Uncategorized

الانقسام السني–الشيعي… من خلاف داخلي إلى أداة غربية لتركيع الأمة

مقدمة مدير الموقع

العنوان الأصلي لمداخلة د. محمد مختار الشنقيطي في الندوة الفكرية المميزة التي نُظّمت بشراكة بين مركز بنيان للدراسات والأبحاث وملتقى علماء فلسطين ودعاتها كان: “القضية الفلسطينية في مرآة العلاقات السنيّة–الشيعية”. غير أني فضّلت أن أختار للمقال عنوانًا يُترجم بعمق جوهر المداخلة ويُقرّبها من القارئ: “الانقسام السني–الشيعي… من خلاف داخلي إلى أداة غربية لتركيع الأمة”.

لقد شدّتني، كما العادة، أفكار د. الشنقيطي بما فيها من وضوح الرؤية وعمق التحليل، ورأيت أن من المهم أن لا تبقى حبيسة جلسة فكرية أو تسجيل عابر. لذلك قمت بتفريغها وإعادة صياغتها في نص مكتوب، بغرض التوثيق أولًا، ثم تعميم الفائدة وإشراك القارئ في هذه الرؤى التي تمس حاضر الأمة ومستقبلها. إن ما ورد في هذه المداخلة لا يخص الباحثين وحدهم، بل كل من يهمه مصير الأمة وقضيتها المركزية، فلسطين.

ملخص المداخلة

حين ننظر إلى حاضرنا المثقل بالانقسامات، ندرك أنّ هذه الأمة جُرحت كثيرًا بخلافاتها. غير أنّ التاريخ يخبرنا بحقيقة لا تقبل الجدل: أنّ الوحدة كانت دومًا طريق القوة، بينما التمزق لم يجلب سوى الضعف والهزيمة. ذكّرنا د. محمد مختار الشنقيطي خلال مداخلته في ندوة فكرية مميزة بعنوان “القضية الفلسطينية في مرآة العلاقات السنيّة–الشيعيّة” (تنظيم مشترك بين مركز بنيان للدراسات والأبحاث وملتقى علماء فلسطين ودُعاتها) بأن الخلاف السني–الشيعي لم يبدأ عقائديًا ولا فقهيًا، بل انطلق من سؤال سياسي حول من يتولى أمر الأمة بعد رسول الله ﷺ. ومنذ ذلك الجرح الأول، راكمت الذاكرة الإسلامية روايات مختلفة غذّت الحساسية المتبادلة، حتى صار الانقسام بابًا مفتوحًا أمام الأعداء. لكنّ التاريخ لم يكن صفحة سوداء فقط. فقد شهد لحظات مضيئة التقت فيها الطوائف على قلب واحد، كما في معركة سَرمَدا، حين قاد قاضٍ شيعي جيشًا سنيًا فهزم الصليبيين هزيمة ماحقة، أو كما في معركة حطّين التي ردّت القدس إلى حضن الأمة. وفي المقابل، حين دبّ التخاذل والخيانة، كما في اجتياح المغول لبغداد، لم يكن الانهيار طائفيًا فحسب، بل جهويًا وعرقيًا، والنتيجة واحدة، ضياع الحواضر وانكسار الأمة. لهذا، فالقضية الفلسطينية كما يقول د. محمد مختار الشنقيطي لم تكن يومًا صراعًا محليًا محدودًا، بل كانت دائمًا صراعًا كليًا، هو صراع الأمة كلها مع أعداء الأمة جميعًا. فالحملات الصليبية شاركت فيها أمم أوروبا قاطبة، وكذلك المشروع الصهيوني اليوم ليس مجرد مواجهة مع بضعة ملايين من اليهود، بل حملة استعمارية جديدة بغطاء يهودي تدعمه القوى الغربية، خصوصًا التيارات البروتستانتية المتصهينة في الولايات المتحدة. الامة الاسلامية تواجه اليوم سطوة حضارة كاملة بكل قوتها ونزعتها التاريخية المعادية للحضارة الإسلامية ولا يمكن وضع حد لها الا بوحدة الامة ووضع الخلافات الهامشية جانبا الى الابد.

جوهر الخلاف بين السنة والشيعة لم يكن فقهيًا بقدر ما كان سياسيًا: فالسنة جعلوا الخلافة شورى عامة، والشيعة اعتبروها نصًا خاصًا بأهل البيت، مع تباينهم في تحديد عدد الأئمة وحدود الإمامة. د. محمد مختار الشنقيطي

سُئل هنري كيسنجر عام 1986 عن الاستراتيجية الأمريكية في الحرب العراقية–الإيرانية، فأجاب بوضوح: استراتيجيتنا أن يخسر الطرفان. وهذا ما جرى فعلًا؛ فالولايات المتحدة كانت تبيع السلاح لإيران عبر فضيحة إيران–كونترا، وفي الوقت نفسه كانت تزوّد العراق بصور الأقمار الصناعية عن تحركات الجيش الإيراني. الهدف لم يكن انتصار طرف على آخر، بل تدمير الاثنين معًا، أو ما سماه كيسنجر: “خسارة الطرفين”.

النص الكامل للمداخلة

بدأت الخلافات بين المسلمين عقب مقتل الخليفة الشهيد عثمان بن عفان رضي الله عنه. وكانت هذه الخلافات في أصلها سياسية، ولم تكن تُعرف آنذاك باسم “السنة والشيعة”، بل بمصطلحات مثل “علوية” و”عثمانية”. ولم تتبلور هذه الخلافات لتأخذ شكل مذاهب اعتقادية أو مدارس فقهية إلا في القرن الثالث والرابع الهجري، حين توافرت الشروط الضرورية لقيام المذهب: من نصوص تأسيسية، ومؤسسات علمية، وشعائر تُميز كل مذهب عن غيره.

الخلاف بين السنة والشيعة حقيقي، لكنه متفاوت الدرجات. فالجوانب الفقهية محدودة نسبيًا، بينما يشتد الخلاف في تفاصيل العقيدة، وفي الموقف من الشرعية السياسية، وفي الذاكرة التاريخية. وأكثر ما غذّى الحساسية بين الطائفتين لم يكن مسائل الفقه أو الاعتقاد بقدر ما كان الموقف من قضية الإمامة والسلطة: فأهل السنة يرون أن النبي ﷺ لم يورّث الحكم لأحد بعينه، وأن الخلافة شورى بين المسلمين جميعًا، بينما يرى الشيعة أن الإمامة نصٌّ شرعي مخصوص بأهل البيت، مع اختلاف مدارسهم في عدد الأئمة وحدود الإمامة.

على امتداد أربعة عشر قرنًا من التاريخ الإسلامي، كان الغالب بين السنة و الشيعة هو التواصل والتعايش، فيما كانت لحظات القطيعة محدودة واستثنائية رغم وجود الخلافات العقدية والفقهية.

ومع ذلك، فإن التاريخ الإسلامي لم يكن في مجمله تاريخ قطيعة مطلقة، بل طغت عليه فترات طويلة من التواصل والتداخل. ففي مراحل التواصل، كان العلماء يأخذ بعضهم عن بعض ويجيزون بعضهم بعضًا، وكان الزواج بين السنة والشيعة قائمًا بلا حرج، وكان الشعور بالانتماء إلى أمة واحدة ومصير مشترك هو الغالب. أما في مراحل القطيعة، فتنكسر جسور الثقة، ويغيب الشعور بالانتماء الواحد، ويجد العدو الخارجي في الانقسام الداخلي فرصة لاختراق الأمة، ويظهر التباعد حتى بين العلماء فلا يتبادلون العلم ولا الإجازة، بل يتجاوز الأمر إلى قطيعة اجتماعية تصل أحيانًا إلى التحرج من الزواج المشترك.

وقد تتبّعتُ في بحثي «السنة والشيعة بين التواصل والقطيعة» ملامح هذه المراحل. فوجدت أن أكثر من أربعة عشر قرنًا من التاريخ الإسلامي غلبت عليها روح التواصل والتعايش، على الرغم من وجود خلافات حقيقية في العقيدة والفقه والذاكرة التاريخية. أما مراحل القطيعة فكانت محدودة نسبيًا، من أبرزها ما وقع في القرن الثالث الهجري بين الفاطميين الإسماعيليين والمالكية في القيروان، حين تحوّل الخلاف إلى صراع دموي ومذابح متبادلة، بلغ حد إحراق الناس أحياء واضطهاد العلماء. ومع ضعف الدولة الفاطمية، انقلب المالكية بدورهم على خصومهم، فقتلوا وأحرقوا كما كانوا قد فُعل بهم. وهكذا شكّلت هذه الأحداث نموذجًا صارخًا لمراحل القطيعة الدموية، في مقابل الغالبية الكبرى من المراحل التي تميزت بالتداخل والتعايش وإحساس الأمة بمصير مشترك.

ثم انتقلت الدولة الفاطمية بعد ذلك إلى مصر، حيث حكمت لفترة أطول، وكان سلوكها هناك أكثر اعتدالًا وأقل عصبية، وإن كانت قد قتلت بعض علماء السنة أيضًا. لكن في الغالب، كانت أكثر انفتاحًا، ومن أسباب ذلك أن الفاطميين لم يتجذروا في عمق المجتمع المصري، بل ظلوا نخبة حاكمة متمركزة في القاهرة، بينما بقيت عامة الناس في مصر على مذهب أهل السنة حتى زوال تلك الدولة، فعاد المجتمع إلى تسنّنه كما كان.

أما القطيعة الثانية، فحدثت في القرن الرابع الهجري، زمن سيطرة البويهيين على العراق. والبويهيون كانوا في الأصل زيدية من بلاد فارس، ثم غلب عليهم المذهب الشيعي الإمامي. وحينما حكموا العراق أكثر من قرن، انقسمت النخب الحاكمة بين سلطان بوهي شيعي وخليفة عباسي سني، كما انقسم المجتمع نفسه بين شيعة مدعومين من البويهيين وسنة حنابلة يوالون الخليفة العباسي. وقد شهدت بغداد آنذاك مناوشات شبه يومية بين الطرفين، سجّلها مؤرخو تلك الفترة بكثرة، وتركزت خاصة بين حي الكرخ ذي الغالبية الشيعية، وحي باب البصرة الذي يسيطر عليه الحنابلة. ولم تنتهِ تلك المرحلة إلا بدخول السلاجقة*1 إلى بغداد، وسيطرتهم عليها، لترسخ بعد ذلك الغلبة السنية في عاصمة الخلافة لقرون متتالية.

*1 السلاجقة: سلالة تركية سنّية من أصول بدوية (قبائل الغُز/الأوغوز)، اعتنقوا الإسلام في القرن 10م، وأقاموا دولة واسعة (1037–1194م) شملت إيران والعراق والشام والأناضول. اشتهروا بحماية الخلافة العباسية في بغداد، وبإرساء المدارس النظامية، وكان لهم دور محوري في صدّ الباطنية والفاطميين ومواجهة الحملات الصليبية.

أما القطيعة الثالثة، فهي الصراع العنيف بين الدولة الصفوية في إيران والدولة العثمانية في إسطنبول. فقد وُلدت الدولة الصفوية عام 1501م، وكانت في أصلها حركة صوفية تركية تحولت إلى قوة سياسية مسلحة، ثم تشيّعت وفرضت التشيع بالقوة على المجتمع الإيراني الذي كان في غالبه سنيًا طوال القرون التسعة الأولى من الإسلام. وقد استعانت الدولة الصفوية بفقهاء شيعة من جبل عامل في لبنان، جُلبوا إلى إيران ونُصّبوا في مناصب القضاء والفتيا والإمامة، وكان لهم دور أساسي في تشييع الفرس بقوة السلاح وبقوة الحجة. ولهذا اشتهرت في الأدبيات الشيعية بـ”الهجرة العاملية”، أي انتقال فقهاء جبل عامل إلى إيران.

وبقيام الدولة الصفوية، نشب صراع دموي طويل مع الدولة العثمانية التي سبقتها بقرنين، وتنازعتا السيطرة على العراق وشمال الشام والأناضول. ودارت بينهما معارك ضارية، بلغ فيها العثمانيون أحيانًا عاصمة الصفويين، وهُزم الطرفان مرات متبادلة، وكانت تلك الحروب كارثة على المسلمين؛ إذ أعاقت التوسع العثماني في أوروبا، وحالت دون تحقيق فتح كامل للقارة. ومع ذلك، لم يدم هذا الصراع الطائفي طويلًا، فقد انتهى بعقد صلح “قصر شيرين”*2 عام 1639م، وهو الاتفاق الذي أنهى الحرب بين الصفويين والعثمانيين، ورسم الحدود التي ما تزال تقريبًا قائمة بين تركيا وإيران إلى يومنا هذا. ومنذ ذلك التاريخ، أي منذ نحو أربعة قرون، لم يقع صدام طائفي مباشر بين الدولتين.

*2 صلح قصر شيرين (1639م): معاهدة أبرمت بين الدولة العثمانية والصفوية، أنهت قرنين من الحروب بينهما، ورسمت الحدود بين إيران والعراق وتركيا الحالية، وهي حدود ما زالت قائمة تقريبًا حتى اليوم.

لكن القطيعة الثالثة لم تكن هي الأخيرة، إذ جاءت القطيعة الرابعة التي نعيشها اليوم، والتي بدأت مع الثورة الإيرانية ثم الحرب العراقية-الإيرانية. وهذه القطيعة تُعدّ الأخطر بين المراحل الأربع، لأنها ليست موضعية محدودة كما في السابق، بل شاملة ممتدة.

فالقطيعة القديمة، سواء في القيروان بالقرن الثالث الهجري، أو في بغداد في القرن الرابع، أو في الأناضول وإيران في القرون الثامنة والتاسعة، كانت محدودة جغرافيًا، محصورة في نطاق الصراع ذاته. فقد يقتل الفاطميون والمالكية بعضهم بعضًا في القيروان، ولا يشعر بذلك أهل الشام أو أهل مصر. وقد يتناحر الشيعة والسنة في بغداد، فلا يتأثر بما يجري أهل المغرب أو الأندلس، فضلًا عن مسلمي الهند وآسيا. والسبب أن وسائل التواصل آنذاك لم تكن موجودة، فلم تنتقل “عدوى” القطيعة إلى جسد الأمة كلّه.

المراحل الأربع للقطيعة بين السنة والشيعة (ادارة الموقع)

المرحلةالتاريخ التقريبيالموقع الجغرافيسبب القطيعة/الصراعالحل/النهاية
الأولىالقرن 3هـ (القرن 9م)القيروان (تونس)صراع بين الفاطميين الإسماعيليين الصاعدين والمالكية السنة؛ مذابح متبادلة، حرق وقتل للعلماء والجماهيرانتقال الفاطميين إلى مصر (969م)؛ انحسار المواجهة في القيروان وبقاء المالكية مسيطرين لاحقًا
الثانيةالقرن 4هـ (945–1055م)بغداد (العراق)سيطرة البويهيين الشيعة على الخلافة العباسية؛ صدامات يومية بين أحياء سنية (الحنابلة) وشيعية (الكرخ)دخول السلاجقة إلى بغداد (1055م) وإعادة تثبيت النفوذ السني
الثالثةالقرنان 10–11هـ (16–17م)إيران، العراق، الأناضولتأسيس الدولة الصفوية (1501م) وتشييع إيران بالقوة؛ صراع دموي مع العثمانيين السنة على العراق والشام والأناضولمعاهدة قصر شيرين (1639م) التي أنهت الحروب ورسمت الحدود بين الدولتين
الرابعةمنذ 1979م حتى اليومعموم المنطقة (إيران، العراق، الخليج، الشام، اليمن)الثورة الإيرانية؛ الحرب العراقية–الإيرانية؛ ثم تدخلات إقليمية غذّت الانقسام الطائفي؛ استغلال دولي (أمريكا/الغرب) للخلافلا حل نهائي حتى الآن؛ ما زالت القطيعة قائمة وتُستغل في الصراعات الإقليمية

أما اليوم، فالقطيعة المعاصرة جاءت في عصر التواصل، فأصبحت آثارها تسري في جسد الأمة كلها. وصرنا نرى جدلًا طائفيًا في مجتمعات لا وجود للطوائف فيها أصلًا، كما في المغرب أو الجزائر أو موريتانيا، حيث الغالبية الساحقة من المسلمين على مذهب واحد (السنة بنسبة تكاد تبلغ 100%)، ومع ذلك تجد الصراع الطائفي حاضرًا في النقاشات بفعل الإعلام ووسائل الاتصال التي نقلت هذا الشرخ إلى حيث لم يكن له وجود. ولهذا فإن هذه القطيعة هي الأخطر في تاريخ الأمة.

ومع ذلك، فإن الغالبية الساحقة من تاريخ المسلمين كانت مراحل تواصل وتداخل. وقد كتبتُ في رسالتي للدكتوراه عن أثر الحروب الصليبية على العلاقات السنية-الشيعية، وكان يلفتني دائمًا أن أقارن بين تلك المرحلة وبين واقع الأمة في ظل الصهيونية المعاصرة. فحين بدأت الحروب الصليبية في أواخر القرن الخامس الهجري، كانت الأمة ممزقة: الخلافة العباسية السنية في بغداد تحت حماية السلاجقة من جهة، والخلافة الفاطمية الشيعية في مصر من جهة أخرى، وكان الطرفان يتصارعان على بلاد الشام، تلك المنطقة التي شكّلت قلب العالم الإسلامي، وتشمل فلسطين والأردن ولبنان وسوريا.

وهكذا تحولت الشام إلى منطقة رخوة، ممزقة بين قوتين متصارعتين. فمرة يسيطر الفاطميون على دمشق وحلب والقدس، ومرة يسترجعها العباسيون، وهكذا دواليك. بل وُجدت في شمال الشام دويلات سنية وشيعية متناحرة: كالدولة الحمدانية، والعقيلية، والمرداسية الشيعية، في مقابل دويلات سنية متفرقة*3. وهذا التمزق الداخلي جعل الأمة عاجزة عن صدّ الحملات الصليبية الأولى.

*3الدولة الحمدانية: إمارة شيعية (إمامية) حكمت أجزاء من شمال العراق (الموصل) وحلب (الشام) في القرن 10م (293–394هـ)، اشتهرت بدورها الثقافي وحماية الشعراء كالمتنبي. الدولة العقيلية: إمارة عربية شيعية (من بني عُقيل) حكمت الموصل وأجزاء من الجزيرة الفراتية (380–489هـ)، وكانت على خلاف مع العباسيين والفاطميين. الدولة المرداسية: إمارة شيعية (بنو مرداس من قبيلة كلاب) حكمت حلب ومناطق من الشام (414–472هـ)، تحالفت أحيانًا مع الفاطميين وأحيانًا مع البيزنطيين. الدويلات السنية المتفرقة: إمارات صغيرة في الشام مثل بني مرداس السنّة لاحقًا، وبني منقذ في شيزر، وإمارات زُرّاعية أو عشائرية، لم تكن قوية بما يكفي لتشكيل جبهة موحدة.

كانت هناك دويلات سنية عديدة أيضًا في دمشق وغيرها، كما وُجدت دولة شيعية صغيرة في طرابلس، وهي المدينة التي تُعدّ اليوم مركزًا من مراكز التسنن في لبنان. أما آنذاك، فقد كانت طرابلس دولة سنية مزدهرة بقيادة بني عمّار*3. ومع كل هذا التمزق، جاء الصليبيون فضربوا قلب الأمة الإسلامية في أضعف مناطقها؛ هنا الخلافة الفاطمية، وهناك الخلافة العباسية، وفي الوسط بلاد الشام الممزقة، المتنازَع عليها بين القوتين. فنجح الصليبيون في اختراق هذه المنطقة الرخوة، ووصلوا إلى القدس، حيث ارتكبوا المذابح*4 المشهورة في التاريخ الإسلامي.

*3 بنو عمّار: أسرة عربية شيعية إسماعيلية حكمت طرابلس (شمال لبنان حاليًا) في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، وأقامت إمارة مزدهرة عُرفت بازدهارها العلمي والثقافي، حيث أنشأوا مكتبات ومدارس، وكان لهم دور في مقاومة الصليبيين قبل سقوط طرابلس بيدهم سنة 502هـ/1109م.

*4 مذابح الصليبيين في القدس (1099م): عند سقوط القدس في أيدي الحملة الصليبية الأولى (492هـ/1099م)، ارتكب الصليبيون مجزرة مروّعة بحق سكان المدينة من المسلمين واليهود، فقتلوا عشرات الآلاف في المساجد والشوارع، حتى قيل إن دماء القتلى سالت في أروقة المسجد الأقصى وبلغت رُكب الخيل. وقد بقيت تلك المذبحة في الذاكرة الإسلامية رمزًا لبشاعة الحروب الصليبية.

لكن السؤال: كيف استقبل المسلمون، سنةً وشيعةً، هذا الغزو الصليبي؟ من خلال دراساتي المطوّلة حول الحروب الصليبية، تبيّن لي أن الاختراق الصليبي ضاعف الخلاف السني-الشيعي في بدايته، لكنه على المدى البعيد كان سببًا في التقارب والمصالحة. ففي البداية، ظن الفاطميون أنهم قادرون على الاستفادة من الصليبيين لدفع خطر العباسيين والسلاجقة الذين كانوا يزحفون غربًا نحو الشام ومصر. فمدّ الفاطميون جسور المودة مع الصليبيين، معلنين أنهم لا يرون بأسًا في وجودهم في بلاد الشام، بل يمكن أن يكونوا حاجزًا يفصل بينهم وبين القوة العباسية-السلجوقية الصاعدة من بغداد.

لقد أخطأ الفاطميون في تقدير طبيعة الحركة الصليبية؛ إذ حسبوها مجرد ميليشيات جاءت من القسطنطينية بدافع خدمة البيزنطيين، وغايتها احتلال شمال الشام. ولم يدركوا أنها حركة دينية-عسكرية كبرى، جاءت بتحريض مباشر من البابا في روما، وانطلقت من أوروبا الغربية، مستهدفة القدس تحديدًا، تلك المدينة التي كانت آنذاك تحت حكم الفاطميين أنفسهم.

وحينما تقدم الصليبيون وسيطروا على القدس، وأخرجوا منها الحاميات الفاطمية، وارتكبوا المجازر بحق المسلمين، أدرك الفاطميون حجم الخطأ الذي ارتكبوه. اكتشفوا أن هذه الحملة ليست مجرد خصومة سياسية عابرة مع العباسيين والسلاجقة، بل خطر وجودي يهدد الأمة كلها، سنةً وشيعةً على السواء. ومن هنا بدأ الوعي يتشكل بأن مواجهة هذا الخطر لا تكون إلا بترميم الصف الداخلي والتقارب بين الفريقين، لإيجاد إجابة واحدة أمام التحدي الصليبي.

والحقيقة أنّه يسود اليوم ـ للأسف ـ خطابٌ طائفي يزعم أن أولوية نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي*5 كانت القضاء على الدولة الفاطمية الشيعية، لا التفرغ لقتال الصليبيين، وكأن “العدو الداخلي” كان أهم من “العدو الخارجي”. وهذا الخطاب لا أصل له في التاريخ، بل هو قراءة متعصبة تُشوّه الحقائق. فالواقع أن نور الدين وصلاح الدين، وخصوصًا الأخير، لم ينجحا في كسر شوكة الصليبيين إلا بعدما وحّدا صفوف المسلمين، سنةً وشيعةً، وجمعا العرب والترك والأكراد تحت راية واحدة. ومن هذا التلاحم وُلدت القوة الضاربة التي قصمت ظهر المشروع الصليبي في معركة حطين الشهيرة. صلاح الدين لم يكن رجل حرب فقط، بل كان سياسيًا واسع الأفق، حكيمًا في تدبيره، مدركًا أن تحرير القدس لا يتم إلا عبر وحدة المسلمين.

*5 نور الدين زنكي (1118–1174م): أمير حلب ودمشق، من أبرز قادة الجهاد ضد الصليبيين، وحّد الجبهة الإسلامية ومهّد الطريق لصلاح الدين. صلاح الدين الأيوبي (1137–1193م): مؤسس الدولة الأيوبية، حرّر القدس بعد معركة حطين (1187م)، وأصبح رمزًا للوحدة الإسلامية في مواجهة الصليبيين.

حين أرسل نور الدين زنكي صلاح الدين مع عمه أسد الدين شيركوه إلى مصر، لم تكن المهمة القضاء على الفاطميين، بل إنقاذها من خطر الصليبيين الذين كادوا يسيطرون عليها. تولى شيركوه الوزارة في الدولة الفاطمية فترة وجيزة، ثم خلفه صلاح الدين وزيرًا. ورغم إلحاح نور الدين، بل وإلحاح الخليفة العباسي نفسه، على إنهاء الخلافة الفاطمية وإعلان البيعة للعباسيين في مصر، فإن صلاح الدين ماطل وتأخر متعمّدًا. كان يدرك أن الأولوية ليست في تمزيق الداخل، بل في استيعاب الفاطميين، وكسب النخب المصرية التي اعتادت على الولاء الفاطمي، ليضمّها إلى مشروع التحرير. لقد كان همه الأول بناء جبهة واحدة، لا إذكاء الانقسام.

االتاريخ يشهد بأن التعايش والوحدة يُثمران قوة وانتصارًا مثل معركة سَرمَدا (513هـ/1119م) التي قاد فيها القاضي الشيعي ابن الخشّاب جيشًا سنيًا، وانتهت بهزيمة ساحقة للصليبيين، لكن حينما دبّ التمزّق، كما حدث عند اجتياح المغول لبغداد سنة 656هـ/1258م، وجد العدو في الانقسامات المذهبية والجهوية والعرقية مدخلًا لتمزيق الأمة.

حتى نور الدين زنكي، الذي عُرف بحساسيته تجاه الشيعة أكثر من صلاح الدين، خاض معارك عدّة جنبًا إلى جنب مع الفاطميين ضد الصليبيين، ومن ذلك حصار طرابلس الطويل الذي استمر خمس سنوات، حيث قاتل السنة والشيعة كتفًا إلى كتف. أمراء طرابلس، وهم من بني عمّار الشيعة الإمامية، لم يجدوا حرجًا في طلب العون من الخليفة العباسي السني والسلطان السلجوقي، بدلًا من الاستنجاد بالفاطميين الأقرب إليهم مذهبًا وجغرافيا.

بل إن أغلب المعارك الكبرى ضد الصليبيين شارك فيها السنة والشيعة معًا، ومن أبرزها معركة سَرمَدا (في شمال سوريا اليوم)، والتي سمّاها الصليبيون في مصادرهم معركة حقل الدم لما تكبّدوه فيها من هزيمة ساحقة. المدهش أن هذا الانتصار جاء على يد جيش سني بقيادة قاضٍ شيعي، هو ابن الخشّاب، قاضي حلب الإمامي. لقد كان ذلك شاهدًا تاريخيًا واضحًا على أن وحدة الصف تُثمر نصرًا، حتى لو اختلفت المذاهب.

وفي المقابل، فإن تاريخ الأمة يقدّم أيضًا أمثلة للتخاذل والخيانة، لا على أساس مذهبي فقط، بل على أساس جهوي وعرقي أيضًا. فعندما اجتاح المغول بغداد، سقطت أكبر فاجعة في التاريخ الإسلامي الحديث، وكان وراءها خيانات متعدّدة: الوزير الشيعي ابن العلقمي تواطأ سياسيًا مع المغول، والجيش السني القادم من الموصل بقيادة بدر الدين لؤلؤ شارك عسكريًا في دعمهم. فكانت الخيانة هنا لا مذهبية ولا طائفية، بل خيانة صريحة للأمة، كما عبّر ابن كثير في “البداية والنهاية” عندما وصف قدوم بدر الدين وجيشه “على البغاددة”، أي ضدّ أهل بغداد أنفسهم. إن الخيانة لا مذهب لها ولا طائفة، فهي غدرٌ بالأمة وتفريط في مسؤولية الدين والتاريخ. ولطالما اختلطت في لحظات التمزق العصبيات المذهبية والعرقية والمناطقية: سني ضد شيعي، وعربي ضد فارسي، وكردي ضد تركي، ومدينة ضد مدينة. وحين تكون الأمة ممزقة، تُفتح الأبواب أمام كل أشكال الانقسام والخيانة.

واليوم نعيش وضعًا شبيهًا بما كان عشية الحروب الصليبية: تمزق داخلي شامل، فيما العدو الخارجي يضرب قلب الأمة. حينها كان الصليبيون قد ضربوا قلب الأمة في فلسطين، واليوم تضربها الصهيونية العالمية في فلسطين أيضًا. وكما كانت بلاد الشام آنذاك منطقة رخوة تمزقها الصراعات، صارت فلسطين اليوم في قلب منطقة يتنازعها الولاءات المذهبية والقومية والإقليمية والوطنية.

ولهذا، فالقضية الفلسطينية لم تكن يومًا صراعًا محليًا محدودًا، بل كانت دائمًا صراعًا كليًا، هو صراع الأمة كلها مع أعداء الأمة كلهم. فالحملات الصليبية شاركت فيها أمم أوروبا قاطبة: فرنسيون وإنجليز وألمان وإسبان وبرتغاليون. وكذلك المشروع الصهيوني اليوم ليس صراعًا مع بضعة ملايين من اليهود، بل هو مشروع غربي استعماري، حملة صليبية جديدة بغطاء يهودي، تدعمه القوى الغربية كلها، وخصوصًا التيارات البروتستانتية المتصهينة*6 في الولايات المتحدة. نحن إذن لا نواجه بضعة ملايين، بل نواجه سطوة حضارة كاملة، بكل قوتها ونزعتها التاريخية المعادية للحضارة الإسلامية.

*6 التيارات البروتستانتية المتصهينة: اتجاهات دينية–سياسية في بعض الكنائس البروتستانتية الغربية، خاصة في الولايات المتحدة وبريطانيا، ترى أنّ قيام “إسرائيل” تحقيق لنبوءات توراتية وتمهيد لعودة المسيح. من أبرزها الحركة التدبيرية (Dispensationalism)، والإنجيليون الأصوليون، والمعمدانيون الجدد. لعبت هذه التيارات دورًا في الضغط على صانعي القرار الغربيين لدعم المشروع الصهيوني سياسيًا وعسكريًا، واعتبار إسرائيل حليفًا استراتيجيًا ضد العالم الإسلامي.

إنّ الصراع السني–الشيعي ليس مجرد خلاف داخلي، بل خطرٌ داهم يضرب وحدة الأمة في الصميم ويصيب قلب قضيتها المركزية: فلسطين. والأسوأ أنه لم يعد مقتصرًا عليها، بل تمدّد منذ عقود ليحوّل أوطانًا عربية وإسلامية إلى ساحات نزيف، حصد فيها الانقسام المذهبي مئات الآلاف، وربما الملايين من الضحايا، في مشهد لم يحصد ثماره سوى العدو الخارجي.

وكما لم يُهزم الصليبيون إلا حينما توحّدت راية المسلمين سنة وشيعة، عربًا وتركًا وأكرادًا وفرسًا، في معركة حطين الفاصلة، فلن تتحرر فلسطين إلا بوحدة مشابهة، تُعيد صياغة الاستراتيجية الدفاعية والهجومية للأمة كلها.

والبيئة الاستراتيجية لفلسطين هي ما أسميه هلال شرق المتوسط: يضم مصر جنوبًا، وبلاد الشام والعراق شرقًا، والأناضول شمالًا. هذا الهلال إذا تمزق ضعفت فلسطين وضاعت القدس، وإذا توحد قوي المسلمون واستعيدت القدس. ومن خلال دراستي لجيش صلاح الدين الأيوبي في حطين وجدت أنه جيش تكوّن من ثلاثة عشر جيشًا محليًا جاؤوا من مدن موزعة على هذا الهلال: من تركيا (عينتاب، ماردين، أورفا)، ومن العراق (أربيل والموصل)، ومن سوريا (حماة وحلب ودمشق والرقة)، ومن الأردن (عمّان والكرك)، ومن مصر (القاهرة والسويس). ثلاثة عشر جيشًا من ثلاثة عشر مدينة توحدت في ضربة واحدة، فأعطت النصر المبين.

ومن هنا ندرك أن الصراع السني–الشيعي خطرٌ جسيم ليس فقط على وحدة الأمة، بل على قلب قضيتها: فلسطين. ومع ذلك، ينبغي أن نعترف أن هذا الصراع تجاوز فلسطين منذ عقود، وأصبح سببًا لمآسٍ كبرى في مجتمعات عربية وإسلامية عديدة، حيث سقط بسببه مئات الآلاف، وربما الملايين من المسلمين، ضحايا لانقسام داخلي لا يخدم إلا العدو الخارجي.

صحيح أن ليس كل الصراعات في منطقتنا كانت بدافع مذهبي، لكن الخلاف المذهبي استُغِلّ أبشع استغلال في إشعالها وإدامتها. وأخطر صراعين عرفتهما منطقتنا في العصر الحديث هما: الحرب العراقية–الإيرانية، وأطول حرب شهدها القرن العشرون. كانت حربًا عبثية بكل المقاييس، حصدت ما يقارب المليون قتيل، ودمّرت بلدين غنيين، وسمّمت العلاقة بين العراق وإيران، بل وأفسدت العلاقة بين العرب والفرس، وبين السنة والشيعة لعقود طويلة.

لقد استغل الأعداء تلك الحرب استغلالًا بشعًا. سُئل هنري كيسنجر عام 1986 عن الاستراتيجية الأمريكية في الحرب العراقية–الإيرانية، فأجاب بوضوح: استراتيجيتنا أن يخسر الطرفان. وهذا ما جرى فعلًا؛ فالولايات المتحدة كانت تبيع السلاح لإيران عبر فضيحة إيران–كونترا، وفي الوقت نفسه كانت تزوّد العراق بصور الأقمار الصناعية عن تحركات الجيش الإيراني. الهدف لم يكن انتصار طرف على آخر، بل تدمير الاثنين معًا، أو ما سماه كيسنجر: “خسارة الطرفين”.

وقد حدّثني الفريق أول نزار الخزرجي، قائد الجيش العراقي إبّان الحرب، وهو صاحب الانتصار الكبير في معركة الفاو التي كسرت ظهر إيران ومهّدت لنهاية الحرب، قائلاً: لقد لعب بنا الأمريكان كما يشاؤون. وفي مذكراته «مذكرات مقاتل»، يسرد بوضوح كيف كانت واشنطن تدعم الطرفين معًا؛ تبيع السلاح للإيرانيين، وتزوّد العراقيين بمعلومات استخبارية عبر وسطاء أوروبيين. هذه هي “نظرية إعطاء الحرب فرصة” (Give war a chance) التي طبقها الأمريكيون، أي: إذا أردت تدمير طرفين معًا، فزوّدهما بوسائل القتال، وحرص أن لا ينتصر أحدهما.

ولم يقتصر الأمر على تلك الحرب؛ بل أعيد تطبيق الاستراتيجية ذاتها في سوريا، حيث دُعم الثوار لكن لم يُسمح لهم بالانتصار. وتكرر المشهد في ليبيا، واليمن، والسودان؛ تُترك الأطراف تقاتل إلى ما لا نهاية، دون أن يحقق أحد حسمًا عسكريًا. إنها ما أسميه: استراتيجية التهشيم.

والحقيقة أن السياسة الأمريكية في المنطقة تقوم على ركيزتين واضحتين: 1- استراتيجية التهميش: إبعاد بعض الدول كليًا عن المعادلة الإقليمية مهما بلغت قوتها، كما حصل مع مصر؛ دولة ضخمة بجيش هائل، لكنها جرى تحييدها وإخراجها من معادلة الصراع منذ عقود. 2- استراتيجية التهشيم: تفكيك الدول التي لا تخضع بالكامل للإرادة الأمريكية، بحيث تُحطم بنيتها الداخلية، وتغدو بلا قيمة، مهما تغيّر حكامها. وقد طُبقت بوضوح في العراق وسوريا واليمن وليبيا والسودان.

أما لماذا يبقى الخلاف السني–الشيعي حاضرًا في هذه المعادلات؟ فلأنه أحد أهم أدوات الاستغلال، وأخطر منابع التوتير والتفجير. فالأمريكيون ليسوا سنة ولا شيعة، ولا الروس كذلك، لكنهم يتلاعبون بهذا الانقسام ليضمنوا تدمير الأمة كلها، سنيةً كانت أو شيعية. تراهم “يتسنّنون” حين تقتضي المصلحة مواجهة إيران، ثم “يتشيّعون” حين يحتاجون إيران لتدمير خصوم آخرين.

قبل الثورة الإيرانية (1979) كان أغلب حلفاء واشنطن من السنة والشيعة معًا: تحالف بغداد، دول الخليج، وحتى الشاه الإيراني نفسه. فلم يكن الأمريكيون بحاجة لإثارة النزاعات المذهبية. لكن بعد الثورة، تبنّت واشنطن خطابًا “سنيًا” لدفع العراق والخليج إلى مواجهة إيران. وقدمت الدعم المالي والعسكري للعراق، وفي الوقت نفسه لم تتخل عن إيران، بل واصلت تزويدها بالسلاح كلما احتاجت.

ثم مع غزو الكويت (1990)، تغيّرت المعادلة: بدأ الأمريكيون “يتشيّعون” سياسيًا، فاقتربوا من إيران واستفادوا من ثأرها التاريخي مع العراق لتدميره. أما التحالف الحقيقي فقد تكوّن بعد أحداث 11 سبتمبر 2001؛ إذ رأت واشنطن أن الجماعات السلفية السنية الجهادية تمثل الخطر المباشر، فكان لا بد من تحالف واسع مع القوى الشيعية في المنطقة، وبلغ هذا التحالف ذروته عند غزو العراق عام 2003.

خلاصة المداخلة : في محاضرته، أبرز د. محمد مختار الشنقيطيأنّ الانقسام السني–الشيعي ليس خلافًا عابرًا، بل معضلة تمسّ كيان الأمة وقلب قضيتها: فلسطين. وشدّد على أنّ لحظات الوحدة عبر التاريخ كانت سبيلًا للنصر، كما في مواجهة الصليبيين، بينما لحظات التمزق جرّت الويلات، من سقوط بغداد على يد المغول إلى صراعات العصر الحديث. وأكّد أنّ الخلافات المذهبية استُغلت بفظاعة من القوى الخارجية، وأنّ الدرس الأهم هو أن الأمة لا تُنقذها إلا الوحدة والوعي المشترك بمصيرها.

 د. الحسن اشباني، مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي

الملحق : الخلافات الإسلامية عبر التاريخ

جدول الخلافات الإسلامية عبر التاريخ

المرحلةالفترة الزمنيةالخلفاء/القوى الرئيسةطبيعة الخلاف
بعثة الرسول ﷺ610–632م (13هـ)الرسول ﷺوحدة الأمة تحت النبوة – لا خلاف مذهبي.
الخلافة الراشدة632–661م (11–40هـ)أبو بكر، عمر، عثمان، علي رضي الله عنهمخلافات سياسية حول الخلافة والقيادة (سقيفة بني ساعدة، مقتل عثمان، معركة الجمل وصفين).
بداية الانقساممنذ 661م (40هـ)علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيانتأسيس الدولة الأموية؛ ظهور “الشيعة” كأنصار لعلي وأهل البيت، مقابل “الأنصار العثمانية” ثم أهل السنة لاحقًا.
الدولة الأموية661–750م (41–132هـ)خلفاء بني أميةانقسامات سياسية/عقائدية: الخوارج، الشيعة، والسنّة (أهل الجماعة).
الدولة العباسية المبكرة750–950م (132–338هـ)خلفاء بني العباسصراع مع العلويين والشيعة؛ بداية تبلور المذاهب الفقهية (المالكي، الحنفي، الشافعي، الحنبلي).
القرنان 3–4 هـ800–1000مالبويهيون، الفاطميون، العباسيونتبلور المذاهب الشيعية (إمامية، إسماعيلية، زيدية) مقابل المذاهب السنية؛ صراعات سياسية ومذهبية (القيروان، بغداد).
الحروب الصليبية1096–1291م (490–690هـ)الفاطميون، الزنكيون، الأيوبيونتلاقي وتعاون نسبي بين السنة والشيعة ضد العدو الخارجي (نور الدين وصلاح الدين).
الغزو المغولي1258م (656هـ)سقوط بغدادانهيار الخلافة العباسية؛ اتهامات بالخيانة المذهبية؛ تصاعد العصبيات.
الدولة العثمانية – الصفوية1501–1639مالعثمانيون (سنة)، الصفويون (شيعة)صراع دموي بين قوتين إسلاميتين؛ معاهدة قصر شيرين 1639 أنهت الحرب.
العصر الحديث المبكر1800–1900مالعثمانيون، حركات إصلاحيةصراع داخلي أقل حدّة؛ مواجهة الاستعمار الغربي (البريطاني، الفرنسي).
القرن 201900–1979مالاستعمار الغربي، حركات التحررضعف الخلاف المذهبي؛ بروز القومية العربية مقابل الإسلام السياسي.
الثورة الإيرانية والحرب العراقية–الإيرانية1979–1988مإيران (شيعة)، العراق (سنة)، بدعم دوليصراع دموي غذّاه الغرب؛ تعميق الانقسام السني–الشيعي.
غزو العراق وما بعده2003–2010مأمريكا، إيران، دول عربيةإطلاق العنان للنفوذ الإيراني؛ إعادة إنتاج الصراع المذهبي.
الربيع العربي وما بعده2011–الآنسوريا، اليمن، لبنان، الخليجتصاعد النزاعات المذهبية في سوريا واليمن؛ استقطاب سنّي–شيعي إقليمي واسع.
الواقع المعاصر2020–الآنإيران، السعودية، تركيا، قوى المقاومةصراع على النفوذ الإقليمي؛ فلسطين تعود كقضية مركزية تجمع الأطراف جزئيًا.

مقالات ذات الصلة :

https://dr-achbani.com/لأستاذ-وضاح-خنفر-التغيرات-والتحولات-ف

https://dr-achbani.com/مع-الاستاذ-وضاح-خنفر-الحرب-على-غزة-أحدث

https://dr-achbani.com/9048-2

https://dr-achbani.com/الحرب-على-غزة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE