المنبر الحر

سلاح جديد على ارتفاع 14 كيلومتراً: هل تغيّر إيران قواعد الحرب الجوية في مواجهة الطائرات الشبحية؟

د. الحسـن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي


ملخص

في وقت تُهدر فيه أموالٌ طائلة في كثير من دول العالم العربي والإسلامي في مسارات لا تحقق سيادةً غذائية ولا استقلالاً تكنولوجياً أو أمنياً حقيقياً، تمكنت إيران، رغم حصار اقتصادي وعقوبات قاسية امتدت لأكثر من أربعة عقود، من بناء ترسانة عسكرية وتقنية أثارت اهتمام العالم وفرضت نفسها لاعباً مؤثراً في موازين الردع الإقليمي. ولم يقتصر الأمر على المجال العسكري فقط، بل رافقه سعي متواصل نحو تحقيق قدر كبيرا من الاكتفاء الذاتي في قطاعات حيوية، وعلى رأسها الأمن الغذائي (100 بالماىة وتصدر) والتصنيع والتكنولوجيا الدفاعية.

ويتناول هذا المقال التحولات المحتملة في طبيعة الحرب الجوية الحديثة في ضوء التطورات الإيرانية الأخيرة في مجال المسيّرات وأنظمة الدفاع الجوي، خاصة مع الحديث عن دمج صواريخ «مجيد» مع مسيّرات «كرّار» النفاثة القادرة على التحليق على ارتفاعات تصل إلى نحو 14 كيلومتراً. ويحلل المقال كيف سعت إيران، بمساعدة تقنية صينية، إلى تجاوز نقاط ضعف دفاعاتها الجوية التقليدية عبر تطوير صواريخ أقل اعتماداً على الرادار وأكثر مقاومة للتشويش الإلكتروني، مع الاستفادة من أنظمة التوجيه الحراري والبصري ونظام الملاحة الصيني BeiDou Navigation Satellite System. كما يناقش المقال التداعيات الاستراتيجية لهذا التطور على مستقبل الطائرات الشبحية والمقاتلات المتقدمة مثل F-35 Lightning II، في ظل تزايد فعالية المنصات الجوية منخفضة الكلفة مقارنة بالطائرات الباهظة الثمن. ويربط المقال بين هذا التحول وما حدث سابقاً في الحروب البرية، حيث أصبحت المسيّرات والصواريخ الرخيصة نسبياً قادرة على تهديد دبابات ومدرعات عالية الكلفة. ويخلص المقال إلى أن العالم قد يكون أمام بداية مرحلة جديدة تتراجع فيها الهيمنة التقليدية للطائرات الحربية المتفوقة، مقابل صعود أنظمة مرنة تعتمد على المسيّرات والشبكات الذكية والحرب الإلكترونية.

English Abstract

At a time when vast sums of money are being spent across many Arab and Islamic countries on policies and projects that often fail to achieve genuine food sovereignty, technological independence, or strategic security, Iran—despite enduring severe economic sanctions and international isolation for more than four decades—has managed to build a military and technological arsenal that has drawn global attention and established the country as a significant actor in the regional balance of deterrence. This achievement was not limited to the military sphere alone; it was accompanied by a sustained drive toward broad self-sufficiency in vital sectors, most notably food security—where Iran has reportedly achieved full self-sufficiency in several strategic products while also becoming an exporter—as well as industrial production and defense technology.

This article explores the possible transformation of modern air warfare in light of recent Iranian developments in drones and air defense systems, particularly the reported integration of “Majid” missiles with “Karrar” jet-powered drones capable of operating at altitudes of nearly 14 kilometers. The article examines how Iran, reportedly with Chinese technological assistance, sought to overcome the limitations of its traditional air defense systems by developing missiles that rely less on radar and are more resistant to electronic warfare, while incorporating infrared and optical guidance systems alongside the Chinese BeiDou Navigation Satellite System. The article also discusses the strategic implications of these developments for the future of stealth aircraft and advanced fighter jets such as the F-35 Lightning II, especially as low-cost aerial platforms become increasingly capable of threatening highly expensive military assets. It further compares this shift to what has already occurred in ground warfare, where relatively inexpensive drones and missile systems have proven capable of neutralizing costly tanks and armored vehicles.

Ultimately, the article argues that the world may be witnessing the emergence of a new era in which the traditional dominance of advanced warplanes gradually declines, giving way to more flexible systems built around drones, smart networks, and electronic warfare technologies.

الكلمات المفتاحية | Keywords : المسيّرات العسكرية — Military Drones-الحرب الإلكترونية — Electronic Warfare- الطائرات الشبحية — Stealth Aircraft


نتحدث هنا عن تطورٍ عسكري إيراني جديد، تشير المعطيات إلى أنه استفاد من دعمٍ وتقنياتٍ صينية، وهو تطور أثار اهتماماً واسعاً لما قد يحمله من تداعيات على مستقبل التفوق الجوي التقليدي الذي طالما تمتعت به الولايات المتحدة وإسرائيل. فالأمر لا يتعلق بمجرد تحديث محدود في بعض الأنظمة القتالية، بل ربما بمؤشرات على تحول أعمق قد يعيد تشكيل بعض قواعد الحرب الجوية خلال السنوات المقبلة. وعلى امتداد التاريخ، كانت الحروب دائماً بيئةً خصبةً لظهور الابتكارات العسكرية الكبرى، إذ تدفع الضغوط الميدانية والتحديات التقنية الدول إلى البحث عن حلول غير تقليدية تغير موازين القوة. ومن هذا المنطلق، يرى كثيرون أن ما ظهر مؤخراً في إيران قد يكون واحداً من التطورات التي تستحق التوقف عندها، لما قد تحمله من تأثيرات محتملة على طبيعة المواجهات الجوية الحديثة وأساليب إدارة التفوق العسكري في السماء.

لفهم هذا التطور، ينبغي أولاً العودة إلى التحديات التي واجهتها إيران في ميدان الحرب الجوية، والتي فرضت عليها البحث عن حلول غير مسبوقة. من المعروف أن الولايات المتحدة تمتلك تفوقاً كبيراً في سلاح الجو، في مقابل نقاط ضعف واضحة في منظومات الدفاع الجوي الإيرانية. ففي بداية المواجهة، لم تتمكن الدفاعات الجوية الإيرانية من التعامل بفعالية مع الطائرات الأمريكية والإسرائيلية، لأنها كانت تواجه ثلاث معضلات حقيقية. أولى هذه المعضلات تمثلت في الطائرات الشبحية الأمريكية التي يصعب على الرادارات التقليدية اكتشافها. أما المعضلة الثانية فكانت التشويش الإلكتروني المكثف، إذ تعتمد الولايات المتحدة بشكل كبير على الحرب الإلكترونية لتعطيل الرادارات الإيرانية ومنظومات الدفاع الجوي. في حين تمثلت المعضلة الثالثة في قدرة الطائرات الحديثة على تنفيذ القصف من ارتفاعات شاهقة، تتراوح بين 9000 و12000 متر، باستخدام قنابل وصواريخ ذكية، ما يجعلها غير مضطرة إلى الطيران على ارتفاعات منخفضة أثناء تنفيذ الهجمات.

هذه التحديات الثلاثة دفعت إيران إلى البحث عن وسائل جديدة للتغلب عليها. وكانت تمتلك بالفعل منظومات صاروخية تعتمد على رادارات قديمة، من بينها منظومات شبيهة بـ S-300 ومنظومات محلية الصنع، إلا أن جزءاً كبيراً من هذه الرادارات تعرض للتعطيل أو التدمير، كما أنها لم تكن فعالة أمام التشويش الإلكتروني والطائرات الشبحية.

في المقابل، تمتلك إيران صواريخ «مجيد»، وهي صواريخ تُركّب على منصات أرضية متحركة تضم أربع أو ثماني حاويات إطلاق. غير أن هذه الصواريخ كانت تعاني من مشكلة أساسية، إذ إن سقف الارتفاع الذي تصل إليه لا يتجاوز ستة كيلومترات، بينما يبلغ مداها نحو ثمانية كيلومترات فقط، في حين يستطيع رادارها رصد أهداف على مسافة تقارب خمسة عشر كيلومتراً. تتميّز هذه الصواريخ، مقارنةً بمنظومات S-300، بميزة أساسية تتمثل في أنها لا تعتمد بصورة كبيرة على الرادار التقليدي، بل تستخدم أنظمة توجيه كهروبصرية وكهروضوئية، إضافة إلى نظام التوجيه الحراري بالأشعة تحت الحمراء. ولذلك فهي أقل تأثراً بالتشويش الإلكتروني، إذ لا تحتاج إلى الرادار بصورة دائمة. فعندما يلتقط الصاروخ الهدف، يصبح قادراً على التوجه نحوه مباشرةً اعتماداً على أنظمة التوجيه الذكية.

ومع ذلك، بقيت هناك مشكلة جوهرية دفعت إيران إلى البحث عن حلول أكثر تطوراً بالتعاون مع الصين. فكيف جرى تطوير هذه الصواريخ؟ بحسب ما يُتداول، ركزت عملية التطوير على ثلاثة عناصر أساسية جرى استقدامها من الصين، وكان العنصر الأهم بينها هو الشريحة الإلكترونية، أو ما يمكن وصفه بـ«العقل الإلكتروني» للصاروخ، إذ إن فعالية أي صاروخ حديث ترتبط بدرجة كبيرة بقدراته الإلكترونية وأنظمة معالجته للإشارات. وقد حصلت إيران على شرائح إلكترونية تعمل بتقنية متطورة مخصصة لمواجهة التشويش الإلكتروني، وهي تقنية يُقال إنها قادرة على مقاومة عمليات التشويش بصورة كبيرة جداً. فعند تعرض الصاروخ لمحاولة تشويش إلكتروني، تقوم هذه الشرائح الذكية بعزل الإشارات المضللة والإبقاء على الإشارة الأساسية القادمة من الأقمار الصناعية.

كما تعتمد الصواريخ الإيرانية، وفق ما يُذكر، على نظام الملاحة الصيني BeiDou Navigation Satellite System، الذي يُنظر إليه باعتباره أقل عرضة للتأثر بالتشويش المرتبط بأنظمة GPS الغربية، وهو ما منح إيران قدرة إضافية على تحسين أنظمة التوجيه والدقة الإلكترونية في صواريخها.

مقارنة نظام BeiDou بأهم أنظمة الملاحة الفضائية العالمية الأخرى:

النظامالدولةعدد الأقمار التقريبيالاستخدام
GPSالولايات المتحدةأكثر من 30 قمراًمدني وعسكري
BeiDouالصينأكثر من 30 قمراًمدني وعسكري
GLONASSروسياأكثر من 20 قمراًمدني وعسكري
Galileoالاتحاد الأوروبيأكثر من 20 قمراًمدني بالأساس

أما العنصر الثاني في التطوير فتمثل في زيادة السرعة والمدى، عبر استخدام أنواع جديدة من الوقود الصلب، من بينها بيركلورات البوتاسيوم، الذي يمنح الصاروخ قوة دفع كبيرة وسرعة عالية جداً. وقد أصبح هذا النوع من الوقود عنصراً مهماً في عدد من البرامج الصاروخية الإيرانية، وخاصة في صواريخ «مجيد».

وبفضل هذه التعديلات، لم تعد عملية التطوير تقتصر على مقاومة التشويش الإلكتروني فقط، بل شملت أيضاً زيادة سرعة الصاروخ ومداه، إذ أصبح الحديث يدور عن مدى يصل إلى نحو 16 كيلومتراً بعد أن كان أقل بكثير في النسخ السابقة. لكن بقيت مشكلة أساسية أخرى، وهي كيفية التعامل مع الطائرات التي تنفذ عمليات القصف من ارتفاعات شاهقة.

وهنا ظهر ابتكار إيراني مهم يتمثل في مسيّرات «كرّار». فهذه المسيّرات النفاثة تستطيع التحليق بسرعة تصل إلى نحو 900 كيلومتر في الساعة، وعلى ارتفاع يبلغ قرابة 47 ألف قدم، أي ما يقارب 14 كيلومتراً. وقد جرى تحديث هذه المسيّرات، التي تعود جذورها إلى تطوير سابق مستوحى من نماذج أمريكية، بحيث أُعيد تصميم خزان الوقود، وأصبح بالإمكان تثبيت قنابل وصواريخ «مجيد» أسفلها. وبذلك حوّلت إيران صاروخ «مجيد» من صاروخ أرض–جو إلى صاروخ جو–جو يُطلق من منصات جوية مسيّرة قادرة على التحليق على ارتفاعات عالية جداً.

وتكمن أهمية ذلك في أن الطائرات الأمريكية مثل F-35 Lightning II وF-15 Eagle وF-16 Fighting Falcon وF/A-18 Hornet، رغم قدرتها على التحليق على ارتفاعات تصل إلى 18 كيلومتراً تقريباً، تضطر أثناء تنفيذ عمليات القصف إلى النزول إلى ارتفاعات تتراوح بين 9 و12 كيلومتراً لإطلاق الذخائر الذكية بدقة. وعند هذه النقطة تصبح مسيّرات «كرّار» قادرة على التحليق تقريباً في المجال الارتفاعي نفسه الذي تعمل فيه الطائرات الحربية الأمريكية، وهو ما يمثل تحولاً مهماً في طبيعة الاشتباك الجوي.

وتبرز هنا مشكلة أخرى بالنسبة للطائرات الأمريكية، إذ إن اكتشاف الأهداف الجوية يعتمد أساساً على الرادارات التي تبث نبضات كهرومغناطيسية. لكن مسيّرة «كرّار» لا تمتلك راداراً تقليدياً، كما أن بصمتها الرادارية منخفضة جداً، ما يجعل اكتشافها أكثر صعوبة بالنسبة للطائرات المعادية. فالمسيّرة تستطيع الاقتراب بصمت نسبي لأنها لا تصدر إشعاعات رادارية واضحة، بينما يوجد نظام التوجيه الأساسي داخل الصاروخ نفسه. وحتى هذا الصاروخ لا يعتمد على رادار نشط بالمعنى التقليدي، بل على أنظمة استشعار سلبية معقدة، تضم مجسات إلكترونية متصلة بعقل إلكتروني قادر على تمييز الإشارات وتتبع الأهداف عبر أنظمة التوجيه الحراري والبصري والكهروضوئي.

وعندما يُطلق الصاروخ من ارتفاع يقارب 14 كيلومتراً باتجاه الطائرة المستهدفة، تصبح عملية الاعتراض أكثر سهولة، خاصة مع الاعتماد على نظام BeiDou Navigation Satellite System، الذي يُقال إنه رفع دقة الإصابة إلى مستويات عالية جداً. وبهذا الأسلوب، أصبحت إيران تمتلك ما يشبه منصات جوية مرتفعة قادرة على استهداف الطائرات والمسيّرات الأمريكية والإسرائيلية. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة لأن الولايات المتحدة وإسرائيل تعتمدان بصورة كبيرة على المسيّرات في عمليات الاستطلاع وجمع المعلومات وبناء بنك الأهداف، إذ تستطيع بعض هذه المسيّرات البقاء في الجو لأكثر من 36 ساعة متواصلة، مثل MQ-9 Reaper.

MQ-9 Reaper.مسيرة امريكية

لكن وفق هذا التصور، فإن هذه المسيّرات أصبحت أكثر عرضة للاستهداف بمجرد دخولها الأجواء الإيرانية، ما قد يجعل المجال الجوي الإيراني أكثر صعوبة أمام عمليات الاستطلاع المستمرة. وترى بعض التحليلات أن هذه المنصات الجوية تمثل تحولاً جذرياً في طرق مواجهة الطائرات الشبحية، لأنها تعتمد على وسائل كشف بصرية وحرارية يصعب التشويش عليها إلكترونياً، كما أنها عالجت مشكلة الارتفاع عبر إطلاق الصواريخ من مسيّرات تحلق على مستويات عالية جداً. وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة غاضبة من الدور الصيني في هذا التطور، وهو ما يفسر جانباً من التوترات والعقوبات التي فُرضت على شركات صينية متهمة بتزويد إيران بشرائح إلكترونية ومواد كيميائية تدخل في صناعة الوقود الصاروخي. ورغم نفي بكين تورطها المباشر، فإن كثيرين يرون أن مثل هذه العمليات يصعب أن تتم من دون موافقة ضمنية على الأقل.

ما يجري اليوم قد لا يكون مجرد تطوير تقني عابر، بل ربما يمثل بداية تحول عميق في مفهوم الحرب الجوية الحديثة. فالمسيّرات لم تعد مجرد وسائل للاستطلاع أو أدوات دعم تكتيكية محدودة، بل تتجه تدريجياً نحو التحول إلى منصات قتالية جوية متقدمة، وربما إلى شبكات شبه فضائية قادرة على إطلاق صواريخ جو–جو والعمل ضمن منظومات اعتراض متكاملة. ومع استمرار هذا المسار، قد تظهر أجيال أكثر تطوراً من صواريخ «مجيد» وغيرها، بما يعيد رسم طبيعة الاشتباك في السماء.

وفي حال واصلت هذه التقنيات تطورها بالوتيرة الحالية، فإن مستقبل الطائرات الشبحية والمقاتلات المتقدمة، مثل F-35 Lightning II وF-15 Eagle وF/A-18 Hornet، قد يصبح أكثر تعقيداً وحساسية من أي وقت مضى، مع احتمال اهتزاز مفهوم التفوق الجوي التقليدي الذي هيمن لعقود طويلة على العقيدة العسكرية الغربية.

والأكثر إثارة أن الحروب الحديثة لم تعد تشترط امتلاك منصات عسكرية عملاقة تتجاوز كلفتها مئات ملايين الدولارات لتحقيق التفوق في المعركة. فطائرة مثل F-35 Lightning II، التي تتجاوز كلفة بعضها 100 مليون دولار، قد تواجه اليوم تهديداً حقيقياً من منصات صغيرة منخفضة الكلفة تحمل صواريخ ذكية قادرة على إرباكها أو حتى إسقاطها. وهنا تتغير المعادلة بالكامل: لم يعد الانتصار مرتبطاً دائماً بالسلاح الأغلى ثمناً، بل بالمنظومة الأكثر مرونة وقدرة على التكيف والانتشار والتخفي.

ويشبه هذا التحول إلى حد كبير ما حدث سابقاً في الحروب البرية، حين أصبحت دبابات متطورة تُقدّر قيمتها بملايين الدولارات عرضة للتدمير بواسطة مسيّرات صغيرة لا تتجاوز كلفتها بضع مئات أو آلاف الدولارات، أو عبر صواريخ مضادة للدروع أقل كلفة بكثير. وقد أدى ذلك بالفعل إلى تراجع الدور التقليدي للمدرعات الثقيلة في ساحات القتال البرية. وفي السياق نفسه، قد يمثل الدمج الإيراني بين صواريخ أرض–جو والمسيّرات تحولاً مهماً على المستوى العالمي، لأنه يطرح نموذجاً جديداً للحرب الجوية يقوم على المنصات المرنة منخفضة الكلفة، بدلاً من الاعتماد الكامل على الطائرات الحربية التقليدية الباهظة الثمن. ولهذا يرى بعض المحللين أن هذه التطورات قد تعيد رسم موازين القوة الجوية في المستقبل، وربما تفتح الباب أمام مرحلة تتراجع فيها الهيمنة المطلقة للطائرات القتالية المتفوقة لصالح أنظمة أكثر مرونة وأقل تكلفة وأكثر صعوبة في الاكتشاف

والاستهداف.


المقالات ذات الصلة

ملحق

يُعدّ BeiDou Navigation Satellite System نظام الملاحة الفضائي الصيني أحد أبرز المشاريع التكنولوجية والاستراتيجية التي طورتها الصين خلال العقود الأخيرة، وهو نظام يوازي في أهميته نظام GPS الأمريكي وGLONASS الروسي وGalileo الأوروبي. ويعتمد هذا النظام على شبكة من الأقمار الصناعية التي تدور حول الأرض وترسل إشارات دقيقة إلى أجهزة الاستقبال الموجودة في الهواتف الذكية والطائرات والسفن والمسيّرات والصواريخ وأنظمة التوجيه المختلفة، مما يسمح بتحديد الموقع الجغرافي والسرعة والاتجاه والارتفاع والتوقيت بدقة عالية جداً. وتكمن الأهمية الكبرى لهذا النظام في كونه يمنح الصين استقلالية استراتيجية عن نظام GPS الأمريكي، إذ إن الاعتماد الكامل على منظومات الملاحة الغربية قد يعرّض الدول لاحتمال التشويش أو تقييد الخدمة أو التأثير على دقة الإشارات في أوقات النزاعات العسكرية. ولهذا السبب استثمرت الصين بشكل مكثف في تطوير منظومتها الخاصة، بهدف ضمان امتلاك بنية تحتية مستقلة للملاحة والتوجيه العسكري والمدني.

وفي المجال العسكري، يكتسب النظام أهمية استثنائية، لأنه يُستخدم في توجيه الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة وإدارة العمليات الجوية والبحرية وتنسيق القوات وتحديد الأهداف بدقة عالية. كما أن دمجه مع تقنيات الذكاء الاصطناعي وأنظمة الحرب الإلكترونية يمنح المستخدمين قدرة أكبر على العمل في البيئات التي تتعرض للتشويش الإلكتروني المكثف. وقد بدأت الصين تطوير هذا المشروع منذ تسعينيات القرن الماضي، قبل أن تعلن اكتمال النسخة العالمية الحديثة منه تقريباً سنة 2020، ليصبح واحداً من أكبر أنظمة الملاحة الفضائية في العالم وأكثرها تطوراً. ويضم النظام اليوم عشرات الأقمار الصناعية التي توفر تغطية عالمية شبه كاملة، مع خدمات مدنية وعسكرية متقدمة. ويمكن فهم مكانة نظام BeiDou بشكل أفضل من خلال مقارنته بأهم أنظمة الملاحة الفضائية العالمية الأخرى:

النظامالدولةعدد الأقمار التقريبيالاستخدام
GPSالولايات المتحدةأكثر من 30 قمراًمدني وعسكري
BeiDouالصينأكثر من 30 قمراًمدني وعسكري
GLONASSروسياأكثر من 20 قمراًمدني وعسكري
Galileoالاتحاد الأوروبيأكثر من 20 قمراًمدني بالأساس

ولهذا السبب أصبح BeiDou Navigation Satellite System يُذكر باستمرار في التحليلات العسكرية والتكنولوجية الحديثة، لأن امتلاك نظام ملاحة فضائي مستقل يعني امتلاك قدرة أكبر على توجيه الصواريخ والمسيّرات، وتحقيق دقة أعلى في العمليات العسكرية، وتقليل الاعتماد على الأنظمة الغربية في أوقات الأزمات والصراعات الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى