التكنلوجيا

اختراق تحت الحصار: هل ولدت EUV الصينية فعلًا؟ وما الذي يعنيه ذلك للعالم؟

 

د. الحسـن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي


الملخص

في السنوات الأخيرة، لم تعد الرقائق الإلكترونية مجرّد “قطع صغيرة” داخل الهاتف أو الحاسوب، بل صارت أشبه بمفتاحٍ يتحكم في مستقبل الاقتصاد والقوة والتكنولوجيا. الذكاء الاصطناعي الذي يدهشنا يوميًا، والحوسبة العملاقة، وحتى أنظمة السلاح الحديثة… كلها تقف على كتف صناعة واحدة: أشباه الموصلات. لكن هذه الصناعة، رغم ضخامتها، لها نقطة ضعف حساسة: تقنية شديدة التعقيد تُسمّى EUV—وهي الطريقة الأدق لنقش الدوائر على السيليكون. ولفترة طويلة، بقيت هذه التقنية في يد شركة هولندية واحدة: ASML، حتى بدت كأنها “قفل” عالمي على باب الرقائق المتقدمة. ثم جاءت التقارير التي أشعلت النقاش: حديثٌ عن أن الصين، مطلع عام 2025، استطاعت تشغيل نموذج أولي محلي لهذه التقنية داخل منشأة فائقة السرية في شِنتشن. صحيح أن الحديث يدور عن “نموذج أولي” لا عن خط إنتاج تجاري جاهز، لكن الرسالة كانت واضحة: الصين لم تعد تقبل أن تُدار مستقبلها التقني من خارج حدودها. تحرّكت بأدوات معروفة في مشاريع الدول الكبرى: استرجاع الكفاءات، تفكيك المعرفة هندسيًا، والبحث عن طرق للالتفاف على الاختناقات في سلاسل التوريد. في الغرب، لم يكن رد الفعل واحدًا: هناك من يقول إن ما لدى الصين سيبقى أقل كفاءة وغير منافس اقتصاديًا، وهناك من يرى أن الخطر ليس في جودة النسخة الأولى، بل في “المبدأ” نفسه: كسر الاحتكار، وفتح طريقٍ قد يقود لاحقًا إلى استقلال تقني واسع. وهنا تتّضح الصورة الأكبر: لسنا أمام قصة سرقة تقنية أو معجزة مكتملة، بل أمام تحوّل في قواعد اللعبة—عالمٌ قد يتجه إلى قطبين تكنولوجيين، حيث يصبح العلم جزءًا من الأمن القومي، ويصبح السيليكون مادةً سياسية بامتياز. ويبقى السؤال الذي يهمّنا جميعًا: هل يقود هذا السباق إلى نهضةٍ علمية تفيد البشرية؟ أم إلى حرب باردة جديدة عنوانها الرقائق بدل الصواريخ؟ شيء واحد يبدو مؤكدًا: الصين لم تصل بعد… لكنها لم تعد خارج السباق.


مقدمة

من سباق الابتكار إلى سباق السيادة التقنية تشهد صناعة أشباه الموصلات في العقد الأخير تحوّلًا جذريًا، لم تعد فيه مجرد قطاع صناعي متقدم، بل أصبحت ركيزة للسيادة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية. فالرقاقات المتطورة هي القلب النابض للذكاء الاصطناعي، والحوسبة الفائقة، والأنظمة العسكرية الذكية. وفي قلب هذه المنظومة تقف تقنية واحدة بوصفها «عنق الزجاجة» العالمي: الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV Lithography).

أشباهُ الموصلات (semiconductors) هي موادُّ صلبة تمتلك قدرةً كهربائيةً وسطى بين العوازل والموصلات، وتتميّز بإمكانية التحكّم الدقيق في توصيليتها عبر إضافة شوائب محسوبة (التطعيم) أو بتأثير الجهد الكهربائي والحرارة والضوء. تُصنَّع منها المكوّنات الأساسية للإلكترونيات الحديثة—مثل الترانزستورات والدوائر المتكاملة—وتُعدّ حجر الأساس للحواسيب، والهواتف الذكية، وأنظمة الاتصالات، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات العسكرية المتقدمة.

أولًا: تقنية EUV… جوهرة التاج في صناعة الرقائق

تعتمد EUV على ضوء بطول موجي يقارب 13.5 نانومتر، ما يسمح بنقش ترانزستورات بالغة الصغر على شرائح السيليكون. تتيح هذه الدقة إنتاج رقاقات 5 نانومتر (≈ أصغر من سُمك شعرة الإنسان بحوالي 20 ألف مرة) وما دون، الضرورية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

EUV Lithography: تقنية طباعة ضوئية متقدمة تستخدم الأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV: Extreme Ultraviolet) بطول موجي يقارب 13.5 نانومتر لنقش أنماط بالغة الدقة على شرائح السيليكون، وتُعدّ حجر الأساس في تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة للذكاء الاصطناعي والحوسبة الحديثة. Lithography = عملية الطباعة على الورقة

 

شركة صناعة أشباه الموصلات الهولندية ASML تعين رئيسا تنفيذيا جديداASML = Advanced Semiconductor Materials Lithography

حتى وقت قريب، كانت شركة واحدة فقط في العالم تحتكر هذه التكنولوجيا وهي ASML الهولندية. أما سعر آلة EUV الواحدة: يتجاوز 250 مليون دولار ووزنها يقارب 180 طنًا وتتكون من أكثر من 100 ألف قطعة، لا يمكن تشغيلها إلا ضمن منظومة صناعية شديدة التعقيد ولهذا السبب، اعتُبرت EUV «خطًا أحمر» في سياسات التصدير الغربية، وركيزة رئيسية في استراتيجية خنق التقدم الصيني في مجال الرقائق.

ثانيًا: الرواية الصينية – ميلاد نموذج محلي عام 2025

بحسب تقارير إعلامية متداولة، من بينها ما نُسب إلى وكالة رويترز (Reuters)، تشير المعطيات إلى أنّ الصين نجحت في مطلع عام 2025 في تشغيل نموذجٍ أوليّ محلي لمنظومة الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV) داخل منشأة بحثية عالية السرية في مدينة شِنتشن (Shenzhen). وتضيف هذه الروايات أنّ المشروع جرى ضمن إطارٍ مؤسساتي مُحكم، وبإشراف شخصيات علمية وسياسية على صلةٍ وثيقة بدوائر القرار في بكين، في سياقٍ استراتيجي تُنسب رعايته إلى أعلى مستوى في القيادة الصينية، وعلى رأسها الرئيس شي جين بينغ (Xi Jinping).

في النموذج الهولندي «المضغوط»، نجحت ASML بعد عقود من البحث والتطوير في تصغير هذه الأنظمة ودمجها بإحكام داخل آلة واحدة متماسكة نسبيًا، بحيث تعمل جميع المكوّنات في مسافات قصيرة جدًا، ما يضمن: دقة أعلى في توجيه الأشعة واستقرارًا ميكانيكيًا وحراريًا أفضل وإنتاجية صناعية مرتفعة بعكس هذا النموذج الهولندي المضغوط، جاءت النسخة الصينية أكبر حجمًا بكثير، إذ شغلت طابقًا صناعيًا كاملًا. ويُفسَّر ذلك بمحاولة تعويض فجوات الدقة الهندسية عبر حلول ميكانيكية موسّعة، بدلًا من التصغير الفائق الذي أتقنته ASML عبر عقود. ورغم ذلك، تشير التقارير إلى أن المنظومة: نجحت في توليد إشعاع EUV ودخلت مرحلة الاختبارات الوظيفية وليست بعدُ جاهزة للإنتاج التجاري الواسع

ثالثًا: كيف تجاوزت الصين الحصار؟ ثلاث أدوات حاسمة

  1. استعادة الكفاءات المهاجرة : اعتمدت بكين على عودة مهندسين وعلماء عملوا لسنوات داخل شركات ومختبرات غربية حساسة، بما فيها منظومة ASML نفسها. وقد وُفرت لهم عقود بحثية عالية القيمة ومكافآت توقيع قد تصل إلى 700 ألف دولار وحماية أمنية وسرية مشددة.
  2. التفكيك الهندسي العكسي (Reverse Engineering): لم تُقلّد الصين الآلة كما هي، بل أعادت تفكيك المبدأ الفيزيائي والهندسي، وبنت منظومة بديلة تؤدي الوظيفة نفسها بوسائل مختلفة نسبيًا.
  3. الالتفاف على سلاسل التوريد: تشير تقارير غربية إلى استخدام شبكات وسطاء، ومزادات صناعية، ومنصات تجارة إلكترونية—ذُكرت منها Alibaba—للحصول على معدات قديمة أو مكونات فرعية غير خاضعة للحظر المباشر.

رابعًا: الموقف الغربي… انقسام واضح

  1. التيار المتشكك يرى عدد من المحللين الغربيين أن: النموذج الصيني أقل كفاءة وإنتاجية، غير قابل للمنافسة التجارية عالميًا، سيظل محصورًا داخل السوق الصينية والعقوبات لم تُفشل الصين، لكنها أجبرتها على استنزاف موارد هائلة ويؤكد هذا التيار أن EUV ليست مجرد آلة، بل منظومة صناعية-معرفية متراكمة يصعب استنساخها.
  2. التيار القَلِق في المقابل، يحذّر باحثون آخرون من أن: ما تحقق ليس إنجازًا تجاريًا، بل اختراقًا سياديًا كسرت الصين من خلاله احتكارًا استراتيجيًا دام عقودًا. أما الفارق الزمني بين 2028 و2030 غير حاسم جيوسياسيًا، ولكن الولايات المتحدة قد تواجه أول مرة منافسًا غير خاضع لمنظومة التحكم الغربية

خامسًا: الدلالات الجيوسياسية والعلمية

اذا تأكد بالكامل هذا التطور، فهذا يعني أن العقوبات التقنية لا تمنع التطور بل تعيد تشكيله مما يجعل العالم يتجه إلى نظام تكنولوجي ثنائي القطب، وأن البحث العلمي صار جزءًا من الأمن القومي، لان سباق الرقائق يشبه تماما سباق الذرة في القرن العشرين. ولهذا شبّه بعض الباحثين المشروع الصيني بـ «مشروع مانهاتن جديد» (برنامجً أمريكيً سري خلال الحرب العالمية الثانية (1942–1945) لتطوير القنبلة الذرية)، لا بهدف التفوق العسكري المباشر، بل لكسر التبعية البنيوية.

إلى أين يتجه العالم؟ لسنا أمام قصة «سرقة تقنية» فحسب، ولا أمام «معجزة هندسية» مكتملة، بل أمام تحوّل عميق في منطق الابتكار العالمي. فإما أن يقود هذا السباق إلى تسارع علمي يخدم البشرية، أو أن يفتح الباب أمام حرب باردة تكنولوجية، يكون فيها السيليكون أخطر من الصواريخ. فالصين لم تصل بعد… لكنها لم تعد خارج اللعبة.

الكلمات المفتاحية : أشباه الموصلات – Semiconductors | الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى – EUV Lithography | السيادة التكنولوجية – Technological Sovereignty


مقالات ذات الصلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE