الهروب من القيد إلى أفق الفكر: البدايات الثقافية للدكتور الشنقيطي-الجزء الثاني-

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي
——-
ملخص
استمعتُ بإنصاتٍ عميق إلى هذا الجزء الثاني من الحوار الشيق مع الدكتور محمد المختار الشنقيطي، وشعرتُ أنني لا أتابع مجرد سيرة ذاتية، بل أرافق رحلة روحٍ قلقة في بحثها المستمر عن المعنى، وعقلٍ لا يهدأ أمام الأسئلة الكبرى. هنا لا نقرأ تاريخًا شخصيًّا فحسب، بل نشهد تشكّل وعيٍ فكريّ وإنسانيّ عبر محطات متداخلة من الحرمان والتمرّد، والعلم والحرية، والشعر والألم.
في هذا الجزء من الحوار، نتابع ملامح التحوّل العميق في شخصية الدكتور محمد المختار الشنقيطي، حيث تتقاطع المحظرة مع الأدب، والتمرّد مع الطاعة، والعلم مع الحرية. نراه فتىً يهرب من قسوة التكرار لا كرهًا للعلم، بل شوقًا إلى الاختيار، ويجد في حكمة والده درسًا مبكرًا في أن المعرفة لا تُثمر إلا إذا كانت نابعة من الإرادة. ومع الثانوية العامة، ينفتح أمامه عالم الأدب الحديث، فيقع أسير الشابي وإيليا أبو ماضي، ويبدأ وعيه الجمالي والفلسفي في التشكل. ثم تأتي الجامعة لتكشف عن نزعة نهمة لا تعرف الاكتفاء، فيجمع بين الفقه والترجمة واللغات. وفي مدينة العيون يولد الشاعر من رحم التجربة العاطفية الأولى، ويبدأ السؤال الحضاري مع مالك بن نبي ودراز. ثم يُفضي به القلق إلى صنعاء، حيث تتكثف التجربة العلمية والفكرية، وتبدأ ملامح المفكر الإشكالي في الظهور. هنا، تتبلور شخصية لا تهدأ، ولا تتوقف عن السؤال.
هذا هو الشنقيطي في شبابه: هارب من القيد، عاشق للحرف، تلميذ للحرية، ومقيم دائم على تخوم السؤال. ومن هنا تبدأ الحكاية الأكثر إغراءً… الحكاية التي ستقوده من الشعر إلى الجدل، ومن التعليم إلى السجن، ومن صنعاء إلى أمريكا، ثم إلى خريطة الفكر العربي المعاصر.

النص الثاني للحوار
الصحفي أحمد فال: هنا أود أن أسمع منك شيئًا: أنت الآن تقريبًا دخلتَ مرحلة المراهقة وتجاوزتها، حفظتَ القرآن الكريم عند الشيخ أحمد الخليل، حصلتَ على الإجازة، أتممتَ الشهادة الابتدائية، لديك مستوى ثقافي متين بالعربية من الوالد، ولديك علاقة ما بالثقافة الفرنسية أيضًا. متى بدأت بواكير الوعي الثقافي عندك في هذه المرحلة، قبل أن نذهب إلى الثانوية العامة والبكالوريا؟
د. محمد المختار الشنقيطي: في الحقيقة لم يكن عندي “وعي ثقافي” بالمعنى الواسع؛ كان كل ما لدي هو الدراسة التقليدية في المحظرة: المتون في الفقه المالكي، والنحو، وعلوم القراءات – ليس القراءات السبع كلها، بل قراءة الإمام نافع، وهي المتداولة في المغرب العربي. منها مثلاً نظم «دُرَر اللَّوَامِع في مقرأ الإمام نافع»، وما يتصل به من شروح وحواشٍ. لكن المشكلة أنني أتعبتُ والدي أيضًا بالهروب؛ فقد هربتُ مرة أخرى من المحظرة!
الصحفي أحمد فال: هكذا إذن… هارب محترف! ما الذي حدث هذه المرة؟
د. محمد المختار الشنقيطي: نعم، يمكن أن أسمَّى “هاربًا محترفًا”! تعبتُ من الغربة؛ عمري كان تقريبًا اثنتي عشرة سنة، والقرية التي أدرس فيها ليست قرية أهلي، فقلت: يكفيني من الدراسة، وقررتُ أن أعود إلى قريتنا. خرجتُ من قرية الشيخ إلى قريتنا الجُرَيْف. لم أكن أتوقع أن أجد الوالد موجودًا، لأنه يقضي أغلب وقته في المدينة، لكنني حين وصلت وجدته في البيت. قال لي: من الذي جاء بك؟ قلت: قررتُ أن أترك الدراسة. فقال: “خلاص، تعال…”؛ ولم يتركني أجلس! كنتُ قد مشيتُ حوالي ثلاثين كيلومترًا من قرية الشيخ إلى قريتنا، مشيًا على الأقدام؛ أخرج صباحًا وأصل قبيل العصر، وهي مسافة معتادة لكنّها رحلة شاقة. مع ذلك، لم يسمح لي أن أبقى؛ أخذني فورًا راجعًا إلى الشيخ.
الصحفي أحمد فال: والدك لا يضرب، أليس كذلك؟
د. محمد المختار الشنقيطي: نعم، الوالد لا يضرب أبدًا؛ لا يمدّ يده، بل يكتفي بالعتاب. ونحن في طريق العودة مررنا بقوم يعرفون الوالد، فأكرمونا، وأقسموا ألا يغادر إلا راكبًا بعيرًا من إبلهم؛ ألزموه أن يأخذ جملاً يبلّغنا به ثم يعيده. ركبنا الجمل، وركبتُ معه وهو راجع بي إلى الشيخ. كان الوالد يحب شعر المتنبي، ويحفظ منه كمية هائلة. وبينما نحن على ظهر الجمل يعاتبني على هروبي، قال لي: «ولم أرَ من عيوبِ الناسِ عيبًا…كنقصِ القادرينَ على التَّمامِ. يوجّهها إليّ مباشرةً: أنت قادر، لكنك تقصِّر عن التمام بالهرب وترك الدراسة.
أرجعني إلى الشيخ، لكن لا شعر المتنبي ولا مواعظ الوالد نفعوا. في صباح اليوم التالي، والوالد ما يزال في قرية الشيخ، هربتُ مرة أخرى ورجعت إلى قريتنا “الجُرَيف”. عند الظهر اكتشفوا أنّي غير موجود، فاستنفر الوالد والشيخ معًا وخرجا يطاردانني؛ كان الجو صيفًا وريح “السَّموم” شديدة، وخافا أن أموت عطشًا؛ فالناس تهلك في الصيف إذا ضلّت الطريق. طارداني حتى أمسكاني في منتصف الطريق. عندها قال الوالد للشيخ: “هو لن يعود معك. دعه يرجع بسلامة الله، وأنا أعاهد الله أني لا أُكرهه على شيء بعد اليوم”. الوالد فهمني تمامًا؛ فهم أنّي إذا أُجبرتُ على شيء فلن أقبله، ووفى بعهده حتى توفاه الله. تركني بعدها على سجيّتي. تركتُ المحظرة فترة، ثم رجعتُ إليها اختيارًا وبرغبة مني.
الصحفي أحمد فال: إذن كنت تحتاج فقط إلى إجازة، لا إلى ترك دائم؟
د. محمد المختار الشنقيطي: بالضبط… كنت فقط أحتاج إلى قليل من الراحة. ومن محاسن المحظرة -التي أذكرها دائمًا- أنها مؤسسة قائمة على الحرّيّة. تدرس ما تريد، في الوقت الذي تريد، وبحسب قدرتك الاستيعابية. قد أحفظ أنا ربعًا من القرآن في اليوم، وصديقي يحفظ ثُمُنًا، وآخر يحفظ نصف الثمن، وثالث يحفظ خمسة أسطر فقط. كلٌّ على قدرته، ولا أحد يؤخّر الآخر.
هذه المرونة مريحة جدًّا.
الصحفي أحمد فال: بعد هذه المرحلة نصل إلى مرحلة حاسمة في تكوينك: ذهابك لتحضير الشهادة الثانوية العامة (الباكالوريا)، حيث ستتعرف على عوالم ثقافية جديدة. حدّثنا عن هذه المرحلة.
د. محمد المختار الشنقيطي: قدّمتُ للثانوية العامة. النظام في موريتانيا كان يسمح بالترشّح الحرّ للثانوية، مراعاةً للذين انقطعوا عن الدراسة أو درسوا في المحظرة، وعددهم كبير. والتعليم الرسمي كان ضعيفًا، لا يستوعب الجميع. ترشّحتُ للثانوية العامة الأدبية، وحصلتُ عليها. وأهم ما اكتسبته منها: اكتشاف الأدب المعاصر. كنتُ أظن أن الأدب هو: شعر المتنبي، أو مقامات الحريري بشرح الشريشي، أو شعراء العصر الأموي والعباسي…هذا كان الأدب في ذهني. لكن حين حضرتُ للثانوية اكتشفتُ الرومانسيين العرب المعاصرين، وكان اكتشافًا ممتعًا جدًّا. أُعجبتُ بإيليا أبو ماضي، وبقاسم الشابي، وبشعراء المهجر.
الصحفي أحمد فال: وما الذي أعجبك في إيليا أبو ماضي؟
د. محمد المختار الشنقيطي: أعجبتني فلسفته في الحياة. إيليا أبو ماضي – في رأيي – لم أرَ أديبًا ولا فيلسوفًا جمع بين الشكّ والتفاؤل كما جمعهما هو. وصفه أحد الأدباء بأنه شاعر التساؤل والتفاؤل. نعم، هو شاعر شكّ، لكنه أيضًا متصالح مع حياته، متفائل، وداعٍ إلى الفرح. قصيدته الشهيرة الطلاسم… “جئتُ لا أعرف من أين… إلى آخره” قصيدة “اللا أدريات” كما يُسمّيها البعض. ثم عنده هذه النزعة الإنسانية الجميلة:
“ولقد نظرتُ إلى الحمامةِ في الرُّبى
فعجبتُ من حالِ الأنامِ وحالِها
تشدو وصائدُها يمدّ لها الردى
عجبٌ لمُحسنِها إلى مُغتالِها”
وأيضًا: “كم تشتكي وتقول إنك معدم؟….والأرضُ ملكُكَ والسماءُ والأنجمُ…” تفاؤله هذا أسرني. وربما أثّر فيّ لأني عشتُ فترة شكٍّ شخصيّة في حياتي، فأحببت منه القدرة على تجاوز الشك بالتسامح والضياء.
الصحفي أحمد فال: وماذا عن الشابي؟ يبدو أن علاقتك به أعمق.
د. محمد المختار الشنقيطي: أعمق بكثير…ولعتُ بالشابي لدرجة أنني حفظتُ ديوانه كله تقريبًا وأنا أحضّر للثانوية. تماهَيتُ معه، وأحببته حبًّا شديدًا.و انشغلتُ بديوانه عن بقية البرنامج الدراسي! كان ذلك في منتصف الثمانينيات: 1983 – 1984. كما أفدتُ كثيرًا من النقد الأدبي الحديث: العقّاد، والسيد قطب تحديدًا. أحببتُهما جدًا.
الصحفي أحمد فال: السيد قطب؟ دخلتَ إليه من باب الأدب لا الفكر الإسلامي؟
د. محمد المختار الشنقيطي: نعم. الناس يأتون إلى سيد قطب من باب الفكر الإسلامي، أما أنا فدخلت إليه من باب النقد الأدبي:
من كتابيه: «النقد الأدبي: أصوله ومناهجه» «كتب وشخصيات» ووجدت أن حاسته النقدية للشعر العربي نادرة جدًّا.
الصحفي أحمد فال: بعد نجاحك في الباكالوريا، دخلتَ عالمًا آخر: الجامعة، المعهد العالي، ومعهد ابن عباس. كيف جمعت بين ثلاث مؤسسات جامعية في الوقت نفسه؟
د. محمد المختار الشنقيطي: دخلتُ الجامعة بروح المحظرة: روح النَّهَم للعلم، والرغبة في دراسة كل شيء. في المحظرة لا يوجد شيء اسمه “تخصص”. أنت مطالب بأن تدرس كل العلوم، فيُخلَق داخلك شغفٌ واسع. هكذا كنتُ: سجّلتُ في ثلاث جامعات في الوقت نفسه: معهد ابن عباس، وأكملت منه الدراسة. قسم الترجمة في جامعة نواكشوط. المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية. كان نهمًا واضحًا، ورغبة حقيقية في التعلم بلا حدود.
الصحفي أحمد فال: تعالَ نأخذها خطوة خطوة… معهد ابن عباس: دخلتَه بمسابقة، أليس كذلك؟
د. محمد المختار الشنقيطي: نعم، دخلته بمسابقة. معهد ابن عباس كان يشترط شرطين: أن يكون المترشّح حافظًا للقرآن الكريم. وأن ينجح في المسابقة التحريرية والشفهية. ودخلته قبل أن أحصل على الثانوية العامة أصلًا؛ لأنه لم يكن يشترطها.
ثم حصلتُ على الثانوية العامة بعد ذلك بسنة تقريبًا وأنا طالب فيه. حينئذٍ سجّلتُ في جامعة نواكشوط -قسم الترجمة.
الصحفي أحمد فال: لماذا اخترتَ الترجمة؟ رجل قادم من المحظرة، توقعتُ أن تختار الشريعة أو العربية مثلًا.
د. محمد المختار الشنقيطي: الحق أنني لم أَخْتَر الترجمة بنفسي؛ هذا قرار اتخذه أخونا أبو إبراهيم محمد المختار الخليل -مدير “مركز الجزيرة للدراسات” اليوم- دون علمي!
الصحفي أحمد فال: كيف اتخذ القرار عنك؟
د. محمد المختار الشنقيطي: كنتُ مع عمي – رحمه الله – مقيماً معه في المستشفى، وأبو إبراهيم هو الذي كان يزورنا لأنني كنتُ مشغولًا بخدمة العم. قلت له: “هذا ملفي، سجّلني في جامعة نواكشوط في قسم الفلسفة”. كنتُ مولعًا بالفلسفة في تلك الفترة؛ قرأتُ كتبًا كثيرة في الفلسفة في المركز الثقافي السوري والمركز الثقافي المصري في نواكشوط، وأذكر منها سلسلة عبد الرحمن بدوي الطويلة «خلاصة الفكر الأوروبي» وغيرها، وتعرّفت من خلالها على نيتشه وشوبنهاور وغيرهما من الفلاسفة الذين كتب عنهم بدوي وسواه، فأحببتُ الفلسفة. ذهب أبو إبراهيم ليسجّلني في قسم الفلسفة، فالتقى بصديقٍ له هناك، فقال له الصديق: “يا أخي، عندنا قسم جديد نبحث له عن طلاب ولا نجد: قسم الترجمة؛ نشترط في الطالب أن تكون درجته جيدة في العربية والفرنسية معًا، ولم يَعُد لدينا طلاب يجمعون بين اللغتين”. وكانت درجتي في الفرنسية أعلى من درجتي في العربية في الثانوية العامة. فقال أبو إبراهيم: “اسمح لي أن أسجله في قسم الترجمة”. فقالوا له: “توكّل”. فسجّلني في قسم الترجمة دون أن يرجع إليّ. ثم عاد وقال لي: “أنا سجّلتك في قسم الترجمة”.
الصحفي أحمد فال: يا سلام عليك يا أبا إبراهيم! صاحب قرار حاسم.
د. محمد المختار الشنقيطي: نعم، أبو إبراهيم من أهل الحزم في القرارات (يبتسم).
الصحفي أحمد فال: إذن سُجِّلت في قسم الترجمة. ما طبيعة الدراسة فيه؟
د. محمد المختار الشنقيطي: في قسم الترجمة كان كل الطلاب مُلزَمين بالتدرب على الترجمة بين العربية والفرنسية، مع لغة ثالثة يختارها القسم: إمّا الإنجليزية، أو الإسبانية، أو الروسية، أو الصينية. وُضِعتُ أنا في مجموعة اللغة الروسية.
الصحفي أحمد فال: هم اختاروا لك، أم أنت اخترت الروسية؟
د. محمد المختار الشنقيطي: هم الذين وزّعوا الطلاب؛ قالوا: أنت صيني، أنت روسي، وهكذا… لم أُخَيَّر. وكان ذلك قبل سقوط الاتحاد السوفيتي؛ تقريبًا في أكتوبر 1987.
الصحفي أحمد فال: كيف كان وضعك مع هذه اللغات الثلاث: العربية، الفرنسية، الروسية؟
د. محمد المختار الشنقيطي: العربية ليست مشكلة، والفرنسية كنت أحتاج إلى تقوية فيها، لأني درستها في الابتدائية وانقطعت،
أما الروسية فلم أكن أعرف عنها شيئًا. لكنني تميّزت في اللغة الروسية؛ عكفت عليها وأحببتها، وفككتُ حروفها بسهولة، والحمد لله – ليست مثل س + ص في الرياضيات! أنا أصلًا أتعلم اللغات بسهولة، ولله الحمد. تميزتُ في الروسية، وبدأتُ حتى أحفظ شيئًا من شعرها، والأهم من ذلك أنني شُغِفتُ بالأدب الروسي خلال سنتَي دراستي للروسية.
الصحفي أحمد فال: كيف تعلّقتَ بالأدب الروسي تحديدًا؟
د. محمد المختار الشنقيطي: كانت أستاذتنا الروسية اسمها مايا ألكسيفنا، تُرافقنا إلى المركز الثقافي السوفيتي في نواكشوط لنقرأ الكتب هناك، وهناك اكتشفتُ أعلام الأدب الروسي الكلاسيكي بترجمات عربية وفرنسية. دخلتُ عالم الأدب الروسي، وانغمست فيه؛ قرأتُه مترجمًا طبعًا، فاللغة الروسية لم تَسَعْفني لقراءة النصوص الأصلية مباشرة، لكن الترجمات كانت ممتازة.
الصحفي أحمد فال: ما أبرز الترجمات والنصوص والشخصيات الروسية التي أثّرت فيك؟
د. محمد المختار الشنقيطي: أبدع من رأيتُ في ترجمة الأدب الروسي هو المترجم العراقي عبد الله حَبَّة – ولا يزال حيًّا فيما أعلم – (توفي سنة 2024) قرأتُ في أواخر الثمانينيات ترجماته، خصوصًا ترجمته لمجموعة قصص «الدروب الظليلة» للأديب الروسي إيفان بونين، وبعض ترجماته الأخرى. وهناك مترجم آخر هو طعمة فرمان – على ما أذكر – وهو مترجم رواية «الآباء والبنون»، رواية فلسفية جميلة أحببتها للأديب الروسي إيفان تورغينيف. وقرأتُ لبوشكين – الذي يُعدّ متنبي الأدب الروسي – وقرأتُ لتولستوي، ودوستويفسكي، وتشيخوف؛ بعضهم قرأتُ أعماله الكاملة أو معظمها، وبعضهم قرأتُ له مختارات.
أحببتُ الأدب الروسي وشغفتُ به شغفًا عجيبًا لعدة سنين. لا أدري هل كانت “سنوات ضائعة” أم جزءًا من البناء النافع، لكني أميل إلى أنها كانت نافعة.


الصحفي أحمد فال: بالتأكيد نافعة… في تلك السنوات – سنوات دراستك في المعهد العالي، ومعهد ابن عباس، وقسم الترجمة في جامعة نواكشوط – كان الجو الثقافي محتدمًا: مراكز ثقافية، اهتمام من الشباب، حديث في السياسة…كيف تصف لنا المشهد الثقافي الذي أثّر فيك آنذاك؟ وما سبب هذا الزخم؟
د. محمد المختار الشنقيطي: موريتانيا، في تقديري، من المجتمعات ذات الهويّة الحدودية – ما يسمونه بالإنجليزية Border Identity – فهي على تخوم التقاء المجتمعات العربية والأفريقية، مثل دول الساحل عمومًا من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر؛ ما يسميه أحد المؤرخين السودانيين “الحزام السوداني”. نحن جزء من هذا الحزام؛ أوله مظهر بشري وثقافي من التنوّع،
وثانيه أننا -كما أحب أن أقول- موريتانيا مثل خيمة في الصحراء؛ تتحرك بحسب العواصف التي تهبّ من حولها. تأتي عواصف من الجنوب من دول الجوار الأفريقي، وتأتي عواصف من الشمال من المغرب والجزائر، ثم عاصفة فرنسية ممتدة من عصر الاستعمار، ثم عاصفة القومية العربية التي جاءت من المشرق: الناصرية والبعثية من مصر والعراق وسوريا، وطبعًا الحركة الإسلامية بكل تجلياتها وأطيافها وأيضًا. فكان الجو فعلاً مشحونًا جيولوجيًا، وفيه حيوية ثقافية حقيقية.
الصحفي أحمد فال: والمراكز الثقافية العربية والأجنبية في نواكشوط كانت جزءًا من هذه الحيوية؟
د. محمد المختار الشنقيطي: نعم، بالتأكيد. كانت نواكشوط مشحونة بالمراكز الثقافية: السوري، والمصري -وبينهما شارعٌ فقط، وكنتُ شبه مقيم في مكتبة المركزي ثم المركز الثقافي السوفيتي، والمركز الثقافي الفرنسي، والمركز الثقافي المغربي،
والمركز الثقافي العراقي الذي كان مهمًّا وناشطًا، وطبعًا المركز الثقافي السعودي. هذه المراكز لعبت دورًا مهمًّا في التكوين الثقافي للشباب.
الصحفي أحمد فال: هل كانوا يعيرونكم الكتب، أم القراءة فقط داخل المراكز؟
د. محمد المختار الشنقيطي: لا أذكر بدقة الآن، لكن أظن أن المركز الثقافي السوري -وهو أكثر ما كنت أرتاده لولعي بالفلسفة- كان يعير الكتب، وإن لم أعد متأكدًا تمامًا.
الصحفي أحمد فال: في هذه المرحلة، هل تعرّفت على أفكار الإسلاميين؟ هل يمكن القول إن وعيك الإسلامي أو السياسي بدأ يتشكّل آنذاك؟
د. محمد المختار الشنقيطي: أظن أن الوعي الإسلامي في مجتمع مثل المجتمع الموريتاني كامن في الجميع أصلًا؛ عدد حفاظ القرآن هائل، ومن تلقّوا ثقافة إسلامية في المحاظر عددهم كبير. فالإنسان لا يحتاج إلا إلى من يزيح عن ذهنه قشرة الثقافة التقليدية قليلًا، وينفتح على الفكر الإسلامي المعاصر، فيبدأ وعيه الإسلامي فورًا. بالنسبة لي، بدأ هذا الوعي الإسلامي في بداية دراستي في معهد ابن عباس. في تلك المرحلة اطّلعتُ على كتب الشيخ يوسف القرضاوي -رحمه الله- وكتب سيد قطب ومحمد قطب، والمودودي، والندوي، وغيرهم. وأنا بطبيعتي قارئ لا يصبر عن القراءة؛ هذه سجيّتي: لا أستطيع أن أمضي وقتي دون كتاب. هذه الكتب غيّرت أنماط تفكيري، ونقلتني مباشرةً إلى الوعي الإسلامي المناصر.
الصحفي أحمد فال: جميل… طيّب، أنهيت الدراسة في الجامعة أو الجامعات، ماذا فعلت بعد ذلك؟
د. محمد المختار الشنقيطي: في غير المعهد العالي، أنهيتُ الدراسة في معهد ابن عباس، وفي جامعة نواكشوط.
أمّا المعهد العالي فقد درستُ فيه سنتين فقط، ثم تركته وـ«طلّقته»، لأنّي وجدت أن شهادته، مع شهادة معهد ابن عباس، تتكرّر تقريبًا؛ كلاهما في تخصّص الدراسات الإسلامية.
الصحفي أحمد فال: تخرّجت من الجامعة، ثم إلى أين ذهبت؟
د. محمد المختار الشنقيطي: أوّلًا انقطعتُ عن الجامعة؛ لأنّي حصلت على وظيفة في التعليم الثانوي، فتركتُ العاصمة وانتقلتُ إلى مدينة العيون في ولاية الحوض الغربي -شرق البلاد- وأصبحتُ مدرّسًا للثانويّة. بعد أن أكملتُ سنتين من الجامعة في قسم الترجمة، انقطعتُ سنتين لأنّي كنتُ بعيدًا عن العاصمة.
الصحفي أحمد فال: وسنتان من الجامعة تكفيان لكي تصبح مدرّسًا؟
د. محمد المختار الشنقيطي: لا، تعييني كان بشهادتي من معهد ابن عباس؛ كنتُ قد أكملتُ البكالوريوس في معهد ابن عباس بعد أربع سنوات، ومعهما سنتان في جامعة نواكشوط، وسنة أو سنتان في المعهد العالي، ثم جاءت الوظيفة، فصرتُ مدرّسًا.
الصحفي أحمد فال: وعُدتَ بذلك إلى ولايتك؟
د. محمد المختار الشنقيطي: عدتُ لا إلى النعمة، بل إلى العيون؛ وهي الولاية المحاذية لها. لدينا ولايتان: الحوض الشرقي، والحوض الغربي. وفي العيون درستُ الأدب العربي في الثانوية لمدة سنتين؛ أدّرس الأدب العربي المعاصر الذي كنتُ قد تعرفتُ عليه قبل سنوات وأحببتُه، فأصبحت أدرّسه لطلاب الإعدادية والثانويّة.
الصحفي أحمد فال: جلوسك في العيون مدرّسًا للأدب العربي في تلك المرحلة العمرية المبكرة… ما ذكرياتك عن العيون وعن تلك الفترة؟
د. محمد المختار الشنقيطي: أول ما وقع لي شيء طريف في اليوم الأول للتدريس في الثانوية. كنتُ صغير السن، وحجمي ليس كبيرًا، فأرسلوني إلى أحد أقسام البنات أدرّسه. لمّا دخلت، ظننّني طالِبًا، فقلنَ لي: “اخرج، اخرج!”. فقلت لهن: “أنا أستاذكم”. قالوا: “مَن أنت أستاذنا؟!” وقفتُ في الباب أنظر، أبحث عن أحد مسؤولي الإدارة أستغيث به. جاءت رئيسة القسم، وضعت يديها على كتفيّ، ودفعتني دفعًا لطيفًا إلى خارج القسم! هذه الحادثة ذكّرتني بقصة الشيخ علي الطنطاوي -رحمه الله– حين درّس في العراق لأول مرة، ووقعت له حادثة شبيهة. ذهبتُ إلى مساعد المدير –يسمونه مدير الدروس– وقلت له: “يا أخي، تعال اشفع لي عند الطالبات حتى يصدّقن أني أستاذهن الجديد!” فجاء معي يضحك، وانتهى الموضوع. العيون مدينة جميلة؛ تحيط بها الجبال، وفي فصل الأمطار تصبح لوحة رائعة من الرمال البيضاء والصخور السوداء، والهِضاب الحمر القانية، فأحببتُها كثيرًا. وفيها بدأتُ أول ما بدأتُ أكتب الشعر؛ الشعر الذي أعدّه شعرًا حقيقيًّا، لا مجرّد هجاء ساحل العاج ونحو ذلك؛ كان ذلك عام 1990.
الصحفي أحمد فال: وما محفّز هذا الشعر؟
د. محمد المختار الشنقيطي: أظنّ أن دوافعه متعددة: بعضها من القراءة؛ لأنّي أصبحت أدرّس الأدب، وانغمستُ في الأدب والنقد.
وبعضها من تجربة خاصّة مررتُ بها في تلك الفترة؛ تجربة عاطفية عاصفة أثارت المشاعر.
الصحفي أحمد فال: تجربة خاصّة؟ لا بد أن نسمعها، فحكايات إفريقيا لا تحتمل الكتمان!
د. محمد المختار الشنقيطي: قصة من القصص التي كنّا نقول عنها: “تُطوى ولا تُروى”، ويبدو أنك اليوم تريد أن يُروى كل شيء ولا يُطوى! أنا أصلًا لم أكن أتحدّث عن نفسي من قبل. وقعتُ في تجربة غرام عاصف في تلك الفترة؛ في ذلك العمر، وأنا أدرّس الأدب، ومع مشاعر حادّة وجيّاشة، كتبتُ قصائدي الأولى، وكانت تجربة وجدانٍ خاصّة.
الصحفي أحمد فال: هذا الحب العاطفي العاصف نريد أن نسمع شعره؛ لا بد أن نسمع شيئًا من تلك القصائد.
د. محمد المختار الشنقيطي: منها قصيدة عنوانها القديم كان: «مناجاة وفتاة» – وإن لم يكن هذا عنوانها في الديوان اليوم، لكن لا أسرار في حكايتنا الإفريقية. أقول فيها:
يا دوحةً تَفَيَّأَتْ رُوحي ضُحىً ظِلالُها
وروضةً تَنَعَّمَتْ مَشاعري خِلالَها
ووردةً تَكحَّلَتْ نَواظِري جَمالَها
وغيمةً تَصُبُّ في جَوانحي زُلالَها
ونجمةً أرقُبُها، وابتغي إطلالَها
وأختشي هِجرانَها، وارتجي وصالَها
وأشتهي حديثَها، وقيلَها، وقالَها
إذا رأيتُكِ انتشت روحي وغنّت حالَها / أو حَالَها
جمالُكِ الساحرُ ما أحلاهُ، ما أجلالَها
وقعَ اللقاءُ بَغتةً، وارتجفَتْ أوصالُها
وابتسمتْ لها الحياةُ، أَنْبَتَتْ آمالَها
وإن هجرتِ، زُلزِلَتْ من الهوى زِلزالَها
واشتعلت نارُ الجوى، قُطِّعَتْ أوصالُها
يا بهجةَ الدنيا بخاطري، ويا أهوالَها
رُحما بروحٍ فاقَ حبُّها لكِ احتمالَها
فحالُها، إن لم تكوني، تُرحَمي، يُرثى لها.
هذه كانت من أوائل ما كتبتُ من الشعر، ومن أحياء الحياة في مدينة العيون الجميلة. ولي مقطوعات أخرى، منها واحدة مطلعها: يا زهرةً من سوسنٍ غُضٍّ…وقصيدة أخرى عنوانها: «قصيدة تمشي على الأرض».
الصحفي أحمد فال: واضح جدًّا – من كشف الأسرار – أنّ هذا الحب كان حارقًا، عاصفًا. ما نهايات هذا الحب العاصف؟
د. محمد المختار الشنقيطي: هذا سؤال مُحرِج، لكن لا حرج في حكايات إفريقيا! تلك التجربة لم تنتهِ بالمأمول منها؛
فربما يصدق عليها ما قال صاحبي الذي زاد مرضي شدّةً وحدّة، وهو الدكتور يوسف اليوسف في كتابه عن الغزل العذري؛ إذ سمّاه «الوجع العِشقي». كانت تلك المرحلة مرحلة وجع عشقي؛ النوع نفسه الذي عاشه جميل بثينة، وجنون ليلى، وكثير عزة، وكلّ أولئك “المجانين”. عشتُ التجربة نفسها: الحرمان نفسه، والوجع العِشقي نفسه؛ كان حبًّا عذريًّا خالصًا بكل أوجاعه وآلامه. لكن للحب أنواعًا؛ الكاتبة الروسية أنّا ساركيسيات – في تقديمها لمجموعة «الدروب الظليلة» لإيفان بونين، وهو من الأدباء الروس الذين أحببتهم كثيرًا – تقول: “إنّ الحب نوعان: حبّ قَلِق متوتر، وحبّ سعيد مديد”. وأنا عشت في حياتي هذين الوجهين؛ تلك كانت قصة الحب القلق المتوتر، أما بعد ذلك فقد عشتُ أيضًا الحب السعيد المديد. وكان من ثمرات هذا الحب المديد قصيدة أخرى هي قصيدة «شَذَا»، أقول فيها:
شَذاكِ بالليلِ غامِرٌ، يجولُ بينَ الدياجِرِ
فينثُرُ الشعرَ عطرًا على الرُّبى والمعابِرِ
طافَ الفضاءَ رشيقًا بينَ الطيورِ الكواسرِ
ولاذَ بالقلبِ منّي، يلوذُ بالوكْرِ طائرِ
في بهجةِ الروحِ لحنٌ نَدِيٌّ مُغَامِرِ
قد استقرَّ بقلبي جنينةً من أزاهِرِ
ففاض قلبي بحبّي على ضفافِ المحابِرِ
ماذا أهمَّكِ؟ ماذا أهاجَ منكِ الخواطِرِ؟
لا تحزني يا فؤادي، فداكِ روحُ المغامرِ
نامي بمرفأِ جفني، وسافري في النواظِرِ
ما ثارَ شعبُكِ إلّا لكي تُعَزَّ الحرائرُ
إن لم تنامي قريرًا، فلا غَفَت عينُ شاعرِ.
في القصيدة شيء من صدى الثورة السورية، كما ترى. ولا نريد أن نكشف كل ملفاتنا وأسرارنا (يبتسم).
الصحفي أحمد فال: أزعم – وقد قرأتُ ديوانك كاملًا – أن هاتين المقطوعتين فيهما مستوى عالٍ من صدق العاطفة، يعبّر عن أنها كانت فعلًا تجربة عاصفة.
د. محمد المختار الشنقيطي: كل شعري لا أكتبه إلا بعاطفة؛ لذلك لا أكتب إلا قليلًا. هذا رأي الشاعر، أمّا رأي الناقد أو القارئ فهو ما ذكرتَه من أن هاتين المقطوعتين مليئتان بما يسميه النقّاد «العاطفة الصادقة». كانت تجربة عاصفة بالفعل؛ أعتقد أنها أوصلتني إلى حافة المرض، أو ربما إلى المرض نفسه. وزاد –سامحه الله– من حِدّة هذا المرض الأدبي الفلسطيني يوسف اليوسف –الذي عاش في دمشق– إذ كان عندي في تلك الأيام كتابه «الغزل العذري»، وهو من أجمل ما كُتب عن الغزل العذري في القرن الأول الهجري. حلّل فيه حياة أولئك المجانين: مجنون ليلى، وجميل بثينة، وكثير، وغيلان… فتقمّصتُ شخصياتهم كنتُ أعيش المعاناة، ثم جاء هو بهذا الكتاب فكأنّه أوقد الحاسة وأشعل النار أكثر! كتاب جميل حقًّا، لا أزال أذكره إلى اليوم.
الصحفي أحمد فال: هذه المرحلة تبدو من أثرى مراحل حياتك؛ قراءةً، وانغماسًا في الهمّ الثقافي. ماذا تذكر من الأفكار التي تعرّفتَ عليها في مرحلة العيون والتدريس هناك؟
د. محمد المختار الشنقيطي: في العيون اكتشفتُ عَلَمين كبيرين من أعلام الفكر الإسلامي، بقي أثرهما معي إلى اليوم:
الأوّل هو مالك بن نبي، والثاني هو الشيخ محمد عبد الله دراز. أحد الزملاء المدرّسين في الثانوية كان عنده كتاب «وجهة العالم الإسلامي» لمالك بن نبي؛ وكانت تلك أول مرة أسمع فيها باسمه. رأيت الكتاب، وأنا بطبعي أقرأ أي شيء يقع في يدي، فاستعرته منه وقرأته، فأعجبني غاية الإعجاب؛ كتاب عميق، وقد جاءت ترجمته بديعةً على يد الدكتور عبد الصبور شاهين. بعد ذلك زرتُ مكتبةً للكتب المستعملة في العيون، فوجدت كتابًا عنوانه «دستور الأخلاق في القرآن» لمحمد عبد الله دراز؛ ولم أكن قد سمعت بدراز من قبل، لكنّي رأيت على غلافه عبارة: ترجمة عبد الصبور شاهين. فقلت في نفسي: ما دام عبد الصبور شاهين هو المترجم، فالكتاب – أيًّا كان – ستكون ترجمته من الطراز الأوّل. فاشتريت الكتاب، ووضعت يدي على كنز حقيقي. هكذا تعرّفت على هذين الرجلين عام 1990 في العيون، ومنذ ذلك الحين شُغِفت بهما؛ لم أترك حرفًا كتبه أحدهما إلا قرأته، وكثيرًا ما أعدتُ القراءة أكثر من مرة. بعض كتب مالك بن نبي قرأتها بالعربية وبالفرنسية، ثم قرأت ترجمتها الإنجليزية أيضًا. وكتب دراز كذلك؛ بل رجعتُ إلى الأصول الفرنسية، لأن كتاب «دستور الأخلاق» في الأصل رسالة دكتوراه بالفرنسية.


الصحفي أحمد فال: بعد هذه المرحلة عدتَ إلى نواكشوط، أليس كذلك؟
د. محمد المختار الشنقيطي: نعم؛ عدتُ إلى نواكشوط، وأكملت السنتين الباقيتين في الجامعة. ولكنّي فوجئت بأن اللغة الروسية لم تعُد موجودة؛ أُلغيت بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، ورحل الأساتذة الروس. قالوا لي: “يمكنك إكمال دراستك، لكن بدلًا من الروسية –التي رحل أساتذتها– ستدرس اللغة الإنجليزية لغةً ثالثة”. فمن السنة الثالثة الجامعية صارت الإنجليزية هي اللغة الثالثة بدل الروسية، وما زالت معي إلى اليوم. أما الروسية فقد نسيتها تقريبًا؛ لم يبقَ في ذاكرتي منها إلا مقاطع شعرية من قصيدةٍ للشاعر كونستانتين سيمونوف؛ يبدو أن الأستاذة مايا ألكسيفنا كانت تحبّه، فحفظتُ المقطع وما زلت أحفظه إلى الآن، مع أني لا أفهم كل كلماته حرفيًّا، لكنّي أفهم الفكرة العامة للقصيدة.
الصحفي أحمد فال: ما القصيدة؟
د. محمد المختار الشنقيطي: هي قصيدة مشهورة عنوانها تقريبًا «انتظريني». كتبها سيمونوف –وكان مراسلًا عسكريًّا وأديبًا– أيام الحرب العالمية الثانية. نصّ القصيدة رسالة من جنديّ إلى حبيبته يقول لها: انتظريني… انتظريني إذا نزل الثلج، وانتظريني إذا صحا الجو، وانتظريني إذا جاء الربيع، وانتظريني إذا يئس الناس كلهم وكفّوا عن الانتظار… بهذا المعنى. تحوّلت القصيدة إلى ما يشبه النشيد الوطني الوجداني في الاتحاد السوفيتي؛ وسرت في الجبهة حتى قيل إن كثيرًا من الجنود السوفييت الذين قُتلوا في الحرب العالمية الثانية وُجدت القصيدة في جيوبهم بعد استشهاد هم. قصيدة باكية مؤثرة جدًّا، تحوّلت إلى أيقونة أدبية.
الصحفي أحمد فال: تخرّجتَ إذن من الجامعة –ترجمة إنجليزية / فرنسية– ثم هيّأت حقائبك وبدأت رحلة الهجرة، وحطّت رحالك في صنعاء.
د. محمد المختار الشنقيطي: صحيح.
الصحفي أحمد فال: أنا شخصيًّا تعرّفت عليك بعد رحيلك ذاك؛ كنتُ يومها أستعد للثانوية العامة، وأدرس الأدب العربي.
جاؤوني بدفترٍ في غاية الجمال عن الأدب العربي، وقالوا: “هذا الدفتر أملَاه رجل كان هنا أستاذًا، اسمه محمد المختار؛ أملاه ارتجالًا”. قلت لهم: “والله هذا في غاية البراعة؛ أين هو؟” قالوا: “ذهب إلى اليمن”. فيمكن القول إنّي تلميذك بتلك الطريقة!
د. محمد المختار الشنقيطي: عجيب… الدفتر الصغير هذا أذكره، كنت أمليه على الطلاب من دون إعداد مكتوب، ارتجالًا. سبحان الله.
الصحفي أحمد فال: ذهبتَ إلى اليمن، وأنت أستاذ ثانوي؛ متى قررتَ الرحيل؟ ولماذا اليمن تحديدًا؟

د. محمد المختار الشنقيطي: حين كنت أدرّس في الثانوية لم أكن راضيًا لا عن وضعي الوظيفي، ولا عن التوقف عند هذا المستوى من الدراسة الجامعية. في اليمن أسّسالشيخ عبد المجيد الزنداني –رحمه الله– جامعة الإيمان؛ وهي جامعة تشبه نظام المحظرة عندنا، قائمة على تدريس المتون. ومن حسن ظنّه بالشناقطة أنه قال: “لا بدّ أن يكون أساتذة النحو عندي من الشناقطة تحديدًا”.
يبدو أنه تواصل مع بعض الإخوة الموريتانيين في السعودية، فأعطوه مجموعة أسماء، وقالوا له: هؤلاء يصلحون لتدريس ألفية ابن مالك في الجامعة. فتواصلوا معي، وقالوا: “هل أنت مستعد أن تأتي لتدرّس في الجامعة؟” قلت: “نعم”. قالوا: “تُدرّس ألفية ابن مالك؟” قلت: “بالطبع؛ أدرّس ألفية ابن مالك”.فذهبت إلى اليمن، ووصلت صنعاء يوم 1 يناير 1997؛ أول يوم من سنة 1997، قبل “الطلائع” على المذكرة بشهرين تقريبًا (يبتسم). حقًّا أحببت صنعاء كثيرًا؛ أول ما هبطت الطائرة فجرًا في صنعاء تذكّرت المقامة الصنعانية للحريري، وعادت بي الذاكرة إلى مقامات الحريري، فبدأت أترنّم بمطلعها وأنا في طريقي لختم الجواز:
اقْتَعَدْتُ غاربَ الاغترابِ، وأنأتْني المتربةُ عن الأتراب،
وطَوَّحَتْ بي طَوائحُ الزمنِ إلى صنعاءِ اليمن؛
فدخلتُها خاوِيَ الوفاضِ باديَ الأنفاض…
فقلت في نفسي: والله إن هذا الوصف ينطبق عليّ تمامًا؛ أنا هو رجل المقامة!
الصحفي أحمد فال: ومَن استقبلك في صنعاء؟
د. محمد المختار الشنقيطي: استقبلني الشيخ الحافظ العلّامة محمد المختار الحسن –وهو الآن من أساتذة مركز تكوين العلماء– وكان قد سبقني إلى الجامعة. استقبلنا أنا والأخ محمد جميل منصور – السياسي الموريتاني المعروف – في الرحلة نفسها. وهو يترنّم في المطار:
لا بدَّ من صنعاءَ وإن طالَ السفرُ
وإن تَحَنَّى كلُّ عودٍ وانكَسَرْ
كانت تلك أول مرّة أسمع هذا البيت؛ سمعته من فم الشيخ المختار وهو يستقبلنا في مطار صنعاء.
الصحفي أحمد فال: ثم بدأت التدريس في جامعة الإيمان؟
د. محمد المختار الشنقيطي: نعم؛ بدأت التدريس، وكانت سنتين جميلتين. الجامعة لها نظام خاص في التوقيت والبرامج والروح العامة: يبدأ التدريس بعد صلاة الفجر مباشرة؛ وهذا ليس غريبًا علينا نحن أهل المحظرة، لكنه غريب في الجامعات الحديثة. الشيخ الزنداني كان يقول: “الدراسة تبدأ بعد صلاة الفجر، وتبدأ بدروس التفسير”. درس التفسير يكون محاضرة جامعة، مثل أي جامعة، لكنه يُفتتح من بعد الفجر مباشرة. ثم إن الجامعة تدرّس متونًا تأسيسية في كل علم، وفيها علماء كبار. تعرّفت فيها على شخصيات علمية مهمّة، منهم: الشيخ عبد الكريم زيدان –رحمه الله– فقيه العراق وعالمه الجليل. والعلّامة محمد بن إسماعيل العمراني مفتي اليمن؛ يُلقَّب بـ”الشوكاني المعاصر”، وهو نسخة من الشوكاني القديم في حبّه له واستيعابه لعلومه، كما أنه صاحب طرافة.


أذكر أن الطلاب سألوه مرة: “يا شيخنا، ما الفرق بين دراستنا الآن ودراستكم أنتم قديمًا؟” قال لهم: “الفرق كبير؛ نحن درسنا في الجامعة، وأنتم تدرسون في الجامعة… {وليس الذَّكَرُ كالأنثى}!” إشارة لطيفة إلى الفرق بين (الجامِعة) و(الجامَعة). (الجامِعة هي مكان الدراسة والجامَعة هي لفظ آخر يُستعمل للمرأة، وله جذور لغوية قديمة.) وكان في الجامعة أيضًا من يزورها من العلماء والدعاة، مثل الشيخ محمد أحمد الراشد، وغيرهم.
الصحفي أحمد فال: والشخصية الأبرز التي التقيتَ بها هناك هي الشيخ أحمد ياسين، أليس كذلك؟
د. محمد المختار الشنقيطي: نعم؛ الشخصية المؤثّرة التي التقيت بها في الجامعة هي الشيخ أحمد ياسين -رحمه الله-مؤسس حركة حماس. التقيتُه في اليمن عام 1998؛ كان في جولة على عدد من الدول العربية، وزار اليمن، فاستدعته الجامعة للترحيب به. نظّم له الشيخ الزنداني حفلًا بهيجًا كبيرًا في الجامعة، ألقى فيه الشيخ أحمد ياسين كلمة، ثم جلسنا معه على الغداء في بيت الشيخ عبد المجيد. وهناك وقعت لي حادثة تركت في نفسي شيئًا؛ كنت قد كتبت أبيات ترحيب بالشيخ أحمد ياسين، لكن منظّمي الاحتفال منعوني من إلقائها.
الصحفي أحمد فال: لماذا منعوك؟ أ لأنها لم تكن مبرمجة في البرنامج؟
د. محمد المختار الشنقيطي: نعم، لم تكن مبرمجة، ثم إن الجامعة كان فيها جنسيات كثيرة، والشيخ في زيارة رسمية لليمن، وربما أرادوا أن يبقى الحفل في إطار “الضيافة اليمنية الرسمية” بعيدًا عن أي حرج سياسي. أبياتي كانت تقول في مطلعها:
أهو فجرٌ أطَلَّ منه الجبينُ؟
أم هو الحُلمُ نعيشُه أم يقينُ؟
كم وقفْنا على الديارِ نُدارِي
ألمَ الشوقِ، قد بَرَانَا الحنينُ
أهاجَتْ ذكرياتُنا بيسانًا
والقدسَ، والشوقُ تقذِفُه السنينُ
وهَتَفْنا بيافا وحيفا، فهزّتنا
إليهم أشواقُ قلبٍ دفينُ…
إلى آخر القصيدة. منعوني من إلقائها، فبقي في النفس شيء، لكن ذهب ما في قلبي بعد قليل؛ إذ جاءوا بشاعر يمني مبدع من بقايا فحول الشعراء القدامى، فألقى قصيدة طويلة عصماء رصينة، قلت بعدها: “الحمد لله على الحكمة اليمانية؛ لو قرأتُ أبياتي بعد هذه القصيدة لفضحتُ نفسي!” (يضحك).
الصحفي أحمد فال: من المعلوم أنك في تلك المرحلة دخلت في معارك فكرية… ربما لا تحب الحديث عنها، لكن الأرشيف عندي! كما أنّك بدأتَ من تلك الفترة توقّع كتاباتك باسم «الشنقيطي». لماذا أضفت هذه النِّسبة إلى اسمك؟ وما عناوين تلك المشاغبات الفكرية؟
د. محمد المختار الشنقيطي: أمّا عن الاسم، فقد اخترتُ لنفسي لقب «الشنقيطي» لسببين: أولًا: أنّي لا أحب اسم “موريتانيا” –مع كامل الاحترام للمشاهدين الموريتانيين– فهو اسم فرنسي فُرض علينا فجأة؛ “موريتانيا” اسم ولاية رومانية كانت في شمال المغرب في القرون السحيقة قبل الإسلام، فلا هو مرتبط بالمكان، ولا هو جزء من تاريخ البلد وتراثه. لذلك عندي شيء من التعصّب لاسم «شنقيط» في مقابل اسم “موريتانيا”، وتحفّظٌ من هذا الاسم الأخير. ثانيًا: أنّ لقب «الشنقيطي» أصبح هو اللقب الذي يُعرَف به أهل البلاد في المشرق العربي؛ هو – كما يقولون بالإنجليزية – Outside Definition، أي “تعريف خارجي” فرضه علينا إخواننا المشارقة -جزاهم الله خيرًا- حين فرّطنا نحن في اسمنا الأصلي؛ فحافظوا هم عليه. ثم تحوّل لقب “الشنقيطي” إلى رمزٍ للصورة النمطية عن صاحب الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة؛ الشنقيطي صار يرمز في أذهان الناس إلى العالم المتضلّع في علوم العربية والشرع.
الصحفي أحمد فال: إذًا، أنت تبرّكتَ بهذا الميراث العلمي، وبدأت توقّع باسم الشنقيطي. لكن هل كان اليمنيون هم الذين نادوكم به أولًا فتبنّيتَه، أم أنك جئت به من عند نفسك فجأة؟
د. محمد المختار الشنقيطي: لا، بل هم الذين نادَونا به أوّلًا؛ نحن -الشناقطة- ننادى في المشرق عمومًا بالشنقيطي. في اليمن كانوا يدعونني بالاسم هكذا؛ كنتُ مع الشيخ محمد المختار الحسن، فكانوا يلقّبونه في الجامعة: الشيخ محمد المختار الشنقيطي الكبير، ويُسمّونني أنا: الشيخ محمد المختار الشنقيطي الصغير؛ تمييزًا بيننا في الجامعة. ومرّة، مازحنا الشيخ عبد المجيد الزنداني -رحمه الله- فقال لي: “هم يدعونك محمد المختار الشنقيطي الصغير؟ إذن احتفظ بهذا اللقب حتى تصبح عمامتك مثل عمامته!” وكان معنا الشيخ محمد المختار الحسن، وله عمامة مدوّرة كبيرة معروفة. هكذا استقرّ الاسم عليّ، تبرّكًا بالميراث العلمي الشنقيطي.
الصحفي أحمد فال: أما بخصوص “المشاغبات” الفكرية؛ فقد عُرفتَ أنك دخلت في سجالات في صنعاء. ما قصّة ذلك؟
د. محمد المختار الشنقيطي: في صنعاء تعرّفت على عدد من المثقفين اليمنيين المتميّزين، منهم: الأستاذ نصر طه مصطفى، وكان يومها مديرًا للمركز اليمني للدراسات الاستراتيجية، والصحفي المرحوم حميد شحرة، مؤلف كتاب «مصرع الابتسامة»، وكتاب آخر أهدانيه لاحقًا. كانوا يُصدرون مجلة بعنوان «نوافذ»، فطلبوا مني أن أكتب لهم، فبدأت أنشر مقالات في المجلة. وفي يوم من الأيام نشرتُ مقالًا بعنوان: «حضارتنا المنحرفة».
الصحفي أحمد فال: «حضارتنا المنحرفة»… عنوان ثقيل. ماذا تقصد به؟
د. محمد المختار الشنقيطي: المقال في الحقيقة شرح لنظرية مالك بن نبي؛ هو لا يتجاوز تأصيله هو، فقط عرضتُ الفكرة بأسلوبي. يقول مالك بن نبي إن الحضارة الإسلامية مرّت بثلاث مراحل: مرحلة الصعود، ثم مرحلة الامتداد، ثم مرحلة الانحطاط. ويرى أن مرحلة الصعود توقفت عند معركة صفّين؛ فهناك حدث الانكسار الأول في الاندفاعة الحضارية. أمّا ما بعد ذلك -من امتداد الحضارة الإسلامية على مدى ستة إلى ثمانية قرون، من صفّين إلى أواخر القرن الثامن الهجري ونهاية دولة الموحّدين- فهو امتداد لحضارة عظيمة بلا شك، لكنها -بحسب تحليله- حضارة منحرفة عن القيم التأسيسية الأولى. فهو يقول: إذا نظرنا إلى التاريخ بمنظار المقارنة بين الحضارات، فالحضارة الإسلامية حضارة عظيمة.أمّا إذا نظرنا إليها بمعايير الاندفاعة الرسالية الأولى وقيمها التأسيسية، فهناك انحراف كبير وقع بعد الفتنة الكبرى وانتهاء الخلافة الراشدة. كتبتُ المقال على هذا الأساس، وسمّيتُه «حضارتنا المنحرفة» بهذا المعنى.
الصحفي أحمد فال: وماذا كانت ردود الفعل؟
د. محمد المختار الشنقيطي: أثارت المقالة ثورةً عند بعض المشايخ؛ قالوا: هذا طعن في الصحابة! وكيف تقول إن الحضارة انحرفت في زمن الصحابة، وإن الانحراف وقع منذ معركة صفّين؟ وصنعوا من المقال قصة كبيرة. ذهبتُ لحضور اجتماع الجامعة الأسبوعي؛ كنا نجتمع في مركز البحوث التابع للجامعة، بحضور رئيس الجامعة والأساتذة. فوجئتُ أنهم ثائرون عليّ. وكان الشيخ عبد الكريم زيدان -رحمه الله- غاضبًا، وهو من علماء العراق، ومن منطقة فيها احتكاك طائفي؛ وأهل تلك البيئات عندهم حساسية مفرطة في هذه الموضوعات، بخلافنا في المغرب العربي، حيث لا نحمل تلك الحساسية الطائفية؛ فنخوض في المسائل التاريخية بلا إشكال.
الصحفي أحمد فال: وماذا حدث في ذلك الاجتماع؟
د. محمد المختار الشنقيطي: حين دخلت، قال لي الشيخ الزنداني: “نحن نناقش مقالك الذي نشرته في نوافذ”. قلت له: “لا مانع عندي من مناقشته، بشرط أن يكون نقاشًا علميًّا؛ أمّا إذا كانت محكمة تفتيش، فأنا لا أؤمن بمحاكم التفتيش”. فقال: “لا، نحن ليس عندنا محاكم تفتيش؛ سنشكّل لجنة ونناقش الموضوع علميًّا”. قلت: “لا بأس، لا مشكلة عندي”. لكن الشيخ -بحكمته وحنكته السياسية- كان يريد احتواء المشايخ الغاضبين؛ فلم تُشكَّل لا لجنة ولا ندوة ولا شيء، إنما هدّأ الأجواء، ثم أرسل إليّ من وراء الستار يُفهمني أنه في الجملة متفق مع ما في المقال، لكن هذه أمور لا تصلح للحديث عنها داخل الجامعة، لما تثيره من حساسيات. الشيخ الزنداني كان حكيمًا؛ الجامعة أمامها علاقات واسعة مع جهات متعددة، وتحرص على مراعاة الحساسيات.

الصحفي أحمد فال: إذًا، تلك البذرة الجدلية هي التي أنجبت لاحقًا كتابك عن الخلافات السياسية بين الصحابة؟
د. محمد المختار الشنقيطي: بالضبط؛ بذرة ذلك المقال في صنعاء عام 1998 هي التي أثمرت بعد سنين كتاب «الخلافات السياسية بين الصحابة»؛ الكتاب وُلد في تكساس، وأنت شاهدٌ على ولادته، لكن حَبَّته الأولى زُرعت في اليمن.
الصحفي أحمد فال: قبل أن ننتقل إلى المرحلة التالية، ماذا تذكر من تواصلك مع الطلاب في اليمن، ولقاءاتك معهم، وذكريات تلك الفترة؟
د. محمد المختار الشنقيطي: في اليمن عشتُ ذكريات جميلة لا تُنسى: أولًا: أذكر أني زرتُ مرةً الأستاذ عبد العزيز المقالح، رئيس جامعة صنعاء، والأديب المعروف. كنتُ مارًّا أمام مكتبه في الجامعة، فرأيت باب مكتبه مفتوحًا، والناس يدخلون ويخرجون: طلابًا وطالبات.
فقلت في نفسي: هذا رجل مفتوح الباب، فلمَ لا أدخل وأتعرف عليه؟ دخلت، وسلّمت، وقلت له: “أنا فلان من موريتانيا”، وقد طبعتُ بعض القصائد التي كتبتُها، وجئتُه بها؛ لأنه شاعر وأديب وله مجلس أسبوعي لقراءة الشعر. فقدّمتُ له شيئًا من شعري، فاستقبلني بكرمٍ ولطف، وأجلسني معه ساعة طويلة يحكي لي ويقصّ عليّ من تجربته. ومن طريف ما حكاه لي أنه قال: “بعثتني جامعة الدول العربية في الستينيات رئيسًا لوفدٍ لأقرّر: هل الموريتانيون عرب أم لا؟ لأن موريتانيا كانت تريد الانضمام إلى الجامعة العربية، فكلّفوني أن أذهب إلى هناك وأكتب تقريرًا: هل هؤلاء قومٌ عربٌ فعلًا أم لا علاقة لهم بالعالم العربي”. يقول:
“ذهبتُ، فلما وصلتُ ورأيت الخيام، والإبل، والناس ينشدون الشعر، ويحفظون القصائد، اندهشت. رجعتُ وكتبت تقريرًا ختمته بهذه العبارة: «إذا كان لا يزال يوجد عربٌ على ظهر الأرض اليوم، فهم هؤلاء القوم»”.
كان هذا من ألطف ما سمعته منه، وخرجت من عنده وأنا مزهوٌّ بهذه الشهادة من شخصية أدبية كبيرة، بينما كنت ما أزال شابًّا في بدايات الطريق.
مقالات ذات الصلة




