكن تعتبر ما يحدث مصادفة، بل رسالةً متكررة: أن الخير إذا كان خالصًا لله، سخّر الله له قلوب المحسنين. وهكذا تعلّمت أن تمسي بلا يقينٍ مادي، لكنها لا تصبح إلا على يقينٍ أعظم… أن الأبواب التي تُفتح لله، لا يغلقها العجز، بل يفتحها التوكل، وتفيض عليها البركات.

الزكاة كمنظومة متكاملة

تستند حنان في رؤيتها إلى الفهم العميق لمنظومة الزكاة. فالزكاة ليست مالًا يُعطى بلا تخطيط، بل نظامٌ متكامل، له مصارف محددة، وعلى رأسها الفقراء والمساكين، ثم العاملون عليها. والعاملون على الزكاة هم العمود الفقري لأي منظومة خيرية؛ لأنهم الحلقة التي توصل المال إلى مستحقه. وقد أدركت حنان أن الاحتراف في العمل الخيري يحتاج إلى تفرّغ، والتفرغ يحتاج إلى مورد. لذلك لم تعتمد على المتطوعين فقط، بل نظّمت العمل بحيث يكون مستدامًا، بعيدًا عن الفوضى أو المزاجية.

أثر القدوة: من الشيخ زايد إلى حنان

تروي حنان أنها خلال إقامتها في الإمارات تأثرت بقصةٍ سمعتها من امرأة تُدعى “ماما مريم”، كانت تعيش في أبوظبي في بيتٍ صغير مع عدد كبير من الأبناء، وسط ضيقٍ في المسكن وشظفٍ في العيش. لم تكن الأسرة تملك من أسباب الاستقرار إلا القليل، وكانت الأيام تمضي بصعوبة. في أحد الأيام، بلغ حالهم الشيخ زايد رحمه الله، فقرر أن يزورهم بنفسه. دخل البيت، ورأى الظروف عن قرب، وتأثر بما شاهده، وقال مستنكرًا كيف يمكن أن يعيش الناس على هذه الحال.

صورة تمثيلية مُنشأة تحاكي قصة “ماما مريم”، على أن تكون ملامح الرجل مختلفة تمامًا عن الشيخ زايد رحمه الله، مع الحفاظ على الطابع الإنساني والواقعي للمشهد دون الإشارة إلى شخصيته الحقيقية.

لم تكن زيارته عابرة، بل تبعها قرارٌ غيّر مسار حياتهم. وُفّر لهم بيتٌ جديد في منطقة الشهامة، مع دعمٍ مالي يساعدهم على الاستقرار، وأُعطوا أرضًا يزرعونها وغنمًا يربّونها، ليكون لديهم مصدر رزق دائم. لم يكن الهدف مجرد إعانةٍ وقتية، بل تمكين الأسرة لتعيش بكرامة دون حاجةٍ إلى سؤال أحد.

تقول حنان إن هذه القصة تركت في نفسها أثرًا عميقًا، إذ أدركت أن العطاء الحقيقي هو الذي يحفظ كرامة الإنسان ويمنحه فرصةً لبناء مستقبله، وأن النزول إلى الناس ومعرفة تفاصيل حياتهم هو جوهر القيادة الرحيمة والعمل الإنساني الصادق. هذا المعنى تحوّل عندها إلى ممارسة يومية؛ فهي لا تكتفي بالإدارة من بعيد، بل تتابع التفاصيل بنفسها، وتشارك في الطهي، وتستمع لقصص المحتاجين، وتبكي معهم. هكذا تُبنى الثقة، وهكذا تتجذّر الرسالة.

حين تُسأل حنان عن حلمها، لا تتحدث عن توسّع المباني ولا عن تضاعف الأرقام، بل تقول ببساطة: “لا أريد أن أرى أمًّا في الشارع تطلب الطعام، ولا شيخًا كبيرًا يمد يده.” تريد للشباب أن يعملوا بكرامة، وللكبار أن يُصانوا بعزة. هذا الحلم يعكس رؤيةً أعمق، ذلك أن العمل الخيري ليس غايةً دائمة، بل جسرٌ نحو تمكين الإنسان. فالإطعام اليوم ضرورة، لكن التمكين غدًا هو الهدف.

نموذج يُحتذى

تمثل حنان نموذجًا يُحتذى به لأنها بدأت بما تملك لا بما تتمنى، فانطلقت من إمكانات بسيطة لكنها صادقة، ولم تنتظر ظروفًا مثالية كي تبدأ. وحين واجهت الألم والمعاناة من حولها، لم تكتفِ بالتأثر أو البكاء، بل حوّلته إلى مشروعٍ منظم يخدم الناس ويغيّر واقعهم. كما استطاعت أن تجمع حولها فريقًا نسائيًا متماسكًا، تشاركها الرؤية والرسالة، فصار العمل جماعيًا لا فرديًا، قائمًا على التكامل والثقة. ولم تترك العطاء للعفوية أو الارتجال، بل نظّمته بالتسجيل والمتابعة والتوزيع العادل، حتى يصل إلى مستحقيه بوضوحٍ وانضباط. والأهم من ذلك أنها جعلت كرامة الإنسان أولويةً تسبق اللقمة، فحرصت على أن يُعطى المحتاج حقه دون أن يُجرح شعوره أو تُمس إنسانيته. إن قصتها تؤكد أن الخير لا يحتاج إلى ثروةٍ هائلة بقدر ما يحتاج إلى قلبٍ صادق، وعقلٍ منظم، وإرادةٍ ثابتة لا تعرف التراجع. وقالت أيضًا لإحدى صديقاتها: سأترك هذا العمل فورًا إذا شعرتُ يومًا أن المشروع انحرف عن رسالته، وتحول من بابٍ للخير إلى مشروعٍ تجاريٍّ يبحث عن الربح قبل المعنى.

في خاتمة القول، حين يُفتح الباب قد يبدأ الخير بخطوةٍ صغيرة، بذهبٍ يُباع، بدمعةٍ تُذرف، بسؤالٍ يُطرح عن حال طفلتين. لكنه، إن صادف إخلاصًا، يكبر حتى يصير مؤسسةً تُطعم آلافًا. هكذا كان باب الخير. حنان لم تسعَ إلى لقبٍ ولا إلى شهرة، بل إلى أثر. والأثر هو ما يبقى. فكل وجبةٍ تُوزَّع، وكل يدٍ تُمسك بفنجان قهوةٍ أُعدّ بمحبة، وكل شيخٍ كبيرٍ يتلقى طعامه في بيته، هو شاهدٌ على أن العطف إذا اقترن بالفعل، صار نورًا ممتدًا. وهكذا تظل حنان، ومعها زمرة نساء الخيرات، مثالًا حيًا على أن الإنسان حين يؤمن برسالته، يستطيع أن يفتح بابًا لا يُغلق… بابًا اسمه باب الخير.

———–

مقالات ذات الصلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى