Uncategorized

التعليم في المغرب في ميزان المقارنة الدولية ج 3 : مع دول الأمريكتين

د. الحسن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي


الملخص

يقدّم هذا الجزء الثالث مقارنة تحليلية لوضعية التعليم في المغرب مع دول أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية، اعتمادًا على مؤشرات جودة التعلم، والاستمرار الدراسي، والفقر التعلمي. وتُظهر المعطيات أن المغرب يسجل نسبًا مرتفعة من التلاميذ دون الحد الأدنى في القراءة والرياضيات، تتراوح بين 70 و80 في المائة، مع فقر تعلمي يقارب 60 في المائة، وهو ما يعكس ضعف اكتساب المهارات الأساسية منذ المراحل الأولى. في المقابل، تحقق دول أمريكا الشمالية، خاصة كندا والولايات المتحدة، نتائج أفضل بكثير، حيث تنخفض نسبة التلاميذ دون الحد الأدنى إلى ما بين 15 و35 في المائة، مع معدلات مرتفعة في إتمام التعليم الثانوي تتجاوز 85 في المائة.أما في أمريكا اللاتينية، فتظهر صورة وسطية، حيث تسجل دول مثل تشيلي والأرجنتين مستويات أفضل من المغرب، مع نسب أقل في الفقر التعلمي تتراوح بين 25 و35 في المائة، رغم استمرار تحديات التفاوت الاجتماعي. في حين تبقى دول أخرى مثل البرازيل والمكسيك أقرب إلى المغرب، لكنها تسجل تحسنًا تدريجيًا في بعض المؤشرات. وتُبرز هذه المقارنة أن الفارق لا يرتبط فقط بمستوى التنمية، بل بفعالية السياسات التعليمية، خاصة في ما يتعلق بالقراءة المبكرة، وتكوين المعلمين، واستقرار المناهج، والدعم الفردي للتلاميذ.

وتُظهر المقارنة المرتبطة برواتب المعلمين نسبةً إلى الدخل الفردي مفارقة مهمة، إذ يتقاضى المعلم في المغرب أجرًا يعادل ما بين 2.5 و3.5 مرات من متوسط الدخل الفردي، وهي نسبة تفوق ما هو مسجل في بعض الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة وكندا. ورغم ذلك، لا تنعكس هذه الأفضلية النسبية على جودة التعلم، حيث يظل أداء التلاميذ ضعيفًا مقارنة بهذه الدول. ويؤكد ذلك أن مستوى الأجور، رغم أهميته، لا يُعد عاملًا حاسمًا بمفرده، بل يرتبط تأثيره بمدى فعالية توظيفه داخل منظومة تعليمية متكاملة تشمل جودة التكوين، وظروف العمل، واستقرار السياسات التعليمية. ويخلص التحليل إلى أن تحسين جودة التعليم في المغرب يتطلب التركيز على المهارات الأساسية وتقوية المدرسة العمومية، مع تعزيز فعالية السياسات التعليمية لضمان تحويل الموارد المتاحة، بما فيها أجور المعلمين، إلى نتائج ملموسة في مستوى التعلم وتكافؤ الفرص.

الكلمات المفتاحية: المغرب – جودة التعليم – المقارنة الدولية-الامريكتين | Morocco – Education Quality International Comparison-Americas

Summary

his section provides a comparative analysis of Morocco’s education system with those of North America and Latin America, using indicators of learning quality, educational attainment, and learning poverty. The data show that Morocco records high shares of students below minimum proficiency in reading and mathematics (70–80%), with learning poverty around 60%, reflecting weak acquisition of basic skills from early stages. In contrast, countries such as Canada and the United States achieve significantly better outcomes, with only 15–35% of students below minimum levels and secondary completion rates exceeding 85%. In Latin America, results are more mixed. Countries like Chile and Argentina outperform Morocco, with lower learning poverty rates (25–35%), while others such as Brazil and Mexico remain closer to Morocco but show gradual improvement. These differences highlight that educational performance depends less on income levels than on the effectiveness of policies, particularly in early reading, teacher training, curriculum stability, and targeted student support.

The comparison of teacher salaries relative to GDP per capita reveals an important paradox: Moroccan teachers earn between 2.5 and 3.5 times the average income, a higher ratio than in some advanced countries. However, this does not translate into better learning outcomes, indicating that salaries alone are not decisive. Ultimately, improving education quality in Morocco requires stronger focus on foundational skills, a more effective public education system, and better use of available resources to enhance learning outcomes and equity.


مقارنة المغرب مع أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية

يُظهر الجدول المقارن 3 الذي يضم المغرب والولايات المتحدة وكندا وعددًا من دول أمريكا اللاتينية صورة تحليلية مهمة لموقع النظام التعليمي المغربي في سياق أوسع يشمل أنظمة تعليمية متقدمة وأخرى نامية. وتعتمد القراءة المنهجية لهذا الجدول على ثلاثة مؤشرات رئيسية مترابطة كما العادة نفصل فيها في التالي : يبيّن المؤشر الأول، المتعلق بإتمام التعليم الإعدادي، أن المغرب يسجل مستويات منخفضة نسبيًا تتراوح بين 45 و50 في المائة، وهي أقل بكثير من الولايات المتحدة وكندا، حيث تتجاوز النسبة 90 في المائة، كما تبقى أدنى من أغلب دول أمريكا اللاتينية مثل تشيلي وكولومبيا والمكسيك.

جدول 3 : مقارنة المغرب بدول إفريقية وآسيوية صاعدة

الدولةالسكان (مليون)إتمام الإعدادي %إتمام الثانوي %تحت المستوى 2 قراءة PISA %تحت المستوى 2 رياضيات %الفقر التعلمي %ملاحظات
المغرب3745–5025–3070–8075–85~60فجوة تعلم مبكرة
الولايات المتحدة33392–9585–9030–3535–40~20تفاوت اجتماعي قوي
كندا4095–9790–9315–2020–25~10نظام مستقر قوي
تشيلي1990–9275–8045–5050–55~30الأفضل في أمريكا اللاتينية
أوروغواي3.588–9070–7545–5050–55~25نظام صغير متماسك
المكسيك12880–8555–6060–6565–70~45تفاوت كبير
البرازيل21575–8050–5565–7070–75~50تحسن تدريجي
كولومبيا5282–8560–6555–6060–65~35إصلاحات حديثة

PISA هو اختصار لـ Programme for International Student Assessment أي: البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ، ويشرف عليه Organisation for Economic Co-operation and Development. يُجرى هذا الاختبار كل ثلاث سنوات تقريبًا، ويستهدف التلاميذ في سن 15 سنة ( تحتوي العينة من 4000 الى 8000 تلميذ بالمغرب)، أي في نهاية التعليم الإلزامي تقريبًا، بغض النظر عن المستوى الدراسي. ويهدف إلى قياس القدرة على توظيف المعرفة في الحياة اليومية، وليس فقط حفظ الدروس. يُقسم الأداء إلى مستويات من 1 إلى 6: المستوى 2 = الحد الأدنى المقبول دوليًا أقل من المستوى 2 = ضعف في المهارات الأساسية المستوى 5 و6 = تفوق عالٍ ولهذا عندما يُقال: “70% من التلاميذ تحت المستوى 2” فهذا يعني أن أغلبية التلاميذ لا يمتلكون المهارات الأساسية للحياة الدراسية والعملية

ويعكس هذا المعطى أن جزءًا مهمًا من التلاميذ في المغرب يغادرون المسار الدراسي قبل نهاية التعليم الإلزامي، وهو ما يشكل نقطة ضعف بنيوية تؤثر على باقي المؤشرات. ويؤكد هذا الاتجاه مؤشر إتمام التعليم الثانوي، حيث لا تتجاوز النسبة في المغرب حوالي 25 إلى 30 في المائة، مقابل أكثر من 85 في المائة في الولايات المتحدة، وحوالي 90 في المائة في كندا، وبين 50 و80 في المائة في دول أمريكا اللاتينية. ويكشف هذا الفارق أن الفجوة التعليمية لا تتعلق فقط بالولوج إلى المدرسة، بل بقدرة النظام التعليمي على الاحتفاظ بالتلاميذ وضمان انتقالهم بين المراحل.

غير أن ارتفاع نسب الإتمام لا يعني بالضرورة جودة تعليمية مرتفعة، وهو ما يبرر إدماج مؤشر الأداء في القراءة ضمن الاختبارات الدولية. ويُظهر الجدول أن نسبة التلاميذ دون الحد الأدنى في القراءة مرتفعة في المغرب، حيث تتراوح بين 70 و80 في المائة، وهي أعلى من الولايات المتحدة التي تسجل حوالي 30 في المائة، وأعلى بكثير من كندا التي تنخفض فيها النسبة إلى أقل من 20 في المائة. كما أن هذه النسبة تبقى مرتفعة أيضًا في عدد من دول أمريكا اللاتينية مثل البرازيل والمكسيك، لكنها تظل أقل من المغرب في المتوسط. ويعني ذلك أن جزءًا كبيرًا من التلاميذ في المغرب يصلون إلى مستويات دراسية متقدمة دون امتلاك مهارات القراءة الأساسية، وهو ما ينعكس لاحقًا على تعلم الرياضيات والعلوم.

ويؤكد مؤشر الأداء في الرياضيات هذا الاتجاه، إذ يسجل المغرب نسبًا مرتفعة من التلاميذ تحت الحد الأدنى، تقارب 75 إلى 85 في المائة، مقابل حوالي 35 إلى 40 في المائة في الولايات المتحدة، ونحو 20 إلى 25 في المائة في كندا. كما تتراوح هذه النسبة بين 50 و70 في المائة في دول أمريكا اللاتينية، ما يضع المغرب في موقع قريب من الأنظمة التعليمية الأضعف في هذه المنطقة. ويشير ذلك إلى أن ضعف التفكير التحليلي وحل المشكلات يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه التعليم في المغرب، وهو ما يرتبط بدوره بضعف القراءة المبكرة وثقافة الحفظ.

ويكتسب مؤشر الفقر التعلمي أهمية خاصة لأنه يقيس جذور المشكلة. فالمغرب يسجل نسبة تقارب 60 في المائة من الأطفال غير القادرين على قراءة نص بسيط في سن العاشرة، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالولايات المتحدة التي تدور حول 20 في المائة، وكندا التي تنخفض إلى نحو 10 في المائة، بينما تتراوح في دول أمريكا اللاتينية بين 30 و50 في المائة. ويشير هذا المعطى إلى أن الفجوة التعليمية في المغرب تبدأ في السنوات الأولى من التعليم الابتدائي، قبل أن تتوسع تدريجيًا خلال المسار الدراسي.

ومن جهة أخرى، يتيح إدماج عدد السكان قراءة إضافية لهذه الفوارق. فالولايات المتحدة والبرازيل والمكسيك دول ذات كثافة سكانية كبيرة، ومع ذلك تحقق نتائج تعليمية أفضل من المغرب في معظم المؤشرات، وهو ما يدل على أن العامل الديمغرافي ليس العامل الحاسم في جودة التعليم. كما أن كندا، رغم عدد سكانها المحدود، تحقق نتائج مرتفعة، ما يعكس أهمية الحوكمة التعليمية واستقرار السياسات البيداغوجية. ويؤكد ذلك أن الفوارق التعليمية تعود أساسًا إلى فعالية النظام التعليمي، وليس إلى حجم السكان فقط. وتقود هذه القراءة إلى استنتاج أساسي مفاده أن موقع المغرب في هذا الجدول يتميز بضعف مزدوج يتمثل في انخفاض الاستمرار الدراسي وضعف جودة التعلم مقارنة بكل من أمريكا الشمالية وأغلب دول أمريكا اللاتينية. فالمغرب يتأخر بشكل واضح عن الولايات المتحدة وكندا في جميع المؤشرات، كما أنه يظل قريبًا من الدول اللاتينية ذات الأداء المتوسط أو الضعيف، مثل البرازيل والمكسيك، وأدنى من الدول التي نجحت في تحسين نظمها التعليمية مثل تشيلي وأوروغواي. ويعكس ذلك فجوة بين التمدرس والتعلم، حيث يرتفع الولوج إلى المدرسة دون أن يقابله تحسن مماثل في الكفايات الأساسية.

وتشير هذه النتائج إلى أن إصلاح التعليم في المغرب يتطلب التركيز على جودة التعلم في السنوات الأولى، وتعزيز القراءة المبكرة، وتحسين تكوين المعلمين، وتقليص الاكتظاظ، إضافة إلى تطوير مسارات تعليمية متنوعة تقلل من الهدر المدرسي. كما تُظهر التجارب المقارنة في أمريكا اللاتينية أن التحسن ممكن عبر إصلاحات تدريجية تركز على المناهج والتقييم والدعم التربوي. ويؤكد ذلك أن الفجوة التعليمية ليست قدرًا ثابتًا، بل نتيجة خيارات مؤسسية يمكن معالجتها من خلال سياسات تعليمية متكاملة تستهدف جوهر العملية التعليمية داخل الفصل الدراسي.

تأثير راتب المعلم مقارنة بالدخل الفردي على التعليم

تكشف هذه المقارنة مفارقة أساسية في تحليل جودة التعليم. فعند النظر إلى الأجور المطلقة (جدول 4)، يبدو أن المعلم في المغرب يتقاضى دخلًا منخفضًا مقارنة بنظيره في أمريكا الشمالية، غير أن ربط الأجر بالدخل الفردي يُظهر صورة مختلفة، حيث يتقاضى المعلم المغربي ما يعادل بين 2.5 و3.5 مرات من متوسط الدخل الفردي، وهي نسبة أعلى من تلك المسجلة في الولايات المتحدة (أقل من مرة واحدة) وكندا (حوالي مرة واحدة).

جدول 4 : راتب المعلم مقارنة بالدخل الفردي

الدولةراتب المعلم الثانوي ($ سنوي)الدخل الفردي ($)النسبة (مرات)قراءة سريعة
المغرب10k – 14k~3,8002.5 – 3.5مرتفع نسبيًا
الولايات المتحدة60k – 70k~75,0000.8 – 0.9أقل من المتوسط
كندا55k – 65k~55,0001.0 – 1.2متوازن
تشيلي22k – 30k~16,0001.4 – 1.8جيد
الأوروغواي18k – 24k~17,0001.1 – 1.4متوسط
المكسيك15k – 22k~10,0001.5 – 2.2مرتفع نسبيًا
البرازيل14k – 20k~9,0001.5 – 2.2مرتفع نسبيًا
كولومبيا14k – 21k~8,0001.7 – 2.5مرتفع

ويعني ذلك أن المعلم في المغرب، من حيث القوة النسبية داخل الاقتصاد، لا يُعد بالضرورة أقل أجرًا مقارنة ببعض الدول المتقدمة، بل قد يكون في وضع نسبي أفضل من حيث المقارنة بالدخل العام. غير أن هذه المعطيات لا تنعكس على مؤشرات جودة التعلم، حيث يسجل المغرب مستويات مرتفعة من التلاميذ دون الحد الأدنى في القراءة (70–80%) مقارنة بدول مثل كندا (أقل من 20%). وتؤكد هذه المفارقة أن الأجور، رغم أهميتها، لا تفسر وحدها جودة التعليم. فدول مثل تشيلي أو كولومبيا، التي تمنح نسبًا جيدة للمعلمين مقارنة بدخلها الفردي، تحقق نتائج أفضل من المغرب، لكنها تظل دون مستويات الدول المتقدمة. كما أن الولايات المتحدة، رغم انخفاض النسبة، تحافظ على نتائج أفضل بكثير.

ويُستنتج من ذلك أن العامل الحاسم لا يكمن فقط في مستوى الأجر، بل في كيفية توظيف الموارد داخل النظام التعليمي، من خلال جودة تكوين المعلمين، واستقرار المناهج، وتقليص الاكتظاظ، وتحسين بيئة التعلم داخل الفصل. وبذلك، فإن العلاقة بين الأجور وجودة التعليم علاقة غير مباشرة، وتخضع لتأثير منظومة متكاملة تحدد فعالية العملية التعليمية ونتائجها.


مقالات الكاتب ذات الاصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى