التكنلوجيا

خرمشهر-4 الإيراني: صاروخ فرط صوتي أم رسالة سياسية على طاولة المفاوضات؟

د. الحسـن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي


ملخص المقال

ستقرأ أجيال المسلمين يوماً صفحاتٍ من تاريخٍ يفيض مرارةً وحيرة؛ تاريخاً يبدو عصيّاً على الفهم، كيف تُرك الجواد الجريح وحيداً في ساحة الصراع يواجه أعنف قوى البطش، بينما وقف جسد الأمة متفرّجاً من بعيد، مثقلاً بالخوف ومكبّلاً بالصمت. وكيف تحوّل إنسانٌ مريض بجنون الهيمنة إلى ما يشبه ربّ الزمن، يُطاع أمره ولا يُردّ له طلب، وكأن إرادته قدرٌ لا يُقاوَم. إنها حكاية غزة الصابرة، وحكاية إيران التي صمدت رغم حصارٍ خانق وعقوباتٍ امتدّت لعقود، ثم فاجأت العالم بردّها على العدوان الأخير لتعلن عن سلاحٍ جديد بوصفه رسالة ردعٍ واستعدادٍ لمواجهة قد تتجدّد، في زمنٍ يغيب فيه السند وتتسع فيه مسافة الغياب ويظلّ وجع الأمة أعمق من الكلمات. وفي هذا السياق يبرز سلاح خرمشهر-4، المعروف أيضاً باسم “خيبر”، وهو صاروخ باليستي إيراني متوسط المدى كُشف عنه عام 2023 ويُعد من أبرز أدوات الردع الإقليمي. يبلغ مداه نحو 2000 كم ويستطيع قطع هذه المسافة خلال 10–15 دقيقة بسرعة تصل إلى نحو ماخ 16 خارج الغلاف الجوي (≈19,700 كم/س). يعتمد على وقود هايبرغولي يتيح جاهزية إطلاق سريعة، ويتميّز بتصميم يضع المحرك داخل خزان الوقود لتحسين الاستقرار والدقة وتقليل البصمة الرادارية. وتُقدَّر دقة إصابته بنحو 30 متراً، ويحمل رأساً حربياً يصل وزنه إلى 1.5 طن، ما يجعله مناسباً لضرب أهداف عسكرية وبنى استراتيجية. كما أن ظهوره ضمن “مدن صاروخية” تحت الأرض يعكس انتقال العقيدة الإيرانية نحو الردع الهجومي السريع.


Future generations of Muslims may one day read pages of history filled with sorrow and bewilderment—history that seems almost impossible to comprehend: how a wounded steed was left to face the fiercest forces of power alone, while the body of the الأمة watched from afar, weighed down by fear and bound by silence. How a man consumed by the obsession of dominance came to resemble a master of time itself, whose commands were obeyed without question, as though his will were an unchallengeable destiny. It is the story of steadfast Gaza, and of Iran, which endured decades of suffocating sanctions and isolation, yet surprised the world with its response to the recent aggression and unveiled a new weapon as a message of deterrence and readiness for confrontations that may yet return—at a time when support fades and the distance of absence grows, leaving the الأمة’s pain deeper than words. In this context emerges the Khorramshahr-4, also known as “Kheibar,” an Iranian medium-range ballistic missile unveiled in 2023 and considered one of the country’s key regional deterrence assets. It has a range of about 2,000 km and can cover this distance in 10–15 minutes, reaching speeds of up to Mach 16 outside the atmosphere (≈19,700 km/h). The missile uses hypergolic fuel, enabling rapid launch readiness, and features a design that places the engine inside the fuel tank to improve stability and accuracy while reducing radar signature. Its accuracy is estimated at around 30 meters CEP, and it carries a 1.5-ton warhead, making it suitable for striking military targets and strategic infrastructure. Its deployment within underground “missile cities” reflects a shift in Iranian doctrine toward rapid offensive deterrence.


ستقرأ أجيال المسلمين يوماً صفحاتٍ من تاريخٍ يفيض مرارةً وحيرة؛ تاريخاً يبدو عصيّاً على الفهم، كيف تُرك الجواد الجريح يواجه أعنف قوى البطش وحيداً، بينما وقف جسد الأمة متفرّجاً مثقلاً بالخوف ومكبّلاً بالصمت. إنها حكاية غزة الصابرة، وحكاية إيران التي صمدت رغم عقوباتٍ خانقة امتدّت لعقود، لتفاجئ العالم بردّها وتعلن عن سلاحٍ جديد بوصفه رسالة ردعٍ واستعدادٍ لمواجهة قد تتجدّد في زمنٍ يغيب فيه السند وتتسع فيه مسافة الغياب. في عالمٍ تتشابك فيه التكنولوجيا مع الجغرافيا السياسية، لم يكن إعلان إيران عن صاروخها الباليستي خرمشهر-4 (خيبر) في مايو 2023 مجرد خبرٍ عسكري عابر، بل جاء في توقيتٍ حساس سبق مفاوضات نووية دقيقة، ليطرح سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام إنجاز تقني فحسب، أم رسالة ردع استراتيجية صيغت بعناية؟ فهذا الصاروخ، القادر – وفق ما تعلنه طهران – على قطع نحو 2000 كيلومتر في أقل من خمس عشرة دقيقة بسرعة تقارب 16 ماخ (حوالي 19,700 كم/س)، يمثّل أحدث حلقة في مسار تطوّر البرنامج الصاروخي الإيراني الذي شهد خلال العقدين الماضيين تحولات لافتة.

لماذا أثار خرمشهر-4 كل هذا الاهتمام؟

يُصنَّف خرمشهر-4 ضمن الصواريخ الباليستية متوسطة المدى (MRBM) التي تشكّل العمود الفقري لقدرات الردع الإقليمي، وقد أثار الاهتمام ليس بسبب المدى أو السرعة فقط، بل نتيجة حزمة تحسينات تقنية تستهدف تقليل زمن التحضير للإطلاق وزيادة الدقة ورفع القدرة التدميرية، وهو توجه يركّز على جاهزية الضربة السريعة وليس مجرد زيادة المدى أو الحمولة.

التكنولوجيا الجديدة داخل الصاروخ

يعتمد الصاروخ على محرك يعمل بوقود Hypergolic* ذاتي الاشتعال يشتعل فوراً عند مزج الوقود والمؤكسد، ما يقلّص زمن التجهيز للإطلاق ويسمح بتنفيذه خلال دقائق بدل ساعات ويمنح جاهزية إطلاق فورية، كما يتميز بتصميم هندسي متقدم يتمثل في وضع المحرك داخل خزان الوقود نفسه، وهو ما يقلل طول الصاروخ ويحسّن الاستقرار البنيوي ويرفع دقة الإصابة ويقلل البصمة الرادارية، وهو أسلوب مستخدم في بعض الصواريخ الثقيلة الحديثة.

* الوقود الهايبرغولي (Hypergolic fuel) هو نوع من الوقود الصاروخي يشتعل ذاتياً وفورياً بمجرد ملامسة مادتي الوقود والمؤكسد لبعضهما، من دون الحاجة إلى شرارة أو نظام إشعال. تُستخدم هذه التقنية في الصواريخ العسكرية لأنها تسمح بـ الإطلاق السريع جداً، والموثوقية العالية، وإمكانية التخزين لفترات طويلة داخل الصاروخ مع جاهزية فورية للإطلاق، لكنها مواد شديدة السُمّية والتآكل وتتطلب إجراءات أمان صارمة.

المدى 2000 كم، السرعة تصل إلى Mach 16 خارج الغلاف الجوي وتنخفض إلى Mach 8 عند العودة، وزمن الوصول يتراوح بين 10 و15 دقيقة. Ballistic Missile – MRBM – Iran 2023

السرعة وزمن الوصول : عامل الردع الحقيقي

تصل سرعة الصاروخ إلى Mach 16 خارج الغلاف الجوي وتنخفض إلى *Mach 8 عند العودة إلى الغلاف الجوي، ما يجعل زمن الطيران لمسافة 2000 كم بين 10 و15 دقيقة فقط، وهو زمن يقلّص الإنذار المبكر ويضغط قدرات أنظمة الدفاع الصاروخي ويزيد احتمال اختراقها، ويمر الصاروخ بثلاث مراحل رئيسية تبدأ بالإطلاق من منصة متحركة ثم التحليق الباليستي خارج الغلاف الجوي ثم العودة بسرعة فرط صوتية مع تصحيح المسار، فيما تُقدَّر دقة الإصابة بحوالي 30 متر CEP (Circular Error Probable).

* سرعة ماخ 1 (Mach 1) تساوي تقريباً 1235 كم/ساعة عند مستوى سطح البحر ودرجة حرارة 15°C

القوة التدميرية والعقيدة العسكرية

يحمل الصاروخ رأساً حربياً يصل إلى 1.5 طن ما يجعله مناسباً لضرب قواعد عسكرية كبيرة ومنشآت استراتيجية وأهداف محصنة، كما أن ظهوره داخل مدن صاروخية تحت الأرض يشير إلى دخوله مرحلة الجاهزية العملياتية ويعكس رؤية تعتبره انتقالاً في العقيدة العسكرية من الدفاع البحت إلى الردع الهجومي.

مدن صاروخية تحت الأرض في ايران

جدول مقارنة مبسّط بين خرمشهر-4 وبعض أبرز الصواريخ الباليستية

نعرض فيما يلي جدول مقارنة مبسّط بين خرمشهر-4 وبعض أبرز الصواريخ الباليستية التي استخدمتها إيران في الضربات المباشرة ضد الكيان الصهيوني في تصعيد 2024 (عملية الوعد الصادق وما تلاها). القيم تقريبية اعتماداً على المصادر المفتوحة لأن التفاصيل الدقيقة عسكرية وسرية.

دمار غير مسبوق في الكيان الصهيوني بسبب الصواريخ الايرانية2024
الصاروخالفئةالمدى التقريبيالسرعة التقريبيةوزن الرأس الحربيالدقة التقريبيةملاحظات
خرمشهر-4 (خيبر)MRBM ثقيل2000 كمحتى Mach 161500 كغ~30 موقود هايبروليكي، زمن إطلاق سريع، رأس ثقيل جداً
عماد (Emad)MRBM1700 كمMach 10–12~750 كغ~50 متوجيه نهائي متحكم فيه (maneuverable RV)
قدر-F (Ghadr)MRBM1600–1950 كمMach 10+~650–750 كغ~100 متطوير لصاروخ شهاب-3 بمدى أكبر
قيام-1 (Qiam-1)SRBM/MRBM800–1000 كمMach 8–10~750 كغ~100–200 مبدون زعانف لتقليل الرصد الراداري
فتاح-1شبه فرط صوتي1400 كمMach 13–15~400–500 كغغير معلنرأس مناورة لتفادي الدفاعات

خرمشهر-4 يتميّز اجمالا بكونه الأثقل رأساً حربياً والأسرع زمناً للوصول، بينما تركز صواريخ مثل عماد وفتاح على المناورة والدقة لاختراق الدفاعات الجوية.

جدول مقارن لأهم الصواريخ الباليستية في العالم

RS-28 Sarmat الصاروخ الباليستي الروسي الاكثر مدى 18000 كلم
الصاروخالدولةالتصنيفالمدى التقريبيالسرعة التقريبيةالحمولةMIRV (رؤوس متعددة)ملاحظات
RS-28 SarmatروسياICBM18,000 كم+Mach 20≈10 طننعم (10–15 رأس)أثقل صاروخ نووي استراتيجي حاليًا
RS-24 YarsروسياICBM12,000 كمMach 20نووية متعددةنعمالعمود الفقري للقوة النووية الروسية
Topol-MروسياICBM11,000 كمMach 20رأس نووي واحدلانسخة متحركة وصومعية
DF-41الصينICBM12,000–15,000 كمMach 2510 رؤوس نوويةنعمأحدث صاروخ صيني عابر للقارات
DF-31AالصينICBM11,200 كمMach 20نوويةنعممنصة إطلاق متحركة
Minuteman IIIالولايات المتحدةICBM13,000 كمMach 233 رؤوس نوويةنعمأساس الردع النووي الأمريكي
Trident II D5أمريكا/بريطانياSLBM12,000 كمMach 248–12 رأس نووينعميُطلق من الغواصات النووية
M51فرنساSLBM10,000 كمMach 20+MIRV نووينعمصاروخ الردع النووي الفرنسي البحري
Agni-VالهندICBM5,500–8,000 كمMach 24نوويقيد التطويرأطول مدى هندي
Jericho IIIإسرائيلICBM6,500–11,500 كمMach 20+نووي (تقديري)محتملبرنامج عالي السرية
Hwasong-17كوريا الشماليةICBM~15,000 كمMach 20+نوويمحتملأكبر صاروخ متنقل عالميًا
Khorramshahr-4إيرانMRBM/IRBM2,000 كمMach 15–161.5 طنلاحمولة كبيرة تقليدية/نووية محتملة
Sejjil-2إيرانMRBM2,000–2,500 كمMach 13–15≈1 طنلاوقود صلب
Shaheen-IIIباكستانIRBM2,750 كمMach 15نوويلاردع إقليمي
Ghauri-IIباكستانIRBM2,000 كمMach 12نوويلاوقود سائل

ICBM: صواريخ باليستية عابرة للقارات (>5500 كم). IRBM: متوسطة المدى (3000–5500 كم). MRBM: متوسطة المدى الأقصر (1000–3000 كم). SLBM: تُطلق من الغواصات. MIRV: مركبة إعادة دخول تحمل عدة رؤوس نووية مستقلة التوجيه. السرعات المذكورة تمثل السرعة خارج الغلاف الجوي خلال مرحلة المسار الباليستي (Midcourse phase).


أهم المراجع العلمية والاستراتيجية

SIPRI Yearbook – Stockholm International Peace Research Institute https://www.sipri.org

Missile Threat Project – Center for Strategic and International Studies (CSIS) https://missilethreat.csis.org

Federation of American Scientists (FAS) – Nuclear Notebook https://fas.org

IISS Military Balance – International Institute for Strategic Studies

U.S. Congressional Research Service – Ballistic Missile Defense Reports

Jane’s Strategic Weapons Systems (Janes Defence)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى