وجوه لا تغيب

وجوه لا تغيب: د. احمد عمري الحلقة 3- من ثانوية يوسف بن تاشفين إلى جامعة مينيسوتا

د. الحسـن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب، خبير و صحفي مهني

في سطور

ترصد هذه الحلقة انتقال د. أحمد عمري من التعليم الثانوي بأكادير إلى التكوين الجامعي في الرباط. فبعد أن كان يتطلع إلى دراسة الطب، قادته ظروفه ولقاءاته إلى اختيار الزراعة بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة. وهناك اكتشف تكوينًا يجمع بين المعرفة النظرية والتدريب الميداني والانفتاح على التنوع الجغرافي والاجتماعي والثقافي للمغرب. وفي سنة 1978، انتقل إلى جامعة مينيسوتا بالولايات المتحدة، حيث تعمق في علم الوراثة والتحسين الوراثي، قبل أن يعود إلى المغرب ويُتوِّج مساره بالحصول على دبلوم مهندس دولة.

الحلقة الثالثة من مسار الدكتور أحمد عمري

من ثانوية يوسف بن تاشفين إلى جامعة مينيسوتا


من المسار الدراسي إلى الحلم بالطب

التحقتُ بثانوية يوسف بن تاشفين بأكادير خلال الموسم الدراسي 1969-1970، واخترتُ شعبة العلوم. وفي بداية مساري، كنتُ واحدًا من أربعة عشر تلميذًا جرى انتقاؤهم لمتابعة شعبة الرياضيات، التي أُحدثت آنذاك لأول مرة في الثانوية. غير أن تلك السنة كانت سنة دراسية صعبة، بسبب ما عرفته من إضرابات واضطرابات، فغيّرتُ مساري وانتقلتُ إلى شعبة العلوم التجريبية، التي كانت أقرب إلى ميولي واهتماماتي العلمية. وكنتُ، في تلك المرحلة، أتطلع إلى متابعة دراستي في مجال الطب. كانت ثانوية يوسف بن تاشفين يومئذ من أعرق المؤسسات التعليمية في جنوب المغرب، بل كانت تستقبل تلاميذ ينحدرون من مناطق جغرافية واسعة، تمتد من الصويرة إلى الأقاليم الجنوبية. وقد درس معنا تلاميذ قدموا من العيون والداخلة وغيرها، ونشأت بيني وبين عدد منهم صداقات استمرت آثارها بعد انتهاء الدراسة، قبل أن يتولى بعض هؤلاء الأصدقاء مسؤوليات ومناصب مهمة. قضيتُ أربع سنوات في هذه الثانوية، وكانت مرحلة حاسمة في تكويني العلمي وفي تحديد اختياراتي المستقبلية.

خبر النجاح الذي حمله والدي إلى المزرعة

بعد اجتياز امتحانات البكالوريا، عدتُ، كعادتي خلال العطلة الصيفية، إلى مزرعة والدي، حيث كنتُ أساعده في الأعمال الزراعية. وبينما كنتُ منشغلًا بالعمل في الحقول، أقبل عليّ والدي حاملًا، لأول مرة، صحيفة مكتوبة باللغة الفرنسية. أخبرني أن اسمي ورد في الصحيفة ضمن قائمة الناجحين. ولأنه، رحمه الله، لم يكن يعرف اللغة الفرنسية، فقد اشترى الجريدة وأخذها إلى أحد أصدقائه، طالبًا منه أن يدله على اسمي بين الأسماء المنشورة. كانت فرحته عارمة، وكانت فرحتي كبيرة بدوري، ولا سيما أنني أدركتُ مدى اهتمامه بنجاحي وحرصه على أن أواصل دراستي الجامعية. ولم تكن تلك اللحظة مجرد إعلان عن النجاح، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن إيمان والدي بأهمية التعليم، واستعداده لبذل كل ما يستطيع حتى أتابع مساري الدراسي.

من التفكير في الطب إلى اختيار الزراعة

أتاحت لي متابعة الدراسة الجامعية فرصة الانتقال، لأول مرة، من جنوب المغرب إلى شماله، وتحديدًا إلى مدينة الرباط. وقد وضعتُ في البداية ملف ترشحي بكلية الطب، انسجامًا مع اهتمامي بالعلوم التجريبية ورغبتي السابقة في ولوج المجال الطبي. غير أن لقاءاتي ببعض الأصدقاء والطلبة في معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة عرّفتني بآفاق التكوين الزراعي وأهميته. كما أن المعهد كان يوفر للطلبة ظروفًا ملائمة لمتابعة الدراسة، من بينها المنحة والإقامة والتغذية، وهو ما خفف عني الأعباء المادية وسهّل عليّ اتخاذ قرار الالتحاق به. كنتُ واحدًا من نحو أربعمائة طالب التحقوا بالمؤسسة في ذلك الموسم، ثم أصبحتُ واحدًا من أربعين طالبًا اختاروا شعبة الزراعة، ضمن مسار دراسي امتد ست سنوات.

تكوين شاق وممتع ومتعدد الأبعاد

يمكنني وصف الدراسة في معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة بأنها كانت شاقة وممتعة ومتعددة المعارف في الوقت نفسه. فقد تميزت السنوات الأولى بكثرة المواد وتنوعها، ولا سيما خلال السنوات الثلاث الأولى، قبل أن ننتقل تدريجيًا إلى مرحلة التخصص. وأعتقد أن المسؤولين الذين وضعوا البرامج الدراسية وأشرفوا على تلقيننا مختلف المواد كانوا يمتلكون رؤية بعيدة المدى؛ إذ لم يقتصر تكويننا على الدروس النظرية والتطبيقات العلمية داخل المؤسسة، بل شمل أيضًا تداريب ميدانية أتاحت لنا التعرف عن قرب إلى النظم الزراعية السائدة في مختلف مناطق المغرب. وقد مكّننا هذا التكوين من اكتشاف جغرافية البلاد وتنوعها، وفهم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية للمجتمعات المحلية، ولا سيما أوضاع الفلاحين. وبذلك لم يكن المعهد يكوّننا في العلوم الزراعية فحسب، بل كان يساعدنا أيضًا على قراءة الواقع المغربي وفهم العلاقة الوثيقة بين الأرض والإنسان والتنمية.

المعهد فضاء للتنوع الثقافي

لم تقتصر الحياة داخل المعهد على الدراسة والتداريب، بل كانت أيضًا تجربة إنسانية وثقافية غنية، جمعت طلبة ينحدرون من مختلف جهات المغرب. وأتذكر أنني أسهمتُ، سنة 1975، في إدخال تقليد ثقافي جديد إلى المؤسسة، تمثل في تنظيم أمسيات للطلبة ليلة السبت، تُقدَّم خلالها الأهازيج والفنون الشعبية التي تزخر بها مناطقهم. وقد شاركت في هذه الأنشطة فرق تمثل ألوانًا متعددة من التراث المغربي، من بينها فن أحواش لدى أبناء سوس، وأحيدوس، والركادة، إلى جانب مجموعات وفنون شعبية أخرى قدمها طلبة ينحدرون من مناطق مختلفة من البلاد. كان ذلك التنوع ممتعًا وغنيًا، وجعل من المعهد فضاءً للتعارف والتبادل الثقافي، وأتاح لنا اكتشاف غنى الموروث المغربي إلى جانب تكويننا العلمي والمهني.

نحو التخصص في علم الوراثة والتحسين الوراثي

في السنة الرابعة من الدراسة، حالفني الحظ فكنتُ من بين الطلبة الذين أُتيحت لهم فرصة التوجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية لاستكمال جانب من تكوينهم. وفي يونيو 1978، التحقتُ بجامعة مينيسوتا، حيث تخصصتُ في علم الوراثة والتحسين الوراثي. وقضيتُ هناك عامًا ونصف العام، تابعتُ خلاله دروسًا نظرية وتطبيقات علمية أسهمت في تعميق معارفي وتحديد المجال الذي سأواصل فيه مساري العلمي والمهني. وفي دجنبر 1979، عدتُ إلى معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة لإنجاز بحثي الميداني، الذي تُوِّج بحصولي على دبلوم مهندس دولة في مجال التحسين الوراثي.

بصمة المسار

لم يكن انتقالي من أكادير إلى الرباط، ثم إلى جامعة مينيسوتا، مجرد عبور بين مؤسسات تعليمية متباعدة، بل كان انتقالًا من حلم أول بدراسة الطب إلى اكتشاف مساري في علوم الزراعة والوراثة. وقد أسهم دعم أسرتي، وصلابة التكوين الذي تلقيته، وانفتاحي على الواقع الميداني والتنوع الثقافي في بناء شخصيتي العلمية، وفي ترسيخ قناعتي بأن المعرفة لا تنفصل عن فهم الأرض والإنسان.

د. أحمد عمري
في هذا الفيديو

يستعيد د. أحمد عمري في الحلقة الثالثة مرحلة حاسمة من مساره الدراسي، بدأت بثانوية يوسف بن تاشفين بأكادير، ومرّت بلحظة نجاحه في البكالوريا وفرحة والده بذلك، ثم انتقاله إلى الرباط والتحاقه بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة. كما يتحدث عن طبيعة التكوين العلمي والميداني داخل المعهد، وعن تنوعه الثقافي، قبل أن يروي تجربة سفره إلى الولايات المتحدة وتخصصه في علم الوراثة والتحسين الوراثي بجامعة مينيسوتا.

==================

مقالات الكاتب ذات الصلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى