المقالات العامةالمنبر الحر

حين يسقط القناع الغربي ويولد عالم متعدد الأقطاب

د. الحسن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي


ملخص

يضع هذا المقال الهيمنة الغربية، وعلى رأسها الأمريكية، في مواجهة قراءة تاريخية ناقدة ترى أن منطق الحروب والعقوبات لم يعد مجرد أدوات سياسية، بل أسلوبًا دائمًا لإدارة العالم بالقوة وإخضاع من يخرج عن المسار المرسوم له. من العراق بذريعة أسلحة لم تُثبت، إلى ليبيا التي تحولت إلى ساحة فوضى، مرورًا بـاليمن حيث استمرت حرب أرهقت شعبًا بأكمله، وصولًا إلى العدوان المتواصل على قطاع غزة وما خلّفه من دمار غير مسبوق، يرصد النص خيطًا واحدًا: إعادة تشكيل المنطقة عبر القوة والضغط والحصار. ويضع المقال دور إسرائيل في قلب المشهد، باعتبارها فاعلًا أساسيًا في توتر المنطقة، من استمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني إلى الضربات داخل أراضٍ ذات سيادة، وسط دعم أمريكي ثابت. في المقابل، تُفرض عقوبات وتهديدات على إيران، بينما تبقى إسرائيل بمنأى عن مساءلة مماثلة.كما يطرح النص سؤالًا داخليًا مؤلمًا: أين الموقف العربي؟ في ظل هذه التحولات الكبرى، يبدو العالم العربي في موقع المتفرج أكثر منه فاعلًا مؤثرًا، رغم ما يملكه من موارد استراتيجية وثقل جغرافي واقتصادي. وفي أفق أوسع، يناقش المقال احتمال دخول النظام الدولي مرحلة انتقالية: صعود الصين وعودة روسيا، وبروز تكتلات مثل مجموعة بريكس، كلها مؤشرات على عالم قد يغادر زمن القطب الواحد. إنه نصٌّ حاد يربط بين سياسات اليوم واحتمالات الغد.


ما الذي تريده هذه القوة المتغطرسة على رأسها مجنون لا دين له ولا عقيدة من دولةٍ إسلاميةٍ لم تعتدِ يومًا على الشعب الأمريكي، ولم تشكّل تهديدًا وجوديًا له؟ كيف تُصنَّف دولة بعيدة جغرافيًا وثقافيًا كخطر داهم، بينما تُترك مآسٍ حقيقية بلا مساءلة؟ لقد اعتاد الغرب أن يرفع راية “محاربة الإرهاب”، لكنه يمارس حين تخدمه المصالح ما هو أقرب إلى إرهاب الدول المنظم: حصار اقتصادي يُجَوِّع الشعوب، تدخلات عسكرية تُفكّك الدول، وحروب تُقرَّر في غرف مغلقة ثم يُبحث لها عن مبررات لاحقة.

في العراق قيل إن هناك أسلحة دمار شامل تهدد العالم. وفي عام 2003 شُنّت الحرب تحت هذا العنوان، لكن تقارير لاحقة — من بينها تقارير لجان تحقيق أمريكية ودولية أقرت بعدم العثور على تلك الأسلحة. غُزيت الدولة، دُمّرت مؤسساتها، وحُلّ جيشها وإدارتها، ما أدخل البلاد في فراغ أمني خطير. تشير تقديرات دراسات أكاديمية ومنظمات بحثية إلى سقوط مئات الآلاف من الضحايا خلال سنوات الحرب والعنف اللاحق، فيما قُدِّر عدد النازحين والمهجّرين داخليًا وخارجيًا بالملايين. كما قدّرت دراسات أمريكية تكلفة الحرب على الولايات المتحدة بأكثر من تريليوني دولار، في حين تكبّد العراق نفسه خسائر بشرية واقتصادية هائلة. قبل الحرب، ورغم آثار العقوبات الطويلة في التسعينيات، كان العراق يمتلك واحدًا من أكبر احتياطات النفط في العالم، وبنية تحتية تعليمية وصحية تُعد من الأكثر تقدمًا نسبيًا في المنطقة في عقود سابقة، وناتجًا نفطيًا كبيرًا مكّنه تاريخيًا من لعب دور اقتصادي مهم. غير أن سنوات الاحتلال وما تلاها من اقتتال داخلي دمّرت أجزاء واسعة من البنية التحتية، وأضعفت مؤسسات الدولة، وتراجعت الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصحة، وارتفعت معدلات البطالة والفقر. كما تعرض قطاع النفط عماد الاقتصاد العراقي لاضطرابات أمنية وهجمات متكررة في السنوات الأولى بعد الغزو، ما أثّر على الإنتاج والاستقرار الاقتصادي. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن إعادة إعمار العراق تطلبت عشرات المليارات من الدولارات، بينما استمرت آثار التفكك المؤسسي والانقسام السياسي لسنوات طويلة. هكذا تحولت ذريعة “الخطر الوشيك” إلى حرب غيّرت مسار دولة بأكملها، وأعادت تشكيل المنطقة سياسيًا وأمنيًا لعقود، بينما بقي السؤال الأخلاقي معلقًا: كيف تُشن حرب كبرى على أساس معلومات لم تثبت صحتها؟.

الحرب العدوانية على العراق سنة 200

في ليبيا رُفعت شعارات حماية المدنيين عام 2011، لكن النتيجة كما تُظهر تقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي كانت دولة منهارة ومؤسسات مفككة. قُتل الآلاف خلال أحداث 2011 وما تلاها من موجات اقتتال داخلي، فيما تشير تقديرات أممية إلى نزوح مئات الآلاف داخليًا في ذروة الصراع. انهار احتكار الدولة للسلاح، وانتشرت عشرات الميليشيات المسلحة، وتدفقت الأسلحة عبر الحدود، مما ساهم في زعزعة الاستقرار في منطقة الساحل بأكملها وفق تقارير مجلس الأمن.
اقتصاديًا، تراجع إنتاج النفط — الذي كان يتجاوز 1.6 مليون برميل يوميًا قبل 2011 بشكل حاد في سنوات الفوضى، ووصل في بعض الفترات إلى أقل من 200 ألف برميل يوميًا. كما أشار البنك الدولي إلى انكماش حاد في الناتج المحلي خلال سنوات الصراع، مع خسائر بمليارات الدولارات نتيجة توقف الحقول النفطية وإغلاق الموانئ وتعطل البنية التحتية. تضررت الخدمات الأساسية، وتراجعت قيمة العملة، وارتفعت معدلات التضخم والبطالة، بينما تحولت الثروة النفطية التي كان يمكن أن تكون رافعة تنمية إلى محور صراع بين أطراف داخلية وقوى خارجية.في سوريا، تحولت الأرض إلى ساحة صراع دولي وإقليمي معقّد لأكثر من عقد من الزمن، انتهكت فيه كرامة الشعب، وسقط وفق تقديرات أممية وحقوقية ما يزيد على نصف مليون قتيل، فيما تجاوز عدد اللاجئين خارج البلاد خمسة إلى ستة ملايين، إضافة إلى ما يقارب سبعة ملايين نازح داخلي. تدمّرت مدن بأكملها، وتضررت نسبة كبيرة من البنية التحتية من مدارس ومستشفيات وشبكات كهرباء ومياه. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن الناتج المحلي السوري انكمش بأكثر من نصف حجمه مقارنة بما كان عليه قبل 2011، مع خسائر تُقدَّر بمئات مليارات الدولارات. كما خرجت مساحات واسعة من الموارد الزراعية والنفطية عن السيطرة لفترات طويلة، وتراجعت القدرة الإنتاجية بشكل حاد، مما أدخل الاقتصاد في حالة انهيار ممتد وأفقد العملة جزءًا كبيرًا من قيمتها. والان استعاد الشعب حريته وكرامته.

مشاهد متكررة بعد انقلات امني بليبيا

وفي اليمن تُرك شعبٌ بأكمله تحت وطأة حرب كارثية وحصار خانق منذ عام 2015، في واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية المعاصرة وفق توصيف الأمم المتحدة. تشير تقديرات أممية إلى أن مئات الآلاف من اليمنيين قضوا بشكل مباشر أو غير مباشر نتيجة القتال وسوء التغذية وانهيار الخدمات الصحية. ويعاني ملايين السكان من انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما يحتاج أكثر من ثلثي السكان إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية. انهار الاقتصاد بشكل شبه كامل؛ فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة كبيرة خلال سنوات الحرب، وتدهورت قيمة العملة الوطنية، وارتفعت معدلات التضخم إلى مستويات قياسية. توقفت رواتب قطاعات واسعة من الموظفين العموميين لفترات طويلة، وتعطلت قطاعات الإنتاج، وتضررت الموانئ والمطارات وشبكات الطرق والكهرباء والمياه. كما تضرر قطاعا الصحة والتعليم بشدة، وأصبحت نسبة كبيرة من المرافق الصحية خارج الخدمة، في حين تزايدت معدلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة. ولم تكن الكلفة إنسانية واقتصادية فقط، بل اجتماعية أيضًا؛ إذ أدت سنوات الحرب إلى تفكك النسيج المجتمعي، وتفاقم الهجرة الداخلية، وانتشار الأوبئة في ظل ضعف البنية التحتية الصحية. بلد يمتلك موقعًا استراتيجيًا مهمًا وموارد طبيعية محدودة لكنها واعدة، وجد نفسه ساحة صراع إقليمي، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر.

الحرب في اليمن

أما اليوم، فيُعاد السيناريو ذاته في خطاب التهديد تجاه إيران، وكأن المنطقة لم تكتفِ بعد من الدمار. فمنذ سنوات تخضع طهران لسلسلة طويلة من العقوبات الأمريكية والأوروبية، شملت قطاعات النفط والغاز والمصارف والنقل والتأمين. وتشير تقارير اقتصادية دولية إلى أن الاقتصاد الإيراني فقد مئات المليارات من الدولارات نتيجة القيود على الصادرات النفطية والعزل المالي، فيما تراجع الناتج المحلي بشكل حاد في بعض السنوات، وارتفعت معدلات التضخم إلى مستويات مرتفعة، وتدهورت قيمة العملة الوطنية. يُقدَّم هذا كله باعتباره “ضغطًا دفاعيًا استباقيًا”، بينما تتصاعد نبرة التهديد العسكري كلما تعثرت المفاوضات. ومن أظهر مظاهر هذا التناقض الصارخ مسألة السلاح النووي. تُطالب القوى الغربية إيران بوقف التخصيب أو تقليصه إلى مستويات منخفضة جدًا، وتخضع منشآتها لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي أجرت مئات عمليات التفتيش خلال السنوات الماضية. في المقابل، تُفرض عليها عقوبات قاسية بدعوى منعها من تطوير سلاح نووي، رغم أن تقارير الوكالة أكدت في مراحل متعددة أن البرنامج يخضع لآليات رقابة ومفاوضات متواصلة.

حاملات الطائرات الامريكية في الشرق الاوسط في أهبة مهاجمة ايران

أما إسرائيل، فليست طرفًا في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولا تخضع منشآتها النووية لنظام التفتيش الدولي ذاته. وتشير تقديرات مراكز أبحاث دولية متخصصة في مراقبة التسلح إلى امتلاكها عشرات الرؤوس النووية، دون أن تواجه عقوبات شاملة أو ضغوطًا جدية للتوقيع على المعاهدة أو فتح منشآتها للتفتيش. لا حصار اقتصادي، ولا عزل مالي، ولا تهديد بحرب استباقية. أليس في ذلك تناقض بنيوي في تطبيق معايير “منع الانتشار”؟ حين يُفرَض التفتيش المشدد والعقاب الاقتصادي على طرف، بينما يُستثنى طرف آخر من الإطار القانوني نفسه، فإن الثقة في النظام الدولي تتآكل، ويتحوّل مبدأ منع الانتشار من قاعدة قانونية عامة إلى أداة سياسية انتقائية. هذه الازدواجية لا تعمّق فقط الانقسام الإقليمي، بل تُضعف أيضًا مصداقية المنظومة التي تدّعي حماية الأمن العالمي.

وفي الوقت ذاته، يستمر العدوان على قطاع غزة والضفة الغربية وسط دعم سياسي وعسكري واضح، في حربٍ وثّقت الأمم المتحدة ووكالاتها آثارها البشرية والإنسانية على نحوٍ صادم: عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، وكتلة بشرية هائلة من المدنيين دُفِعت إلى النزوح داخل مساحة ضيقة وتحت قصفٍ مستمر. وقد شدّدت اليونيسف على أن أكثر من 50 ألف طفل “قُتلوا أو أُصيبوا” وفق الأرقام المُبلّغ عنها حتى مايو/أيار 2025، بما يعكس استهدافًا/تأثرًا واسعًا للأطفال على نحوٍ غير مسبوق في حروب المنطقة الحديثة.

حرب الابادة والتهجير في غزة 2024-2026

أما البنية التحتية، فالتقارير الدولية تصف تدميرًا واسعًا طال المساكن والمدارس والمستشفيات وشبكات المياه والصرف والطرق، مع شللٍ اقتصادي شبه كامل. منظمة الصحة العالمية أعلنت أن ما لا يقل عن 94% من مستشفيات غزة تضررت أو دُمّرت (حتى مايو/أيار 2025)، ما يعني عمليًا انهيار القدرة العلاجية في لحظة الاحتياج القصوى. وعلى صعيد الأضرار المادية والاقتصادية، قدّر البنك الدولي (مع شركاء أمميين) أن قطاع الإسكان وحده شكّل 53% من إجمالي الأضرار، وأن خسائر الإنتاج وتعطل النشاط الاقتصادي قُدّرت بنحو 19 مليار دولار، مع تقدير احتياجات التعافي وإعادة الإعمار لعشر سنوات بحوالي 53.2 مليار دولار (وفق تقييم الأضرار والاحتياجات حتى أكتوبر 2024 وبأرقام بشرية مُحدّثة حتى يناير 2025).
ورغم هذا الثقل الإنساني والدمار الموثّق، يُمنح قادة متهمون بارتكاب جرائم حرب في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام وتقارير حقوقية غطاءً سياسيًا يعرقل المحاسبة، بينما تُدار المعايير وفق ميزان المصالح لا وفق ميزان العدالة: هنا تُستدعى الشرعية الدولية لغةً، وهناك تُعطَّل فعلًا.

85 بالمائة من البينة التحتية بغزة مدمرة

المعضلة الكبرى ليست فقط في سياسات الهيمنة، بل في نظام دولي يقرّر من يحق له أن يمتلك القوة ومن يُمنع، من يُعاقَب ومن يُستثنى. تُدمَّر دول مستقرة بذريعة “الخطر المحتمل”، ثم يُترك شعبها يواجه الفوضى لعقود.

كثير من المحللين، في الغرب والشرق على السواء، يرون أن النهج القائم على فرض الإرادة، والتوسع في العقوبات، وخوض الحروب المتكررة، ليس مجرد سلوك سياسي ظرفي، بل نمطٌ ارتبط تاريخيًا بمراحل أفول قوى كبرى. فالإمبراطوريات، كما يعلّمنا التاريخ، لا تنهار فجأة، بل تبدأ بالتآكل من الداخل حين تُفرِط في التوسع العسكري، وتُرهِق اقتصادها، وتفقد تدريجيًا شرعية خطابها الأخلاقي أو قدرتها على إدارة التنوع داخلها.

لقد شهدت الإمبراطورية الرومانية تراجعًا طويلًا منذ القرن الثالث الميلادي، قبل أن يسقط قسمها الغربي عام 476م، بعد أن أنهكتها الحروب المستمرة، والتضخم، والصراعات الداخلية، وصعوبة إدارة رقعة جغرافية مترامية. وكذلك تفككت الإمبراطورية المغولية في القرن الرابع عشر، ليس فقط بسبب الضغوط الخارجية، بل نتيجة الانقسامات الداخلية واتساع إمبراطورية تفوق قدرة الإدارة المركزية. أما الإمبراطورية العثمانية فقد دخلت منذ أواخر القرن السابع عشر في مسار تراجع تدريجي انتهى بإلغائها رسميًا عام 1922، بعد حروب طويلة، وضغوط أوروبية، وأزمات مالية، وتأخر نسبي في التحديث الصناعي، إضافة إلى تصاعد الحركات القومية داخل أراضيها.

وشهدت الإمبراطورية الإسبانية أفولًا مبكرًا بدأ فعليًا في القرن السابع عشر، بعد ذروة قوتها في القرن السادس عشر إبّان سيطرتها الواسعة على أجزاء كبيرة من الأمريكيتين وأوروبا. فمع هزيمة أسطولها البحري الكبير عام 1588 أمام إنجلترا، بدأت مؤشرات التراجع العسكري تظهر بوضوح. ثم تعمّق الانحدار خلال القرن السابع عشر نتيجة انخراطها في حروب أوروبية طويلة ومكلفة، أبرزها حرب الثلاثين عامًا (1618–1648)، ما أنهك خزائن الدولة وأغرقها في ديون متكررة. اعتمادها المفرط على تدفّق الذهب والفضة من المستعمرات، بدل بناء قاعدة صناعية وزراعية منتجة داخل البلاد، أدى إلى تضخم حاد وضعف في البنية الاقتصادية. ومع نهاية القرن السابع عشر وبداية الثامن عشر، فقدت إسبانيا موقعها كقوة أوروبية مهيمنة، ثم تسارعت خسارة مستعمراتها في أمريكا اللاتينية خلال أوائل القرن التاسع عشر، لتتحول من إمبراطورية عالمية إلى دولة أوروبية محدودة النفوذ. هكذا لم يكن الانهيار حدثًا مفاجئًا، بل مسارًا تدريجيًا امتد من أواخر القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر، بفعل اختلال اقتصادي واستنزاف عسكري وفقدان تفوق بحري. وحتى الإمبراطورية البريطانية، التي بلغت ذروة نفوذها في القرن التاسع عشر وكانت تُوصَف بأنها “الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس”، لم تستطع الحفاظ على موقعها المهيمن في النصف الأول من القرن العشرين. فقد خرجت من الحرب العالمية الأولى مثقلة بالديون، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية (1939–1945) لتستنزف قدراتها المالية والعسكرية بشكل غير مسبوق. تحوّلت بريطانيا من أكبر دائن عالمي إلى دولة مدينة، وتراجع تفوقها الصناعي أمام صعود الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي كقوتين عظميين جديدتين. بعد 1945، بدأت موجة تفكك الإمبراطورية؛ حصلت الهند على استقلالها عام 1947، وتوالت استقلالات آسيا وإفريقيا خلال الخمسينيات والستينيات، فيما كشفت أزمة السويس عام 1956 حدود القدرة البريطانية على التحرك منفردة. وهكذا انتقلت بريطانيا من مركز قيادة إمبراطورية عالمية إلى قوة متوسطة التأثير ضمن نظام دولي جديد تقوده قوى أخرى.

أما الاتحاد السوفيتي، فقد انهار رسميًا عام 1991 بعد مسار طويل من الاستنزاف. سباق التسلح مع الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة استهلك نسبة ضخمة من موارده، بينما عانى اقتصاده الموجَّه من ضعف الإنتاجية ونقص الابتكار مقارنة بالاقتصادات الغربية. في الثمانينيات، حاولت القيادة السوفيتية إطلاق إصلاحات مثل “البيريسترويكا” و“الغلاسنوست”، لكنها كشفت عمق الأزمات بدل احتوائها، مع تصاعد التوترات القومية داخل الجمهوريات السوفيتية، وتراجع الثقة في الأيديولوجيا الرسمية. تزامن ذلك مع انخفاض أسعار النفط — أحد مصادر العملة الصعبة — مما زاد الضغط على المالية العامة. وفي ديسمبر 1991، تفكك الاتحاد إلى جمهوريات مستقلة، في واحدة من أبرز لحظات التحول الجيوسياسي في القرن العشرين.

تتكرر في هذه النماذج عناصر مشتركة: التمدد العسكري المفرط، استنزاف الموارد، اختلال اقتصادي، فقدان الثقة الداخلية، وصعود قوى منافسة تقدم نموذجًا بديلًا اقتصاديًا أو تقنيًا. لذلك يرى بعض الباحثين أن أي قوة كبرى تُفرِط في استخدام أدوات الإكراه أو تطبّق معايير مزدوجة تقوّض خطابها الأخلاقي، قد تدخل ولو ببطء في مسار تآكل نفوذها. فالتاريخ لا يُسقط الإمبراطوريات بضربة واحدة، بل يُضعفها طبقة بعد طبقة، إلى أن تتغير موازين القوة وتُعاد صياغة النظام الدولي من جديد.

ويذهب بعضهم إلى أن العالم يشهد اليوم تحولًا بنيويًا في ميزان القوى؛ إذ لم تعد الهيمنة الغربية المطلقة كما كانت في تسعينيات القرن الماضي عقب نهاية الحرب الباردة. فقد صعدت الصين خلال العقود الثلاثة الأخيرة لتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، والأول عالميًا من حيث القوة الشرائية وفق تقديرات مؤسسات دولية. كما تحولت إلى أكبر شريك تجاري لعدد كبير من الدول، ووسّعت حضورها عبر مبادرة “الحزام والطريق” التي تشمل عشرات الدول في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. وفي المجال التقني، استثمرت بكثافة في الذكاء الاصطناعي، وشبكات الجيل الخامس، والطاقة المتجددة، والفضاء، ما جعلها منافسًا مباشرًا للغرب في قطاعات كانت حكرًا عليه.
في المقابل، استعادت روسيا حضورها كقوة عسكرية وسياسية مؤثرة، خاصة منذ العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، مع تدخلات خارجية أعادت تأكيد قدرتها على التأثير في ملفات إقليمية ودولية. ورغم العقوبات الغربية الواسعة عليها، تمكنت من إعادة توجيه جزء كبير من تجارتها نحو آسيا، مستفيدة من مواردها الطبيعية الضخمة، ولا سيما الطاقة.
وفي هذا السياق، برز تكتل مجموعة بريكس الذي يضم في صورته الأصلية البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، وتوسع لاحقًا ليشمل دولًا أخرى — بوصفه منصة تسعى إلى تعزيز التعاون بين اقتصادات صاعدة تمثل نسبة معتبرة من سكان العالم وإنتاجه. وقد اتجهت هذه المجموعة إلى توسيع استخدام العملات المحلية في المبادلات، وإنشاء آليات تمويل بديلة مثل “بنك التنمية الجديد”، في محاولة لتقليل الاعتماد المفرط على الدولار والنظام المالي الغربي.
هذا لا يعني أن نظامًا عالميًا جديدًا قد تبلور بالكامل، ولا أن الهيمنة الغربية انتهت، لكنه يشير إلى أن العالم يتجه نحو تعددية قطبية أكثر وضوحًا، حيث تتوزع مراكز القوة الاقتصادية والعسكرية والتقنية، وتزداد المنافسة على صياغة قواعد التجارة والتمويل والتكنولوجيا. إنها مرحلة انتقالية تتسم بإعادة ترتيب الأوراق، لا بسقوط فوري لقوة وصعود مطلق لأخرى، بل بتغير تدريجي في موازين التأثير والنفوذ.

الأخطر من ذلك هو الذهنية التي توحي بأن العالم يجب أن يُدار وفق إرادة مركز واحد، وأن من يرفض الاصطفاف يُعاقَب اقتصاديًا أو يُحاصر أو يُستهدف عسكريًا. وكأن الحق في السيادة والاستقلال ليس حقًا متساويًا، بل امتياز يُمنح للبعض ويُحجب عن الآخرين. وسط هذا كله، يظل السؤال المؤلم قائمًا: أين الموقف الموحد للدول الإسلامية؟ أين الحد الأدنى من التنسيق السياسي والاقتصادي الذي يجعل أي محاولة للاستفراد بدولة مخاطرة مكلفة؟ إن العالم الإسلامي يمتد جغرافيًا على مساحة استراتيجية تربط أهم الممرات البحرية ومصادر الطاقة في العالم، ويضم ما يزيد على مليار ونصف نسمة، ويملك احتياطات ضخمة من النفط والغاز والمعادن والثروات الزراعية، ومع ذلك ما تزال قدرته على التحرك الجماعي محدودة ومتقطعة. ورغم وجود أطر مؤسسية مثل منظمة التعاون الإسلامي، فإن تأثيرها السياسي والاقتصادي يبقى دون مستوى التحديات، بسبب تباين المصالح الوطنية، والخلافات الإقليمية، والارتهانات الأمنية والاقتصادية لقوى خارجية. استمرار هذا التشتت يمنح القوى الكبرى هامشًا أوسع للضغط والتدخل، ويُضعف القدرة التفاوضية الجماعية في ملفات مصيرية.

غير أن المواجهة الحقيقية لا تكون بالشعارات وحدها، بل ببناء قوة ذاتية على أسس عملية. اقتصاد متكامل يقوم على تعزيز التجارة البينية التي لا تزال نسبتها محدودة مقارنة بإمكاناتها، وتطوير سلاسل إنتاج مشتركة بدل الاكتفاء بتصدير المواد الخام. أمن غذائي يُبنى عبر استثمار الأراضي الخصبة والموارد المائية والتكنولوجيا الزراعية الحديثة لتقليل التبعية للأسواق الخارجية. استقلال تقني يتحقق من خلال الاستثمار الجاد في البحث العلمي والجامعات والصناعات المتقدمة، بدل الاعتماد شبه الكامل على استيراد التكنولوجيا. مؤسسات إقليمية فعالة قادرة على إدارة الأزمات، وتنسيق السياسات المالية والنقدية، وإنشاء آليات تمويل وتنمية مشتركة. ورؤية استراتيجية بعيدة المدى تتجاوز الحسابات الظرفية وتؤسس لمصالح جماعية مستدامة.

عندها فقط يصبح احترام السيادة ضرورة تفرضها موازين القوة، لا مجرد مطلب أخلاقي يُرفع في الخطابات. فالتاريخ أثبت أن من لا يمتلك عناصر القوة يُفرض عليه مسار غيره، ويجد نفسه موضوعًا لقرارات تُتخذ خارجه. أما من يبني توازنه بنفسه، ويعزز تكامله الاقتصادي والعلمي والسياسي، فلا يُخاطَب بلغة العصا والتهديد، بل بلغة المصالح المتبادلة والاعتراف المتكافئ.


 مقالات ذات الصلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى