من أنشودة «سأل الطفل أباه» إلى التجربة الإيرانية: كيف تُصنع القوة الحقيقية للأمم؟

د. الحسـن اشباني
مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي
الملخص
ينطلق هذا المقال من أنشودة «سأل الطفل أباه» ليحوّل سؤالًا بسيطًا طرحه طفل إلى قضية حضارية كبرى: كيف تُصنع قوة الأمم، ولماذا تتقدم بعض الدول بينما تتراجع أخرى؟ فبدل الاكتفاء بقراءة الأنشودة بوصفها حنينًا إلى الماضي، يعيد المقال تفسيرها باعتبارها دعوة للتأمل في أسس النهضة وبناء القدرة على الصمود ومن خلال تحليل أدبي وفكري، يبين المقال أن القوة الحقيقية لا تُقاس بالشعارات أو بالتفوق العسكري وحده، بل تُبنى عبر الاستثمار طويل الأمد في الإنسان والمعرفة والإنتاج. ثم ينتقل إلى التجربة الإيرانية بوصفها حالة دراسية تستحق التأمل، فيستعرض تطور التعليم العالي، والاهتمام بتخريج أعداد كبيرة من المهندسين والعلماء، وتعزيز البحث العلمي، ودعم الزراعة، وتحقيق مستويات مرتفعة من الاكتفاء الدوائي، وبناء قاعدة صناعية تشمل صناعة السيارات والبتروكيماويات، إلى جانب الاستفادة من الثروات النفطية والغازية لدعم الاقتصاد الوطني.
ويؤكد المقال أن هذه العناصر مجتمعة أسهمت في تشكيل منظومة متكاملة عززت قدرة إيران على التكيف مع العقوبات والضغوط الخارجية وإدارة الأزمات، رغم استمرار تحديات اقتصادية داخلية مثل التضخم وتقلبات العملة والقيود التجارية. كما يناقش الحرب الحديثة بوصفها اختبارًا لحدود التفوق العسكري، مشيرًا إلى أن امتلاك السلاح وحده لا يكفي لتحقيق الأهداف السياسية إذا واجه خصمًا يمتلك قاعدة علمية وصناعية وقدرة على الصمود. ولا يقتصر المقال على الحالة الإيرانية، بل يخلص إلى نتيجة أوسع مفادها أن أي دولة تطمح إلى الاستقلال الاستراتيجي تحتاج إلى الاستثمار في التعليم، والبحث العلمي، والصناعة، والزراعة، والطاقة، وبناء الكفاءات الوطنية، لأن هذه العناصر هي التي تصنع القوة المستدامة. وفي ختام المقال، يعود القارئ إلى سؤال الطفل الأول ليكتشف أن الإجابة لا تكمن في الماضي، بل في القرارات التي تتخذها الأمم اليوم لبناء مستقبلها، وأن المدرسة والجامعة والمختبر والمصنع قد تكون في النهاية أكثر تأثيرًا في صناعة التاريخ من ميادين القتال وحدها.
English Summary
This article begins with the well-known song “The Child Asked His Father” and transforms its simple question into a broader civilizational inquiry: How is national power built, and why do some nations advance while others fall behind? Rather than treating the song as a nostalgic reflection on the past, the article interprets it as an invitation to examine the foundations of resilience, development, and strategic independence. Through literary and analytical discussion, the article argues that real power is not defined solely by military strength or political rhetoric. Instead, it is built through long-term investment in people, education, scientific research, productive capacity, and innovation. Using Iran as a case study, it reviews the country’s emphasis on engineering education, research institutions, agriculture, pharmaceutical self-sufficiency, industrial development, automobile manufacturing, and the strategic use of its vast oil and gas resources. The article suggests that these interconnected sectors have contributed to Iran’s ability to withstand prolonged external pressure and sanctions while maintaining a degree of strategic flexibility, despite continuing domestic economic challenges such as inflation, currency fluctuations, and trade restrictions. It also reflects on modern warfare, arguing that technological superiority alone does not always guarantee political success when confronted by a state possessing scientific capabilities, industrial infrastructure, and institutional resilience. Ultimately, the article extends its conclusions beyond Iran, proposing that sustainable national strength is rooted in integrated investment in education, science, industry, agriculture, energy, and human capital. It returns to the child’s original question to offer a timeless lesson: the future of nations is shaped not only on battlefields but also in classrooms, laboratories, farms, and factories, where knowledge is transformed into enduring power.
الكلمات المفتاحية : ايران – القوة الوطنية – الصمود الاستراتيجي – التنمية العلمية – National Power – Strategic Resilience – Scientific Development
سؤال طفل… أم سؤال أمة بأكملها؟
تبدأ الأنشودة الشهيرة بكلمات بسيطة، لكنها تهز الوجدان وتستفز العقل في آن واحد:
سأل الطفل أباه… يا أبي ماذا تقول؟
ما لنا صرنا نُقاد… بعدما كنا نقود؟
ولِمَ صرنا قرودًا… بعدما كنا أسود؟
أين عز المسلمين… أين رايات الرشاد؟
أين ركب الفاتحين… أين عشاق الجهاد؟
ثم يأتي جواب الأب في مقاطع لاحقة، ومنها:
سكت الوالد حينًا… ما درى ماذا يقول
ثم نادى: يا إلهي… وأجاب في ذهول
نحن سدنا الأرض لكن… حين طبقنا الأصول
فإذا رمنا انتصارًا… وفلاحًا وقبول
فلنطبق شرع ربي… نتبع قول الرسول.
قد يقرأ البعض أنشودة “سأل الطفل أباه” بوصفها نصًا وجدانيًا يستحضر أمجاد الماضي، لكنها في الحقيقة تطرح سؤالًا حضاريًا عميقًا ظل يتردد في أذهان أجيال كاملة: لماذا تتقدم أمم وتتراجع أخرى؟ وكيف تتحول دول كانت في موقع التأثير إلى موقع التأثر؟ بل إن المتأمل فيها يكتشف أنها تلامس أحد أعمق الأسئلة في السياسة والاقتصاد والتاريخ: كيف تُصنع القوة الحقيقية للأمم؟ ولعل التجربة الإيرانية، بما لها وما عليها، تمثل في هذا السياق حالة تستحق الدراسة لفهم العلاقة بين الاستثمار في التعليم والبحث العلمي، والسعي إلى الاكتفاء الذاتي، وبناء القدرات الوطنية، والقدرة على الصمود في مواجهة الضغوط والعقوبات والحروب.
اختيار الطفل ليكون صاحب السؤال لم يكن صدفة. فالطفل يملك براءة تكشف ما يخفيه الكبار، ويطرح أسئلة لا تعترف بالمجاملات السياسية أو الأيديولوجية. أما الأب، الذي يمثل الخبرة والتجربة، فيدرك أن الجواب أعقد من أن يُختزل في كلمات قليلة، لأن مسار الأمم تصنعه عوامل متشابكة من العلم والاقتصاد والإدارة والسياسة والقيم والقدرة على اتخاذ القرار. من الناحية الأدبية، اعتمدت الأنشودة على أسلوب الحوار والاستفهام، وهو أسلوب يمنحها قوة تأثير استثنائية. كما استخدمت المقابلة بين القيادة والانقياد، وبين القوة والضعف، لتختصر في أبيات قليلة رحلة تاريخية طويلة عاشتها شعوب وحضارات مختلفة. غير أن القيمة الحقيقية للنص لا تكمن في الحنين إلى الماضي، بل في دعوته إلى التفكير في شروط القوة الحقيقية. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم لا تبقى قوية لأنها كانت قوية بالأمس، وإنما لأنها تواصل بناء أسباب قوتها كل يوم. ولعل ما شهدناه في السنوات الأخيرة من حروب وصراعات دولية يؤكد هذه الحقيقة بوضوح؛ فالتفوق العسكري وحده لم يعد كافيًا لضمان تحقيق الأهداف السياسية، وأصبحت القدرة على الصمود، وبناء المعرفة، وإدارة الموارد، والاعتماد على الذات عناصر لا تقل أهمية عن امتلاك أحدث الأسلحة.
الحرب الحديثة وحدود التفوق العسكري
عندما ننظر إلى العالم المعاصر نجد أن هذا السؤال لم يفقد راهنته. فقد أعادت المواجهات الدولية الأخيرة، ولا سيما الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، إحياء النقاش حول معنى القوة وحدودها. ففي بدايات تلك المواجهة، ساد لدى بعض الأوساط السياسية والإعلامية اعتقاد بأن الحسم قد يكون سريعًا، وأن الضغوط العسكرية والاقتصادية مع منظومة هشة كفيلة بفرض نتائج جذرية خلال فترة وجيزة قدروها بأربعة ايام. لكن تطور الأحداث أظهر واقعًا أكثر تعقيدًا، حيث استمرت المواجهة قرابة خمسة عشر أسبوعًا، ثم انتهت إلى مسار تفاوضي ومذكرات تفاهم ومناقشات سياسية بدل تحقيق أي حسم. ويرى عدد من المحللين الغربيين والعرب، ومن بينهم مسؤولون سابقون وخبراء في مؤسسات أمنية وعسكرية، أن ما جرى كشف حدود الاعتماد على التفوق العسكري وحده، وأن بعض التقديرات الأولية ربما لم تأخذ في الاعتبار حجم الدولة الإيرانية وقوتها التي بنتها لأكثر من ستة وأربعين عامًا (منذ 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1979، واجهت إيران سلسلة متواصلة من العقوبات والقيود الاقتصادية الأميركية، مع تفاوت في شدتها عبر المراحل المختلفة، لتصبح واحدة من أطول حالات العقوبات الاقتصادية في التاريخ الحديث)، وتعقيد بنيتها، وقدرتها على تحمل الضغوط ومواصلة إدارة الصراع. ومن وجهة نظر هؤلاء، فإن مجرد انتقال الصراع من منطق الحسم إلى منطق التفاوض يمثل دلالة على أن إيران استطاعت الحفاظ على موقع تفاوضي مؤثر، وأنها لم تتحول إلى طرف فاقد للإرادة أو القدرة على فرض شروطه بالكامل. وفي المقابل، يرى محللون آخرون أن أي تفاهم سياسي يجب أن يُفهم باعتباره تسوية تحقق مصالح متبادلة، وأن الحكم النهائي على الرابح والخاسر يحتاج إلى دراسة نتائجه بعيدة المدى.
ومن المثير للاهتمام أن كثيرًا من التحليلات التي طُرحت منذ الأيام الأولى للحرب من قبل بعض الخبراء والمسؤولين السابقين بدأت تجد ما يدعمها مع مرور الوقت وظهور معلومات إضافية. وهذا يعيد التذكير بحقيقة معروفة لدى المؤرخين، وهي أن الحروب لا تُفهم بالكامل أثناء وقوعها، بل إن كثيرًا من أسرارها لا يظهر إلا بعد سنوات أو عقود، عندما تُنشر المذكرات الشخصية أو تُرفع السرية عن الوثائق أو يتحدث المشاركون في صنع القرار بحرية أكبر. وفي الحالة الإسرائيلية على وجه الخصوص، يشير باحثون إلى أن الاعتبارات الأمنية والرقابة العسكرية تؤدي أحيانًا إلى تأجيل نشر معلومات حساسة تتعلق بسير العمليات أو تقييم نتائجها. ولذلك فإن كتابة التاريخ ليست عملية لحظية، بل هي مراجعة مستمرة تتطور كلما ظهرت مصادر جديدة.
إيران: القوة التي لم تُبنَ بالصواريخ وحدها
عند محاولة فهم أسباب بروز إيران كقوة إقليمية، يركز كثيرون على الصواريخ المتنوعة والطائرات المسيّرة، لكنهم يتجاهلون الأساس الذي بُنيت عليه هذه القدرات: التعليم، والبحث العلمي، والصناعة الوطنية، والسعي إلى الاكتفاء الذاتي في الغذاء والطاقة والدواء. ولعل أهم درس يمكن استخلاصه من هذه الأحداث هو أن القوة لا تُقاس فقط بعدد الطائرات أو الصواريخ أو حجم الاقتصاد، وإنما أيضًا بقدرة الدولة على الصمود، والحفاظ على تماسكها الداخلي، وإدارة مواردها، وتحمل العقوبات، والاستمرار في التفاوض من موقع يحسب له الآخرون حسابًا.
إن السؤال الذي طرحه الطفل في الأنشودة يتجاوز حدود الزمان والمكان. فهو لا يسأل عن معركة بعينها، بل عن فلسفة القوة نفسها. لماذا تنجح بعض الدول في فرض وجودها رغم الضغوط الهائلة؟ ولماذا تخفق قوى عظمى أحيانًا في تحقيق أهدافها السياسية رغم امتلاكها تفوقًا عسكريًا ساحقًا؟ الإجابة لا تكمن في عامل واحد، بل في منظومة كاملة تشمل التعليم والبحث العلمي والتخطيط الاستراتيجي والصناعة والاقتصاد والمؤسسات والهوية الوطنية والقدرة على التكيف مع الأزمات. فالحروب الحديثة أثبتت أن التفوق العسكري، مهما كان كبيرًا، لا يضمن وحده تحقيق الأهداف السياسية إذا اصطدم بخصم يمتلك القدرة على الصمود وإدارة الصراع بفعالية.
التعليم والهندسة: الإنسان قبل السلاح
في مجال التعليم، تشير تقديرات ودراسات دولية متداولة إلى أن مؤسسات التعليم العالي في إيران تخرّج سنويًا ما يقارب 230 ألف مهندس في مختلف التخصصات، وهو رقم يضعها ضمن الدول الرائدة عالميًا من حيث عدد خريجي الهندسة. كما أن نسبة كبيرة من خريجي الجامعات تتجه إلى الهندسة والعلوم والتكنولوجيا، مما وفر قاعدة بشرية واسعة للصناعة والبحث والابتكار. وتشير بيانات دولية أيضًا إلى أن خريجي العلوم والهندسة يمثلون نحو 35% من إجمالي خريجي التعليم العالي في إيران.
وتزداد دلالة هذا الرقم عند مقارنته بحجم السكان. فإيران، التي يبلغ عدد سكانها نحو 92 مليون نسمة، تخرّج سنويًا عددًا من المهندسين يقارب ما تخرجه الولايات المتحدة رغم أن الأخيرة يتجاوز عدد سكانها 340 مليون نسمة. كما يفوق عدد خريجي الهندسة في إيران ما تنتجه دول صناعية متقدمة مثل ألمانيا أو فرنسا أو اليابان في كثير من التقديرات السنوية، رغم امتلاك هذه الدول اقتصادات أكبر بكثير. وفي المقابل، فإن دولًا نامية ذات عدد سكان قريب من إيران، مثل مصر التي يزيد عدد سكانها على 110 ملايين نسمة، تُقدَّر أعداد خريجي الهندسة فيها بنحو 35 ألف مهندس سنويًا، أي أقل بكثير من الرقم المتداول لإيران، رغم أن عدد سكان مصر أكبر. أما الهند والصين فتتفوقان من حيث الأعداد المطلقة، إذ تخرجان ما يقارب مليونًا و1.3 مليون مهندس سنويًا على التوالي، لكنهما تضمان أيضًا أكثر من 1.4 مليار نسمة لكل منهما، أي ما يزيد على خمسة عشر ضعف سكان إيران.
ولا يعني عدد الخريجين وحده التفوق العلمي أو الاقتصادي، فالجودة، وملاءمة التكوين لسوق العمل، والقدرة على تحويل المعرفة إلى منتجات وتقنيات وصناعات، كلها عوامل حاسمة. ومع ذلك، فإن الاستثمار المستمر في تكوين أعداد كبيرة من المهندسين والعلماء يمثل أحد العناصر الأساسية التي تساعد أي دولة على تعزيز الاكتفاء الذاتي وبناء القدرة على الصمود في مواجهة التحديات والعقوبات والحروب.
وقد ارتفع عدد طلاب الجامعات من نحو مائة ألف طالب بعد الثورة إلى عدة ملايين خلال العقود اللاحقة، في واحدة من أسرع الطفرات التعليمية في المنطقة. وهنا يصبح التعليم جزءًا من الأمن القومي، لأن الدولة التي تملك قاعدة واسعة من المهندسين والباحثين والتقنيين تكون أكثر قدرة على بناء صناعاتها، وتطوير أدواتها، والالتفاف على القيود المفروضة عليها.
الصحة والدواء: صناعة الصمود اليومي
وفي القطاع الصحي، استطاعت إيران تصنيع معظم احتياجاتها من الأدوية الأساسية محليًا، إذ تشير التقديرات إلى أنها تنتج أكثر من 95% من الأدوية من حيث عدد الأصناف أو الوحدات المتداولة داخل البلاد من حيث العدد، وإن كانت لا تزال تستورد جزءًا من المواد الفعالة وبعض الأدوية المتخصصة مرتفعة التقنية. وقد أسهم هذا التوجه في تخفيف آثار العقوبات الاقتصادية وضمان استمرار تزويد المستشفيات والصيدليات بمعظم العلاجات الأساسية. ولا يقتصر الأمر على صناعة الدواء، بل يمتد إلى بنية صحية واسعة تعتمد على شبكة من المستشفيات الحكومية والجامعية والمراكز الصحية المنتشرة في مختلف المحافظات، إلى جانب قطاع خاص مكمل. وتشير البيانات إلى أن برامج التأمين والرعاية الصحية في إيران تشمل الغالبية العظمى من السكان، حيث تتجاوز التغطية الصحية 90% وفق تقديرات دولية، مع سعي السلطات إلى توسيع نطاقها باستمرار.
ارتفع متوسط العمر المتوقع في إيران إلى نحو 77 عامًا، وهو مستوى يقارب أو يفوق نظيره في عدد من الدول العربية والإسلامية، ويعكس إلى جانب عوامل أخرى تحسن الخدمات الصحية، واتساع برامج التطعيم، وتطور التعليم الطبي، وتوافر نسبة كبيرة من الأدوية المنتجة محليًا.
كما حققت البلاد تقدمًا ملحوظًا في المؤشرات الصحية خلال العقود الماضية؛ فقد ارتفع متوسط العمر المتوقع إلى نحو 77 عامًا، وانخفضت وفيات الأطفال والأمهات بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه قبل عقود، كما ارتفع عدد كليات الطب والجامعات الطبية ومراكز البحث، وأسهم ذلك في تكوين عشرات الآلاف من الأطباء والصيادلة والباحثين والعاملين في القطاع الصحي. ويؤكد كثير من الزائرين والباحثين أن المستشفيات الحكومية والجامعية ما تزال تؤدي دورًا محوريًا في تقديم الخدمات العلاجية والتعليم الطبي، ولا يقتصر الحصول على الرعاية الصحية على القطاع الخاص وحده كما هو الحال في بعض الدول التي يعاني فيها المواطن من ارتفاع الكلفة أو محدودية الخدمات العمومية. ورغم وجود تفاوت في جودة الخدمات بين المناطق، وضغوط ناجمة عن العقوبات والتمويل والطلب المتزايد، فإن القطاع الصحي الإيراني حافظ على قدرته التشغيلية واستمر في تقديم خدماته الأساسية.
وهذا الجانب بالغ الأهمية، لأن العقوبات لا تختبر الجيوش وحدها، بل تختبر قدرة المجتمع على مواصلة حياته اليومية: هل يجد المريض دواءه؟ هل تستمر المستشفيات في العمل؟ وهل تستطيع الدولة تأمين احتياجاتها الصحية في أوقات الأزمات؟ وتشير التجربة الإيرانية إلى أن الاستثمار طويل الأمد في التعليم الطبي، والصناعة الدوائية، والبنية الاستشفائية، أسهم في تعزيز القدرة على الصمود وتقليل الاعتماد على الخارج، حتى وإن بقيت تحديات قائمة في بعض الأدوية المتقدمة والتجهيزات الطبية المستوردة.
الزراعة والبذور: الأمن الغذائي كقوة استراتيجية
أما في الزراعة، فقد جعلت إيران من الأمن الغذائي قضية استراتيجية. ففي سنوات الإنتاج الجيد تقترب من الاكتفاء الذاتي الكامل في القمح، بينما تحقق نسبًا مرتفعة جدًا في إنتاج الخضروات والفواكه، مع اعتماد واسع على برامج التحسين الوراثي وإنتاج البذور المحلية. وتشير التقديرات الحديثة إلى أن البلاد تؤمّن محليًا الجزء الأكبر من احتياجاتها الغذائية الأساسية، مع مستويات مرتفعة من الإنتاج المحلي لكثير من المحاصيل. وفي عدد كبير من الخضروات والفواكه، خاصة الطماطم والخيار والباذنجان والبصل والبطيخ وغيرها، تصل نسب الإنتاج المحلي إلى مستويات عالية جدًا، تجعل البلاد أقل هشاشة أمام تقلبات الأسواق العالمية.
وأستحضر هنا تجربة شخصية لا تزال راسخة في ذاكرتي. ففي عام 2017 زرت أحد معاهد البحوث الزراعية الخاصة بمدينة كرج الإيرانية، عاصمة محافظة البرز التي تقع غرب طهران العاصمة لايران، وهناك فوجئت بوجود أكثر من 1200 صنف من الطماطم محفوظة وقيد الدراسة، إضافة إلى عدد أكبر من أصناف الفلفل (اكثر من 1300 صنفا) والباذنجان (لم اتذكر). وقد أدركت حينها أن الاستثمار الإيراني في البحث الزراعي ليس مجرد شعارات، بل هو عمل مؤسسي طويل الأمد يهدف إلى إنتاج بذوره المحلية وتقليل الاعتماد على الخارج، وهو ما يفسر قدرتها على الحفاظ على إنتاج زراعي متنوع حتى في ظل العقوبات.
لقد كان ذلك المشهد، بالنسبة لي، لحظة انبهار حقيقي. فالبلد الذي يحافظ على هذا الكم من التنوع الوراثي، ويستثمر في أصناف الطماطم والفلفل والباذنجان، لا يفكر فقط في موسم فلاحي واحد، بل يفكر في عقود قادمة من السيادة الزراعية والغذائية.
الصناعة والسيارات: من الاستهلاك إلى الإنتاج
لم يقتصر الاستثمار الإيراني على الزراعة والدواء، بل امتد إلى القطاع الصناعي، وعلى رأسه صناعة السيارات التي تُعد من أكبر الصناعات غير النفطية في البلاد. فعلى الرغم من العقوبات والقيود المفروضة على الاستيراد والتمويل ونقل التكنولوجيا، حافظت إيران على قدرة إنتاجية جعلتها، في كثير من السنوات، تنتج ما بين مليون ومليون ونصف مليون سيارة سنويًا، وهو ما يضعها ضمن أكبر منتجي السيارات في الشرق الأوسط، بل ومن بين أكبر عشرين دولة منتجة عالميًا في بعض الفترات.
وتقود هذه الصناعة شركات وطنية كبرى مثل إيران خودرو وسايبا، اللتين لا تقتصران على تجميع المركبات، بل تديران شبكة واسعة من الموردين المحليين ومصانع المكونات والهياكل والمحركات، وتشغلان مئات الآلاف من العمال والمهندسين والفنيين بشكل مباشر وغير مباشر. وتُقدَّر مساهمة قطاع السيارات وسلسلة توريده بنحو 3 إلى 4% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يوفر فرص عمل لمئات الآلاف من الإيرانيين.


وقد شهدت الصناعة الإيرانية تعاونًا في مراحل مختلفة مع شركات عالمية مثل بيجو ورينو وستروين، حيث أُنتجت بعض الطرازات داخل إيران بموجب اتفاقيات تصنيع أو نقل تكنولوجيا. إلا أن العقوبات الدولية دفعت العديد من هذه الشركات إلى تقليص أو إنهاء وجودها، مما شجع المصنعين الإيرانيين على زيادة الاعتماد على القدرات المحلية وتطوير بدائل وطنية.
وصحيح أن هذه الصناعة ما زالت تواجه تحديات تتعلق بالجودة والمنافسة الدولية والحصول على التقنيات المتقدمة، إلا أن وجود قاعدة صناعية قادرة على تصميم وإنتاج مئات الآلاف من المركبات سنويًا يظل مؤشرًا مهمًا على امتلاك بنية إنتاجية حقيقية. فهناك فرق جوهري بين دولة تستهلك ما يصنعه الآخرون، ودولة تمتلك مصانعها، ومهندسيها، وسلاسل توريدها، وقدرتها على تصنيع جزء كبير من احتياجاتها داخليًا.
وفي لحظات الأزمات والعقوبات والحروب، لا تصبح صناعة السيارات مجرد قطاع اقتصادي، بل تتحول إلى مدرسة للهندسة الميكانيكية، والإلكترونيات، والمواد، وسلاسل الإمداد، والإدارة الصناعية، وهي خبرات يمكن توظيفها في قطاعات استراتيجية أخرى، من الصناعات الدفاعية إلى المعدات الثقيلة والآلات الزراعية. ولهذا، فإن بناء قاعدة صناعية متماسكة لا يُقاس بعدد السيارات المنتجة فحسب، بل بما تخلقه من معرفة تقنية، ورأس مال بشري، وقدرة على الصمود أمام الضغوط الخارجية.
فالسيادة الاقتصادية لا تبدأ من امتلاك الثروات الطبيعية، بل من القدرة على تحويلها إلى منتجات وصناعات وتقنيات بأيدٍ وطنية. وهذه هي الفلسفة التي تفسر لماذا تستطيع بعض الدول الصمود لعقود تحت العقوبات، بينما تتعثر دول أخرى رغم امتلاكها موارد طبيعية أكبر.
الطاقة: النفط والغاز كعمق استراتيجي
أما في مجال الطاقة، فتملك إيران واحدة من أعظم الثروات الهيدروكربونية في العالم. فهي تمتلك ما يقارب 17% من احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة عالميًا، بما يعادل نحو 34 تريليون متر مكعب، لتحتل المرتبة الثانية عالميًا بعد روسيا. كما تمتلك نحو 200 مليار برميل من احتياطيات النفط المؤكدة، أي ما يقارب 12% من الاحتياطي العالمي، لتصنف بين أكبر أربع دول في العالم من حيث الاحتياطيات النفطية. وللمقارنة، فإن احتياطيات الغاز الإيرانية تفوق احتياطيات دول كبرى مثل الولايات المتحدة والصين والنرويج والجزائر، بينما تقترب احتياطياتها النفطية من احتياطيات العراق والكويت، ولا تقل كثيرًا عن احتياطيات كندا، رغم اختلاف ظروف الإنتاج والاستغلال. كما أن احتياطياتها من الغاز تزيد بأكثر من عشرة أضعاف احتياطيات دول صناعية كبرى مثل ألمانيا وفرنسا واليابان مجتمعة، وهي دول تعتمد بدرجات متفاوتة على الاستيراد لتلبية احتياجاتها الطاقية.
وتنتج إيران سنويًا مئات المليارات من الأمتار المكعبة من الغاز الطبيعي، ويُستهلك معظم هذا الإنتاج داخل البلاد لتوليد الكهرباء، وتشغيل الصناعات الثقيلة، وتزويد ملايين المنازل بالطاقة، ودعم قطاع البتروكيماويات. ويمثل هذا الاعتماد على الموارد المحلية عنصرًا مهمًا في تعزيز الأمن الطاقي وتقليص الحاجة إلى الاستيراد.
ورغم العقوبات الاقتصادية، لا يزال قطاع النفط والغاز يشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الإيراني، إذ تشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن قطاع الهيدروكربونات يساهم بصورة مباشرة بنحو 15 الى 25% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين يوفر عادة ما بين 50 و70% من عائدات التصدير السلعي، كما يشكل مصدرًا مهمًا لإيرادات الدولة، وإن كانت هذه النسب تتغير تبعًا لأسعار النفط والعقوبات وحجم الصادرات.
وتتضح أهمية هذه الأرقام عند مقارنتها بدول أخرى؛ ففي المملكة العربية السعودية يسهم قطاع النفط والغاز بما يقارب 40% من الناتج المحلي الإجمالي في بعض السنوات، بينما يتجاوز 50% في العراق، ويقارب 30% في الجزائر، في حين تنخفض مساهمته في اقتصادات متنوعة مثل الولايات المتحدة إلى بضعة في المائة فقط، رغم كونها أكبر منتج عالمي للنفط والغاز بفضل ضخامة وتنوع اقتصادها.
لكن القيمة الحقيقية لهذه الثروة في الحالة الإيرانية لا تكمن في تصدير النفط والغاز فحسب، بل في استخدامها لتغذية الصناعة الوطنية، وتوليد الكهرباء، وتطوير الصناعات البتروكيماوية، وإنتاج الأسمدة والصلب والإسمنت وسائر الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. ومن ثم، فإن الطاقة لا تمثل مجرد مصدر للدخل، بل تشكل أحد أعمدة الاستقلال الاستراتيجي والقدرة على الصمود في مواجهة العقوبات والاضطرابات الدولية. غير أن امتلاك الثروات الطبيعية وحده لا يصنع القوة؛ فالعالم يزخر بدول غنية بالنفط والغاز لكنها لم تحقق تنمية مستدامة. أما العنصر الحاسم فهو القدرة على تحويل هذه الموارد إلى تعليم، وصناعة، وبحث علمي، وبنية تحتية، وقيمة مضافة تضمن الاستقلال الاقتصادي وتعزز القدرة على الصمود.
منظومة متكاملة لصناعة الصمود
تكشف التجربة الإيرانية، رغم ما يحيط بها من خلافات سياسية واستقطابات إقليمية ودولية تؤثر في كثير من الأحيان في طريقة تقييمها، أن القدرة على الصمود في مواجهة الضغوط الخارجية لا تُبنى بعامل واحد، بل بمنظومة متكاملة من التعليم والبحث العلمي والزراعة والصناعة والطاقة وتنمية الكفاءات البشرية. فالدولة التي تستثمر في تخريج مئات الآلاف من المهندسين والعلماء، وتحقق مستويات مرتفعة من الاكتفاء في قطاعات استراتيجية، وتطور قدراتها الصناعية، وتستفيد من مواردها الطبيعية لتغذية اقتصادها، تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات والتكيف مع العقوبات وإدارة الأزمات.
ولا يعني ذلك أن هذه المنظومة تخلو من التحديات؛ فما تزال إيران تواجه مشكلات اقتصادية حقيقية، من بينها التضخم، وتقلبات سعر العملة، وصعوبات الاستثمار والتجارة الدولية، وتأثير العقوبات الممتدة منذ عقود. إلا أن التجربة تُظهر في الوقت ذاته أن بناء قاعدة إنتاجية وعلمية محلية يمنح الدولة هامشًا أوسع للمناورة ويعزز قدرتها على الاستمرار في ظروف استثنائية. ومن هنا، يمكن القول إن جانبًا مهمًا من النفوذ الإيراني لم يعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل استند أيضًا إلى تراكم في المعرفة والهندسة والصناعة والطاقة والسعي إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الاستقلال الاستراتيجي.
من سؤال الأنشودة إلى درس التاريخ
ومن هنا، فإن أنشودة «سأل الطفل أباه» لم تعد مجرد نص يستحضر الماضي، بل أصبحت مدخلًا للتأمل في حاضر العالم ومستقبله. فهي تذكرنا بأن السؤال الحقيقي ليس من يربح حربًا أو يخسر جولة، بل كيف تُبنى الأمم التي يصعب إخضاعها، وكيف تُصنع الإرادة التي تجعل الصمود ممكنًا حتى في مواجهة قوى أكبر منها.
وربما يكون أجمل ما في هذه الأنشودة أنها لا تقدم جوابًا نهائيًا، بل تدعو كل جيل إلى البحث بنفسه عن أسباب النهضة وأسباب التراجع. وما بين سؤال الطفل وإجابة الأب تمتد رحلة أمة كاملة تبحث عن مكانها في التاريخ، لتكتشف أن القوة الحقيقية لا تُقاس بالسلاح وحده، بل تُبنى في المدرسة والجامعة والمختبر والمزرعة والمصنع، وتترسخ بالعلم والعمل والإنتاج وحسن إدارة الموارد والقدرة على التعلم من التجارب.
وهكذا، تحولت أنشودة قصيرة إلى سؤال حضاري كبير، وتحول هذا السؤال إلى فرصة لإعادة التفكير في معنى القوة في القرن الحادي والعشرين. فالتاريخ لا يكتبه الأقوى عسكريًا بالضرورة، بل يكتبه في كثير من الأحيان من ينجح في بناء الإنسان، وإطلاق طاقاته، وتحويل المعرفة إلى إنتاج، والأزمات إلى فرص، والتحديات إلى دوافع لمزيد من الاعتماد على الذات.




