مع الاستاذ ابراهيم أعبيدي : حول طبيعة الإصلاح -34- و -35- و-36-

مرآة لإصلاح الحال (103).
صيد الفكرة الثالثة، حول طبيعة الإصلاح.

-34-
أكادير في 05 يناير 2023
هذا، مع أن مِن بين متصدري تلك الحركة، يبرز كثير من بقايا اليسار الذي لا يتورع، في الجهار، عن الصدام مع ثابت عقيدة ذاك “الشعب”، وما يتشبث به من قطعيات الإيمان، كما أن من بينهم إسلاميين يطعنون في ثابت مَلَكِيته التي اختارها منذ أن اعتنق دين الاسلام، ولا يقبلون أن يشاركوا أحدا، لو أنهم تمكنوا من احتلال كرسي صُنْعِ واتخاذ القرار. بل يمكن القول في أحسن الأحوال: إننا أمام أخلاط من أشباه المتنكرين في الظلام، الله أعلم بمدى ما بينهم من شدة الاختلاف وقلة الانسجام. لو وقع، لا قدر الله، فراغ في القمرة، لا يُدرى مدى ما قد يحيق بسكان السفينة مِن عذاب فتنة الاحتراب والصدام، و تدهورِ الوضع واعتلال الحال، والتحول إلى سوء المآل، وإفساح المجال لتدخُّل المتربص بالخارج، من وراء ستار، على سبيل الاستقواء والاستنصار.

وانظر، في هذا، إلى ما وقع لدى أشقائنا، في البلدان التي تمكنت فيها تداعيات الثورة مِن خَرْمِ النظام، وإشاعة الفوضى، وإضعاف وتفكيك مؤسسات الدولة، وتخريب العمران، والدخول في دوامة الاقتتال، وترويع وتشريد وتجويع وتقتيل الأبرياء، وتخريب للعمران. ولعل أخطر ما في مفهوم الإصلاح عن طريق الثورة كخيار، هو أنه يجعلنا نتصورها مجرد طفرة، يتولد عنها، حتما، ما نؤمله من أحلام، وينجم عنها، عاجلا في الحال، ما ننشد تَحَقُّقَه مِن نموذج ومثال؛ في حين يصعب التنبؤ بما قد تتخذه من مسار، وتؤول إليه مِن مآل، يتدخل في صُنعهِ أكثر من فاعل في الميدان.
لذلك فإن اختزال وِجْهة الثورة في هدفٍ للإصلاح جميل سامٍ، ترعاه وتُوجهه الإرادةُ الجماعية للشعب، في جميع الأحوال؛ هو اختزال لا يلبث أن يُرى له حادثُ اصطدامٍ، ويُسمع له صوتُ ارتطام بصخرة التعطش إلى امتلاك السلطة، والتناحر من أجلها، بين “الإخوة” الثوار، باعتبار ما تُتيحه أجواء الثورة مِن فرصة تُنْتهَزُ مِن طرف أيٍّ كان. وذلك، باستغلال ما يعتري الشارع من غليان، ومن حماسة وسكرة الاشتياق إلى الانعتاق وتحقق الأحلام، وإحسان الظن بكل ناعق بدعوى الإصلاح، من فوق المنصة المنصوبة في الميدان، مع ما قد يُخَلّفه ذلك من أجواء اضطراب مؤشر الأمان، ومِن انخرام للنظام، ومن حالِ الفوضى وانعدام الاستقرار.
مرآة لإصلاح الحال (104).
صيد الفكرة الثالثة، حول طبيعة الإصلاح.

-35-
أكادير في 06 يناير 2023
ولو قمنا بمسحٍ سريع لكثير من الوقائع والمواقف لدى الأجيال التي تأخر بها، في ديارنا، الزمانُ، لوجدنا أن المرجع المثال، الذي يظهر أنه يؤطر فكرة الإصلاح بالثورة، في الأذهان، هما ثورتان اثنتان: الأولى هي الثورة الفرنسية، صاحبة شعار الحرية والمساواة والأخوة، التي وقعت في بلاد الغال، آخر القرن الثامن عشر بالتقويم الغريغوري للزمان، باعتبارها ثورةً قادتها الطبقة “البورجوازية” قصد التحرر من طغيان واستعباد طبقة الإقطاع أو الفيودال، كما يقال. والثانية هي الثورة البلشفية، التي وقعت بعدها بروسيا القيصرية، تنفيذا لأفكار مُنَظِّر الشيوعية كارل ماركس، فيلسوف الألمان، ومؤلف كتاب الرأسمال، باعتبارها ثورةَ تحررِ لطبقة العمال، من ظلم الطبقة المستقوية باحتكار فائض القيمة، ومراكمة رأس المال.

وإن وقوفنا على طبيعة كل منهما، ولو باختصار، قد يفيد في استبصار العلاقة بين ما يميز الثورة من اندفاع وميل إلى الصدام، باعتبارها، في الأصل، ردَّ فعلٍ من ردود الأفعال، يرفع شعار إصلاح الحال بالقضاء على الظلم والطغيان، وتحقيق العدالة، على مستوى تدبير الشأن العام، وبين ما تتبنى من أفكار لها اتصال بالتطرف في الرأي والتحريض على العنف والإسراف في سفك الدماء، والاستئصال، وبنزعة الإجهاز على المخالف من الأغيار، وشيطنة كل من اختار خلاف ما عليه أصحابها مِن مواقف وأفكار. وذلك، باسم مواجهة واجتثات ما طال، في جسم المجتمع، من فساد واختلال، وقطعِ الطريق على أعداء الثورة حتى لا يخربوا ما يشيده الثوار.
فالثورتان، مِن وجهٍ ثان، قائمتان على فكرة الصراع، باعتباره حتميا وفي استمرار، إذا لم تتم المبادرة إلى القضاء على طرفه الآخر بالطمس والاستئصال. ومن هذا الوجه، فإن قيام الثورة يبقى من حيث المآل، له احتمالان، فإما أن تتحقق كانقلاب، يكون أحيانا، مكتمل الأركان، ضد شرعية نظام الحكم القديم في بلد من البلدان، ولا يلبث أن ينتج عنها ديكتاتور بلباس شرعية جديدة، تجعل منه في أعلى مقام، باسم مجلس الثورة، ويمارس الإصلاح أو، بالأحرى، التغيير، بقوة الحديد والنار؛ وإما أن تتكافأ فيها قُوَّتا الطرفين المتصارعين، فتتحول إلى حرب أهلية قد تظل قائمة، كحرب داحس والغبراء، ردحا من الزمان، تستنزف ما للمجتمع من موارد باهضة الأثمان، وتشيع فيه عذاب القتل والدمار.
مرآة لإصلاح الحال.(105).

-36-
أكادير في 7 يناير 2023.
رغم أنها ترفع شعار المساواة والحرية كاختيار (اي فرنسا). وما حمايتها ودعمها للتهجم على الإسلام، وخاصة على شخص نبيه سيد الأطهار، ومناهضتها للحجاب أو الخمار، وتعنتها في منعه بإصرار، حتى ولو باستغلال ما للقضاء من سلطان، وتوجيه مُبطَّن التهديد إليه ومقَنَّع الاتهام،..، باسم حماية مبادئ الجمهورية من أن تنتهك وتُهان، إلا مظهرا من مظاهر ذلك الغول الذي ظل يطل بهام الإرهاب من لباس تلك الثورة، ولا يزال!
ذ ابراهيم أعبيدي
أما الثورة الفرنسية، التي استمر لهيبها عقدا كاملا من الزمان، فقد كان الفصيل السياسي الأكثر نفوذا فيها هم اليعاقبة الذين، بقدر ما دعوا إلى مبادئ وقيم المواطنة و الحرية والمساواة، ونشر حقوق الإنسان، بقدر ما تحولوا، بزعامة روبسبيير، زعيم أهل الجبل أو المونتنيار- الذي ينسب إليه أنه قال: إن الجمهورية لا تقوم إلا بإبادة مخاليفيها، إلى كيان ثوري اكثر تطرفا ودموية، حتى في حق من معه من الثوار، حيث كان القتل، بالمقصلة، بمجرد الشبهة واختلاق صك الاتهام، مسلطا على عشرات الآلاف من الأبرياء باسم حماية الثورة من “المتربصين الأشرار”، في سلسلة من جرائم ضد الإنسانية وحقوق الإنسان، يشمئز منها الضمير وتقشعر منها الأبدان. وذلك ابتداء من قطع رأسي الملك والملكة والقساوسة والرهبان، إلى سحل وقتل أبسط فرد من العوَام.

ولم يسلم مِن رهاب تلك المقصلة الثورية، حتى أقرب الأقران، من الإخوة في النضال؛ حتى لقد سُمي عهد حكمهم- أو بالأحرى تحكُّمهم- بعهد الإرهاب، أو فترة الأهوال. وهما عهد وفترة أُريدَ لوثائقهما، بشكل عام، أن تظل مغمورة ومطموسة في الظلام. ورغم أن أمر الثورة قد آل في آخر مراحلها إلى دعم الانقلاب العسكري لنابليون، أحد الضباط الكبار، للتحول إلى دكتاتورية لتوجيه ذلك الاندفاع القتّال لإقامة إمبراطورية بدءا من الجوار، بالقيام بأكبر عملية توسع واستعمار، في حق شعوب أخرى من جنس الإنسان،كما حدث لإخوتنا في الجوار؛ يتم معاملتهم معاملة تتنكر لما رفعته تلك الثورة من احترام مبادئ حقوق الإنسان؛ فإن العقيدة اليعقوبية لاتزال حاضرة بشكل فعال في نظام حكم الجمهورية الفرنسية وإلى الآن.

تلك العقيدة التي ترفض الاعتراف بالحق في الاختلاف للأغيار، وتتمعض من ممارستهم لحرياتهم في الاختيار، رغم أنها ترفع شعار المساواة والحرية كاختيار. وما حمايتها ودعمها للتهجم على الإسلام، وخاصة على شخص نبيه سيد الأطهار، ومناهضتها للحجاب أو الخمار، وتعنتها في منعه بإصرار، حتى ولو باستغلال ما للقضاء من سلطان، وتوجيه مُبطَّن التهديد إليه ومقَنَّع الاتهام، على لسان أعلى سلطة سياسية في تلك الديار، باسم حماية مبادئ الجمهورية من أن تنتهك وتُهان، إلا مظهرا من مظاهر ذلك الغول الذي ظل يطل بهام الإرهاب من لباس تلك الثورة، ولا يزال!
ذ. ابراهيم أعبيدي، كاتب و مفكر وبرلماني سابق
مقالات الكاتب السابقة :




